ثار الأقباط على الخلافة العباسية بسبب الحيف الذي طالهم من ولاة الخليفة المأمون.
ثار الأقباط على الخلافة العباسية بسبب الحيف الذي طالهم من ولاة الخليفة المأمون.

من الأمور اللافتة أن المؤرخين السريان لا يسمون الدولة العباسية إلا باسم واحد، وهو "دولة الفرس"، والسبب أن جيوش هذه الدولة وقادتها على وجه الخصوص كانوا في غالبيتهم من الفرس الخراسانيين.

وكان أقباط الوجه البحري، الذين يسمون في المصادر السريانية بـ "البياميين"، وفي مصادر أخرى بـ"البشموريين"، من الشعوب التي ثارت على الفرس، كما يرد في المصادر السريانية حرفياً، والمقصود هنا الدولة العباسية.

وقد سعى الخليفة المأمون لدى بطريرك السريان ديونيسيوس التلمحري (770- 845 م) للوساطة والوقوف على أسباب الثورة، ومحاولة إيقافها، نظراً لأنه كان "خليفة مسالماً يقبل الحوار" و"يجنح إلى السلم"، كما يقول البطريرك التلمحري الذي دوَّن تفاصيل وساطته تلك.

وكان ذلك التدوين المصدر الأهم عن أخبار تلك الثورة، والتي انتهت نهاية مأساوية، يصح عليها القول إنها من سخريات التاريخ المريرة، نظراً لأن الثوار الأقباط، وبعد أن استسلموا، تم تكليفهم بالقضاء على ثورة الزط (الغجر) في جنوبي العراق، فقاموا بالمهمة خير قيام!

 

مأساة تنيس

 

في ظل حالة الفوضى التي اجتاحت سوريا ومصر إبان حرب الأخوين، الأمين والمأمون، استأثر واليا مصر السري بن الحكم وعبد العزيز الجروي بالأمر، وفرضا الجزية وجمعا أموالاً طائلة من فقراء المصريين، والسري بن الحكم أصله من بلخ من شعب الزط، وهم من يعرفون الآن باسم "الجيتان" أو الغجر. وبحسب البطريرك التلمحري، كان جنود السري بن الحكم يتكونون من 80 ألف مقاتل معظم من بلاد ميديا، في غربي إيران الحالية. 

وكان الخليفة المأمون أوفد الوزير عبد الله بن طاهر للوقوف على حال مصر ووضع حد للولاة المتسلطين. فقام بالمهمة إلى حد ما، ولكنه لم يضع حداً لمأساة الأقباط البشروطيين. وكان البطريرك التلمحري موجودا في مصر ذلك الوقت، وذلك لحل بعض القضايا العقائدية مع بابا الأقباط يعقوب، وقد طلب منه أقباط مدينة تنيس (قرب بورسعيد حاليا) أن ينقل شكواهم للأمير عبد الله بن طاهر عله يجد حلاً لمأساتهم فكتب في ذلك يقول: "كانت مقابلتنا له (الأمير عبد الله بن طاهر) ليلاً لانشغاله نهاراً بالحرب، وكان حديثنا مفيداً. وسلمت إليه رسائل أهل الجزيرة (تنيس) والغرب وشكاواهم من عماله، ورويت له مأساة مدينة تنيس المصرية المؤلمة، التي ولئن كانت تعج بالسكان والكنائس، إلا أننا لم نجد فقراً أشد من فقر سكانها".

