.يعتبر المندائيون أنفسهم بأنهم النبي يحيى بن زكريا ويعتقدون أنه آخر الأنبياء
يعتبر المندائيون أنفسهم بأنهم النبي يحيى بن زكريا ويعتقدون أنه آخر الأنبياء.

نجح المسلمون في السيطرة على مساحات واسعة من الشرق الأدنى القديم (أساسا بلاد مصر والعراق والشام) في القرن السابع الهجري. وجد "الفاتحون" المنتصرون أنفسهم وجهًا لوجه مع طوائف وجماعات شتى. كان لكل طائفة مجموعة من المعتقدات التي تختلف إلى حد بعيد مع الأصول العقائدية الإسلامية.

اعترف القرآن ببعض تلك الطوائف، ممهدًا الطريق للمسلمين للتعامل معها بأريحية. كان الصابئة من ضمن تلك الطوائف. في هذا المقال نسلط الضوء على الصابئة المندائيين في العراق. لنرى كيف نظر المسلمون لهم. ولنتعرف على أهم العقائد التي آمنت بها تلك الأقلية الدينية التي تعيش في بلاد الرافدين منذ آلاف السنين.

 

المنظور الإسلامي للصابئة

 

ورد مصطلح الصابئة ثلاث مرات في القرآن. ظهر للمرة الأولى في سورة البقرة: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ". وللمرة الثانية في سورة المائدة: "إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون". أما الظهور الثالث للمصطلح، فوقع في سورة الحج: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ".

وقع المسلمون في حيرة بالغة عند تناولهم لمصطلح الصابئة. لم يفهم المفسرون والفقهاء المعنى المحدد المقصود من المصطلح. ظهر ذلك واضحًا في كتابات العلماء المسلمين عبر القرون. على سبيل المثال، جاء في تفسير ابن جرير الطبري المتوفى 310ه أن "كل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره، تسميه العرب صابئًا... واختلف أهل التأويل فيمن يلزمه هذا الاسم من أهل الملل. فقال بعضهم: يلزم ذلك كل من خرج من دين إلى غير دين. وقالوا: الذين عنى الله بهذا الاسم، قوم لا دين لهم". تماشى هذا التفسير مع العديد من الروايات التاريخية التي تؤكد أن قريش كانت تتهم المسلمين الأوائل بأنهم صبأوا، بمعنى أنهم تركوا دين آبائهم وأجدادهم.

طرح فخر الدين الرازي المتوفى 606ه في تفسيره "مفاتيح الغيب" تفسيرًا مختلفًا للصابئة، فوصفهم بأنهم "قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ، ثُمَّ لَهم قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ خالِقَ العالَمِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ بِتَعْظِيمِ هَذِهِ الكَواكِبِ واتِّخاذِها قِبْلَةً لِلصَّلاةِ والدُّعاءِ والتَّعْظِيمِ. والثّانِي: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ الأفْلاكَ والكَواكِبَ، ثُمَّ إنَّ الكَواكِبَ هي المُدَبِّرَةُ لِما في هَذا العالَمِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ والصِّحَّةِ والمَرَضِ، والخالِقَةُ لَها، فَيَجِبُ عَلى البَشَرِ تَعْظِيمُها لِأنَّها هي الآلِهَةُ المُدَبِّرَةُ لِهَذا العالَمِ ثُمَّ إنَّها تَعْبُدُ اللَّهَ سُبْحانَهُ".

يظهر التشوش الواضح في أفكار علماء الإسلام عن الصابئة فيما ذكره ابن القيم الجوزية المتوفى 751ه في كتابه "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان". يعرض ابن القيم العديد من الآراء المختلفة حول مصطلح الصابئة دون أن يرجح أحدها، فيقول: "الصابئة فرَق، فصابئة حنفاء، وصابئة مشركون، وصابئة فلاسفة، وصابئة يأخذون بمحاسن ما عليه أهل الملل والنحل من غير تقيد بملة ولا نحلة، ثم منهم من يقر بالنبوات جملة ويتوقف في التفصيل، ومنهم من يقر بها جملة وتفصيلاً، ومنهم من ينكرها جملة وتفصيلاً".

