ثار الأقباط على الخلافة العباسية بسبب الحيف الذي طالهم من ولاة الخليفة المأمون.
ثار الأقباط على الخلافة العباسية بسبب الحيف الذي طالهم من ولاة الخليفة المأمون.

من الأمور اللافتة أن المؤرخين السريان لا يسمون الدولة العباسية إلا باسم واحد، وهو "دولة الفرس"، والسبب أن جيوش هذه الدولة وقادتها على وجه الخصوص كانوا في غالبيتهم من الفرس الخراسانيين.

وكان أقباط الوجه البحري، الذين يسمون في المصادر السريانية بـ "البياميين"، وفي مصادر أخرى بـ"البشموريين"، من الشعوب التي ثارت على الفرس، كما يرد في المصادر السريانية حرفياً، والمقصود هنا الدولة العباسية.

وقد سعى الخليفة المأمون لدى بطريرك السريان ديونيسيوس التلمحري (770- 845 م) للوساطة والوقوف على أسباب الثورة، ومحاولة إيقافها، نظراً لأنه كان "خليفة مسالماً يقبل الحوار" و"يجنح إلى السلم"، كما يقول البطريرك التلمحري الذي دوَّن تفاصيل وساطته تلك.

وكان ذلك التدوين المصدر الأهم عن أخبار تلك الثورة، والتي انتهت نهاية مأساوية، يصح عليها القول إنها من سخريات التاريخ المريرة، نظراً لأن الثوار الأقباط، وبعد أن استسلموا، تم تكليفهم بالقضاء على ثورة الزط (الغجر) في جنوبي العراق، فقاموا بالمهمة خير قيام!

 

مأساة تنيس

 

في ظل حالة الفوضى التي اجتاحت سوريا ومصر إبان حرب الأخوين، الأمين والمأمون، استأثر واليا مصر السري بن الحكم وعبد العزيز الجروي بالأمر، وفرضا الجزية وجمعا أموالاً طائلة من فقراء المصريين، والسري بن الحكم أصله من بلخ من شعب الزط، وهم من يعرفون الآن باسم "الجيتان" أو الغجر. وبحسب البطريرك التلمحري، كان جنود السري بن الحكم يتكونون من 80 ألف مقاتل معظم من بلاد ميديا، في غربي إيران الحالية. 

وكان الخليفة المأمون أوفد الوزير عبد الله بن طاهر للوقوف على حال مصر ووضع حد للولاة المتسلطين. فقام بالمهمة إلى حد ما، ولكنه لم يضع حداً لمأساة الأقباط البشروطيين. وكان البطريرك التلمحري موجودا في مصر ذلك الوقت، وذلك لحل بعض القضايا العقائدية مع بابا الأقباط يعقوب، وقد طلب منه أقباط مدينة تنيس (قرب بورسعيد حاليا) أن ينقل شكواهم للأمير عبد الله بن طاهر عله يجد حلاً لمأساتهم فكتب في ذلك يقول: "كانت مقابلتنا له (الأمير عبد الله بن طاهر) ليلاً لانشغاله نهاراً بالحرب، وكان حديثنا مفيداً. وسلمت إليه رسائل أهل الجزيرة (تنيس) والغرب وشكاواهم من عماله، ورويت له مأساة مدينة تنيس المصرية المؤلمة، التي ولئن كانت تعج بالسكان والكنائس، إلا أننا لم نجد فقراً أشد من فقر سكانها".

ويلخص التلمحري إفادات أهل تنيس كما يلي: "سألناهم كيف تردّت أحوالهم إلى هذا الحد، فأجابونا قائلين: إن المياه تحيط بمدينتنا من كل حدب وصوب، وليس لنا زرع أو غلة أو فلاحة، ولا يمكننا اقتناء الأموال. والمياه التي نشربها تأتينا من بعيد ونشتريها بجهد جهيد كل أربع جِرار بدرهم. أما شغلنا فهو الكتان، تغزله النساء بالمغازل ونحن ننسجه بالنول بأجرة قدرها نصف درهم، نتقاضاها يومياً من التجار أصحاب الأدوات، ولا يكاد شغلنا يكفي قوت يومنا. وحينما يحين موعد الضريبة، يفرضون على كل بيت خمسة دنانير، فنعاني من ذلك ونُلقى في السجون. وفي غمرة ضيقنا نرهن لهم أحباءنا، أجل إننا نرهن لهم أبناءنا وبناتنا ليعملوا عبيدا عندهم، وقد يحدث أن امرأة أحدنا أو ابنته تلد عندهم، فيحذروننا من رفع الشكوى ضدهم، والأنكى هو أنه قبل بلوغ الأوان لفدية المرأة أو البنت، تأتي ضريبة السنة التالية، فيطالبوننا، بالإضافة إلى الرهائن، بدفع مبلغ آخر، وهكذا يظل أولادنا وبناتنا عبيداً للفرس طيلة حياتهم".