ويلخص التلمحري إفادات أهل تنيس كما يلي: "سألناهم كيف تردّت أحوالهم إلى هذا الحد، فأجابونا قائلين: إن المياه تحيط بمدينتنا من كل حدب وصوب، وليس لنا زرع أو غلة أو فلاحة، ولا يمكننا اقتناء الأموال. والمياه التي نشربها تأتينا من بعيد ونشتريها بجهد جهيد كل أربع جِرار بدرهم. أما شغلنا فهو الكتان، تغزله النساء بالمغازل ونحن ننسجه بالنول بأجرة قدرها نصف درهم، نتقاضاها يومياً من التجار أصحاب الأدوات، ولا يكاد شغلنا يكفي قوت يومنا. وحينما يحين موعد الضريبة، يفرضون على كل بيت خمسة دنانير، فنعاني من ذلك ونُلقى في السجون. وفي غمرة ضيقنا نرهن لهم أحباءنا، أجل إننا نرهن لهم أبناءنا وبناتنا ليعملوا عبيدا عندهم، وقد يحدث أن امرأة أحدنا أو ابنته تلد عندهم، فيحذروننا من رفع الشكوى ضدهم، والأنكى هو أنه قبل بلوغ الأوان لفدية المرأة أو البنت، تأتي ضريبة السنة التالية، فيطالبوننا، بالإضافة إلى الرهائن، بدفع مبلغ آخر، وهكذا يظل أولادنا وبناتنا عبيداً للفرس طيلة حياتهم".

عندما سمع المأمون ذلك أمر أن ترفع المظالم عنهم فوراً وأن يدفعوا الضريبة المقررة أسوة بأهل الجزيرة، أي 48 قرشاً للكبار و24 للوسط و12 للوسط و12 للفقراء، وذلك بحسب إحصاء النفوس.

 

الثورة مجدداً

 

توقفت الثورة مؤقتاً، ولكن الولاة الفرس عادوا ليثقلوا على الأقباط الضرائب، فاشتعلت مجدداً، ولكن بشكل أكثر عنفاً هذه المرة. هنا طلب الخليفة المأمون من البطريرك التلمحري أن يرافقه إلى مصر، لكي يذهب سفيراً إلى البياميين في مصر السفلى، ويوصيهم بالعدول عن التمرد الذي بدا منهم، كما يقول، وكان ذلك عام 831م. 

ويوضح التلمحري أن السبب المباشر للثورة كان حين "أرسل المأمون قائده الأفشين، (وهو من الإثنية التركية)، إليهم لإحلال السلام. ولكن الأفشين ألزم جنوده بأن يجمعوا أرزاق الجيش من قراهم. وصادف أن رأى بعض الجنود امرأة فحاولوا اغتصابها فصرخت، وسمع الذين في الجزيرة صراخها فاندفعوا نحوها وقاتلوا، فقتل منهم وقتلوا. فتعكر بذلك صفو الأمن ثم تلاشى كلياً".

في مدينة الفرما، دار حديث بين المأمون والبطريرك لخصه لنا كما يلي: "لما دخلت عليه صافحني كالعادة وقال: لقد سمعت أيها البطريرك بتمرد المسيحيين الأقباط المعروفين باسم البياميين الذين لم يتعظوا بما جرى لهم في الحرب الأولى، ولولا أني رحيم ولا رغبة لي في القتل، لما أرسلتك إليهم، لكن اصطحب الأساقفة الذين معك وجماعة من المصريين، وسافر إلى المتمردين وأعطهم تعهداً بالأمان، وليحضروا مع قواتهم إلى المكان الذي أختاره لإقامتهم، وإن لم يذعنوا أهلكتهم بحد السيف. فاستعطفتُه أن يبقيهم في منطقتهم فرفض، مصمماً على أحد الأمرين، إما ترك بلدهم أو القتل وأمر الخليفة أن يرافقني بطريرك مصر". 