هكذا إذن يتبين بشكل واضح أن العلماء المسلمين لم يستطيعوا بشكل دقيق تحديد مفهوم واضح لمصطلح الصابئة، ولم يستطيعوا تمييز الفرقة المقصودة به بالذات.

 

العلاقة بين الصابئة والمندائيين

 

تسبب غياب مفهوم واضح لمصطلح الصابئة في نتائج مهمة، إلى حد بعيد، في التاريخ الإسلامي. تذكر المصادر التاريخية أن العديد من الأقليات والفرق الدينية في الشرق الأدنى أعلنت أنها هي المقصودة به. والسبب في ذلك أن اعتراف القرآن بالصابئة يمهد مبدئيا لقبول التعامل معهم والسماح لهم بالوجود كفرقة كتابية تؤدي الجزية وتمارس شعائرها وطقوسها بقدر من الحرية. وهو حاولت بعض الفرق استغلاله.

يحكي ابن النديم المتوفى 384ه في كتابه "الفهرست" أنه أثناء مرور الجيش العباسي بقيادة الخليفة عبد الله المأمون على مدينة حران الواقعة جنوب تركيا الحالية، خرج أهل المدينة الذين كانوا يعتنقون عبادة الكواكب والنجوم لاستقبال الخليفة. وكانوا يلبسون سترات سوداء، وقد أطالوا شعرهم وجعلوه على هيئة خصل. تعجب المأمون من هيئتهم، وسألهم عن دينهم، وإذا ما كانوا يهودًا أم نصارى؟ وهددهم بالقتل أو النفي إن خرجت إجابتهم عن الديانات الكتابية التي وردت في القرآن، وأمهلهم بعض الوقت للإجابة على هذا السؤال. بعد أيام، أتفق أهل حران على إجابة السؤال. قالوا إنهم من الصابئة، واعتمدوا على الغموض المحيط بهذا المصطلح عند المسلمين.

لكن، بشكل عام، ارتبط اسم الصابئة بطائفة المندائيين الذين سكنوا جنوب العراق منذ قرون. يذكر الباحث عزيز سباهي في كتابه "أصول الصابئة المندائيين ومعتقداتهم الدينية" أن بعض الكتب المندائية تحدثت عن اللقاء الأول بين المسلمين والمندائيين. ذكرت تلك الكتب أنه عند الفتح الإسلامي للعراق. توجه واحد من كبار الزعماء الدينيين للمندائيين، وهو "أنش بر دنقا"، إلى القائد العسكري المسلم. وعرض عليه كتاب جنزا ربا، وشرح له أصول الديانة المندائية. وأخبره أن طائفته هي المذكورة في القرآن تحت اسم الصابئة. تؤكد المصادر المندائية أن القائد المسلم صدق محدثه. فقبل منه الجزية، وسمح للمندائيين بالبقاء في القرى والمدن التي عاشوا فيها من قبل.

من هنا، وقع الارتباط التاريخي بين المصطلح القرآني "الصابئة"، وطائفة المندائيين. وعمل الكثيرون على إيجاد تفسير لتسمية تلك الطائفة بهذا المصطلح. قال البعض إنه من الممكن أن تكون كلمة الصابئة مشتقة من الفعل الأرامي صبا الذي يشير إلى التعميد أو الاغتسال بالماء. يتوافق ذلك الرأي مع ما اشتهر به المندائيون من التزامهم بممارسة طقوس الاغتسال على ضفاف الأنهار.

ويتحدث عزيز سباهي عن مشاركة المندائيين في ازدهار الحضارة الإسلامية في العصر العباسي، فيقول: "لعب الصابئة، رغم كونهم طائفة دينية صغيرة، دورًا ملحوظًا في تطور الحياة الروحية والفكرية في بلاد ما بين النهرين خلال ظهور المسيحية وانتشارها أو بعد ظهور الإسلام، ولا سيما بعد ازدهار الحضارة العربية- الإسلامية أيام العباسيين، ولمعت من بينهم شخصيات علمية أسهمت بقسط وافر في إعلاء شأن الحضارة العربية- الإسلامية".

