شيعة مصر.. "مغضوبٌ عليهم" في كل الأنظمة الحاكمة
في تقريرها عن الحرية الدينية في مصر عام 2020، قدرت الحكومة الأميركية نسبة شيعة مصر بـ 1%، أي ما يفوق المليون بقليل.

على عكس ما هو شائع، لم يظهر الشيعة، على الأقل بالمعنى السياسي، في مصر خلال عهد الدولة الفاطمية وإنما قبل ذلك بكثير. تحديدًا سنة 35هـ/656م حين تزعّم وفدً مصريّ تمردًا سعَى للإطاحة بالخليفة عثمان بن عفان. اتّخذت بعض مراحل تلك الحركة التمردية صبغة شيعية أوليّة بعدما دعت الخليفة عثمان للتخلّي عن الخلافة لصالح علي بن أبي طالب، وهو الطلب الذي رفضه الخليفة الثالث بطبيعة الحال.

في هذا الزمن لم يكن مصطلح "شيعة" اتخذ شكله الحالي، وإنما كان يُعبّر عن طائفةٍ من الناس تتخذ قناعات سياسية تتمثّل في وجوب دعم علي بن أبي طالب في تولّي الحُكم بعد الرسول، وهي القناعة التي سيتراكم عليها ميراث فقهي هائل وأحداث سياسية جِسام خلقت في الأخير ما نعرفه اليوم بـ"الشيعة".

بعد مقتل عثمان وتنصيب علي خليفة، وبينما رفضت الشام بقيادة واليها معاوية الدخول في طاعة الخليفة الجديد، انقسمت مصر إلى قسمين؛ شيعة علي وشيعة عثمان وبلغ بينهما الخلاف حدّ التقاتل مرة تلو الأخرى، وعاشت البلاد فترة من الاضطراب مثل سائر الدولة الإسلامية. فتغيّر عليها 3 ولاة مُعيّنين من قِبَل علي، آخرهم محمد بن أبي بكر الذي قتله جيش عمرو بن العاص لعيد البلاد إلى الحظيرة الأموية. وهو الحُكم الذي استقرّ في بلاد النيل عقب مقتل علي وتنازل ابنه الحسن عن الخلافة لمعاوية عام 40هـ/660م.

وفي أواخر أيام الدولة الأموية، ظلّت مصر هدفًا أساسيًا لشيعة آل البيت من طائفتي العلويين والعباسيين الذين لم يكفّوا عن إرسال دعاتهم إليها لتأليب أهلها على الأمويين وحضّهم على تنصيب آل البيت حُكامًا.

 

مصر ملجأً للشيعة من العباسيين

 

عقب قيام الدولة العباسية، وانقلاب أحفاد العباس على أحفاد علي، وتمسّك العلويين بما اعتبروه حقّهم الإلهي في الحُكم عبر السعي لتدبير الثورات الواحدة تلو الأخرى، وخلال ثورة محمد النفس الزكية حفيد الحسن بن علي ضد العباسيين، أوفد أخاه علي بن محمد إلى مصر لنشر الدعوة، وهي المهمة التي حقّق فيها نجاحًا كبيرًا ولاقت دعوته بين أهل مصر رواجًا. على إثر ذلك، منع الوالي العباسي المصريين من الحج خوفًا من دعمهم لثورة حفيد علي التي اشتعلت في المدينة، ولم يُسمح لهم بالحج إلا عقب وأد التمرد ومقتل محمد النفس الزكية.

وبعدما تعرّض العلويون لهزائم متتالية ومذابح على أيدي خصومهم العباسيين، هرب عددٌ منهم من الجزيرة العربية إلى مصر، أبرزهم إدريس -شقيق محمد النفس الزكية- الذي سافر إلى مصر وتستّر فيها حينًا ثم وفد على المغرب وأسّس فيها دولة الأدارسة الشهيرة.

أيضًا، لجأت السيدة نفيسة بنت الحسن مع زوجها إسحق بن جعفر الصادق إلى مصر، وعاشت فيها حتى ماتت ولا يزال قبرها من أشهر المزارات الدينية في القاهرة.

