ثار الأقباط على الخلافة العباسية بسبب الحيف الذي طالهم من ولاة الخليفة المأمون.

تردم المصادر التاريخية السريانية فجوات كبيرة في التواريخ العربية الإسلامية تتعلق بطبيعة وهوية الحركات الاحتجاجية في كردستان القديمة في الحقبة العباسية الأولى، والتي توصم في بعض الأحيان بالزندقة، وهي الصيغة الإسلامية لمصطلح "الهرطقة" اليوناني. ومن حسن حظنا أن تاريخ البطريرك ديونيسيوس السرياني احتفظ بتفاصيل نادرة حول ثورة الأكراد ضد الخلافة العباسية في عهد الخليفتين المأمون والمعتصم، وربط ربطاً منطقياً ثورة المهدي الكردي بحركة بابك الخرُّمي، الموصوم بالمروق والزندقة.

 

ثورة مهدوية

 

يوضح البطريرك السرياني الهوية الدينية لثورة الأكراد بأنها ثورة مهدوية، حيث يقول: "هؤلاء الأكراد تسلموا من آبائهم فكرة قيام ملك يدعى المهدي المنتظر، الذي سيقود الشعوب إلى الإيمان بالله، وأنه سيورّث ملكه لآخر تستمر خلافته إلى ما لا نهاية. والمؤمنون به، سيُبعثون بعد موتهم بأربعين يوماً ويعودون إلى ذويهم، ومن ثم ينتقلون إلى مكان مجهول".

ويتابع البطريرك السرياني في تاريخه: "وقد ظهر في هذه الأيام (أواخر القرن الثامن الميلادي، ومطلع القرن التاسع) ذاك المدعو المهدي وكان يضع برقعاً على وجهه، ويدعي حيناً بأنه المسيح، وحيناً آخر بأنه الروح القدس، وكان عدد أتباعه وأمواله يزداد يوماً فيوماً، واجتمعت عنده زرافات زرافات من الأمم باسم النهب والسلب، واتخذ مقراً له في جبال الأكراد المنيعة، وانتشرت عبادته في الجزيرة وأرمينيا، ودمر بازبدي (آزخ الحالية) وطور عبدين، وكان يفتك بالجميع دون تمييز، وقد عبده المجوس واعتبروا كل من لا يعبده غريباً، حتى أن الخليفة المأمون خاف منه".

 

حفيد أبي مسلم الخراساني

 

ترد في أحد المصادر العربية الإسلامية إشارة مهمة إلى أن المهدي المذكور هو حفيد القائد الكردي أبو مسلم الخراساني. يقول المؤرخ الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، المتوفى سنة 485هـ، في كتابه "سير الملوك" إن أتباع الخرمية "كان أول ما يتفوهون به في محافلهم ولقاءاتهم إظهار الأسف والحسرة على قتل أبي مسلم، صاحب الدولة، ولعن قتلته دائما والصلاة على المهدي بن فيروز ابن فاطمة بنت أبي مسلم الذي كانوا يدعونه الطفل الحكيم أو الفتى العالم".

وكردية أبو مسلم الخرساني صرح عنها الشاعر العباسي أبو دلامة في قصيدته التي هجاه فيها بعد إعدامه حيث يقول: "أبا مُجرِمٍ ما غَيَّرَ اللهُ نِعمَةً عَلَى عَبدِهِ حَتَّى يُغَيِّرَها العَبدُ". إلى أن يقول: " أَفي دَولَةِ المَهدِيِّ حَاوَلتَ غَدرَةً ألا إنَّ أَهلَ الغَدرِ آباؤُكَ الكُردُ"!.

ويوضح الطوسي أن الركيزة التي بنى عليها الخرمية مذهبهم هي أنهم "ألقوا عن كواهلهم كل ضروب الإجهاد والإرهاق ونبذوا شعائر الدين الإسلامي وفرائضه من قيام وصلاة وصيام وحج ومجاهدة أعداء الله عز وجل، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الخمرة، والتمسك بالزهد والتقوى وكل ما هو فريضة".

