توحيدية انتشرت حسب بعض المصادر قبل حوالي ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد في بعض مناطق بلاد الشرق الأوسط.
توحيدية انتشرت حسب بعض المصادر قبل حوالي ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد في بعض مناطق بلاد الشرق الأوسط.

العراق أحد أكثر البلدان تنوعا في منطقة الشرق الأوسط، يشتهر بقومياته وأقلياته الدينية والعرقية واللغوية المتعددة.

ويكتنف الكثير من الغموض بعض هذه الطوائف، خصوصا فيما يتعلق بمعتقداتها وطقوسها الخاصة؛ وذلك خوفا من الاضطهاد والإقصاء والاستهداف. ولعل من أقدم الطوائف الدينية في العراق وأكثرها غموضا: الطائفة الكاكائية.

ينسب كثير من المؤرخين "الأخية"، وهي ترجمة الكاكائية من الكردية إلى العربية؛ إلى فرق إسلامية قديمة مثل الصوفية أو "أهل الفتوة"، وقد تطورت عبر الأزمان وأخذت مسارا مختلفا في أوقات لاحقة. فولدت تعاليم وطقوس يعتبرها البعض دخيلة على الإسلام، ويرى آخرون أنها أقرب إلى الفرق الشيعية، لا سيما "العلي الهية". ويعود سبب تضارب الروايات إلى حالة الانطواء التي يعيشها أتباع الديانة الكاكائية وخوفهم من الإفصاح عن عقيدتهم وطقوسها.

وينقل الكاتب والمؤرخ جوزيف زيتون في مدونته عن المؤرخ اللبناني – العراقي؛ الأب أنستاس الكرملي أن "الكاكائية طائفة خفية المعتقد والمذهب، مبثوثة في كركوك وأنحائها. ولهذا، لم يذكر وجودهم أحد من الكتبة والمؤرخين، لأنهم يخفون رأيهم الديني عن كل إنسان".

وحقيقة الأمر أن الكاكائية أو اليارسانية، وتعني "محبي أو عاشقي الخالق"؛ ديانة مستقلة بحد ذاتها، ولها بعدها التاريخي الخاص بها، ولا تشترك مع تعاليم الإسلام إلا في بعض التفاصيل القليلة، إذ لا ترتبط به إلا بالخانة المدونة في الأوراق الثبوتية العراقية؛ لأنها تشكو من عدم الاعتراف بها داخل حدود الحكومة الاتحادية العراقية، فيضطر أتباعها إلى تعريف أنفسهم بصفة "مسلم".

 

جذور الكاكائية

 

تعود جذور اليارسانية إلى الديانة الميثرائية، وهي ديانة توحيدية انتشرت حسب بعض المصادر قبل حوالي ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد في بعض مناطق بلاد الشرق الأوسط؛ لا سيما حوض جبال زاكروس. وبمرور الوقت، تطورت أسماء الديانة بحسب البلدان التي انتشرت فيها، حيث عرفت في العراق بالكاكائية.

ينتشر الكاكائيون في مناطق مختلفة من بلاد ما بين النهرين. يذكر الكاتب العراقي حسين جلوب في كتابه "الأقليات العراقية من العذاب إلى التمكين" أن "الكاكائية ما هم إلا جماعة أو عشيرة كردية موطنها الرئيس مدينة كركوك، وعلى ضفاف نهر الزاب الكبير، وتسكن أغلبها مدن كوردستان الجنوبية مثل كركوك وخانقين ومندلي وجلولاء وأربيل والسليمانية وهورمان، كما أن لهم وجودا ملحوظا في تلعفر".

وعن وجودهم في باقي الدول؛ يوضح الناشط اليارساني رجب كاكائي لموقع "ارفع صوتك" "أن أعداد الكاكائين في إيران أكبر بكثير من العراق، ويستقرون في عدة مناطق ومحافظات؛ منها إيلام ولورستان وكرمنشاه وكرمان وهمدان وغيرها، وكان يطلق عليهم قديما "القالخانية والسنجاويين". وفي التاريخ الحديث باتوا يعرفون بتسمية بأهل الحق".

وتوجد تجمعات للكاكائية في درسيم وسيواس في تركيا، ويشكلون جماعات دينية في أرمينيا وجورجيا، ويعرفون في باكستان والهند وافغانستان بـ"اليادكارية - زكري"، يقول رجب كاكائي.