وبسبب ابتعاد مصر النسبي عن بغداد مركز الخلاف العباسية، عاش الشيعة (أُطلق عليهم حينها العلويون أو الطالبيون) في مصر بأمان لم يخلُ من لحظات تشدّدت فيها الدولة بحقهم، مثلما جرى في عهد الخليفة المتوكل العباسي الذي أمر عامله على مصر بإخراج الشيعة منها فطردهم (من مختلف مناطق مصر) إلى الفسطاط (عاصمة مصر الإسلامية) ثم إلى العراق ومنها إلى المدينة عام 236هـ/850م.

وكذلك في عهد الخليفة المنتصر العباسي الذي أمر واليه في مصر بـ"ألا يسمح لعلوي بركوب فرس، ولا امتلاك أكثر من عبد، وأنه إذا اختصم إليه أحد الطالبيين وفردٌ من عوام الناس يُرفض قول الطالبي ويُقبل قول خصمه دون أن يُطالَب ببينة"!.

يقول أحمد شوقي أستاذ التاريخ الإسلامي في بحثه "الشيعة في مصر حتى قيام الدولة العباسية": "على الرغم مما تعرّض له العلويون في مصر من أذى وامتهان، إلا أن اضطراب أحوال الخلافة العباسية منذ منتصف القرن الثالث للهجرة (التاسع ميلاديًا)، أدّى إلى خلل الأحوال في الأقاليم، الأمر الذي أتاح الفرصة للعلويين في مصر لرفع رؤوسهم ضد الخلافة العباسية".

ورغم كل هذه الجهود، فإن الشيعة أو الموالين لحُكم آل علي لم يُصبحوا أغلبية في مصر أبدًا، ولم يتمكّنوا من نشر مذهبهم الشيعي بين المصريين، وهو الوضع الذي سيتغيّر قليلاً مع قيام الدولة الفاطمية بمصر.

 

في العهد الفاطمي.. دولة للشيعة أخيرًا

 

في عام 358هـ/969م، دخل القائد العسكري الفاطمي جوهر الصقلي الفاطمي مصر معلنًا إنهاء الدولة الإخشيدية وإقامة الدولة الفاطمية الشيعية، التي باتت خلافة إسلامية ثانية تُضارع خلافة بغداد بعدما انتقل المعز لدين الله من أفريقية إلى مصر عام 362هـ\973م.

حين وفد الفاطميون على مصر كانت ذات أغلبية سُنية، وهو الأمر الذي لم يُشكل مشكلة كبرى للحكام أصحاب المذهب الإسماعيلي، بعدما عرفت دولتهم تسامحًا -في أغلب الأحوال- مع المذاهب السُنية، وإن دشّنوا برامج دعوية ضخمة لنشر التشيع بين صفوف الناس، وهو الهدف الذي لم يتحقق أبدًا رغم طول عُمر دولتهم التي استمرّت قرابة قرنين من الزمان.

وفي نهاية الأمر، زالت الدولة الفاطمية دون أن تحوِّل المصريين إلى شيعة. لكنها أكسبت تدينهم هوى شيعيًا ملحوظًا تمثّل في التعلّق بأضرحة آل البيت والمبالغة في الاحتفال بالمناسبات الدينية في شهر رمضان (ليس الجانب التعبدي) ومولد النبي ورأس السنة الهجرية، وهي أمور لا تزال بعض طوائف أهل السنة تحرّمها حتى الآن.

 

كيف يعيش شيعة مصر الآن؟

 

في غياب الأرقام الرسمية يصعب تحديد أعداد الشيعة في مصر، وهو ما يجعلنا نكتفي بالأعداد -غير الموثقة- التي تصدر عن قيادات شيعية مصرية. في سبتمبر 2012م صرّح القيادي الشيعي بهاء أنور بأن عدد الشيعة في مصر يبلغ 3 ملايين فرد، بينما اكتفى محمد الدريني الأمين العام للمجلس الأعلى لآل البيت بأنهم مليون فردٍ فقط، فيما قدّر تقرير حقوقي صادر عن الحكومة الأميركية عام 2006م أعدادهم بأنها في حدود 1% من السكان، أي مل يقرب من 760 ألف مواطن.

