صورة أرشيفية تعود لاحتفالات أكراد لبنانيين بعيد النوروز عام 2012- رويترز
صورة أرشيفية تعود لاحتفالات أكراد لبنانيين بعيد النوروز عام 2012- رويترز

لبنان موطن لمئات الآلاف من الأكراد الذين قد يختبرون الذوبان في المزيج الوطني تارة والشعور بالظلم بصمت طورا.

يقول الناشط الكردي الشهير والمؤرخ عصمت شريف فانلي، الذي قضى حياته وهو يجهد ليقدم إستراتيجية تضع خاتمة للشتات في كتابه المخصص للأكراد في سوريا ولبنان، إن المنشورات والمعلومات حول الأكراد في المنطقة قليلة.

ويعزو ذلك لكونهم من الأقليات، حيث أن نسبتهم لا تساوي الأعداد الموجودة في تركيا أو إيران أو العراق، بالتالي هم "أقل عرضة لإشعال الانتفاضات ضد الحكومات من أجل المطالبة بحقوقهم".

ويعيش معظم الأكراد حسب فانلي (1991) في مناطق معزولة عن طرق الاتصال الرئيسة التي لا تحظى إلا بقدر ضئيل من الجاذبية للزائر الأجنبي.

فهل هذا يعني أن أكراد لبنان يقيمون في بقعة صامتة؟ 

 

وجود صارخ منذ البدايات

في رحلة عبر تاريخ هذا المجتمع الذي قسمه الشتات حول العالم، يؤكد د. حسان حلاق الباحث وأستاذ التاريخ بجامعة بيروت العربية، أن "مختلف المصادر التاريخية تشير إلى أن الأكراد شعب عاش في لبنان ومختلف الولايات العربية منذ آلاف السنين، ومنهم من تلبنن ومنهم من تمصّر (صار مصرياً)".

ويجزم: "بشكل عام، فإن الكثير منهم تعرّبوا فباتوا من نسيج هذا الشعب أو ذاك. ومما زاد في انتشارهم في العالم العربي وضمنا لبنان مشاركتهم الفعالة في الجيوش العربية والإسلامية، ما سمح لهم بالتوطن هنا وهناك".

وبما أن وجودهم في لبنان يعود إلى ما قبل إعلان الاستقلال عام 1920، حصل أغلبهم على الجنسية اللبنانية.

يقول حلاق: "لا شك بأن الكثير من الأكراد تواجدوا في البلاد قبل إعلان دولة لبنان الكبير، ومع توقيع الاتفاقيات الدولية، منحوا كسواهم الجنسية اللبنانية". 

مع ذلك، لا يعني منح الجنسية أن الاندماج تحقق بالكامل اعتبارا من ذلك التاريخ. فالمشكلة حسب ما يشرح المؤرخ، تكمن لدى الأكراد الذين توطنوا لبنان في مرحلة ما بعد عام 1932، وهو العام الذي تم فيه الإحصاء السكاني.

"فالأرمن الذين كانوا قد وصلوا إلى لبنان في الحرب العالمية الأولى أو الأكراد أو سواهم باتوا لبنانيين حسب الاتفاقيات الدولية، ولكن بقيت معضلة الأكراد الذين وصلوا لبنان بعد عام 1932 وعانوا من عدم منحهم الجنسية اللبنانية طوال عهد الانتداب والاستقلال، بعكس المسيحيين في ما بعد، الذين سعت الدولة لمنحهم الجنسية بما فيهم الأقباط"، يتابع حلاق.

ويعكس هذا الوضع تجربة الأكراد الصعبة في تلك الفترة ومواجهتهم الكثير من الممارسات العنصرية والطائفية طوال سنوات.

 يروي علي محمد حرفوش، وهو باحث متخصص في العلوم الاجتماعية، أن "التاريخ الكردي في لبنان يشهد على التحام الفقر بالفقر بسبب العنصرية وعدم قدرة الأكراد الذين يمتلكون الجنسية على العمل في مهن ووظائف عامة. فكانوا يلجأون للعمالة كعتالين واختاروا مناطق تكسوها ملامح الفقر الحزينة في ذلك الوقت للإقامة، مثل برج حمود، وباتت تلك المنطقة تضم أقليات مع الحفاظ على الصبغة الأرمنية الطاغية".