 

التعاليم والطقوس

 

يذكر كُراس "شبكة تحالف الأقليات العراقية" ما نصه أن "الديانة اليارسانية هي ديانة توحيدية، تؤمن بالخالق الواحد، وتؤمن كذلك بأزلية الروح وسرمديتها، وتتجسد في الشخصيات المختلفة.. ومن أركانها أيضا الصوم لمدة ثلاثة أيام، ودعاء الفجر والغروب، والذي يعد بمثابة الصلاة عند الأديان الأخرى، والحج إلى مرقد سلطان إسحاق في قرية برديور في هورمان على الحدود العراقية الإيرانية، داخل الحدود الإيرانية".

ويضيف الكراس أن للكاكائية ثلاثة أعياد، وهي عيد "خاوندكار"، ويأتي بعد ثلاثة أيام من الصوم في فصل الخريف، وعيد "قولتاس"، ويأتي بعد ثلاثة أيام من الصوم في فصل الشتاء، وعيد "نوروز"، وهذا العيد هو أول أيام السنة بحسب التقويم اليارساني، كما أن للموسيقى مكانة خاصة في كل الطقوس الدينية وخاصة آلة "الطمبور".

 

المراتب الدينية

 

لليارسانيين سلسلة مراتب دينية أعلاها "البير" ومعناها "الشيخ"، وهذه الطبقة هي من تقوم بإجراء الطقوس الدينية وإدارتها، ومن ثم يأتي "الدليل" وهو بمثابة "المرشد الديني"، ثم يأتي بعد ذلك عامة الناس.

ووفق نظرية تناسخ الأرواح؛ فإن روح "جبرائيل" قد تجسدت بشخص "البير بنيامين"؛ أي أنه أشبه بنبي الديانة، حيث وثق وكتب التعاليم والنصوص الدينية "المأخوذة من الله".

وعلى مر الأزمان يظهر المجددون لدى الكاكائيين، ومن أبرزهم "حضرة سلطان إسحاق"، الذي يتمتع بمكانة عظيمة، وهو مدفون في منطقة "دووئاو" في قرية "برديور" الإيرانية القريبة من الحدود العراقية.

ويرافق المجددين "المتنبئون"، وهم الذين "يتنبؤون" بأحداث المستقبل مثل "ايلبكي جاف"، وقبره في هورمان بالجانب الإيراني، وتيمور بانياراني الذي عاش ودفن في كرمنشاه بإيران.

 

الدعوة والتبشير

 

اليارسانية ديانة غير تبشيرية وتحرم على أتباعها دعوة الآخرين إلى اعتناقها. لهذا السبب بقيت الكثير من طقوسهم وكتبهم مبهمة وغامضة لدى الآخرين.

ووفق الاعتقاد الكاكائي، فإن إطلاع الناس على نصوص الكاكائية أو السماح لهم بحضور تجمعاتها الدينية يعد نوعا من التبشير، لذا بقيت أغلب نصوص الديانة لفترة طويلة طي الكتمان. من أهم كتبهم المقدسة كتاب "سرانجام"، الذي يتكون من عدة أجزاء؛ يهتم كل جزء منه بـ"فضيلة" معينة، كالصدق والأمانة وسوى ذلك.  

يقول اليارسانيون إنهم يحترمون جميع الأديان ولا يبادرون بالعداء لأي "يار" أي محب؛ وهي صفة يطلقونها على كل شخص مؤمن بدينه. ويذكر المؤرخ العراقي عباس العزاوي في كتابه "الكاكائية في التاريخ" أن "الكاكائية يستنكرون اللعن والسب، فلا يضمرون لأحد غيظا، ولا يسبون أحدا، ولا يحتقرون دينا، ولا ينددون بعقيدة".

 

الدستور والهوية

 

رغم تغيير الدستور العراقي وإجراء تعديلات عليه؛ إلا أن الهوية الكاكائية ظلت خلف أسوار الاعتراف الرسمي بها كديانة أو مكون رئيس من مكونات الشعب العراقي.