عندما سمع المأمون ذلك أمر أن ترفع المظالم عنهم فوراً وأن يدفعوا الضريبة المقررة أسوة بأهل الجزيرة، أي 48 قرشاً للكبار و24 للوسط و12 للوسط و12 للفقراء، وذلك بحسب إحصاء النفوس.

 

الثورة مجدداً

 

توقفت الثورة مؤقتاً، ولكن الولاة الفرس عادوا ليثقلوا على الأقباط الضرائب، فاشتعلت مجدداً، ولكن بشكل أكثر عنفاً هذه المرة. هنا طلب الخليفة المأمون من البطريرك التلمحري أن يرافقه إلى مصر، لكي يذهب سفيراً إلى البياميين في مصر السفلى، ويوصيهم بالعدول عن التمرد الذي بدا منهم، كما يقول، وكان ذلك عام 831م. 

ويوضح التلمحري أن السبب المباشر للثورة كان حين "أرسل المأمون قائده الأفشين، (وهو من الإثنية التركية)، إليهم لإحلال السلام. ولكن الأفشين ألزم جنوده بأن يجمعوا أرزاق الجيش من قراهم. وصادف أن رأى بعض الجنود امرأة فحاولوا اغتصابها فصرخت، وسمع الذين في الجزيرة صراخها فاندفعوا نحوها وقاتلوا، فقتل منهم وقتلوا. فتعكر بذلك صفو الأمن ثم تلاشى كلياً".

في مدينة الفرما، دار حديث بين المأمون والبطريرك لخصه لنا كما يلي: "لما دخلت عليه صافحني كالعادة وقال: لقد سمعت أيها البطريرك بتمرد المسيحيين الأقباط المعروفين باسم البياميين الذين لم يتعظوا بما جرى لهم في الحرب الأولى، ولولا أني رحيم ولا رغبة لي في القتل، لما أرسلتك إليهم، لكن اصطحب الأساقفة الذين معك وجماعة من المصريين، وسافر إلى المتمردين وأعطهم تعهداً بالأمان، وليحضروا مع قواتهم إلى المكان الذي أختاره لإقامتهم، وإن لم يذعنوا أهلكتهم بحد السيف. فاستعطفتُه أن يبقيهم في منطقتهم فرفض، مصمماً على أحد الأمرين، إما ترك بلدهم أو القتل وأمر الخليفة أن يرافقني بطريرك مصر". 

 

تجمد نهر النيل

 

ينقل البطريرك معلومة عن صقيع من النادر أن يقع في مصر، وقد أدى إلى تجمد نهر النيل. وفي ذلك يقول: "وأتت الأخبار بسقوط الثلج واشتد البرد كثيراً.. وجمدت الخمرة في الجرار. وحين وصلنا إلى النيل أخبرونا بأن النهر قد جمد أيضاً، الأمر الذي لم يُسمع من قبل. سافرنا بطريق النهر، وبعد ثمانية أيام التحق بنا البطريرك يوسف، ونزلنا إلى إقليم بشروط (وهو إقليم يقع بين فرعي دمياط والرشيد في الدلتا) حيث يقيمون، فوجدناهم مجتمعين في إحدى الجزر المحاطة بالقصب والبردي. فجاء إلينا رؤساؤهم فلمناهم على تمردهم وعلى ما ارتكبوه من أعمال القتل، فاشتكوا من الحاكم. ولما أطلعناهم على قرار مغادرتهم بلدهم اغتاظوا وطلبوا إلينا أن نستأذن الخليفة ليقابلهم فيطلعوه على ما يحتملونه من حاكمهم أبي الوزير، الذي ضاعف عليهم الجزية، وكان يسجنهم في الليل فتأتي نساؤهم لهم بالطعام، فيهجم عليهن الجند وينجسونهن. كما كان يفكر بقتل الكثيرين منهم حتى إبادتهم جميعاً لئلا يشكوه لدى الخليفة". 