وفي تقريرها الصادر العام الماضي عن الحرية الدينية في مصر عام 2020م، حافظت الحكومة الأميركية على نسبة الـ1% كعددٍ محتمل لشيعة مصر (عدد السكان في ذلك العام بلغ 102.3 مليون نسمة)، ما يعني أن حجم شيعة مصر فاق المليون بقليل.

ورغم التباين الملحوظ في هذه الأرقام إلا أنها تُعطينا مؤشرًا على أن شيعة مصر يُشكلون حيزًا معقولاً من المجتمع المصري، وهو ما لا ينسجم مع حجم التهميش الذي تتعرّض له الطائفة المحرومة من التمثيل السياسي والاجتماعي وحتى الديني.

من أشهر محاولات شيعة مصر تدشين "كيان اجتماعي" هي تأسيس "جمعية آل البيت" عام 1973، في ظل حُكم الشاه صديق السادات، لكن أوقِف نشاطها عام 1981 بعد وقوع الثورة الإيرانية.

يقول الباحث أحمد زغلول شلاطة، في دراسته "الانتشار في بيئة مُعاكسة: مقاربة ميدانية لواقع الشيعة في مصر"، إن فكرة إنشاء كيان شيعي موحّد تكاد تكون غير موجودة في عقول شيعة مصر. فنشاطهم كله ينزع إلى الفردية يتّضح من خلاله اختلاف أصحابه في كيفية تشكيل تنظيم يُجمّع ويحرّك شيعة مصر. ولم تتم في السنوات الفائتة أي محاولة جادة في هذا الصدد إلا مرتين؛ الأولى عام 1989م والثانية 1996م. وفي كلا الحالتين ضبطت أجهزة الأمن المصرية أصحابها وسُجنوا لعدة أشهر بتهم تتعلّق بتكوين تنظيم سرّي يهدف إلى الإضرار بمصالح الدولة العليا.

ومن أشهر المحاولات التي حاول فيها شيعة مصر تدشين "كيان اجتماعي" لهم هي تأسيس "جمعية آل البيت" عام 1973م –في ظل حُكم الشاه صديق السادات- وأوقِف نشاطها عام 1981م لدواعٍ أمنية بعد وقوع الثورة الإيرانية وتدهور علاقة مصر بنظام الخميني. بعدها تأسست أول دار نشر شيعية في مصر، هي دار "البداية" عام 1986م إلا أن مطبوعاتها تسبّبت في صدامات مع الأمن والسلفيين فجرى إغلاقها أيضًا.

عقب ثورة يناير انفتحت أبواب الحرية على مصراعيها أمام الجميع، وسمحت السُلطات المصرية للشيعة بتشكيل جمعيات أهلية بلغ عددها 27 جمعية حملت كلها أسماء علوية قحة، مثل: الزهراء، الثقلين، أحباب العترة المحمدية...إلخ. لعبت هذه الجمعيات دورًا في المطالبة بالاعتراف بالمذهب الشيعي كمذهب رسمي يتم التعبُّد به في مصر، والسماح بإقامة "حسينيات"، ومساجد خاصة بالشيعة.

عقب الثورة أيضًا، أعلن عدد من رموز الشيعة نيتهم تشكيل كيانات سياسية. فأعلن الناشط الشيعي محمد الدريني تأسيس "حزب الغدير"، وهو الحلم الذي يسعى الدريني لتحقيقه منذ عام 2005م، كما أعلن المفكر الشيعي أحمد راسم النفيس تأسيس "حزب التحرير"، إلا أن جميع هذه التجارب لم ترَ النور حتى الآن.

لكن كل هذه الجهود بقيت هامشية في ظِل حالة الاستقطاب التي نجح السلفيون في جرِّ الهوى الديني المصري إليها تجاه كل ما هو شيعي؛ فالأزهر يتبنّى موقفًا متصلبًّا يتلخّص في اعتباره أن أي تواجد شيعي في مصر هو "اختراق إيراني" مُهدِّد للأمن القومي للبلاد.