 

تجمد نهر النيل

 

ينقل البطريرك معلومة عن صقيع من النادر أن يقع في مصر، وقد أدى إلى تجمد نهر النيل. وفي ذلك يقول: "وأتت الأخبار بسقوط الثلج واشتد البرد كثيراً.. وجمدت الخمرة في الجرار. وحين وصلنا إلى النيل أخبرونا بأن النهر قد جمد أيضاً، الأمر الذي لم يُسمع من قبل. سافرنا بطريق النهر، وبعد ثمانية أيام التحق بنا البطريرك يوسف، ونزلنا إلى إقليم بشروط (وهو إقليم يقع بين فرعي دمياط والرشيد في الدلتا) حيث يقيمون، فوجدناهم مجتمعين في إحدى الجزر المحاطة بالقصب والبردي. فجاء إلينا رؤساؤهم فلمناهم على تمردهم وعلى ما ارتكبوه من أعمال القتل، فاشتكوا من الحاكم. ولما أطلعناهم على قرار مغادرتهم بلدهم اغتاظوا وطلبوا إلينا أن نستأذن الخليفة ليقابلهم فيطلعوه على ما يحتملونه من حاكمهم أبي الوزير، الذي ضاعف عليهم الجزية، وكان يسجنهم في الليل فتأتي نساؤهم لهم بالطعام، فيهجم عليهن الجند وينجسونهن. كما كان يفكر بقتل الكثيرين منهم حتى إبادتهم جميعاً لئلا يشكوه لدى الخليفة". 

وبعد أن أخبر الأفشين بجواب الثائرين الرافض لمغادرة بلادهم، قال للبطريرك: "إذن فالسلام غير وارد، فاذهبا وقولا للخليفة أن لا مكان للسلام". ويتابع البطريرك: "باشر بعد ذلك يحاربهم، فأضرم النار في القرى والكروم والبساتين والكنائس في أرجاء الإقليم كلها. أما البياميون فكانوا يطعنون الفرس ويرمونهم بالسهام والحراب من بين القصب، واستقدموا جيرانهم وحرضوهم ضدهم فقَتلوا وقُتلوا". 

 

لقاء المأمون


ينقل التلمحري وقائع لقائه بالخليفة المأمون كما يلي: "لدى مقابلتنا الخليفة أطلعته على كل الأمور، بما في ذلك الظلم الذي ألحقه أبو الوزير بالأقباط والذي سببه عدم تحقيق السلام، وكيف أن أبناء المنطقة يشتكون منه ومن اثنين آخرين. وكان يصغي إلي بارتياح، وإني لم أقع تحت تأثير غيرتي. وقد تجرأت ونصحته واستشهدت الله عليه مذكراً إياه بالحساب الذي سيقدمه لربه عن الرعية المؤتمن عليها، مستشهداً بقول النبي بالحق تكلمت أمام الملوك ولم أخجل. فقال: إن هؤلاء العمال لا يتصرفون بحسب إرادتي، وأنا لا أحبذ أن أثقل على الناس، لا بل إني أشفق على أعدائي الروم، فكيف لا أشفق على رعيتي؟ وبإذن الله سأصحح كل شيء". 

ونتيجة لتلك المقابلة؛ استدعى المأمون زعماء المتمردين، كما يقول البطريرك التلمحري، و"أمرهم بمغادرة تلك المنطقة، فأطلعوه على سوء المعاملة التي لاقوها، ويخشون، إذا غادروا، أن لا يجدوا مورداً لمعيشتهم لأنهم يعتمدون على القصب وصيد الأسماك، غير أنهم أذعنوا له أخيراً وغادروا بالسفن إلى أنطاكية ومنها إلى بغداد، وكان عددهم نحو ثلاثة آلاف وقد مات كثير منهم في الطريق، واستعبد الأسرى منهم، وعددهم نحو خمسمائة نفس، للمسلمين الذين أخذوهم إلى دمشق وباعوهم هناك، الأمر الذي لم يجر من قبل في بلاد المسلمين، أي بيع من يخضع للجزية". 

ويضيف: "غير أننا وبعون الله، شجعنا المؤمنين على افتكاكهم وبذلك تحرروا، لكنهم لم يعودوا إلى بلادهم بسبب المجاعة المنتشرة هناك، حيث هاجر الكثيرون منهم إلى سوريا ليشبعوا خبزاً. وأصدر الخليفة أمراً إلى عماله بعدم الإساءة إلى المصريين أو قتلهم، كما خفض الضرائب عنهم إلى النصف". 