وبعد أن أخبر الأفشين بجواب الثائرين الرافض لمغادرة بلادهم، قال للبطريرك: "إذن فالسلام غير وارد، فاذهبا وقولا للخليفة أن لا مكان للسلام". ويتابع البطريرك: "باشر بعد ذلك يحاربهم، فأضرم النار في القرى والكروم والبساتين والكنائس في أرجاء الإقليم كلها. أما البياميون فكانوا يطعنون الفرس ويرمونهم بالسهام والحراب من بين القصب، واستقدموا جيرانهم وحرضوهم ضدهم فقَتلوا وقُتلوا". 

 

لقاء المأمون


ينقل التلمحري وقائع لقائه بالخليفة المأمون كما يلي: "لدى مقابلتنا الخليفة أطلعته على كل الأمور، بما في ذلك الظلم الذي ألحقه أبو الوزير بالأقباط والذي سببه عدم تحقيق السلام، وكيف أن أبناء المنطقة يشتكون منه ومن اثنين آخرين. وكان يصغي إلي بارتياح، وإني لم أقع تحت تأثير غيرتي. وقد تجرأت ونصحته واستشهدت الله عليه مذكراً إياه بالحساب الذي سيقدمه لربه عن الرعية المؤتمن عليها، مستشهداً بقول النبي بالحق تكلمت أمام الملوك ولم أخجل. فقال: إن هؤلاء العمال لا يتصرفون بحسب إرادتي، وأنا لا أحبذ أن أثقل على الناس، لا بل إني أشفق على أعدائي الروم، فكيف لا أشفق على رعيتي؟ وبإذن الله سأصحح كل شيء". 

ونتيجة لتلك المقابلة؛ استدعى المأمون زعماء المتمردين، كما يقول البطريرك التلمحري، و"أمرهم بمغادرة تلك المنطقة، فأطلعوه على سوء المعاملة التي لاقوها، ويخشون، إذا غادروا، أن لا يجدوا مورداً لمعيشتهم لأنهم يعتمدون على القصب وصيد الأسماك، غير أنهم أذعنوا له أخيراً وغادروا بالسفن إلى أنطاكية ومنها إلى بغداد، وكان عددهم نحو ثلاثة آلاف وقد مات كثير منهم في الطريق، واستعبد الأسرى منهم، وعددهم نحو خمسمائة نفس، للمسلمين الذين أخذوهم إلى دمشق وباعوهم هناك، الأمر الذي لم يجر من قبل في بلاد المسلمين، أي بيع من يخضع للجزية". 

ويضيف: "غير أننا وبعون الله، شجعنا المؤمنين على افتكاكهم وبذلك تحرروا، لكنهم لم يعودوا إلى بلادهم بسبب المجاعة المنتشرة هناك، حيث هاجر الكثيرون منهم إلى سوريا ليشبعوا خبزاً. وأصدر الخليفة أمراً إلى عماله بعدم الإساءة إلى المصريين أو قتلهم، كما خفض الضرائب عنهم إلى النصف". 

 

تعسف طال المسلمين أيضاً


بعد مغادرة الخليفة المأمون مصر، عاد الولاة والجنود الفرس لسابق عهدهم كما يقول البطريرك، ولكنه يشير هنا إلى معلومة غاية في الأهمية، وهي أن الظلم والتعسف كان يطال إلى جانب المسيحيين، المسلمين المصريين أيضاً. يقول في ذلك: "كان الفرس يدخلون القرى ويوثقون الناس بشكل مجاميع، تضم كل مجموعة عشرة أو عشرين شخصاً ويرسلونهم إلى الفسطاط دون التأكد من ذنبهم أو براءتهم، وقُضي على الكثيرين من دون ذنب. وقد حدثت قصص غريبة إذ عرض الذين ربطوا وسيقوا للقتل، رشوة على الذين يقودونهم مقابل إطلاقهم، فقالوا لهم: لقد تم تسليمكم لنا بالعدد، فتريثوا ريثما نأسر من نصادفهم في الطريق ونطلقكم. فلاقاهم ثلاثة رجال، قسّ ومسلمان، كان أحدهما إماماً للمسجد، فقبض عليهم بدلاً عمّن دفع الرشوة، وإذ لم يفسح لهم المجال أن يتكلموا، قتلوا، وهكذا كانت جثث القتلى الأبرياء تملأ الطرق". 