ويضيف: "طبع هذا التاريخ المرير كل معاناة مستجدة للأكراد الذي يستعيدون في المحطات التي يشعرون فيها بالظلم، سنينا طويلة من العنصرية والوصم بالغرباء". 

لكن الوضع تغير مع هبوب بعض رياح الأنصاف كما يصفها المؤرخون. بالنسبة لحلاق "لم ينصف التاريخ اللبناني الأكراد حتى عام 1958 إلا بعض الشيء، مع قيام رئيس الوزراء الرئيس سامي الصلح بتجنيس بعضهم".

ويبيّن: "ثم شعروا بنوع من الإنصاف الكامل من التمييز العنصري والطائفي والقومي، مع قيام الرئيس رفيق الحريري بحمل قضيتهم والمطالبة بتجنيسهم وبالفعل، فقد تم تجنيسهم جميعا في عهده، وبذلك شعر الأكراد للمرة الأولى بلبنانيتهم التي كانت مفقودة لعشرات السنين. وسمح هذا الواقع الجديد للأكراد بالتقدم بالتوظف والترشح للبلدية او الاختيارية أو النيابة أو أية وظيفة عامة".

 

ضجيج برلماني منقوص

على الرغم من محاولات الأكراد الذين تقدر أعدادهم في لبنان بين 80 ألفاً و200 ألف شخص بغياب الإحصاءات الدقيقة، لا يتوفر مقعد خاص لهذه الطائفة داخل الندوة البرلمانية التي تضم 128 نائبا ينتخبون على أساس قانون طائفي.

بالنسبة للأكراد اللبنانيين الذين أتت غالبيتهم من ماردين التركية هرباً من العنف والتنكيل، فإن التمثيل النيابي حق، خصوصا في ظل الخلط بينهم وبين الطائفة السنية.

وهذا ما يدفعهم في عدة مواضع للتركيز على أن هناك فارقاً بين السنة والأكراد خصوصاً إذا أخذنا الاختلافات الثقافية والفروقات اللغوية الواضحة بعين الاعتبار.

وحاول الأكراد الذين استهدفتهم كتل كثيرة في الانتخابات باعتبارهم أصحاب أصوات وازنة خصوصا في بيروت، خوض الانتخابات في دورتها الأخيرة في منتصف مايو 2022، فتقدم المرشحان محمد عميرات الآتي من أكبر العائلات البيروتية ود. خالد عثمان، مؤسس الجمعية الكردية اللبنانية الخيرية، (ولكن هذا لا يعني أن الترشيح يختصر التمثيل الكردي بل برز ضمن السباق للظفر بالمقعد السني مثلا في دائرة بيروت الثانية).

وكان سبق أن تقدمت رئيسة "رابطة نوروز" حنان عثمان، للانتخابات في الدورة التي سبقت، بصفتها أول سيدة تترشح عن الطائفة الكردية.

ومع ذلك، اصطدمت الطموحات الانتخابية بالتهميش نتيجة القانون الطائفي. ولكن هذا لا يعني الغياب التام عن التمثيل خصوصا لجهة المشاركة الفعالة في البلديات والمخاتير.

تعليقا على ذلك، يحذر حرفوش من تداعيات الشعور بالغبن والحرمان من التمثيل، مردفاً "للهوية الكردية طابعها الخاص الذي يمنحها الحق تماما كالطائفة الأرمنية بضمان تمثيلها في البرلمان، وهي لا تقل لبنانية عن أي طائفة أخرى". 

وعن غياب التمثيل، تقول الشابة الكردية المتخصصة في الإعلام، أفين إسماعيل، في فيلمها "حق بلا حدود" (جامعة بيروت العربية- 2014): "كل المقابلات التي قمنا بها التي شددت على الوجود الكردي الأصيل في لبنان، قادتنا للتساؤل حول غياب التمثيل البرلماني لطائفة كبيرة تواجدت في فترة متقاربة مع التواجد الأرمني".

