اختتم المرشديون في سوريا، أمس السبت، احتفالاتهم بـ"عيد الفرح بالله" الذي امتد على مدى ثلاثة أيام، بتبادل الزيارات والتهاني، وإقامة الحفلات الغنائية التي تخللتها الرقصات الشعبية.
وهذا العيد هو الوحيد عند أبناء الطائفة التي تعد الأحدث نشوءا في الفسيفساء الدينية السورية، حيث ظهرت في جبال الساحل السوري في عام 1923 كانشقاق عن الطائفة العلوية، قاده أحد الفلاحين العلويين ويدعى سلمان المرشد. وانتشرت بعدها الطائفة في أرياف حمص، ومنطقة الغاب في حماة، وفي دمشق وغوطتها، وفي الجولان، حتى بلغ عدد مريديها الآن حوالي 250 ألف بحسب التقديرات الرسمية.
وتبدأ طقوس "عيد الفرح بالله"، صباح الخامس والعشرين من شهر أغسطس كل عام، باجتماع رجال القرية أو الحي في أحد المنازل وإقامة صلاتهم الخاصة، وهم يرتدون أزهى ثيابهم. وتُقدم في هذه المناسبة أصناف الحلوى المنوعة في صالة الاستقبال بانتظار توافد الزوار الذين يبدأ واحدهم بالقول: "هنأك الله على الإيمان"، ليجيب الشخص الجالس بقوله "أسعد الله حياتك". وفي المساء، تقام سهرات غنائية في ساحات القرى والأحياء، وتغنى على أنغام الموسيقى الأشعار و"العتابا" ذات المضمون الديني، وتقام كذلك حلقات الدبكة الشعبية.
عيد “الفرح بالله” الذي يحتفل به أبناء الطائفة المرشدية في سوريا، بدءاً من يوم 25 آب في كل عام.
— المدونة السورية (@Syrian_Blog) August 27, 2021
ثياب جديدة، معايدات وتهاني، زيارات متبادلة، يقول المُهنئ “هنأكم الله على الإيمان”، ليرد الآخر: “وأسعد حياتك”
وتقوم احتفالات ضمن صالات خاصة يشترك فيها أبناء الطائفة بالرقص والغناء. pic.twitter.com/hbSYO4jaDi
امتنان لله
وبحسب أبناء هذه الطائفة، فإن "عيد الفرح بالله" هو حالة الشكر والامتنان من جانب المؤمنين المرشديين على ظهورهم في صورتهم الحالية، كونهم يؤمنون بتناسخ الأرواح شأنهم شأن الكثير من الطوائف العرفانية الشرقية. والظهور في صورة إنسان دليل على حسن الإيمان، كما يعتقدون، أما الظهور بصورة حيوان أو نبات فهو شكل من أشكال العقاب الإلهي.
تقام السهرات خلال أيام الاحتفال في مكان يسمى "الساحة"، وهو صالة مغلقة واسعة خاصة بتلك المناسبة، وتقوم مقام المسجد، تجتمع العائلات فيها جلوساً على الكراسي، وتعزفُ الآلات الموسيقية لغناء الأشعار الدينية، ويتمركز المحتفلون في حلقات راقصة على أنغامها.
بدأت الدعوة المرشدية في عام 1923 على يد سلمان المرشد في قضاء اللاذقية، حين بشّر بقرب ظهور المهدي، قبل أن تعدمه سلطات حكومة الاستقلال في عام 1946 بتهم شتى. ولكن المرشديين لم يعلنوا عن أنفسهم كطائفة مستقلة إلا في الخامس والعشرين من أغسطس 1951 على يد زعيم الطائفة الجديد مجيب سلمان المرشد الذي قتل بعد ذلك الإعلان بعام واحد، في عهد حكومة الكولونيل أديب الشيشكلي الانقلابية، في نوفمبر 1952.
من المنفى إلى الزعامة
ولد سلمان المرشد عام 1895 في قرية جوبة برغال، التابعة لمنطقة الحفة في قضاء اللاذقية. وبعد ظهور دعوته في يوليو 1923، أظهر عداءً للفرنسيين الذين سجنوه ثلاثةَ شهور، وبعد عامين نفوه إلى الرقة، فمكث فيها ثلاث سنوات من 1925 وحتى 1928، ليوضع تحت الإقامة الجبرية لمدة ست سنوات لاستمراره في مناوأة الفرنسيين.