 

أصل الغجر 

 

على إثر وفاة المأمون في بلاد الروم، حدثت بلبلة استمرت ثلاثة أيام، استقر بعدها الأمر للمعتصم، والذي ثار الزط ضده في أهوار العراق. وهؤلاء الزط أو الجت أو الجيتان كما عرفوا في فرنسا وإسبانيا بداية عصر النهضة، هم قبائل من الغجر تم استقدامهم إلى جنوبي العراق في فترة الفتوحات الإسلامية المبكرة على يد الأمويين بعيد فتح بلاد السند (باكستان حاليا) للعمل في منطقة البصرة والبطائح.

ثم ما لبث أن استقدم معاوية بعض الزط من منطقة البطائح في العراق إلى منطقة بلاد الشام وأنطاكية لإحداث بعض التغيرات الديمغرافية ووضعهم في مواجهة الخطوط الأمامية للروم البيزنطيين، ثم نقل الوليد بن عبد الملك إلى أنطاكية مجدداً قوما من الزط السنديين ممن حمله محمد بن القاسم إلى الحجاج، كما أشار البلاذري في فتوح البلدان. واستمر وجودهم لاحقاً في العراق حتى كثرت مشاكلهم في العصر العباسي فتم استئصال شأفتهم في عهد المعتصم، ومن ثم تهجيرهم إلى بغداد ومنها إلى ثغر عين الزربة في كيليكيا. ثم انطلقوا من هناك في تغريبة طويلة من المعاناة و الشقاء إلى الداخل التركي و إلى شرقي أوروبا ثم غربيها. 

 

ثورة الزط وتصدي الأقباط لهم 

 

بعد أن أعلن الزط ثورتهم على المعتصم أرسل الخليفة الجديد، المشهور بقسوته، قواته لمحاربة الزطيين الذين كانوا "يعيشون في وسط المياه التي يصب فيها دجلة والفرات [شط العرب]، لأنهم شعب متمرد ومصدر إزعاج للخلفاء، حيث إنهم يضربون ويقتلون ويسلبون التجار الذين يقصدون بغداد من البصرة والهند والصين"، بحسب تعبير البطريرك التلمحري. 

ويتابع قائلاً: "لم يستطع الجيش قهرهم لكونهم يقاتلون في الزوارق، فأرسل إليهم الأقباط الذين كان قد سباهم والمعتادين على الحياة في المياه، فكانوا يغطسون في الماء كالسمك دون أن يراهم أحد ويمطرون الزطيين بالنبال ويهربون، وهكذا هزم البياميون الزطيين، وقبض عليهم وعلى نسائهم وأطفالهم وزجوا في سجن بغداد ثم أعدموا".

ويقص علينا البطريرك مصير هؤلاء الأقباط المأساوي بعد أن وضعوا حداً لثورة الزط: "بعد الانتصار الذي حققه الأقباط ضد الزطيين، أحبهم الخليفة واختار منهم جماعة يعملون في خدمته وحدائقه وبساتينه، وآخرين لينسجوا أقمشة قطنية، نظراً إلى اشتهار المصريين بهذه الحرفة. وأذن للبقية بالعودة إلى وطنهم. فلما وصلوا إلى البحر وركبوا السفن ليعودوا إلى مصر، لاحقتهم العدالة هناك، فقد ثارت زوبعة أغرقتهم جميعاً في البحر".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.
يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.

بعد اتفاق سياسي تأخر لسنوات، سينطلق التعداد العام للسكان في العراق نوفمبر المقبل دون ذكر الانتماء القومي للسكان.