وتؤكد "لطالما كان الوجود الكردي لافتا، وفي رحلة البحث عن تاريخ الأكراد، اكتشفنا أن من رفع العلم اللبناني لأول مرة بعد إعلان نهاية الانتداب الفرنسي كان شابا من جذور كردية. وللأكراد تضحياتهم في لبنان ولهم مقابر تشهد على الثمن الذي دفعوه من أجل الوطن مثلا خلال الاجتياح الإسرائيلي".

وتأسف إسماعيل لأن "قضية تمثيل الأكراد ضحية النظام الطائفي الذي يخشى ربما ضم الأصوات الكردية السنية بشكل قد يؤثر على التوازن الطائفي بغض النظر عن اللبنانية الحقة للأكراد". 

 

تراث من جيل لجيل

هذه "اللبنانية" تظهر جليا لا بل تتأصل في جذور الوجود الكردي اللبناني حد الذوبان، كما يقرأ الباحث الاجتماعي محمد حرفوش.

وتتقاطع قراءته مع قراءة كثير من الأكراد الذين ولدوا في لبنان أو حطوا رحالهم فيه قادمين من سوريا وحاملين معهم إرثا في القلب ومن كل مكان.

يقول مصمم الأزياء خليل سيدو، إن أعماله تنقسم بين الموضة الحديثة والتراث الكردي، ليشارك تجربة لبنانية سورية بنكهة كردية أصيلة.

"الزي الكردي الجميل الذي شكل في يوم من الأيام اللباس المعتاد، لا يزال يحتفظ يهيبته وبقيمته العميقة التي تتخطى مجرد الإطلالة، لتتزاوج مع مشروع البنية الثقافية والهوية. ويحضر هذا الزي بقوة في المناسبات مثل الأعياد والأفراح الأكثر رمزية كالزواج، لكنه يغيب عن دوره كلباس عملي يومي لصالح الاندماج المجتمعي في مكان بات بدوره جزءا من الهوية"، يشرح سيدو.

ويتابع: "الأثواب النسائية الكردية المصنوعة من القماش الفاخر والزخرفات المعبرة والمحاكاة بتأن وبجهد كبيرين، إن لم تُلبس تجد لها مكانا في صدر البيت أو في المقتنيات المتوارثة بين الأجيال لتذكر بالقومية وبقيمة الأشخاص. لعل ذلك ما يمزجها بعقد وحزام الذهب، الذي تتزين عادة به العروس أو تحتفظ به كإرث للأجيال القادمة، والذي يلمع بألف لون إلى جانب (الشروال) الرجالي في أهم المناسبات مثل عيد النوروز".

ويؤكد أنه "ليس من الصعب الاندماج في المجتمع اللبناني، فالكردي في لبنان يتزوج من غير الأكراد ويتكلم العربية بطلاقة بالتوازي مع الكردية، ويتمسك على الرغم من كل شيء بالأمل. ولذلك يتمسك بأحجية تاريخه الجميل ويمزجه بواقعه مهما كان مريرا.. هذا الإصرار يكمن في قلب النوروز".

ويتأصل الأحتفال بعيد النوروز الذي يصادف في 21 مارس من كل عام، في ممارسات كل كردي في لبنان كما في دول العالم الأخرى. يقول سيدو: "حتى ولو كلفنا الأمر الفصل من الوظيفة.. إنه عيد الحياة! إنه عيدنا!".

وفي هذه المناسبة، يجتمع لبنانيون من أطياف متنوعة، هم الذين ينحدرون من 18 طائفة، للاحتفاء بمناسبة فرحة تضاف إلى قائمة طويلة من الأفراح التي فرضها التنوع الديني والطائفي.

ولهذا العيد في لبنان احتفالاته التي ترعاها من الناحية الثقافية جهات عدة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر "رابطة نوروز" التي تأسست عام 2014 في بيروت، وتنظم ضمن نشاطات أخرى دورات باللغات العربية والكردية ونشاطات عن التاريخ الكردي.