انتمى المرشد للكتلة الوطنية، وهي التحالف الذي كان ينادي باستقلال سوريا عن فرنسا، وخاص مفاوضات الاستقلال عنها عام 1936، ولكنه سرعان ما غادرها ليعمل مستقلاً، مستفيداً من شعبيته في جبال الساحل، فأسس في عام 1938 ما يشبه دولة مستقلة عين لها قضاة و"فدائيين"، وصادر الكثير من القرى وفرض الضرائب على القرى التابعة له.
مؤسس الطائفة المرشدية النائب سلمان المرشد - 1936
— المدونة السورية (@Syrian_Blog) November 23, 2021
Founder of the Murishdi sect, the MP Salman al-Murshed - 1936#أرشيف_سوري #تاريخ_سوريا pic.twitter.com/6wP3ch1825
ونشر الكاتب خير الدين زركلي صاحب موسوعة "الأعلام" نص القرار الذي أصدره المرشد بتشكيل جيشه الخاص، ومما جاء فيه: "نظرًا للتعديات من الحكومة الوطنية والشعب السني على أفراد شعبي، فقد شكلت لدفع هذا الاعتداء جيشًا يقوم به الفدائيون والقواد". ويقول الزركلي إن المرشد "جعل لمن أسماهم الفدائيين ألبسة عسكرية خاصة، وكان في خلال ذلك يزور دمشق نائبًا عن العلويين في المجلس النيابي السوري".
ويذكر تقرير استخباراتي بريطاني عن الشخصيات السورية المؤثرة في ذلك الوقت أن شعبية المرشد تراجعت في الساحل السوري بين أتباعه في عام 1943 نتيجة سياسته المجحفة ومصادرته الأملاك، وجمعه ثروة لنفسه.
ويصفه التقرير بأنه "شخصية انتهازية أنانية، استغل القوة السياسية الممنوحة له من خلال ادعائه الألوهية". ويشير التقرير إلى أن له ثلاثة أبناء يدرسون في بيروت.
وينفي أتباعه نفياً قاطعاً الفكرة الرائجة عنه بأنه ادعى الألوهية، ويقولون إنه إمام، وأن دعوته إصلاحية تنتمي للإسلام وليست خارجه، وأن سبب نقمة العلويين عليه هي دعوته لإلغاء سلطة رجال الدين.
بعد جلاء القوات الفرنسية بفترة وجيزة، اتهمت حكومة الرئيس شكري القوتلي سلمان المرشد بقيادة تمرد مسلح. وحين أرسلت قوات من الدرك الوطني لاعتقاله، واجههم رجاله، فوجهت له تهم أخرى عقوبتها الإعدام منها العصيان المسلح، وقتلُ زوجته، ومحاولة قتل رجال الدرك. وصدر في حقه حكم الإعدام شنقاً في اللاذقية، ونُفِّذَ بعد ثلاثة أيام في دمشق يوم 16 ديسمبر 1946. ولم يسلم جثمانه لذويه، ودفن بعلم السلطات في مكان سري، بدعوى عدم تحويل قبره إلى محج لأتباعه.
المؤسس الحقيقي للطائفة
خلف سلمان المرشد ابنه الأكبر مجيب، المولود عام 1930، والذي يعد المؤسس الفعلي للطائفة، حيث يرى فيه المرشديون "المخلّص الذي أعطي المعرفة الجديدة عن الله". اقترح مجيب صلاة جديدة مختلفة، ووضع مبادئ فكرية تختلف كلياً عن أفكار الطائفة العلوية ضمن تنظيم صارم شديد الإحكام، مستفيداً بشكل أو بآخر بأفكار المسيحيين البروتستانت.