داومت وسائل إعلامية مصرية على تصوير الشيعة أنهم "عملاء لإيران"، وهي وجهة نظر ليست غريبة عن عقيدة الدولة المصرية والتي عبّر عنها الرئيس مبارك يومًا بقوله "إن شيعة العراق ولاءهم لإيران أكبر من بلدهم".

أحد تجليات ذلك الفكر تمثّلت في ديسمبر 2015م حين نظّم الأزهر مسابقة رسمية لبحث "أسباب نشر التشيع في المجتمع السُني"، وهي الخطوة التي أثارت انتقادًا علنيًا من مراجع دينية كبرى في إيران.

وهنا، تتجلّى حجم المفارقة التاريخية التي تعيشها مصر؛ فالأزهر مسجد أنشأه الفاطميون لنشر الفِكر الشيعي بين المصريين، لكنه عقب زوال دولتهم أصبح أكبر مؤسسة دينية سُنية في العالم، وسببا رئيسيا في إيقاف المدّ الشيعي بمصر طيلة السنوات الفائتة.

وبعيدًا عن الأزهر ظلَّ هاجس "الاختراق الإيراني" لمصر عبر التشيُّع يؤرق مضاجع الكثيرين. ففي 2018م أثار الإعلامي المصري مصطفى بكري عاصفةً من الجدل بعدما أكّد في برنامجٍ تليفزيوني أن شخصًا ما صدح بالأذان الشيعي في مسجد الحسين، وهي الخطوة التي وصفها بأنها "اختراق إيراني للبلاد"، ما دفع الحكومة المصرية لإصدار بيان تنفي فيه الواقعة وتؤكد أن "جميع مساجد مصر سُنية"!.

على هامش تلك الواقعة تبارَت قيادات وزارة الأوقاف المصرية في التأكيد على عدم تسامحها أبدًا مع قيام الشيعة بأي صلاة داخل أي مسجد، مثلما صرّح سامح عبد الحميد القيادي السابق في حزب النور بأن السلفيين ينسّقون مع الأمن لرصد أي "صلاة شيعية" في أي مسجد، حيث يُقبض عليهم وتُحرّر بحقّهم محاضر في قسم الشُرطة.

وبخلاف تصريحات بكري داومت وسائل إعلامية مصرية على تصوير الشيعة في مصر أنهم "عملاء لإيران"، وهي وجهة نظر ليست غريبة عن عقيدة الدولة المصرية والتي عبّر عنها الرئيس مبارك يومًا بقوله "إن شيعة العراق ولاءهم لإيران أكبر من بلدهم".

تفاخُر السلفيين بمنعهم المتكرر لأي شيعي بالصلاة داخل المساجد تجلّت معالمه في تقرير للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية التي قالت إنها رصدت قرابة 70 واقعة انتهاك تعرّض لها المسلمون الشيعة في مصر من 25 يناير 2011م وحتى مايو 2016م.

ومن أشهر تلك الوقائع، المؤتمر الرسمي الذي نظمته الدولة المصرية بِاسم التضامن مع سوريا عام 2013م، حيث أهان شيوخ السلفية الشيعة مرارًا وتكرارًا في حضرة رئيس الجمهورية -حينها- محمد مرسي، الذي لم يعترض على تلك الأوصاف طيلة الحدث.

صرّح سامح عبد الحميد القيادي السابق في حزب النور بأن السلفيين ينسّقون مع الأمن لرصد أي "صلاة شيعية" في أي مسجد، حيث يُقبض عليهم وتُحرّر بحقّهم محاضر في قسم الشُرطة.

الموقف الحكومي المصري المعارِض للتشيُّع لم يقتصر فقط على الحرمان من الصلاة أو حتى الإهانات الإعلامية المستمرة، وإنما امتدَّ إلى ما هو أكثر، مثلما جرى في يناير 2012م حين أوقفت وزارة التعليم مدرسًا عن عمله بسبب "معتقده الشيعي" الذي يتضمّن سب الصحابة وأمهات المؤمنين.