اعتبر محللون عراقيون أن ذلك سيجنب البلد "المزيد من الجدل". ورغم عدم تقديم اعتراضات رسمية، إلا أن ممثلين عن الأقليات أعربوا عن قلق من استغلال النتائج.

وزارة التخطيط وعلى لسان متحدثها الرسمي عبد الزهرة الهنداوي أبلغت "ارفع صوتك" أن التعداد السكاني سينطلق بين 20 و21 نوفمبر المقبل، وسيكون تعداداً "تنموياً" لمعرفة الواقع المعيشي والاقتصادي والخدمي المقدم للعراقيين.

بموجب هذا التعداد، "سيتم وضع الخطط المستقبلية لتحقيق العدالة في توزيع الثروات"، يقول الهنداوي.

ويشير إلى أن التعداد في العراق سابقاً "كان يتضمن فقرة تتعلق بالقومية ولم يكن هناك أية أسئلة تتعلق بالمذهب". أما النسخة الحالية منه فستكون "خالية من السؤالين، كون هذه الأسئلة غير مجدية من الناحية التنموية".

ويؤكد الهنداوي أن ذكر القومية "كان أحد أسباب تأجيل الإحصاء في سنوات سابقة، نتيجة خلافات سياسية". لذلك فإن الأمم المتحدة رأت "إلغاء أي سؤال يمكن أن يعرقل التعداد".

وعن أهم الأسباب التي أدت إلى تأجيل التعداد أكثر من مرة منذ 2003، يشرح الهنداوي أنها كانت أحياناً تتعلق بالخلافات السياسية وفي أحيان أخرى بالأوضاع الأمنية أو عدم توفر التخصيصات المالية اللازمة، الإضافة إلى الأسباب الصحية التي رافقت انتشار فيروس كورونا سنة 2020.

وحالياً، تمت "معالجة الخلافات باتفاق سياسي، والوضع الأمني مستقر. بالتالي كل الظروف أصبحت مهيأة لإجراء أول تعداد سكاني في العراق منذ 27 عاماً"، بحسب الهنداوي.

لماذا تفشل دول عربية في إجراء التعداد السكاني بشكل دوري؟
يُعتبر تعداد السكان والمساكن من بين أكثر العمليات ضخامة وتعقيداً التي يمكن لأي دولة القيام بها. وبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن التعداد السكاني يحتاج إلى أن تكون البلدان التي تقوم به في حالة سلم، إذ يتطلب التخطيط الدقيق وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة.

قلق في صفوف الأقليات

على الرغم من إدراج الديانة للسكان كما تقول وزارة التخطيط، إلا أن هناك أقليات تعتبر نفسها قومية منفصلة مثل الشبك والكرد الفيلين وبعض الأيزيديين.

يوضح نائب رئيس مجلس الأقليات العراقي محمد الشبكي لـ"ارفع صوتك": "بحسب المناقشات التي سبقت التعداد السكاني في الأعوام السابقة، فقد تم تقديم مقترح لوضع سؤال يتعلق بالقومية، على أن تُترك الخانة فارغة ليقوم المواطن بكتابتها بنفسه إذا رغب".

ويقول إن التعداد السكاني في النسخ السابقة كان يتم فيه ذكر القوميات الأساسية العرب والأكراد والتركمان ثم يتم كتابة كلمة "أخرى"، لذلك فإن "أقليات قومية مثل الشبك والكرد الفيلين لم يتم تعدادهم بشكل صحيح، وكنا نعتبر الإحصاء الحالي يمكن أن ينصفهم"، وفق تعبيره.

يتركز وجود الشبك في المناطق المتنازع عليها بين الإقليم والمركز وهي مناطق صراع، يتابع الشبكي "من جهة، ترغب الحكومة المركزية بالسيطرة عليها، ومن جهة أخرى يرغب الإقليم باعتبار سكانها أكراداً. وبهذا تصبح مناطقهم تابعة للإقليم".

ويعرب الشبكي عن قلقه من "استخدام البيانات (من التعداد) لمسائل سياسية أو لتثبيت واقع حال أو تلاعب بحدود المحافظات".