 

تعسف طال المسلمين أيضاً


بعد مغادرة الخليفة المأمون مصر، عاد الولاة والجنود الفرس لسابق عهدهم كما يقول البطريرك، ولكنه يشير هنا إلى معلومة غاية في الأهمية، وهي أن الظلم والتعسف كان يطال إلى جانب المسيحيين، المسلمين المصريين أيضاً. يقول في ذلك: "كان الفرس يدخلون القرى ويوثقون الناس بشكل مجاميع، تضم كل مجموعة عشرة أو عشرين شخصاً ويرسلونهم إلى الفسطاط دون التأكد من ذنبهم أو براءتهم، وقُضي على الكثيرين من دون ذنب. وقد حدثت قصص غريبة إذ عرض الذين ربطوا وسيقوا للقتل، رشوة على الذين يقودونهم مقابل إطلاقهم، فقالوا لهم: لقد تم تسليمكم لنا بالعدد، فتريثوا ريثما نأسر من نصادفهم في الطريق ونطلقكم. فلاقاهم ثلاثة رجال، قسّ ومسلمان، كان أحدهما إماماً للمسجد، فقبض عليهم بدلاً عمّن دفع الرشوة، وإذ لم يفسح لهم المجال أن يتكلموا، قتلوا، وهكذا كانت جثث القتلى الأبرياء تملأ الطرق". 

 

أصل الغجر 

 

على إثر وفاة المأمون في بلاد الروم، حدثت بلبلة استمرت ثلاثة أيام، استقر بعدها الأمر للمعتصم، والذي ثار الزط ضده في أهوار العراق. وهؤلاء الزط أو الجت أو الجيتان كما عرفوا في فرنسا وإسبانيا بداية عصر النهضة، هم قبائل من الغجر تم استقدامهم إلى جنوبي العراق في فترة الفتوحات الإسلامية المبكرة على يد الأمويين بعيد فتح بلاد السند (باكستان حاليا) للعمل في منطقة البصرة والبطائح.

ثم ما لبث أن استقدم معاوية بعض الزط من منطقة البطائح في العراق إلى منطقة بلاد الشام وأنطاكية لإحداث بعض التغيرات الديمغرافية ووضعهم في مواجهة الخطوط الأمامية للروم البيزنطيين، ثم نقل الوليد بن عبد الملك إلى أنطاكية مجدداً قوما من الزط السنديين ممن حمله محمد بن القاسم إلى الحجاج، كما أشار البلاذري في فتوح البلدان. واستمر وجودهم لاحقاً في العراق حتى كثرت مشاكلهم في العصر العباسي فتم استئصال شأفتهم في عهد المعتصم، ومن ثم تهجيرهم إلى بغداد ومنها إلى ثغر عين الزربة في كيليكيا. ثم انطلقوا من هناك في تغريبة طويلة من المعاناة و الشقاء إلى الداخل التركي و إلى شرقي أوروبا ثم غربيها. 

 

ثورة الزط وتصدي الأقباط لهم 

 

بعد أن أعلن الزط ثورتهم على المعتصم أرسل الخليفة الجديد، المشهور بقسوته، قواته لمحاربة الزطيين الذين كانوا "يعيشون في وسط المياه التي يصب فيها دجلة والفرات [شط العرب]، لأنهم شعب متمرد ومصدر إزعاج للخلفاء، حيث إنهم يضربون ويقتلون ويسلبون التجار الذين يقصدون بغداد من البصرة والهند والصين"، بحسب تعبير البطريرك التلمحري. 