 

قتل المهدي الكردي

 

يبدو أن ثورة المهدي الكردي، التي كانت تحتمي بجبال كردستان المنيعة، امتدت لتصل إلى بلاد الجزيرة الفراتية وتحديداً إلى منطقة طور عابدين، أحد مراكز السريان الرئيسية. "وعندما جاء الأكراد لنهب دير قرتمين والقرى المجاورة، في مناطق طور عابدين، أخذت الغيرة الحاكم المسلم الحسن الذي كان يحترم جداً معتقدات المسيحيين، فباغتهم بالهجوم فاندحر الأكراد وهزموا، واضطر ذاك الذي ألّهوه إلى الهروب مع نفر من أمام الحسن، إلى منطقة إسحاق بن آشوط الذي قبض عليه وسجنه"، يقول البطريرك ديونيسيوس.

ولا معلومات حول إسحاق ابن أشوط هذا، ولكن كما هو واضح فهو زعيم مسيحي سرياني يقيم في منطقة طور عبدين بدلالة اسمه، لأن أشوط اسم سرياني لا لبس فيه يعني شهر شباط. وهناك قرية في منطقة طور عبدين تدعى باسحاق بالسريانية، أي منطقة إسحاق أو بيت إسحاق، ربما لها علاقة بإسحاق ابن أشوط هذا.

ويتابع البطريرك السرياني: "لكن الأكراد هجموا على بيت إسحق لإنقاذ ملكهم، إلا أن إسحاق بادر إلى قطع رأس المهدي وأخذه مع أمواله وأفراد أسرته وهرب. فلما دخل الأكراد لم يجدوا سوى جثة المهدي".

أثار مقتل المهدي الكردي غضباً عارماً بين أتباعه، فقرروا الانتقام بأي طريقة كانت، وكان من حسن حظهم أن القائد السرياني إسحاق ابن أشوط دخل في صراع مع السلطة العباسية، وبات مطارداً منها، الأمر الذي شجع الأكراد من أتباع المهدي الكردي لأن يكمنوا لذويه وأفراد أسرته، وقد فضحت امرأة كردية أمر الكمين، وبثت الخبر في قرية بيت إسحاق، فما كان من شقيق زوجة إسحق، وكان راهباً، إلا أن دخل حصن القرية مع جماعة من الناس واعتصموا به.

 

حصار قلعة السريان

 

يروي البطريرك تفاصيل الحصار الذي تعرض له سريان المنطقة من جانب المقاتلين الأكراد، وهي الرواية التي لا تخول من مبالغات إعجازية.

 يقول إن الأكراد قاتلوا الموجودين داخل الحصن، ولم يكن مع المسيحيين سوى الحجارة. ويضيف: "التجأ المؤمنون إلى البيوت محتمين بصلاة ذلك الراهب العفيف المقترنة بالركوع، والذي كان يتضرع إلى المسيح وهو حامل صندوقاً يحتوي على ذخائر القديسين. وكانت أخته تحثه على المزيد من الصلاة وقد ألقت رضيعها أمام الرب وناشدت المسيح قائلة: أرأف بعبيدك من أجل هذا الطفل الذي ما زالت أثار المعمودية في وجهه".

ويتابع: "لما أوشك الأكراد على دخول الحصن بسبب احتراق الأبواب، أخذ راهب آخر رمحاً مثل فنحاس، وألقى بنفسه من السور ووصل إلى زعيمهم وطعنه، باسم الله، وقتله دون أن يستطيعوا إلحاق الأذى به، وأمضى المؤمنون الليل ساهرين. أما زوجة إسحاق التقية، فقد قررت الموت ولا السقوط بأيدي الوثنيين الأكراد، فتقلدت سيفاً مذهباً لكي يجذبهم لمعانه فيقتلوها، واستعدت للخروج مع مطلع الصباح. غير أن الرب الذي يستجيب من يدعوه بإيمان، جعل الأكراد يتراجعون عن مهاجمة الحصن الذي أوشكوا أن يستولوا عليه ويوجهوا أنظارهم إلى نهب الذين في المنطقة".

هذا الهجوم المباغت وقع في غياب القائد السرياني إسحاق بن أشوط، ولكنه حين علم بما جرى لحصنه ومعقله؛ أرسل قوة من المشاة إلى الحصن، ولكنهم فوجئوا بحجم النهب الذي تعرضت له القرية، ووجدوا الشباب السريان مستغرقين في الصلاة، وسيوفهم مربوطة مع بعضها. في إشارة إلى استعدادهم للقتال حتى الموت.