وبدايةً من عام 2012م أعلنت الحكومة المصرية رفض السماح للشيعة بتنظيم احتفالات عاشوراء (ذكرى مقتل الإمام الحسين في كربلاء) في مسجد الحسين الكائن بالقاهرة، في خطوة فسّرتها بأن "الطقوس الدينية الشيعية لا أساس لها في الإسلام"، وتكررت محاولات نشطاء شيعة لتدشين احتفالات في عاشوراء خارج المسجد، لكن كان يجري اعتقالهم على الفور.

هذا الحظر المستمر حتى الآن، هو الذي يدفع الدولة لإغلاق المرقد الحسيني بالكامل يوم عاشوراء لوأد أي محاولة شيعية لدخوله في مهدها، والمبرر الدائم لهذه الخطوة هو "القيام بأعمال صيانة".

كما امتدَّ الحظر الشيعي في بعض الأحيان إلى الملاحقات القضائية بناءً على الهوية الدينية، مثلما جرى في مايو 2015م حين ألقي القبض على الزعيم الشيعي الطاهر الهاشمي إثر اتهامه بـ"نشر المذهب الشيعي وتكدير الأمن العام".

أيضًا، منذ قرابة عامين قضت محكمة مصرية بإغلاق كافة المواقع والقنوات التليفزيونية الشيعية في مصر بدعوى "نشرها الفكر المتطرف".

هذا الاستقطاب الطائفي المستمر بحقّ الشيعة لم يحرمهم فقط من حق العبادة واعتناق المذهب الديني الذي يشاؤون وإنما أثمر عن وقوع حوادث مؤسفة اقتحم فيها مجموعات من السُكان بيوتا تستضيف تجمعات شيعية وقتلوا كل مَن فيها، آخرها اقتحام منزل الشيخ حسن شحاتة عام 2013 وقتله مع 3 من أتباعه، وهي الخطوة التي أعربت قيادات سلفية عن سعادتها بوقوعها حينها.

وبحسب تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش، فإن مسجدًا سلفيًا في ذات القرية دأب على تشغيل فيديوهات "مثيرة للكراهية" ضد القيادات الشيعية التي جرى اقتحام منازلها وقتلها سحلاً في الشوارع، ما اعتُبر ذروة القمع الذي تعرض له الشيعة في مصر منذ عقود طويلة.

 

مصادر إضافية

  • "الشيعة في مصر.. خرائط التواجد وموقف الدولة"، عزة هاشم (بحث).
  • "الشيعة في مصر حتى قيام الدولة العباسية"، أحمد شوقي إبراهيم (بحث).
  • "أثر الاتجاه الثقافي بين الشيعة وأهل السنة على النواحي الدينية والاجتماعية في مصر"، مراد خليفة المختار (بحث).
  • "الانتشار في بيئة معاكسة: مقاربة ميدانية لواقع الشيعة في مصر"، أحمد زغلول شلاطة (بحث).
  • "الشيعة في مصر، جاسم عثمان مرغي" (كتاب).
  • "الشيعة في مصر من الإمام علي حتى الإمام الخميني"، صالح الورداني (كتاب).

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يتراوح عدد الأكراد وفقاً لعديد المصادر بين 25 و35 مليون نسمة.
رسمت اتفاقيات عديدة تاريخ الأكراد الحديث وساهمت في تحديد مستقبلهم- تعبيرية

منذ عقود سبّبت "المسألة الكردية" صداعاً كبيراً في رؤوس الكثير من حكام بلاد الشرق الأوسط بسبب تعقد حلّها، ورفض كثيرين منهم حقّ الشعب الكردي في تقرير مصيره، في ظل إصرار الأكراد على إقامة دولةٍ مستقلة، تكون وطناً قومياً لهم. وهو مطلب ظلّ يواجه برفض من معظم الدول التي تتقاطع مع "المسألة الكردية".

بين التعهد بإيجاد وطن قومي لهم وبين تعاون دول عدة، رغم تناقضاتها، لمنع الأكراد من إقامة هذا الوطن مهما كان الثمن، تعددت الاتفاقيات الدولية التي أبرمتها الدول المعنية بـ"المسألة الكردية"، ورسمت هذه الاتفاقات جزءاً كبيراً من تاريخ الأكراد، الذي لعب دوراً أساسياً في تشكيل الحاضر الذي يعيشونه في هذه الأيام.