في المقابل،  يرى رئيس ائتلاف الرافدين يونادم كنا أن إلغاء القومية من التعداد السكاني "أمر إيجابي لأنه يخدم النهج الوطني".

ويبين لـ"ارفع صوتك" أن كوتا الأقليات في البرلمان العراقي "لن تتأثر بإحصاء السكان، كونها أقرت بقانون وزعت فيه المقاعد بموجب اتفاق سياسي لم يؤخذ فيه بنظر الاعتبار عدد السكان".

 ولو كان تم الأخذ بنظر الاعتبار عدد السكان "لكنّا رأينا عدد مقاعد مختلف الأقليات خصوصاً أتباع الديانة المسيحية، إذا أخذنا التعداد التقديري السابق الذي تحدث عن وجود مليون ونصف المليون مسيحي في البلد ولهم 15 مقعداً في البرلمان"، يضيف كنا.

وبحسب نظام كوتا الأقليات في البرلمان العراقي، فإن هناك خمسة مقاعد للمسيحيين موزعة على محافظات بغداد ونينوى وكركوك ودهوك وأربيل، ومقعد واحد لكل من الأيزيدين والصابئة والشبك والكرد الفيلية.

الحالة الوحيدة المثيرة للقلق، كما يقول كنا "إذا رأينا بعد التعداد وظهور النتائج نفساً قومياً عنصرياً أو دينياً متشدداً يمكن أن يؤثر سلباً إذا ما طالب بإعادة النظر بالقانون، وهو أمر إذا ساد فأقرأ السلام على الوطن" على حدّ تعبيره.


"تذويب الهويات"

يرى المحلل السياسي أحمد الشريفي أن عدم إدراج خيارات القومية والمذهب في التعداد السكاني، "يعني تذويب الهويات الفرعية إلى هوية وطنية واحدة، وهو خيار إيجابي يؤدي إلى جمع العراقيين تحت مظلة العنوان الوطني الواحد".

يقول لـ"ارفع صوتك": "في السابق كانت المذهبية غير موجودة في الإحصاء السكاني، لكن القومية كانت حاضرة منذ تسلّم حزب البعث للسلطة الذي ذهب باتجاه تعزيزها بعد تبنيه مبدأ القومية العربية فوق باقي المكونات، فضلاً عن ترسيخه للعشائرية والقبلية في نظام الحكم".

ويرجّح الشريفي أن الغاء القومية "سيكون ورقياً فقط" بينما في الواقع، بحسب كلامه "ستكون الأزمة حاضرة في الظاهرة السياسية، وأقرب مصداق لها قضية كركوك التي تتجاذبها ثلاث قوميات (الكرد والعرب والتركمان) وكل منهم يدعي أنه يمثل الأغلبية".

لكن مشكلة كركوك، يستدرك الشريفي "لم تبدأ بعد عام 2003 بل منذ عقود، عندما قرر حزب البعث تغيير الحدود الإدارية لعدد من المحافظات ومنها كركوك التي كانت تضم 36 وحدة إدارية ليتبقى منها 16 فقط".

يتابع: "لا يزال النزاع قائماً وكامناً وفاعلاً، وبسبب وجوده، فإن المحافظة الغنية بالنفط عاجزة عن اختيار محافظ لها اليوم، رغم مرور أشهر على انتخابات مجالس المحافظات".

يتفق المحلل السياسي إياد العنبر مع ما ذهب إليه الشريفي، بالقول "من الناحية السياسية نحن أمام قضيتين الأولى هي المناطق المتنازع عليها، والثانية هي كركوك. وهي من الخلافات المهمة بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان. وفي حال إجراء إحصاء يتضمن القومية فإنه يمكن أن يؤجج المشكلة أكثر من أن يقدم حلاً لها".

وتعتبر الخلافات على المناطق المتنازع عليها واحدة من أعقد المشكلات بين إقليم كردستان وبغداد، وهي تتضمن محافظات كركوك ونينوى وصلاح الدين وديالى. وكان الدستور أقر المادة 140 كحل لها، التي تتضمن ثلاث خطوات، إحداها تتعلق بإجراء إحصاء للسكان واستفتاء لتحديد المصير.