 

عقائد الصابئة المندائيين

 

يوضح سباهي الاختلاف حول الأصول المبكرة للطائفة المندائية. فيذكر أن هناك رأيين مختلفين في المسألة. يذهب أصحاب الرأي الأول إلى أن المندائيين ظهروا في جنوب العراق، وأنهم تأثروا بالثقافات البابلية والسومرية المحيطة بهم، في حين يذهب أصحاب الرأي الثاني إلى أن المندائيين الأوائل ظهروا في فلسطين. وأنهم اضطروا إلى الهجرة إلى العراق بعد صراعات مع اليهود.

يوضح الريشما -وهي أعلى رتبة دينية عند الصابئة المندائيين- ستار جبار حلو الزهيري، رئيس ديانة الصابئة المندائيين في العراق والعالم، أهم العقائد التي يؤمن بها المندائيون. يقول: المندائيون يعتقدون بأن ديانتهم هي أول الديانات التوحيدية على الإطلاق. ويؤمنون بأدم أبي البشر، الذي كان أول من اصطبغ/ تم تعميده على يد الملائكة في عالم الأنوار. يعتقد المندائيون بمجموعة من الشخصيات المقدسة التي تحظى بمكانة رفيعة. ويُعدّ كل من آدم، وشيث، ونوح، وسام بن نوح، وإدريس/ دنانوخت، أهم هؤلاء الشخصيات. ويعتقد المندائيون بأن يحيى بن زكريا هو آخر الأنبياء.

يقول المندائيون إن يحيى توفي على حافة النهر حيث كان يقوم بطقوس التعميد. ويعارض هذا ما تواتر في المصادر الدينية المسيحية والإسلامية، والتي تذكر أن يحيى قُتل وقُطعت رأسه بأمر من الملك هيرودوت أنتيباس.

يذكر ستار جبار حلو الزهيري أن المندائيين الأوائل اعتمدوا اللغة الآرامية الشرقية لكتابة نصوصهم المقدسة. ويُعد كتاب جنزا ربا -والذي يعني الكنز العظيم- أهم كتبهم المقدسة على الإطلاق. يعرف المندائيون يوم الأحد على كونه اليوم الأقدس في الأسبوع. ويحتفلون بعدد من الأعياد، من أهمها عيد رأس السنة المندائية. ويمكث فيه المندائيون في بيوتهم لمدة ست وثلاثين ساعة متواصلة. وهناك أيضا، وعيد البرونايا أو عيد الخليقة، وعيد الازدهار الذي يحتفلون فيه بذكرى تيبس الأرض وجريان الأنهار وتفتح الزهور، إيذانًا بنزول آدم إلى الأرض. فضلًا عن عيد التعميد الذهبي، الذي يحتفلون فيه بذكرى تعميد آدم وذكرى تعميد يحيى.

توجد خمسة أركان رئيسية في الديانة المندائية. أولها الإيمان بإله واحد خالق لكل شيء. ورد في كتبهم المقدسة "باسم الحي العظيم، هو الملك منذ الأزل، ثابت عرشه، عظيم ملكوته، لا أب له ولا ولد، ولا يشاركه ملكه أحد، مبارك هو في كل زمان، مُسبح هو في كل زمان، موجود منذ القدم، باق إلى الأبد، ما كان لأنه ما كان، ولا يكون لأنه لا يكون، خالد فوق كل الأكوان".

يعرف المندائيون البراخا/ الصلاة بوصفها ثاني أركان الدين. كانت في الأصل تُقام خمس مرات كل يوم، قبل أن يقللها يحيى إلى ثلاث مرات - الصبح، والظهر، والعصر- فحسب. ويسبقها الوضوء والاغتسال. لا توجد في المندائية قبلة أرضية كما هو الحال في الإسلام. يتوجه المندائي عند الصلاة إلى الشمال، وهي الجهة التي يقع فيها العالم العلوي بحسب الاعتقاد المندائي التقليدي.