 

سيفر (أغسطس 1920)

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى كانت الفرصة تبدو مؤاتية تماماً لإعادة تشكيل العالم من جديد وفق هوى القوى المنتصرة التي وقّعت مع أنقرة اتفاقية هدنة "مودروس" في أكتوبر 1918 التي أخضعت مساحات كبيرة من الأراضي التركية لسيطرة بريطانيا وفرنسا وإيطاليا كما سُمح لليونان باحتلال إزمير وضواحيها.

تضمّنت بنود الاتفاقية السماح بتأسيس دولة أرمينية في أرضروم وأردهان وإقامة منطقة حُكم ذاتي للأكراد في تركيا في مناطق شرق الفرات جنوب الدولة الأرمينية الموعودة.

بحسب بحث "الدبلوماسية الكمالية ودورها في إلغاء معاهدة سيفر" لهزبر شالوخ، أحدثت هذه المعاهدة دوياً كبيراً في تركيا بعدما اعتُبرت بنودها إهانة للشعب التركي فاندلعت حركة معارضة عسكرية بقيادة مصطفى أتاتورك الذي خاض اشتباكات عسكرية مع القوى الأوروبية انتهت بإقرار اتفاقيات ثنائية أسقطت معاهدة سيفر، وأفسحت المجال لكتابة اتفاقية أخرى أكثر قبولاً للأتراك.

 

لوزان (يوليو 1923)

في 1932 أعادت تركيا التفاوض مع بريطانيا وفرنسا واجتمعتا في لوزان بسويسرا حتى تم التوصل إلى اتفاقية اعتنت بتنظيم الأوضاع في الأناضول خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وتعتبر هذه الاتفاقية بمثابة وثيقة تأسيسية للجمهورية الجديدة.

خلال هذا الاتفاق تنازلت تركيا عن "السيادة العثمانية" على مصر والسودان وتعهدت باحترام حقوق الأقليات في منطقة الأناضول مع إسقاط أحقية أيٍّ منهم في الاستقلال وإقامة دولة منفصلة عنها.

وفقاً لما ذكرته شيماء صبحي في دراستها "التحدي الكردي للعراق"، فإن هذه المعاهدة قضت على طموحات الأكراد بإقامة دولة بعدما ألغت نصوص معاهدة سيفر، وبسببها بقيت مشكلة الأكراد دون حل طيلة فترة الانتداب البريطاني على العراق.

بحسب البحث فإن ثورة العشرين شهدت تلاحماً بين الثوار الأكراد في الشمال بالعرب في الوسط والجنوب ضد المحتل الإنجليزي. بعد نهاية فترة الانتداب أصبحت عقيدة الأكراد هي العمل المسلح ضد النظام الملكي العراقي، ومع الإطاحة به إثر انقلاب يوليو 1958 على يدي عبدالكريم قاسم، اعتقدوا أن حُكمه سيكون بداية لنشأة الدولة الكردية المستقلة، وعندما لم يتحقق ذلك، اشتعلت ضده ثورة كردية في العام 1961.

سعد آباد (يوليو 1937)

في 1937 وُقعت اتفاقية "سعد آباد" بين إيران وتركيا والعراق وأفغانستان في ظل أجواء ساخنة اجتاحت العالم في ظِل تنامي دور ألمانيا النازية في أوروبا وإيطاليا الفاشية في أفريقيا عقب احتلال الحبشة فضلاً عن تزايد النفوذ السوفياتي في المنطقة.

سعت هذه الدول إلى توقيع ما عُرف بـ"الميثاق الشرقي" لتكوين كتلة قوية من الدول المتجاورة في هذه المنطقة الساخنة من العالم لتعميق أشكال العلاقات والتعاون بينها حتى تتمكن من مواجهة التحديات المفروضة عليها.

تضّمنت بنود هذه الاتفاقية ترسيماً للحدود بين الدول الموقّعة عليها وإخضاعها لرقابة مُحكمة، وفيها وافقت إيران على إخضاع أغلب مساحة "شط العرب" للسيادة العراقية.