ويتابع قائلاً: "لم يستطع الجيش قهرهم لكونهم يقاتلون في الزوارق، فأرسل إليهم الأقباط الذين كان قد سباهم والمعتادين على الحياة في المياه، فكانوا يغطسون في الماء كالسمك دون أن يراهم أحد ويمطرون الزطيين بالنبال ويهربون، وهكذا هزم البياميون الزطيين، وقبض عليهم وعلى نسائهم وأطفالهم وزجوا في سجن بغداد ثم أعدموا".

ويقص علينا البطريرك مصير هؤلاء الأقباط المأساوي بعد أن وضعوا حداً لثورة الزط: "بعد الانتصار الذي حققه الأقباط ضد الزطيين، أحبهم الخليفة واختار منهم جماعة يعملون في خدمته وحدائقه وبساتينه، وآخرين لينسجوا أقمشة قطنية، نظراً إلى اشتهار المصريين بهذه الحرفة. وأذن للبقية بالعودة إلى وطنهم. فلما وصلوا إلى البحر وركبوا السفن ليعودوا إلى مصر، لاحقتهم العدالة هناك، فقد ثارت زوبعة أغرقتهم جميعاً في البحر".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

الناشط ماجد الخالدي- فرانس برس
يعيش عشرات آلاف العراقيين من ذوي البشرة السمراء في الأنحاء الجنوبية من العراق.

يعيش عشرات آلاف العراقيين من ذوي البشرة السمراء في الأنحاء الجنوبية من العراق، وتختلف الروايات حول الأصول العرقية التي جاؤوا منها، إلا أن أغلب الآراء تقول إنهم قدموا من شرق أفريقيا للعمل في استصلاح الأراضي الزراعية في القرن الأول الهجري.

عانى هؤلاء العراقيون من التهميش والاستبعاد السياسي لفترات طويلة، كما عانوا من العنصرية التي اعتاد الكثيرون على توجيهها لهم. 

أحفاد الزنج

لا توجد رواية تاريخية موثقة حول أصول العراقيين الأفارقة  الحاليين، فيما تذهب أغلب الآراء إلى أن أجدادهم  استقدموا إلى بلاد الرافدين في القرن الأول الهجري عقب تأسيس مدينة البصرة، إذ اعتاد العرب آنذاك جلبهم من شرق إفريقيا (السودان وإثيوبيا وزنجبار)، وإسكانهم في محيط نهري دجلة والفرات. 

تمثلت وظيفتهم الأساسية في استصلاح الأراضي الزراعية وفي العمل في الإقطاعات الواسعة التي امتلكها رجال الطبقة الغنية.

كان الكثير من هؤلاء الأفارقة عبيدا، كما كان منهم عمال ومزارعون وجنود أيضا.

في تلك المرحلة، عاشوا ظروفاً معيشية بالغة الصعوبة، حيث الفقر والتضييق وقلة الطعام وانتشار الأوبئة والأمراض فضلاً عن ظروف العمل الشاقة.

في سبعينيات القرن الأول الهجري، بدأت اعتراضات هذه الفئة للمرة الأولى، عندما احتلوا بعض المزارع والضياع، واستولوا على ما فيها من الثمار والمحاصيل. لكن سرعان ما تم القضاء على تلك الحركة على يد الخلفاء الأمويين الذين تعاقبوا على كرسي الخلافة.

عادت اعتراضات سود العراق، الذين كانت تطلق عليهم تسمية الزنوج (فيما عرف بثورة الزنج)، إلى الواجهة بشكل أكثر عنفاً في منتصف القرن الثالث الهجري. 

وبحسب ما يذكر المؤرخ والوزير العراقي الأسبق فيصل السامر في كتابه "ثورة الزنج"، فإن علي بن محمد -وهو فارسي ادعى النسب العلوي- تمكن من قيادة جماعات الزنج للثورة ضد الخلافة العباسية وطبقة ملاك الإقطاعيات. 