تأتي الصباغة/ التعميد كثالث الأركان التي يقوم عليها الدين المندائي. يقوم المندائيون بتعميد الطفل في اليوم الثلاثين لولادته. ويعتقدون أنه بعد إتمام عملية الصباغة يُسجل الشخص المندائي في سجلات النور العليا. يؤمن المندائيون أن الملاك جبريل عمد آدم وحواء عند نهر الفرات ونصب لهم الدرفش/ الراية المباركة -وهي شعار المندائية- عند النزول للأرض. يقوم المندائي بالتعميد في أوقات أخرى. فعلى سبيل المثال يتعمد الزوجان قبل الزواج. ويتم التعميد أيضًا قبل أن يموت الشخص، ومن المحرم أن يلمس الماء جثمان الميت.

الصدقة هي الركن الرابع في الدين المندائي، وتُعطى للفقراء والمحتاجين. أما الصوم فهو الركن الخامس، وينقسم لنوعين. النوع الأول وهو الصوم الكبير الذي يعني عدم الإتيان بأي شيء حرام مثل الشرك بالله والزنا والكذب. والنوع الثاني وهو الصوم الصغير ويتمثل في الامتناع عن تناول اللحوم وإقامة مراسم الزواج لثلاثة وثلاثين يومًا موزعين على مدار السنة.

هاجر الآلاف من الصابئة المندائيين العراق بعد اجتياح تنظيم داعش لمناطق واسعة في البلاد عام 2014م، حيث تم استهداف المندائيين من قِبل عناصر التنظيم وتكفيرهم. يعيش من بقي من المندائيين الآن في مدن بغداد، وميسان، والناصرية، والديوانية. يوضح الريشما ستار جبار حلو الزهيري أن عددهم قليل لكون الديانة المندائية ديانة غير تبشيرية. ويشتكون من غيابهم عن أي منصب مهم في الدولة العراقية. الأمر الذي يتسبب في شعورهم بالاضطهاد الديني في الكثير من الأوقات.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

عراقية أيزيدية في معبد لالش الخاص بأتباع الديانة الأيزيدية في العراق- تعبيرية
عراقية أيزيدية في معبد لالش الخاص بأتباع الديانة الأيزيدية في العراق- تعبيرية

في صيف 2014 وبينما أنظار العالم متجهة إلى الموصل ثاني أكبر مدن العراق التي سقطت لتوها في قبضة تنظيم داعش، كان الأخير يُحضر لاجتياح سهل نينوى واقتراف أسوأ إبادة جماعية في سجله الدموي الحافل. 

مرت عشر سنوات كاملة على الإبادة الجماعية التي تعرض لها الأيزيديون في العراق، ولا تزال جرحا مفتوحا، تنكأه عدالة متعثرة، وجُناة طليقون، وضحايا في الشتات والمخيمات.

الاعتراف بالإبادة

في الثالث من أغسطس 2014، تقدمت مفارز داعش إلى قرى الطائفة الأيزيدية في سنجار، أعدمت الرجال والشيوخ والعجائز، واقتادت النساء والأطفال والفتيات إلى معاقل التنظيم في العراق وسوريا لتوزيعهن وبيعهن كسبايا في أسواقه. 

قُتل واختطف 12000 أيزيدي، واستعبدت جنسيا 7000 امرأة وفتاة، وهرب 250000 شخصا إلى جبل سنجار؛ الملاذ التاريخي للطائفة.

التحدي الأول الذي واجهه المجتمع الأيزيدي هو إقناع العالم بأن ما جرى كان "إبادة جماعية" مكتملة الأركان. كان ذلك بمثابة المحطة الأولى لقطار العدالة. لقد احتاج الأمر إلى جهد كبير من المنظمات الدولية، ونشطاء المجتمع الأيزيدي، والناجين من المجزرة، رغم فداحة الجريمة، وتضافر آلاف الشهادات التي روت تفاصيلها المريرة، واعتراف التنظيم بنفسه بأن القضاء المبرم على الطائفة باعتبارها "طائفة شركية" هو هدفه الأول.