وزارة التخطيط نأت بنفسها عن أن تكون جزءاً من تنفيذ المادة الدستورية من خلال تقديمها سؤالاً إلى المحكمة الاتحادية عام 2010، يتعلق بالإحصاء السكاني وإذا ما كان هو ذاته المقصود في الدستور. وحينها أشارت المحكمة إلى أنه لا يوجد أي ربط بين الإحصاء العام والإحصاء المذكور ضمن المادة 140.

مع ذلك يرى العنبر أن قضية الأرقام المتعلقة بالمذاهب والقوميات "واضحة في أغلب المناطق لأن أغلبها معروف من يسكنها، لكن البعض يحاول استثمار الموضوع للتجاذبات السياسية والدخول في جدل سياسي جديد. وربما يتم الطعن في بعض النتائج باعتبارها تغيير ديمغرافي إذا ما تم ذكر القومية والمذهب وهو أمر لسنا بحاجة له على الإطلاق".

لماذا عجز العراق عن إجراء تعداد سكاني منذ ربع قرن؟
عام 1997م أجرى العراق تعداده السكاني الأخير. عملية شابتها الكثير من المشاكل، فلم يُجرَ الاستطلاع إلا في 15 محافظة بعد استبعاد محافظات إقليم كردستان، الأمر الذي دفع بعض الباحثين لعدم الاعتراف بنتائجه والاكتفاء ببيانات الإحصاء الذي سبقه بعشر سنوات وشمل جميع محافظات العراق.

مقاعد

في السياق نفسه، يقول رئيس مركز "المورد" للدراسات والإعلام نجم القصاب، إن عدم ذكر القومية والمذهب في التعداد معناه أن "الحكومة تتعامل مع المواطن كونه عراقياً فقط، وليس على أساس المكونات". 

والمكون، برأيه "يقسم المجتمع أولاً، والدولة العراقية ثانياً" مردفاً "لهذا علينا أن نغادر هذه المسميات وهذه الأسماء".

ولكن، ما تأثير ذلك على التعداد السكاني؟ يقول القصّاب إنه "يتعلق بالفروقات السكانية التي يمكن أن تظهر بين محافظة وأخرى، وهو أمر من شأنه إحداث تغييرات في التمثيل البرلماني للمحافظات".

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "إذا ما حصل وكانت الأرقام الحقيقية خلال التعداد السكاني مختلفة عن التقديرات في المحافظات، فمن يظهر وجود نسبة سكان أعلى لن تتضرر بل ستستفيد لأن تمثيلها السكاني سيرتفع. أما المحافظات التي تتراجع بها النسبة السكانية بشكل ملحوظ ستتراجع نسبة تمثيلها البرلماني وتصبح مقاعدها أقل".

تغيير نسب السكان معناه كما يقول المحلل السياسي علي الحبيب لـ"ارفع صوتك" أن هناك إمكانية لـ"زيادة مقاعد بعض المحافظات التي سيرتفع عدد سكانها، كما سترتفع حصتها المالية التي تعتمد على عدد السكان وتتغير الخطط التنموية المتعلقة بها"، وإذا تراجع عدد السكان "سيحصل العكس، أي أن تتراجع أعداد المقاعد وتنخفض تخصيصاتها المالية".

هذه العوامل، بحسب الحبيب "تثير المخاوف لدى المراقبين من إمكانية حصول تدخلات لتحقيق مكاسب سياسية ومالية عبر التأثير على عملية التعداد، التي تؤدي إلى تحقيق نتائج غير دقيقة، خصوصاً أن لدينا تغيرات ديمغرافية قبل وبعد عام 2003، ووجود عدد كبير من النازحين في المخيمات".

جزء من هذه المخاوف تأتي "لعدم توفر البنية التحتية الضرورية مثل التقنية والموارد البشرية المدربة بشكل كافٍ، وعدم تنمية الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية ليُدلي ببياناته بشكل دقيق"، يتابع الحبيب، مضيفاً "كل هذه المعوقات من شأنها أن تؤثر سلبياً على نتائج الإحصاء".

والحل، أن يبذل العراق "جهوداً كبيرة لتطوير البنية التحتية، وحل أزمة الثقة بين المواطن والحكومة للوصول إلى نتائج حقيقية للإحصاء السكاني"، يقول الحبيب.