 وجاء في الدستور العراقي الجديد في عام 2005 أن الدستور "يضمن الحفاظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما يضمن كافة الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية، كالمسيحيين والأيزيديين والصابئة المندائيين"، وغاب ذكر الكاكائية كدين مستقل، وهو ما حرم الكاكائيين من تسجيل ديانتهم في خانة الديانة في الهوية العراقية.

سياسيا، وبعد سنوات من المحاولات الحثيثة لنيل الاعتراف؛ وفي سابقة تعد الأولى عبر تاريخهم وعلى المستوى الرسمي؛ استطاع الكاكائيون الحصول على مقعد "كوتا" في مجلس محافظة حلبجة؛ التابعة لإقليم كوردستان العراق، مما فتح باب الأمل أماهم من الحشد لحراك برلماني في بغداد لاستحصال الاعتراف بكامل الهوية الكاكائية.

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

أيزيديون يحتفلون برأس السنة الأيزيدية في معبد لالش قرب مدينة دهوك العراقية/ وكالة الصحافة الفرنسية

الدمار يغطي معظم أجزائه، وقوات مختلفة المراجع العسكرية تتقاسم السيطرة عليه، ونقص حاد في الخدمات الرئيسية، هذا هو حال قضاء سنجار محافظة نينوى شمال العراق، بعد مرور عقد على الإبادة الجماعية بحق سكانه الأيزيديين.

اجتاح تنظيم داعش في 3 أغسطس 2014 قضاء سنجار الذي يضم أغلبية تتبع الديانة الأيزيدية، وارتكب التنظيم إبادة جماعية بحقهم أسفرت عن مقتل أكثر من 5000 أيزيدي، واختطاف 6417 أيزيديا غالبيتهم من النساء والأطفال، بحسب إحصائيات مكتب إنقاذ المختطفين الأيزيديين.

وبلغ عدد المقابر الجماعية المكتشفة في سنجار حتى الآن 83 مقبرة جماعية، فيما عدد المزارات والمراقد الدينية التي فجرها داعش في حدود سنجار إلى 68 مزارا.

فما حال سنجار اليوم، وهل باتت مؤهلة لاستيعاب أبنائها العائدين ممن نزحوا قبل عشر سنوات؟

قوى عسكرية متعددة

دلبر شنكالي، فتاة أيزيدية عادت منذ نحو 7 سنوات إلى سنجار مع عائلتها بعد رحلة نزوح شاقة، وتمكنت من التأقلم مع أوضاع المدينة المدمرة التي لم تكن أفضل من المخيم، بحسب كلامها.

تقول لـ"ارفع صوتك": "رغم ما نواجهه من نقص خدمات وانعدام فرص العمل، إلا أن أوضاع سنجار الأمنية، مع أنها مستتبة الآن، لا تبشر بالخير وسط هذه الأعداد من القوات العسكرية المتنوعة المختلفة في ما بينها. نحن نخشى أن تصطدم مع بعضها البعض بأية لحظة ونكون نحن الضحية مجدداً".

وتخضع رقعة قضاء سنجار الجغرافية لسيطرة مجموعة من القوى العسكرية المتعددة، تتمثل بمليشيا "عصائب أهل الحق" و"منظمة بدر" و"كتائب الإمام علي" و"كتائب حزب الله العراقي" و"كتائب سيد الشهداء" الموالية لإيران والمنضوية في هيئة الحشد الشعبي، إضافة إلى وحدات "مقاومة سنجار" الموالية لحزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا، وقوات قيادة البيشمركة و"حماية إزيدخان" التابعتين لوزارة البيشمركة في حكومة إقليم كردستان، إلى جانب الشرطة المحلية والشرطة الاتحادية وقطعات من الجيش العراقي.

وشهدت سنجار خلال السنوات الماضية التي أعقبت تحريرها من داعش، مناوشات وصلت حد الاشتباكات المسلحة بين هذه القوات، كان أبرزها الاشتباكات التي وقعت بين الجيش العراقي ووحدات حماية سنجار في مايو 2022، التي أدت الى مقتل عنصرين اثنين من الوحدات وجندي من الجيش، كما أدت لنزوح مئات الأيزيديين.

ولا يعتبر تعدد القوى الماسكة للأرض في القضاء التهديد الوحيد الذي يخشى منه الأهالي، إذ تشكل الغارات الجوية التركية التي تستهدف مسلحي حزب العمال وتهديدات أنقرة بتنفيذ عملية عسكرية في سنجار لإنهاء تواجدهم، مصدر قلق إضافي لهم.