في فبراير 2016 اعترف البرلمان الأوروبي بأن ما حدث للمسيحيين والأيزيديين في العراق كان إبادة جماعية، وبعد شهر أقرت الولايات المتحدة من جانبها بأن ما وقع للطوائف الدينية في المناطق التي سيطر عليها داعش نوع من أعمال الإبادة.

 ثم توالت قرارات الاعتراف من مختلف دول العالم، وكانت المملكة المتحدة وألمانيا آخر الملتحقين بركب المعترفين بجريمة الإبادة.

حينذاك، وكتبت نادية مراد الناجية الأيزيدية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام "تنضم ألمانيا إلى القائمة المتنامية التي تضم أكثر من 18 حكومة وهيئة دولية اعترفت رسمياً بالإبادة الجماعية للأيزيديين. اليوم، الناجون تُسمع أصواتهم".

اللافت أن العراق الذي وقعت الجريمة على أرضه، وعلى عاتقه تقع مسؤولية حماية الطائفة، تردد 7 سنوات قبل أن يصف ما حدث بجريمة إبادة جماعية. وحتى عندما قرر الاعتراف بها فعل ذلك في السطور الأخيرة من قانون الناجيات الأيزيديات الصادر في مارس 2021. 

شبكة الناجيات الأيزيديات احتفت بالخطوة واعتبرتها "بداية لتحقيق العدالة للناجين من جرائم وعنف داعش في العراق".

FILE - In this July 4, 2017, file photo, fleeing Iraqi civilians walk past the heavily damaged al-Nuri mosque as Iraqi forces…
العراق و5 قضايا عالقة منذ تحرير الموصل
لا تقتصر تركة التنظيم الإرهابي داخل العراق، على العبوات الناسفة والذخائر، بل تتجاوز ذلك إلى ملفات عالقة كثيرة، بينها ملف إعادة الإعمار وعودة النازحين وإنهاء محاكمة مقاتلي التنظيم، وحلّ معضلة مخيم "الهول" الذي يضم عائلات وأبناء وزوجات "داعش"، من دون أن ننسى خطر الخلايا النائمة للتنظيم التي لا تزال تشكّل تهديداً لأمن العراق والأمن العالمي.

المحاكمات

المحطة الثانية لقطار العدالة كانت ملاحقة الجناة أمام المحاكم المحلية والدولية، ومحاسبتهم بموجب قوانين "جرائم الحرب" و"الجرائم ضد الإنسانية" و"الإبادة الجماعية". تحد آخر تواصلت الجهود لتحقيقه رغم الطبيعة المعقدة والشائكة للقضايا.

فالمتهم هو تنظيم إرهابي، والجناة ينحدرون من 80 دولة، والمنطقة التي وقعت فيها الجريمة تواجه فيها الولاية القضائية العالمية عراقيل كبيرة. ورغم ذلك وقف أخيرا عدد من أعضاء داعش أمام المحاكم العالمية، وتمت إدانتهم بتهم ارتكاب أو المشاركة والتحريض على ارتكاب إبادة جماعية.

كانت ألمانيا أول دولة في العالم تحاكم أفرادا من داعش بتهمة ارتكاب جرائم الحرب ضد الأيزيديين. ففي 2021 حُكم على  جنيفر وينيش بالسجن لمدة 10 سنوات وشدد لاحقا ليصل إلى 14 سنة، بعدما أدينت بارتكاب تهم عدة من بينها جريمة ضد الإنسانية أدّت إلى وفاة شخص والانتماء إلى منظمة إرهابية.

في العام نفسه قضت محكمة فرانكفورت أن طه الجميلي زوج جينيفر "مذنب بتهم الإبادة وجرائم ضد الإنسانية التي أفضت إلى الوفاة، وجرائم حرب ومساعدة وتحريض على جرائم الحرب وإيذاء جسدي أدى إلى الوفاة"، وحكمت عليه بالسجن المؤبد وأمرته بدفع 50 ألف يورو لوالدة الفتاة الأيزيدية الصغيرة التي ربطها تحت الشمس بنافذة بيته حتى فارقت الحياة، لأنها بللت الفراش.