وليس من المفاجئ الاهتمام باللغة الكردية كونها "عماد الثقافة وحافظة التاريخ الذي لا يتجزأ من التاريخ اللبناني". حسب د. حسان حلاق، مردفاً "الكردي اللبناني لا يقل وطنية وإخلاصا للبنان عن أي لبناني أصيل. فهنيئا للبنان بالشعب الكردي اللبناني الذي شارك في بناء لبنان الحديث والمعاصر منذ مئات السنين".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

إيزيديين
عشرات الإيزيديين فروا من إقليم كردستان العراق إلى سنجار بعد "خطابات كراهية" ضدهم | Source: SM

دفعت "زوبعة منظمة" كما وصفها نشطاء حقوق إنسان وسياسي سابق، العشرات من العائلات الإيزيدية المقيمة في كردستان العراق للفرار إلى سنجار، وهي أرضهم الأم التي تعرضوا فيه للإبادة على يد تنظيم داعش في مثل هذا الشهر من عام 2014.

وقال الناشط الإيزيدي والمدافع عن حقوق الإنسان، فرهاد علي لموقع "الحرة" إنه ومنذ أمس الخميس غادرت أكثر من 700 عائلة إيزيدية كردستان العراق، "بسبب خطابات الكراهية التي صدرت من بعض رجال الدين في الإقليم".

وأوضح أن خطاب "رجال الدين" تسبب في حالة خوف وهلع بين الناس، مشيرا إلى "وضع صعب يشمل الإيزيديين المقيمين في المخيمات في إقليم كردستان وسنجار".

"العائلات لا تعرف ماذا تفعل ويريد أفرادها إيقاف (الزوبعة) الحاصلة وعدم بث خطاب الكراهية، والحفاظ على التآخي والتعايش بين جميع المكونات العراقية"، كما يتابع علي.

ونشر الناشط عدة تسجيلات مصورة عبر موقع التواصل "إكس" توثّق حركات الفرار باتجاه سنجار.  

ويضيف الناشط الإيزيدي مراد إسماعيل أن "خطابات الكراهية" التي دفعت العائلات الإيزيدية للفرار جاءت في أعقاب التصريحات الأخيرة لقائد قوات سنجار، قاسم ششو، والتي أطلقها في ذكرى الإبادة التي نفذها تنظيم داعش.  

 

 

وقال في تغريدة عبر "إكس": "من المقلق كيف أن أفعال أو تصريحات أي فرد إيزيدي تؤدي إلى لوم المجتمع الإيزيدي بأكمله وتجريده من الإنسانية وتكفيره".

من جانبها، نفت السلطات الأمنية والإدارية في محافظتي دهوك وزاخو الأنباء التي تحدثت عن هروب نازحين من مخيمات الإيزيديين خوفا من انتقام متطرفين إسلاميين عقب تصريحات ششو، وفقا لمصادر الحرة.

ما قصة التصريحات؟

"خطاب الكراهية" الذي انتشر ضد أبناء المجتمع الإيزيدي في العراق جاء بعد حديث مصّور تناقله مستخدمون عبر مواقع التواصل لقائد قوات سنجار، قاسم ششو، واتهم على إثره بالإساءة للنبي محمد والتحريض على الحرب بين الديانات.  

ونشروا تسجيلا مصورا مقتطعا عبر مواقع التواصل، ولم يتأكد موقع "الحرة" مما جاء فيه وما قاله ششو بالتحديد.

ورغم التوضيح الذي نشره القيادي الإيزيدي وتداولته وسائل إعلام لم تتوقف الحالة الخاصة ببث خطاب الكراهية ضد الإيزيديين، كما قال نشطاء حقوق الإنسان الذين تحدث معهم موقع "الحرة".  

وجاء في بيان قائد قوات سنجار أنه لم يقصد الإساءة إلى الإسلام أو المسلمين أو النبي محمد، وأضاف أنه أراد التذكير بأنه "مادام المتطرفون موجودون فإن الاعتداءات ضد الإيزيديين سوف تستمر".