يقول الشاب الأيزيدي مراد خيري، من سنجار أيضاً، إن الأوضاع الأمنية فيها حاليا "مستقرة" و"لا يوجد تهديد على المدنيين من أي جهة سوى القوات التركية وتدخلها الوشيك".

مخاوف من عودة داعش

تشير المنظمة الأيزيدية للتوثيق إلى أنه ورغم مرور 10 سنوات على الإبادة التي تعرضت لها سنجار، ما زالت هناك مخاوف من عودة تنظيم داعش إلى المدينة.

يقول مدير المنظمة حسام عبد الله لـ"ارفع صوتك": "لدينا مخاوف من عودة داعش، فهو لا يزال متواجدا في محيط قضاء سنجار رغم الانتشار الأمني فيه".

ويلفت إلى أن سنجار تواجه جملة من التحديات، منها "استمرار المشاكل المستعصية بين حكومتي بغداد وأربيل بشأن هذه المدينة، ولا توجد لحد الآن إدارة محلية ثابتة لقضاء سنجار في خضم الصراعات الداخلية التي يشهدها، وهذه الصراعات متفوقة على المجالات الأخرى نتيجة الصدمات التي تمخضت عن الإبادة".

بطء في آلية التعويضات

تشكل التعويضات التي خصصتها الحكومة العراقية لأهالي المدن المتضررة من داعش، أحد أبرز التحديات التي يواجها أهالي سنجار لإعادة بناء وإعمار بيوتهم المدمرة.

يبين مدير العلاقات العامة في منظمة "بتريكور" لحقوق الإنسان، سامي بشار عتو لـ"ارفع صوتك"،أن آلاف الأيزيديين "قدموا ملفاتهم وأنجزوا معاملات نيل التعويضات عن الأضرار التي لحقت ببيوتهم وممتلكاتهم في سنجار وأطرافها، إلا أن نسبة من نال هذه التعويضات لا يتعدى سوى 2%".

ويتيح القانون (رقم 20 لسنة 2009) للعراقيين تقديم طلب لنيل التعويضات على الأضرار التي لحقت بهم "جراء العمليات الحربية والأخطاء العسكرية والعمليات الإرهابية".

ويشمل القانون إلى جانب العسكريين جميع ضحايا الحرب من المدنيين وأفراد عائلاتهم في حالات الاستشهاد والفقدان والعجز والإصابات والأضرار التي تصيب الممتلكات والأضرار المتعلقة بالوظيفة والدراسة.

وأعلنت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في يونيو 2023، أن السلطات العراقية "تقاعست عن دفع التعويضات المالية المستحقة بموجب القانون لآلاف الأيزيديين وغيرهم من قضاء سنجار على الدمار والضرر الذي لحق بممتلكاتهم من قبل داعش وجراء المعارك العسكرية".

ويساهم غياب التعويضات وسير إجراءاتها ببطء في تأخر عودة النازحين. ووفق إحصائيات مكتب وزارة الهجرة والمهجرين في محافظة دهوك بإقليم كردستان، عاد إلى قضاء سنجار منذ بداية العام الحالي 10 آلاف نازح أيزيدي.

ويؤكد مسؤول في إدارة سنجار أن نسبة العائدين إلى سنجار لم تتعدّ 40% من مجمل الموجودين اليوم في العراق، إذ لا يزال هناك نحو 60% نازحون، يتوزعون بين المخيمات ومدن كردستان.

ويضيف المسؤول لـ"ارفع صوتك"، مفضلا عدم الكشف عن اسمه: "لا يختلف الوضع الخدمي في سنجار عن باقي الوحدات الإدارية في محافظة نينوى من حيث التخصيصات المالية، لكن حجم الدمار الذي لحق بسنجار كبير جدا يحتاج إلى مبالغ مالية كبيرة لإعادة البنية التحتية للمشاريع الخدمية".

ووفق المسؤول تختلف نسب الدمار الذي لحق بقضاء سنجار من منطقة لأخرى، حيث يصل في مركز القضاء مثلاً إلى 75% وفي ناحية القحطانية 85%، وناحية الشمال 40%، وناحية القيروان 65%.