كان على المدعين العامين بمساعدة من الشهود والمنظمات الأيزيدية، وفريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق (يونيتاد)، قبل تحقيق هذا المنجز التاريخي إثبات حقيقتين وتعزيزهما بالأدلة الكافية أمام القضاة، الأولى، إثبات وقوع جناية قتل الطفلة، والثانية إثبات أن الجناية وقعت استنادا إلى أيديولوجية داعش التي ترى وجوب تدمير الطائفة الأيزيدية. وإلا اعتُبرت الحادثة جنائية خالصة أو حتى إرهابية، كغيرها من الحوادث الإرهابية.  

المحاكم الألمانية أدانت بعدها خمسة عناصر آخرين من داعش بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ولهجماتهم ضد المجتمع الأيزيدي.

كانت هولندا ثاني دولة في العالم تحاكم أعضاء في داعش لضلوعهم في أعمال الإبادة ضد الأيزيديين. في فبراير 2023 بدأت محاكمة امرأة تدعى "حسناء عرب" لمشاركتها المحتملة في جرائم ضد الإنسانية من بينها استعباد امرأة أيزيدية في سوريا 2015.

مرت 10 سنوات على الإبادة ولم يقف سوى بضعة أفراد أمام المحاكم العالمية لمحاسبتهم على اقترافها، وقد علقت منظمة "يزدا" الأيزيدية على هذه المسألة قائلة "هناك الآلاف من أعضاء داعش الذين ارتكبوا هذه الجرائم والآلاف من الضحايا، وهناك دولتان بمبادرتهما الخاصة تحاولان دفع عملية العدالة إلى الأمام من خلال عدد قليل من القضايا، وهذا ليس كافياً".

مطالبات عديدة بتعويض الناجين الأيزيديين الذين تعرضوا لجرائم وحشية ارتكبها داعش
"إبادة جماعية" بحق الأيزيديين.. ماذا يعني الاعتراف البريطاني؟
يسلط الاعتراف البريطاني بأن ما حدث للأيزيديين في العراق على أيدي مقاتلي تنظيم "داعش" هو بمثابة جريمة "إبادة جماعية" الضوء على الجهود التي بذلت بشأن هذا الملف منذ اجتياح التنظيم لأراض واسعة في العراق وسوريا في عام 2014 وارتكابه أعمالا وحشية

تشريعات خاصة

بسبب بطء مسار العدالة هذا، وطبيعة الجريمة التي خلفت آلاف الضحايا، وشارك في ارتكابها آلاف الجناة الذين ينحدرون من عشرات الدول، ناشدت المنظمات الدولية ونشطاء المجتمع الأيزيدي وهيئات أممية، لإنشاء محاكم ووضع تشريعات خاصة لمحاكمة الضالعين في جريمة الإبادة الجماعية التي تعرض لها الأيزيديون.

يبذل العراق جهودا كبيرة من أجل جبر ضرر الضحايا ومحاسبة الجناة. فقد فتح عددا من المقابر الجماعية التي تحوي رفات الضحايا، وأقر قانون الناجيات، الذي يعترف بالإبادة، ويخلد ذكراها، وينص على تقصّي مصير المختطفين، وتعويض الناجيات، ويجرد المتواطئين من أي نوع من أنواع العفو.

كما استحدث المديرية العامة لشؤون الناجيات الأيزيديات، وحاكَم العشرات من عناصر وقادة داعش المتورطين في المذبحة والاستعباد الجنسي، كانت زوجة "أبو بكر البغدادي" آخرهم، حيث صدر بحقها حكم بالإعدام.

في الوقت نفسه، تعتقد منظمات أيزيدية أن ما فعله العراق لغاية الآن غير كاف، فهو مطالب بأكثر من ذلك لتحقيق العدالة.

اعترفت "منظمة يزدا" بريادة قانون الناجيات الذي أقره البرلمان العراقي، لكنها ترى أيضاً أن "نظام العدالة العراقي بدائي ومعيب"، مضيفةً في تصريحات سابقة أن "قوانين مكافحة الإرهاب العراقية تسمح للسلطات بالقبض على عناصر داعش ومحاسبتهم، لكن الجرائم التي تتجاوز العضوية والانتماء لم تتم محاكمتها".