ألقت هذه الاتفاقية بظلالٍ سلبية على الحركة الكردية بعدما تعهّدت المادة الثانية منها بحماية "الحدود المشتركة" والتصدي لأي ترتيب غايته "الإخلال بالنظام والأمن العامين"، وهو ما يعني رغبة واضحة من الدول الموقّعة في الحفاظ على الأوضاع كما هي، وعدم السماح للأكراد بتأسيس دولتهم القومية.

يقول عصام عبد الرضا في بحثه "ميثاق سعد آباد عام 1937 وموقف أكراد تركيا منه"، إن أكراد تركيا "اعتبروا توقيع هذا الميثاق مؤامرة موجهة ضدهم لأن حكومة عصمت إينونو، وبعدما فشلت في القضاء على حركتهم لجأت إلى هذه الاتفاقية لمنع انتقالهم من دولة إلى أخرى والتنسيق على محاربتهم مع دول المنطقة".

وبحسب البحث فإن المدن الكردية في تركيا شهدت تظاهرات عنيفة تنديداً بهذه الاتفاقية واعتبرها الأكراد مصممة خصيصاً للقضاء عليهم.

مع اتساع حركة الاحتجاجات تدخّل الجنرال التركي عبدالله ألب دوغان بقواته ونفذ حملاتٍ عسكرية متعددة لقمع التجمعات التركية المناهضة للاتفاقية.

كذلك أرسل الأكراد وفوداً إلى ألمانيا وبريطانيا ومصر والاتحاد السوفياتي لتسليم دبلوماسييها مذكرة احتجاج ضد هذه الاتفاقية، كما سافر بعض ممثلي الأكراد إلى جنيف حيث التقوا ببعض مسؤولي عصبة الأمم لشرح أبعاد الأزمة.

أما في العراق فلقد اعتبر الأكراد أن بكر صدقي، رئيس أركان الجيش والرجل الأقوى في البلاد وقتها إثر حركته التي أزاح بها حكومة ياسين الهاشمي من الحُكم، قد أضرّ بالقضية الكردية بتوقيعه هذه الاتفاقية، رغم أصول صدقي الكردية من ناحية والدته.

اشترك الضابطان الكرديان عبدالعزيز ياملكي ومحمد خورشيد في عملية اغتيال صدقي في مطار الموصل بسبب رغبتهما في إنهاء حُكمه الديكتاتوري.

قوات سوريا الديقراطية في مدرعات أميركية تبحث عن خلايا داعش في الحسكة بعد الهجوم الأخير على السجن
"روج آفا".. منطقة الحكم الذاتي الكردية يحاصرها صراع لا ينتهي
بعد فترة وجيزة من بدء الحرب الأهلية السورية قبل 10 سنوات، أعلنت الأقلية الكردية التي تهيمن على شمال شرق البلاد عن منطقة حكم ذاتي، لكن منذ ذلك الحين، غرق الأكراد في حرب لا نهاية لها، خاضعة لأهواء جيرانهم الأقوياء، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

من 1970 إلى 1975: "الحكم الذاتي" ثم الحرب

في 1968 تسلّم البعثيون السُلطة في العراق إثر انقلاب عسكري أطاحوا فيه بحُكم الرئيس عبدالرحمن عارف. كانت المشكلة الكردية واحدة من أبرز القضايا التي حاول حُكام بغداد الجُدد حلّها.

وفي 1970 جرى توقيع اتفاقية مع الملا مصطفى البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني وافقت فيه بغداد على منح الأكراد حُكماً ذاتياً، رغم ذلك  فإن هذه الاتفاقية لم تؤدِّ إلى تحسين العلاقة بين الطرفين بسبب احتدام الخلاف على مصير مدينة كركوك ذات الاحتياطيات النفطية الكبيرة.

إثر تعقّد المفاوضات بين الجانبين قررت بغداد إصدار قانون الحُكم الذاتي من جانبٍ واحد في 1974 الذي أبقى كثيراً من الهيئات الكردية خاضعة لسيطرة نظيراتها في بغداد. رفض مصطفى البارزاني هذا القانون وفي العام نفسه تجدّدت المعارك مع بغداد.