يذكر ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك" أن علي بن محمد استمال الزنج بالوعود والأماني التي قدمها لهم، فقال إنه "يريد أن يرفع أقدارهم، ويُملّكهم العبيد والأموال والمنازل، ويبلغ بهم أعلى الأمور". 

بعد شهور قليلة، فرض الثوار سيطرتهم على المنطقة الجنوبية الشرقية من العراق واستولوا على البصرة، كما استغلوا ضعف الخلافة العباسية فوسعوا نفوذهم في المنطقة الواقعة بين الأهواز وواسط. 

في سنة 270 هـ وضع العباسيون حداً لتلك الثورة، حين تمكن ولي العهد أبو أحمد الموفق بالله من حشد جيش كبير العدد وتغلب على قواتهم وقتل علي بن محمد في المعركة، ليُسدل الستار بذلك على تلك الثورة التي طالبت بتحقيق العدالة الاجتماعية. 

بعدها، استكان الزنج للأمر الواقع، واندمجوا في المجتمع العراقي على مر القرون.

اغتيل جلال ذياب في العام 2013.
"أصحاب البشرة السمراء" في سوريا والعراق.. عقود من التمييز والتهميش
يندهش الناس لسماعهم أن هناك أقلية سوداء من أصل أفريقي في سوريا والعراق، هذه الدهشة مردها إلى عقود من التمييز والتهميش. يسلط هذا المقال الضوء على الأقلية السوداء في سوريا والعراق، تاريخها، ومناطق انتشارها، وواقعها الحقوقي.

الديموغرافيا والتقاليد

حالياً، ينتشر العراقيون الأفارقة  في كل من البصرة والزبير وميسان وذي قار جنوبي البلاد، كما توجد تجمعات قليلة لهم في بغداد وواسط وبعض المدن العراقية الأخرى. 

لا توجد إحصائيات رسمية عن أصحاب البشرة السمراء في العراق، فيما تشير  إحصائيات غير رسمية إلى أن عددهم بين 250 و400 ألف نسمة، وتذكر بعض قياداتهم أن عددهم يصل للمليون ونصف المليون عراقي. 

بحسب ما نُشر على موقع مجموعة حقوق الأقليات الدولية، فإن أغلبية العراقيين من ذوي البشرة السمراء تعتنق المذهب الشيعي، والبقية المذهب السني.

على الصعيد الثقافي، يتمتع الأفارقة العراقيون بهوية مميزة تشكلت معالمها على مر القرون التي عاشوها في العراق، إذ اندمجت العديد من الطقوس الأفريقية المتوارثة مع بعض العادات التي تم اكتسابها في بلاد الرافدين. 

من تلك الطقوس "النوبان" نسبة إلى النوبة في جنوب مصر، و"الحبوش" نسبة إلى بلاد الحبشة القديمة، وهناك طقوس أخرى تعود إلى المناطق الساحلية من كينيا، فضلاً عن بعض الرقصات الدينية القادمة من أعماق إفريقيا كالجكانكا والهيوة.

كذلك، اعتاد اصحاب البشرة السمراء على ممارسة الفنون والغناء وعزف الموسيقى، فظهرت منهم فرق "الخشابة" التي تتميز بقرع الطبول واستخدام الآلات الموسيقية المصنوعة من الخشب، كآلة الخشبة التي تشبه إلى حد ما الطبلة، و"البنادق" وهي طبول من الفخار، فضلاً عن آلة "الكاسور" التي ابتكرها سعد اليابس، أشهر فناني التراث من العراقيين الأفارقة.

من جهة أخرى، يشتهر أصحاب البشرة السمراء بأداء تلك الفنون في "المكايد"، وهي الأماكن التي يخصصها أصحابها لأداء طقوس احتفاليه تُعزف فيها موسيقى الدفوف والطبول مع الألحان الأفريقية الموروثة. ويشيع إحياء تلك الطقوس في المناسبات الدينية وفي ذكرى الأموات والحزن وفي مناسبات الأفراح ايضاً.