بناء على ذلك، حثت المنظمة المجتمع المدني الأيزيدي والأمم المتحدة البرلمان العراقي، على إصدار تشريع يجرم الجرائم الدولية الأساسية بما في ذلك الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

تنتهي الإدانات في المحاكم العراقية غالبا بالإعدام، لكن الأيزيديين يبحثون عن العدالة وليس الانتقام. لذلك رحبت كل المنظمات الأيزيديات بالإدانات التي حصلت في ألمانيا التي انتهت بالسجن 14 سنة، والسجن المؤبد، وتحفظت على أحكام الإعدام التي صدرت في العراق.

في هذا السياق، وعد الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد بالعمل على تشريع قانون إنشاء محكمة مختصة لمحاكمة مجرمي داعش. 

وأكد رئيس "يونيتاد" كريستيان ريتشر، التزام فريقه بدعم العملية التي يقودها العراق "لاعتماد إطار قانوني يمكن من المحاسبة على جرائم تنظيم داعش كجرائم دولية أمام المحاكم الوطنية في العراق" كي يتم التعامل مع وحشية الهجمات التي ارتكبها داعش كجرائم دولية بدلا من المحاسبة على أساس الانتماء إلى منظمة إرهابية فقط.

Al Hassan Ag Abdoul Aziz Ag Mohamed Ag Mahmoud waits for judges to enter the courtroom of the International Criminal Court in The Hague
ما الذي يعيق محاكمة المتهمين بالإرهاب في "الجنائية الدولية"؟
بالأمس، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية حُكماً بالإدانة ضد الحسن آغ عبد العزيز القيادي البارز في "الشرطة الإسلامية"، وهي قوة أمن داخلي أسستها جماعة "أنصار الدين" التي نجحت بالتعاون مع "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" في السيطرة على تمبكتو عاصمة مالي.

الجناة

يصعب على وجه اليقين تحديد كل المتورطين في جرائم الإبادة والاستعباد الجنسي الذي تعرض له المجتمع الأيزيدي، بسبب الطابع السري للتنظيم، واعتماده على الكنى والألقاب في تحركاته. 

وقد حدد "يونيتاد" 1444 من الجناة المحتملين بينهم 469 شخصاً شاركوا في الهجوم على سنجار، و120 شخصا شاركوا في الهجوم على قرية كوجو.

وكان الفريق صرّح قبل خمس سنوات أنه نجح في تحديد هوية 160 عنصرا في داعش شاركوا في المجزرة، وأنه بصدد بناء قضايا لكل واحد منهم على أمل تقديمهم أمام المحاكم.

المحاكم العراقية أدانت عدداً من أعضاء وقادة داعش المشاركين في مذبحة سنجار مثل القيادي الملقب بـ"المهاجر" الذي حكم عليه بالإعدام لقيامه بنحر عدد من المدنيين في سنجار. 

وفي مارس 2019 حكمت محكمة عراقية بالإعدام على عضو في داعش شارك في اقتحام قرية "كوجو" واقتياد الأهالي إلى مدرسة القرية حيث تم سبي الفتيات والنساء وإعدام الرجال.

 وأصدرت محكمة أخرى حكما بالإعدام في يونيو من العام ذاته بحق عضو آخر شارك في إعدام المدنيين في سنجار. 

وفي أكتوبر 2019 أصدرت محكمة حكمً بإعدام القيادي "أبو سراقة" الذي قاد مجموعة مسلحة واقتحم سنجار وشارك في أعمال القتل والاختطاف هناك.

كما قضت محكمة أخرى بإعدام "أبو همام الشرعي"، أحد قادة داعش المتورطين في جرائم الاستعباد الجنسي، وواجه في المحكمة الشابة الأيزيدية أشواق، التي اغتصبها واستعبدها جنسيا. 

أما أحدث الأحكام، فكانت بحق زوجة "أبو بكر البغدادي"، حيث أصدرت محكمة جنايات الكرخ حُكماً بالإعدام عليها، لمشاركتها في احتجاز الفتيات الأيزيديات في منزلها.