وفي غضون ذلك أصدر "المجتمع الإيزيدي" بيانا، الجمعة، أوضح فيه أنه "تم استخدام جملة من كلام (ششو) عن الإبادات دون أن يكون قاصدا النبي محمد ولا الإساءة إلى شخصه الكريم".

وأضاف البيان: "ولم تكن العبارة تعبر عن موقفه ولا موقف المجتمع الإيزيدي ولا الديانة الإيزيدية المبنية على احترام الشعوب والعقائد"، مؤكدا على التوضيح الذي نشره ششو، وأن "كلماته كانت تستهدف المجاميع الإرهابية التي قامت بالإساءة للدين الإسلامي الحنيف أكثر من الإساءة إلى غيره".

واعتبر "المجتمع الإيزيدي" أن ما وصفهم بـ"أطراف الإسلام السياسي ومنابرهم الإعلامية تقوم على وسائل التواصل بتأجيج المشاعر الدينية للإخوة المسلمين، متحججين بكلمات غير مقصودة تم تفسيرها بشكل غير صحيح لقائد قوات سنجار".

وأشار إلى "حملة منظمة عبر مواقع التواصل للتحريض على قتل الإيزيديين، وهم الذين يعانون منذ سنوات طويلة من التكفير ولا يوفر المتطرفون جهدا إلا ويستغلونه لتهديد أبناء شعبنا المسالم"، وفق البيان.

وتابع في الختام: "نوجه أنظار الحكومة العراقية وحكومة الإقليم والمجتمع الدولي إلى خطورة الوضع والمخاوف لدى المواطنين الإيزيديين العزل، وبشكل خاص المقيمين في مخيمات النزوح".

"مذكرة قبض وردود"

وذكرت وسائل إعلام عراقية أن محكمة استئناف نينوى أصدرت مذكرة قبض بحق قائد قوات سنجار، بتهمة الإساءة للنبي محمد و"التحريض على حرب بين الديانات".

المادة القانونية المنطبقة على التهمة هي رقم (195) من قانون العقوبات العراقي، كما جاء في المذكرة، التي لم تشر إلى صاحب الدعوى.

ونقل موقع قناة "روداو" عن  حيدر ششو، ابن شقيق قاسم ششو قوله إنه يعتقد بأن تصريحات عمه عن النبي محمد قد أسيء تفسيرها، مشيرا إلى أنه "تمت المبالغة في هذه المسألة رغم توضيحاتنا". 

وأضاف أن الهدف من تأجيج الموضوع هو يهدف "خلط الأمور"، لافتا إلى أن الموالين لداعش قاموا باستغلالها، كما حذّر من أنه وفي حال الاستمرار بذلك فسوف يتخذون موقفا، مردفا: "الذين يعارضوننا اليوم لم يقولوا شيئا عن كل الانتهاكات التي ارتكبت بحقنا".

لكن في المقابل صدّرت عدة إدانات للحديث الذي أطلقه ششو، والذي اعتبر "مسيئا للنبي محمد".

وكان أبرزها من جمال الضاري الأمين العام للمشروع الوطني في العراق، إذ قال عبر "إكس": "ندين بأشد العبارات قيام المدعو قاسم ششو بالإساءة لرسولنا الكريم محمد  وللدين الإسلامي الحنيف، مستغلا ذكرى جريمة الإبادة الايزيدية لتمرير أجندته الخبيثة".

وأضاف الضاري: "وفي الوقت الذي نؤكد فيه رفضنا وإدانتنا لجرائم تنظيم داعش الإرهابي والتي لا تمت لتعاليم الاسلام، نطالب الحكومة العراقية وجميع القوى السياسية بالتصدي بحزم لهذه الإساءات".

كما طالب بـ"تقديم المحرضين والمسيئين إلى العدالة ليكونوا عبرة، لكل من يحاول بث الفرقة والإساءة للأديان والرسل والرموز الدينية المقدسة".

ولم يصدر أي بيان رسمي حتى الآن من الحكومة العراقية أو حكومة إقليم كردستان العراق.  