وفي اليوم التالي، وصل القائد إسحق مع جيشه النشط، ووجد الأكراد قد تعبوا من القتال، ولذلك لم يسمعوا صوت حرسهم حين نبهوهم لوصول حيش إسحاق ابن أشوط، فلما حاولوا الهروب لم يتمكنوا بسبب الثلوج. الأمر الذي مكَّن إسحق من قتلهم جميعاً.

 

قيادة بابك "راعي البقر"

 

يقول البطريرك السرياني إن خليفة المهدي الكردي كان يدعى هارون، ولكنه سرعان ما قتل على يد الحاكم العباسي المدعو علي، ثم تسلم قيادة الثوار الأكراد بعد مقتل هارون، القائد الجديد بابك، الذي يسميه البطريرك ديونيسيوس بـ "راعي البقر"، وهو المعروف في المصادر الإسلامية باسم بابك الخرمي.

والمعلومات عن بابك في المصادر العباسية كثيرة ومتناقضة وغامضة، وكلها ترميه بالزندقة، من دون التحقق من طبيعة حركته وأصلها، ولكن بعض المصادر ومنها "البدء والتاريخ" للمطهر بن طاهر المقدسي المتوفى نحو 355هـ، ربطته بأحد ورثة الحركة الخرمية. ونستطيع أن نخمن بأن الصراع الذي تحدث عنه المقدسي على قيادة الطائفة الخرمية، أتى بعد مقتل هارون ابن المهدي، بين شخصين من مدعي الرئاسة أحدهما يدعى عمران والثاني جاويذان.

وبحسب مؤرخي تلك الحقبة العباسيين فإن جاويذان استقطب بابك إلى جانبه وقربه إليه بسبب كفاءته، وبعد مقتل جاويذان تسلم الزعامة من بعده، وقد خاض القتال ضد العباسيين مدة عشرين عاماً إلى أن نجح القائد التركي للخليفة المعتصم المدعو الأفشين بالقضاء على ثورة بابك واعتقاله وسوقه إلى سامراء، حيث أعدم فيها عام 838م.

ويشير البطريرك السرياني إلى أن بابك دخل في طاعة الامبراطور البيزنطي ثيوفيلوس وقاتل العباسيين تحت راية ذلك الإمبراطور. ويبدو أن زعيماً كردياً آخر قام بعد بابك يدعى موسى، تحدث عنه البطريرك في أحداث سنة 842م، وقال: "وفي هذا الشتاء احتشدت الجيوش في منطقة باقردى لمحاربة موسى المتمرد زعيم الأكراد، فاحتمل أبناء المنطقة ضيقاً شديداً بسبب الجنود الذين كانوا يحلون في بيوتهم يأكلون ويشربون، فعم الغلاء فبيع كيل الملح بأربعين قرشاً وأوقيتا جبن بقرش، وخمسون جوزة بقرش، في حين كانت المنطقة تصدر الجوز والجبن. ولم يتمكن الفرس، يقصد بذلك العباسيين، من الأكراد، لأن الأخيرين لا يخرجون للقتال إلا بعد أن يأكلوا ويشربوا ويناموا، في حين جمدّ البرد القارس الفرس وتناثرت أصابعهم، وقتل منهم نحو 15 ألفاً".

 

غموض وتأويلات

 

ساهم غموض المعلومات حول حركة المهدي الكردي، وعدم ربط بابك الخرمي بها؛ بخلق الكثير من الأوهام حولها، الأمر الذي فتح باب التخمين والاجتهاد، حيث اعتبر شيوعيو الشرق الأوسط أن الحركة الخرمية هي أول حركة شيوعية في التاريخ، متخذين من اتهامات خصومهم لهم دليلاً على شيوعيتهم وإباحيتهم، حيث زعم معظم المؤرخين العباسيين أن الحركة المقصودة هي في جوهرها حركة إباحية، يجتمع فيها الرجال والنساء في يوم معين ويمارسون المشاعية الجنسية، وهذه تهمة تتكرر حيال أي حركة مخالفة، فقد وصم بها المانويون قبل ذلك، ثم وصمت بها فرق إسلامية باطنية، وهي بلا شك وسيلة لشيطنة المخالفين.