ومن المبادئ التي كرسها مجيب المرشد؛ إلغاء سلطة الشيوخ، وكذلك إلغاء فكرة الدعوة إلى الدين، واستبدال ذلك بطلب شخصي من المريد نفسه بتلقي الدين، وعن قناعة شخصية. وبدل الشيخ، ينتخب أبناء المحلة أو الحي شخصاً من بينهم يسمى "الملقن" وتقتصر وظيفته على تلقين طقس الصلاة لكل من أراد ذلك، ممن بلغ الرابعة عشرة من عمره، سواء كان ذكراً أم أنثى.
ودعا مجيب إلى حرية المرأة ومساواتها مساواة تامة مع الرجل، في قبول الدين، والميراث. وأعلى من شأن الإيمان النابع من النفس، والخير الصادر عن الذات، بمعزل عن فكرة الثواب والعقاب، معتبراً أن الطقوس والعبادات المتوارثة، ما هي إلا حركات آلية لا تصدر عن الضمير الطاهر والنية الصادقة.
ومن هنا فإن "طهارة السريرة مقدَّمَـةٌ على الشريعة" عند أتباع النحلة المرشدية، و"الشريعة مؤقَّتة تختلفُ باختلاف الزمان والمكان". و"الشريعة نصيحة لا أكثر". وفي المقابل، حافظ المرشديون على بعض شرائع الإسلام، كتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير. أما فكرتهم عن الطهارة فهي داخلية تتعلق بالنفس، والسيرة الصالحة، والأخلاق الحميدة، والفضيلة، والقيم النبيلة، وصحة النظرة إلى الله.
ومن المبادئ التي وضعها مجيب المرشد لطائفته أن الدعوة المرشدية غير مغلقةً أمام أحد، وليست حكراً على فئة دون أخرى، ولا يعيش أبناؤها ضمن معازل، ولا يمارسون التقية. كما أكد على أن المرشدي لا يكفر أحداً ولا أحد ينوب عن الله، وأن جميع الأديان والمذاهب هي طرق مختلفة لغاية واحدة. ولهذا يدعو المرشدي إلى احترام جميع الأديان، وعدم ازدراء أي معتقد.
أبناء المرشد
وقد أشار مجيب المرشد قبل مقتله إلى أخيه الأصغر ساجي المرشد (1932- 1998 م) باعتباره "الإمام ومعلم الدين". ومن هنا يعد ساجي المرجعية الدينية للمرشديين في أمور دينهم. ولكن ساجي المرشد توفي، أو غاب، كما يعتقد المرشديون، عام 1998، من دون أن يوصي لأحد من بعده. ولذلك لا توجد حالياً عند المرشديين مرجعية دينية.
عاش أبناء سلمان المرشد، ساجي، ومحمد الفاتح، والنور المضيء، تحت الإقامة الجبرية منذ إعدام أخيهم مجيب، عام 1952 وحتى العام 1970، وكان أتباع الطائفة ملاحقين بتهمة الانتساب إلى جمعية سرية إن أقر أحدهم بمرشديته. ولكن بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970، رفعت الإقامة الجبرية عن ساجي المرشد ومُنحت الطائفة الحرية في ممارسة طقوسها كبقية الطوائف في سوريا.
وعلى الرغم من أن الابن الثالث، وهو النور المضيء المرشد (1944- 2015 م)، لم يعرف عنه اهتمام ديني، إلا أنه كان يعد الشخصية الأبرز في الطائفة، حيث برز دوره في الانحياز إلى جانب حافظ الأسد خلال صراعه مع شقيقه رفعت الأسد في ثمانينات القرن العشرين، حيث كان للطائفة المرشدية ضباط كبار ذوو مواقع حساسة في قوات سرايا الدفاع آنذاك.
أغرت شخصية سلمان المرشد الروائي نبيل سليمان فكتب في تسعينات القرن العشرين رواية " أطياف العرش" التي قاربت سيرة زعيم الطائفة المرشدية مقاربة إبداعية، حاولت الخروج من الأفكار المعروفة عن صاحب هذه الدعوة، بالتركيز على جانب روحاني مرتبط بمشروع سياسي. وقد حولت هذه الرواية في العام 1998 إلى مسلسل تلفزيوني من بطولة أيمن زيدان بعنوان "الطويبي".