ومن جهته أشار الناشط الحقوقي الإيزيدي مراد إسماعيل إلى "آلاف خطابات الكراهية والمنشورات والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، التي انتشرت خلال الأيام الماضية".

وقال إسماعيل إن ما سبق يحدث "في ظل صمت المؤسسات الأمنية والقضائية".

وأوضح أن "مئات العائلات الإيزيدية تسارع الآن إلى مغادرة مخيمات النازحين نتيجة لخطاب الكراهية والتهديدات من المتطرفين في أعقاب تصريحات ششو".  

كما أضاف أن "الحكومة العراقية وحكومة كردستان لديهما المسؤولية القانونية لملاحقة هؤلاء المتطرفين الذين ينشرون الكراهية ضد الإيزيديين في المنتديات العامة ويحرضون على العنف ضدهم".

"في ذكرى الإبادة"

وسنجار، وهي منطقة جبلية في شمال غرب العراق، موطن لخليط من السكان الأكراد والعرب، والإيزيديين هم أقلية إثنية ودينية يتحدثون الكردية.

وفي أغسطس 2014، اجتاح تنظيم "داعش" جبل سنجار وقتل عناصره أعدادا كبيرة من هذه الأقلية واحتجزوا آلافا من النساء الفتيات واتخذوهن سبايا.

وفيما خطف أكثر من 6400 منهم، أُنقذ حوالي نصفهم أو تمكنوا من الفرار، بينما لايزال مصير الآخرين مجهولا.

وبعد ثلاث سنوات من الاجتياح، أعلن العراق عام 2017 الانتصار على التنظيم الذي ترك خلفه أكثر من 200 مقبرة جماعية يرجح أنها تضم حوالي 12 ألف جثة، وفقا للأمم المتحدة.

وتقول منظمة "هيومن رايتس ووتش" إن 80 في المئة من البنية التحتية و70 في المئة من بلدة سنجار، أكبر مدينة في القضاء، دمر خلال النزاع ضد تنظيم "داعش" بين 2014 و2017.  

ووفقا للمنظمة الدولية للهجرة، لا يزال حوالي 183 ألف شخص من سنجار نازحين، وهذا يشمل 85 في المئة من السكان الأيزيديين في القضاء.  

في الوقت الحالي، تستضيف 65 في المئة من البلدات والمدن في سنجار نصف سكانها الأصليين أو أقل، بينما لم تشهد 13 بلدة أي عودة على الإطلاق منذ 2014.

وبعد 10 سنوات من اجتياح "داعش"، لاتزال سنجار غير آمنة وتفتقر إلى الخدمات.  

ووفقا لوزارة الداخلية في حكومة إقليم كردستان، تستضيف المخيمات الـ23 المنتشرة في الإقليم حاليا حوالي 157 ألف شخص، كثيرون منهم من سنجار.

"زوبعة منظّمة"

ويقول النائب السابق في البرلمان الكردستاني، عبدالسلام البرواري إنه "يوجد تشويه وتصعيد مقصود تجاه الإيزيديين في المخيمات، وخاصة بعد بدء خطوات تنفيذ قرار الحكومة العراقية بإغلاق المعسكرات وضرورة عودة النازحين لأماكنهم".

وتتزامن حالة التشويه أيضا مع "وجود رغبات في تنفيذ اتفاقية سنجار"، على حد اعتقاد البرواري.  

ويضيف لموقع "الحرة" أن "قاسم ششو صرّح بأنه لم يقل ذلك نصا (الإساءة للنبي محمد) وأن كلامه تم تشويهه، بينما تولت مجموعة من القنوات لفرض واضح الترويج للحديث المشوه ولخلق جو عدائي".

ومع ذلك أصدر الزعماء الحقوقيون من المجتمع الإيزيدي ووزارة الأوقاف والجهات الأخرى بيانات رسمية، وأكدت فيها على "ثقافة التعايش وقبول الآخر في كردستان العراق".

ويعتقد البرواري أن "الموضوع عبارة عن زوبعة منظّمة وستنتهي".

ويشير إلى أن كثير من العائلات التي تفر من المخيمات باتجاه سنجار "قد تتعرض للأذية".