والغريب أن الآذريين المعاصرين، وهم قبائل تركية وصلت إلى أذربيحان بعد الثورة الخرمية بقرون، يزعمون أن بابك الخرمي هو آذري منهم، وهذه المزاعم مرتبطة بالحقبة السوفييتية التي حاولت البحث عن الشيوعية في تراث شعوب المنطقة، بذلك ضاعت حقيقة أن بابك الخرمي كردي من أكراد منطقة أذربيجان، وأن حركته امتداد طبيعي لحركة المهدي الكردي الذي انفرد البطريرك السرياني ديونيسيوس بأخباره.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.
يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.

بعد اتفاق سياسي تأخر لسنوات، سينطلق التعداد العام للسكان في العراق نوفمبر المقبل دون ذكر الانتماء القومي للسكان.

اعتبر محللون عراقيون أن ذلك سيجنب البلد "المزيد من الجدل". ورغم عدم تقديم اعتراضات رسمية، إلا أن ممثلين عن الأقليات أعربوا عن قلق من استغلال النتائج.

وزارة التخطيط وعلى لسان متحدثها الرسمي عبد الزهرة الهنداوي أبلغت "ارفع صوتك" أن التعداد السكاني سينطلق بين 20 و21 نوفمبر المقبل، وسيكون تعداداً "تنموياً" لمعرفة الواقع المعيشي والاقتصادي والخدمي المقدم للعراقيين.

بموجب هذا التعداد، "سيتم وضع الخطط المستقبلية لتحقيق العدالة في توزيع الثروات"، يقول الهنداوي.

ويشير إلى أن التعداد في العراق سابقاً "كان يتضمن فقرة تتعلق بالقومية ولم يكن هناك أية أسئلة تتعلق بالمذهب". أما النسخة الحالية منه فستكون "خالية من السؤالين، كون هذه الأسئلة غير مجدية من الناحية التنموية".

ويؤكد الهنداوي أن ذكر القومية "كان أحد أسباب تأجيل الإحصاء في سنوات سابقة، نتيجة خلافات سياسية". لذلك فإن الأمم المتحدة رأت "إلغاء أي سؤال يمكن أن يعرقل التعداد".

وعن أهم الأسباب التي أدت إلى تأجيل التعداد أكثر من مرة منذ 2003، يشرح الهنداوي أنها كانت أحياناً تتعلق بالخلافات السياسية وفي أحيان أخرى بالأوضاع الأمنية أو عدم توفر التخصيصات المالية اللازمة، الإضافة إلى الأسباب الصحية التي رافقت انتشار فيروس كورونا سنة 2020.

وحالياً، تمت "معالجة الخلافات باتفاق سياسي، والوضع الأمني مستقر. بالتالي كل الظروف أصبحت مهيأة لإجراء أول تعداد سكاني في العراق منذ 27 عاماً"، بحسب الهنداوي.

لماذا تفشل دول عربية في إجراء التعداد السكاني بشكل دوري؟
يُعتبر تعداد السكان والمساكن من بين أكثر العمليات ضخامة وتعقيداً التي يمكن لأي دولة القيام بها. وبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن التعداد السكاني يحتاج إلى أن تكون البلدان التي تقوم به في حالة سلم، إذ يتطلب التخطيط الدقيق وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة.

قلق في صفوف الأقليات

على الرغم من إدراج الديانة للسكان كما تقول وزارة التخطيط، إلا أن هناك أقليات تعتبر نفسها قومية منفصلة مثل الشبك والكرد الفيلين وبعض الأيزيديين.

يوضح نائب رئيس مجلس الأقليات العراقي محمد الشبكي لـ"ارفع صوتك": "بحسب المناقشات التي سبقت التعداد السكاني في الأعوام السابقة، فقد تم تقديم مقترح لوضع سؤال يتعلق بالقومية، على أن تُترك الخانة فارغة ليقوم المواطن بكتابتها بنفسه إذا رغب".

ويقول إن التعداد السكاني في النسخ السابقة كان يتم فيه ذكر القوميات الأساسية العرب والأكراد والتركمان ثم يتم كتابة كلمة "أخرى"، لذلك فإن "أقليات قومية مثل الشبك والكرد الفيلين لم يتم تعدادهم بشكل صحيح، وكنا نعتبر الإحصاء الحالي يمكن أن ينصفهم"، وفق تعبيره.

يتركز وجود الشبك في المناطق المتنازع عليها بين الإقليم والمركز وهي مناطق صراع، يتابع الشبكي "من جهة، ترغب الحكومة المركزية بالسيطرة عليها، ومن جهة أخرى يرغب الإقليم باعتبار سكانها أكراداً. وبهذا تصبح مناطقهم تابعة للإقليم".