بسبب الدعم الكبير الذي منحته إيران للقوات الكردية تكبّدت بغداد كثيراً من الخسائر في المعدات والأرواح وباتت أقرب ما تكون لخسارة المعركة، فلجأت إلى محاولة سدِّ هذه الثغرة فأبرم صدام حسين -حينها كان لا يزال نائباً للرئيس- اتفاقية الجزائر مع طهران التي وافق فيها على تقاسم السيادة على "شط العرب" مع إيران مقابل تعهدها بوضع حدٍّ لـ"أعمال التخريب"، في إشارة واضحة إلى الحركة الكردية المسلحة.

بحسب بحث "انعكاس اتفاقية الجزائر 1975 على الحركة الكردية المسلحة في إيران" للباحث ناظم معتوق، فإن الأكراد اعتبروا هذه الاتفاقية "خيانة" لهم بسبب إيقاف إيران دعمها العسكري للكرد ما وضعهم في موقفٍ حرج أمام استمرار هجمات القوات العراقية ضدهم. حتى أن البارزاني، بحسب معتوق، استنجد بالولايات المتحدة للتدخل وإنقاذ قواته من الانهيار إلا أن واشنطن اكتفت برسائل شفهية وعدت فيها الأكراد بالضغط على إيران لمنحهم بعض المساعدات.

بسبب هذا الوضع أدرك البارزاني استحالة مواصلة عملياته العسكرية فحاول عقد مفاوضات مباشرة مع الحكومة العراقية إلا أنه لم يلقَ ردوداً إيجابية فاضطر إلى المغادرة إلى إيران بصحبة عشرات الآلاف من جنوده الذين حلّت محلهم قوات عراقية بسطت سيطرتها على المناطق الكردية. البارزاني علّق على هذه التطورات بالقول: "ننتظر أياماً سوداء قاتمة".

 

واشنطن (أيلول 1998)

في 1992 تأسس المؤتمر الوطني العراقي الموحد ليكون جماعة معارضة لنظام صدام حسين. اختار المؤتمر مسعود البارزاني عضواً في المجلس الرئاسي، وهي خطوة أثارت غضب جلال الطالباني رئيس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني.

في هذا الوقت كان الخلاف على أشدّه بين البارزاني والطالباني بسبب قضايا عديدة مثل رسوم المعابر وتوزيع إيرادات النفط وأيضاً بسبب الصراع حول مدينة أربيل الاستراتيجية.

نتيجة لهذه الأسباب جميعاً اشتعلت الحرب الأهلية بين الطرفين ما بين عامي 1994 وحتى 1997 متسببة في تقسيم كردستان بين الحزبين الكبيرين.

سمحت هذه الأوضاع المضطربة لقوى خارجية بالتدخل فقدّمت إيران دعماً للطالباني مكّن قواته من احتلال مدينة أربيل، عندها طلب البرزاني مساعدة من بغداد مكّنته من طرد قوات الطالباني واستعادة أربيل. كانت هذه التطورات، فرصة ذهبية استغلها صدام حسين لإعادة نشر قواته في المنطقة والقضاء على أي تواجد لفصائل المعارضة التي كانت تعتبر الإقليم ملاذها الآمن من بطش النظام العراقي.

مع تفاقم الأمور إلى هذا الحد قرر الرئيس الأميركي بيل كلينتون التدخل ورعَى محادثات بين الطرفين انتهت بتوقيع اتفاقية 1998 التي أنهت الحرب الدائرة بين الطرفين منذ سنوات وحددت كيفية تقاسم الموارد المالية ومنعت بغداد من التدخل في الخلافات بين الفريقين لإعادة تمركزها في كردستان، بحسب دراسة أجراها سعد داخل بعنوان "اتفاقية 17 أيلول عام 1998 ونهاية الصراع الكردي".

لاحقاً وصف الطالباني هذه الاتفاقية بأنها "أغلقت فصلاً حزيناً من تاريخ الشعب الكردي"، أما البارزاني فقال بعد توقيعه عليها "لقد حقّقنا شيئاً مهماً".