تهميش وعنصرية

تنص المادة رقم 14 من الدستور العراقي لسنة 2005 على "المساواة دون تمييز على أساس عنصري". رغم ذلك، لا يزال العراقيون من ذوي البشرة السمراء يعانون من الاستهداف والعنصرية. 

على مر العقود، عانت تلك الفئة من التهميش السياسي، فلم يشغل أي منهم منصب وزير، أو يُنتخب نائباً في البرلمان الوطني أو في مجالس المحافظات.

في سنة 2007، قام الناشط جلال ذياب بتأسيس "حركة العراقيين الأحرار" وكانت الكيان الرسمي الأول للعراقيين الأفارقة. وصفها ذياب بأنها "تجمّع مدني علماني يهدف إلى إحقاق حقوقهم من دون أي بعد عنصري أو تمييزي"، بحسب ما يذكر الباحث سعد سلوم في كتابه "الأقليات في العراق". 

طالبت الحركة بتمثيل سياسي لأصحاب البشرة السمراء في الحكومة والاعتراف بوجودهم في الدستور العراقي والاعتذار الرسمي عن التاريخ الطويل من التمييز والعنصرية ضدهم، وتشريع قانون لتجريم كلمة "عبد" التي تطلَق على ذوي البشرة السمراءود، والمعاقبة القانونية للتمييز ضدهم، وتضمينهم في المناهج الدراسية. 

كما طالبت بالحصول على كوتا الأقليات، على غرار ما حصل عليه المسيحيون والأيزيديون والمندائيون والشبك.

في أبريل 2013، أُجهض مشروع "حركة العراقيين الأحرار" في مهده بعدما اغتيل جلال ذياب على يد مجهولين رمياً بالرصاص، وقيل وقتها إن استهدافه كان بسبب تأثره وإعجابه بالرموز الأميركية من ذوي البشرة السمراء، مثل مارتن لوثر كينج والرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما.

على الصعيد المجتمعي، تبدو معاناة العراقيين من ذوي البشرة السمراء بشكل أكثر وضوحاً. ذكرت بعض التقارير أن نسبة التعليم بينهم لا تتجاوز 25‎%، وأن هناك 75% منهم يسكنون في بيوت متواضعة مصنوعة من الصفيح. 

وتمتهن الأغلبية الغالبة منهم الأعمال الخدمية البسيطة، كالعمل في نظافة الشوارع والمزارع، أو الخدمة في الدواوين الحكومية. 

على استحياء، تمكن البعض من الخروج إلى المجال العام، من بينهم الفنان حسين البصري الذي يُعدّ من أبرز مطربي جيل السبعينيات، ولاعب المنتخب الوطني العراقي قصي منير الذي يُعتبر من أبرز لاعبي آسيا في سنة 2007.

في السياق نفسه، أشارت بعض التقارير للعنصرية التي يعاني منها الأفارقة العراقيون في الكثير من الحالات، مثل تميّز العادات والتقاليد الاجتماعيّة فيما بينهم وبين سائر طبقات المجتمع العراقي. على سبيل المثال، يرفض أغلبية العراقيين الزواج المختلط ما بين أصحاب البشرة السمراء وأصحاب البشرة البيضاء، كذلك "يُمنع زواج السود من السادة" -وهو الاسم الذي يُطلق على المنحدرين من نسل الرسول محمد- باعتبار أن هناك اختلافاً في الأصل والمكانة الاجتماعية والكفاءة. 

كذلك، تظهر المعاملة التمييزية ضد أصحاب البشرة السمراء في العديد من الكلمات التي توجه إليهم بهدف الاستهزاء أو السخرية، مثل كلمة "عبد" أو "أسود"، أو حتى مناداة أحدهم باسم أحد المشهورين من ذوي البشرة السمراء، كبلال بن رباح مؤذن الرسول، أو مايكل جاكسون المطرب الأميركي الراحل.