ويعرب الشبكي عن قلقه من "استخدام البيانات (من التعداد) لمسائل سياسية أو لتثبيت واقع حال أو تلاعب بحدود المحافظات".

في المقابل،  يرى رئيس ائتلاف الرافدين يونادم كنا أن إلغاء القومية من التعداد السكاني "أمر إيجابي لأنه يخدم النهج الوطني".

ويبين لـ"ارفع صوتك" أن كوتا الأقليات في البرلمان العراقي "لن تتأثر بإحصاء السكان، كونها أقرت بقانون وزعت فيه المقاعد بموجب اتفاق سياسي لم يؤخذ فيه بنظر الاعتبار عدد السكان".

 ولو كان تم الأخذ بنظر الاعتبار عدد السكان "لكنّا رأينا عدد مقاعد مختلف الأقليات خصوصاً أتباع الديانة المسيحية، إذا أخذنا التعداد التقديري السابق الذي تحدث عن وجود مليون ونصف المليون مسيحي في البلد ولهم 15 مقعداً في البرلمان"، يضيف كنا.

وبحسب نظام كوتا الأقليات في البرلمان العراقي، فإن هناك خمسة مقاعد للمسيحيين موزعة على محافظات بغداد ونينوى وكركوك ودهوك وأربيل، ومقعد واحد لكل من الأيزيدين والصابئة والشبك والكرد الفيلية.

الحالة الوحيدة المثيرة للقلق، كما يقول كنا "إذا رأينا بعد التعداد وظهور النتائج نفساً قومياً عنصرياً أو دينياً متشدداً يمكن أن يؤثر سلباً إذا ما طالب بإعادة النظر بالقانون، وهو أمر إذا ساد فأقرأ السلام على الوطن" على حدّ تعبيره.


"تذويب الهويات"

يرى المحلل السياسي أحمد الشريفي أن عدم إدراج خيارات القومية والمذهب في التعداد السكاني، "يعني تذويب الهويات الفرعية إلى هوية وطنية واحدة، وهو خيار إيجابي يؤدي إلى جمع العراقيين تحت مظلة العنوان الوطني الواحد".

يقول لـ"ارفع صوتك": "في السابق كانت المذهبية غير موجودة في الإحصاء السكاني، لكن القومية كانت حاضرة منذ تسلّم حزب البعث للسلطة الذي ذهب باتجاه تعزيزها بعد تبنيه مبدأ القومية العربية فوق باقي المكونات، فضلاً عن ترسيخه للعشائرية والقبلية في نظام الحكم".

ويرجّح الشريفي أن الغاء القومية "سيكون ورقياً فقط" بينما في الواقع، بحسب كلامه "ستكون الأزمة حاضرة في الظاهرة السياسية، وأقرب مصداق لها قضية كركوك التي تتجاذبها ثلاث قوميات (الكرد والعرب والتركمان) وكل منهم يدعي أنه يمثل الأغلبية".

لكن مشكلة كركوك، يستدرك الشريفي "لم تبدأ بعد عام 2003 بل منذ عقود، عندما قرر حزب البعث تغيير الحدود الإدارية لعدد من المحافظات ومنها كركوك التي كانت تضم 36 وحدة إدارية ليتبقى منها 16 فقط".

يتابع: "لا يزال النزاع قائماً وكامناً وفاعلاً، وبسبب وجوده، فإن المحافظة الغنية بالنفط عاجزة عن اختيار محافظ لها اليوم، رغم مرور أشهر على انتخابات مجالس المحافظات".

يتفق المحلل السياسي إياد العنبر مع ما ذهب إليه الشريفي، بالقول "من الناحية السياسية نحن أمام قضيتين الأولى هي المناطق المتنازع عليها، والثانية هي كركوك. وهي من الخلافات المهمة بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان. وفي حال إجراء إحصاء يتضمن القومية فإنه يمكن أن يؤجج المشكلة أكثر من أن يقدم حلاً لها".

وتعتبر الخلافات على المناطق المتنازع عليها واحدة من أعقد المشكلات بين إقليم كردستان وبغداد، وهي تتضمن محافظات كركوك ونينوى وصلاح الدين وديالى. وكان الدستور أقر المادة 140 كحل لها، التي تتضمن ثلاث خطوات، إحداها تتعلق بإجراء إحصاء للسكان واستفتاء لتحديد المصير.

وزارة التخطيط نأت بنفسها عن أن تكون جزءاً من تنفيذ المادة الدستورية من خلال تقديمها سؤالاً إلى المحكمة الاتحادية عام 2010، يتعلق بالإحصاء السكاني وإذا ما كان هو ذاته المقصود في الدستور. وحينها أشارت المحكمة إلى أنه لا يوجد أي ربط بين الإحصاء العام والإحصاء المذكور ضمن المادة 140.

مع ذلك يرى العنبر أن قضية الأرقام المتعلقة بالمذاهب والقوميات "واضحة في أغلب المناطق لأن أغلبها معروف من يسكنها، لكن البعض يحاول استثمار الموضوع للتجاذبات السياسية والدخول في جدل سياسي جديد. وربما يتم الطعن في بعض النتائج باعتبارها تغيير ديمغرافي إذا ما تم ذكر القومية والمذهب وهو أمر لسنا بحاجة له على الإطلاق".

لماذا عجز العراق عن إجراء تعداد سكاني منذ ربع قرن؟
عام 1997م أجرى العراق تعداده السكاني الأخير. عملية شابتها الكثير من المشاكل، فلم يُجرَ الاستطلاع إلا في 15 محافظة بعد استبعاد محافظات إقليم كردستان، الأمر الذي دفع بعض الباحثين لعدم الاعتراف بنتائجه والاكتفاء ببيانات الإحصاء الذي سبقه بعشر سنوات وشمل جميع محافظات العراق.

مقاعد

في السياق نفسه، يقول رئيس مركز "المورد" للدراسات والإعلام نجم القصاب، إن عدم ذكر القومية والمذهب في التعداد معناه أن "الحكومة تتعامل مع المواطن كونه عراقياً فقط، وليس على أساس المكونات". 

والمكون، برأيه "يقسم المجتمع أولاً، والدولة العراقية ثانياً" مردفاً "لهذا علينا أن نغادر هذه المسميات وهذه الأسماء".

ولكن، ما تأثير ذلك على التعداد السكاني؟ يقول القصّاب إنه "يتعلق بالفروقات السكانية التي يمكن أن تظهر بين محافظة وأخرى، وهو أمر من شأنه إحداث تغييرات في التمثيل البرلماني للمحافظات".

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "إذا ما حصل وكانت الأرقام الحقيقية خلال التعداد السكاني مختلفة عن التقديرات في المحافظات، فمن يظهر وجود نسبة سكان أعلى لن تتضرر بل ستستفيد لأن تمثيلها السكاني سيرتفع. أما المحافظات التي تتراجع بها النسبة السكانية بشكل ملحوظ ستتراجع نسبة تمثيلها البرلماني وتصبح مقاعدها أقل".

تغيير نسب السكان معناه كما يقول المحلل السياسي علي الحبيب لـ"ارفع صوتك" أن هناك إمكانية لـ"زيادة مقاعد بعض المحافظات التي سيرتفع عدد سكانها، كما سترتفع حصتها المالية التي تعتمد على عدد السكان وتتغير الخطط التنموية المتعلقة بها"، وإذا تراجع عدد السكان "سيحصل العكس، أي أن تتراجع أعداد المقاعد وتنخفض تخصيصاتها المالية".

هذه العوامل، بحسب الحبيب "تثير المخاوف لدى المراقبين من إمكانية حصول تدخلات لتحقيق مكاسب سياسية ومالية عبر التأثير على عملية التعداد، التي تؤدي إلى تحقيق نتائج غير دقيقة، خصوصاً أن لدينا تغيرات ديمغرافية قبل وبعد عام 2003، ووجود عدد كبير من النازحين في المخيمات".

جزء من هذه المخاوف تأتي "لعدم توفر البنية التحتية الضرورية مثل التقنية والموارد البشرية المدربة بشكل كافٍ، وعدم تنمية الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية ليُدلي ببياناته بشكل دقيق"، يتابع الحبيب، مضيفاً "كل هذه المعوقات من شأنها أن تؤثر سلبياً على نتائج الإحصاء".

والحل، أن يبذل العراق "جهوداً كبيرة لتطوير البنية التحتية، وحل أزمة الثقة بين المواطن والحكومة للوصول إلى نتائج حقيقية للإحصاء السكاني"، يقول الحبيب.