حصد فيلم "سبايا" الشارة الذهبية في فئة "أفضل فيلم وثائقي" في مهرجان الأفلام الذي ينظمه معهد السينما السويدي. وقبل عام، حصل  الفيلم على جائزة أفضل مخرج في مهرجان ساندانس الدولي العريق، في فئة السينما الوثائقية العالمية.
حصد فيلم "سبايا" الشارة الذهبية في فئة "أفضل فيلم وثائقي" في مهرجان الأفلام الذي ينظمه معهد السينما السويدي، كما حصل على جائزة أفضل مخرج في مهرجان ساندانس الدولي، في فئة السينما الوثائقية العالمية.

تدور أحداث الفيلم الوثائقي "سبايا" حول عمليات تعقب وإنقاذ للفتيات الأيزيديات المختطفات لدى تنظيم "داعش"، منذ هجوم سنجار عام 2014.

"سبايا" هو الجزء الثالث من ثلاثية وثائقية للمخرج الكردي -السويدي هوجير هيروري، بعد "الفتاة التي أنقذت حياتي" (2016) و"مزيل الألغام" (2018).

يتابع هوجير في الفيلم، الذي تبلغ مدته 91 دقيقة، كلا من زياد ومحمود، الذين يقومان بتحرير الفتيات الأيزيديات من داخل مخيم الهول في سوريا.

يحمل الرجلان مسدسات على الخصر، وهاتفا خلويا، ويقودان سيارة تستخدم في عمليات الإنقاذ المحفوفة بالمخاطر.

خلال النهار، يقوم الرجلان بالتحري عن الأيزيديات المخطوفات عبر الهاتف، مستعينين بشبكة من المخبرين ومقدمي المعلومات المنتشرين في شمال شرق سوريا، خصوصاً داخل مخيم الهول، ويتفحصحان صور الفتيات المفقودات، ويحاولان تحديد أماكن سكنهن داخل المخيم، قبل العودة ليلاً لإخراجهن، ونقلهن إلى المركز، وهو عبارة عن منزل متعدد الغرف، تسكنه عائلة محمود.

"بالنسبة لنا، نحن الأيزيديين، هذا شيء كبير. حتى الآن تم إنقاذ 206 فتيات، لكن لا يزال هناك عدة آلاف في عداد المفقودات"، يعلق محمود على سبب تأسيس "مركز البيت الأيزيدي".

يتيح هوجير للصور أن تتحدث. لقد وضعنا في منتصف الحدث، يتكون الفيلم من سبعين بالمائة على الأقل من الحركة المكثفة. المشاهد الليلية تسيطر على الفيلم، مشاهد محطمة للأعصاب، توقف الأنفاس. لقطات مركّزة ومباشرة، لا توجد مقابلات طويلة، لا أحد يجلس ويشرح الأشياء والأحداث التي تجري في الفيلم، حيث يحاول طاقم الفيلم عدم لفت الأنظار. يتعلق الأمر أكثر بالنتائج والشهادات المتفرقة، وتصوير البيئة بشكل واقعي، بالمعنى الحرفي للكلمة لأن الكاميرا بالكاد تلتقط أي لقطات بانورامية كاملة.

تظهر سيدة تدعى ليلى تبكي من خلف نقابها، مستلقية على الأرض، بينما يلعب ابن محمود الصغير بجانبها. "أكره هذا العالم". "كل شيء أسود"، تعلق ليلى.

إنها أول امرأة يتم إنقاذها في الفيلم، وهي أيضًا عملية الإنقاذ الأكثر دراماتيكية. نجح محمود وزياد، في العثور عليها في خيمة واصطحباها في سيارتهما وخرجا بها من مخيم الهول. في الخارج، يحدث شيء ما فجأة: شخص ما يتبعهم. سرعان ما يتضح أن عناصر من داعش يلاحقونهم.

يفلت أبطال الفيلم بصعوبة من الإرهابيين، ويصور باقي الفيلم تعافي ليلى في مركز الأيزيديين، حيث يُسمح للنساء بالراحة بعد الأسر قبل لم شملهن مع أقاربهن في العراق.

ليس من السهل تمامًا المناورة في فيلم "سبايا". يتم إلقاء المُشاهد في عالم مليء بالغبار، حيث يُعرِّض المشاركون، والمخرج نفسه بوضوح، أنفسهم لخطر قاتل من أجل تنفيذ عمليات الإنقاذ في مدينة الخيام العملاقة ذات المتاهة، حيث لا يبدو أحد آمنًا.

دون أن تلاحظ، تنمو كومة الملابس السوداء أمام باب غرفة والدة محمود التي تستقبل الناجيات. "هذه الثياب يجب حرقها"، تعلق والدة محمود التي تتولى أمر العناية بالناجيات.

ولكن إذا كان لديك القليل من الصبر، فإن هوجير ببطء، ولكن بثبات، لا يزال يبني سياقًا معينًا يسمح لك بفهم أفضل لحالة المخطوفات وكيف يمكن أن تتشكل حياتهن في الحرية، حيث يتم نقل الكثير من الدراما النفسية بواسطة إيماءات هادئة وبسيطة تكشف كل نقاط ضعفهن: راحة اليد والجلد والنظرة. مع تقدم الدراما، تتشابك هذه العناصر المتناقضة للتأكيد على تناقضات الوجوه، والشك الذاتي، والشوق، والشعور بالذنب.

في الوقت نفسه، ليس صعبا ملاحظة العقاب المزدوج الذي تواجهه النساء الأيزيديات في هذه اللحظة، فيما يتعلق بـ"العفة" و"الطاعة"، مع الأخذ في الاعتبار أن الأطفال المولودين في "فترة السبي" لا مكان لهم في مشروع حرية الأمهات. "إنهم أطفال داعش"، يعلق صوت خفي في الفيلم. 
"يجب عليهن العودة إلى أصولهن، إلى دينهن، إلى ثقافتهن…"، يقول محمود الذي يحاول منذ بداية الفيلم تجاهل النظر إلى الكاميرا بشكل مقصود.

على بعد مسافة قصيرة من الحدود بين سوريا والعراق، تتقدم مجموعة من الأفراد لاستقبال المحررات، في لقطة مقربة تظهر وجوها مندهشة؛ نسمع نحيب الأب، وهو يعانق ابنته. لقاء منعش وغني بالتباين.


انتقادات واتهامات بالتزوير

 

تم منح "سبايا" الشارة الذهبية ضمن  فئة "أفضل فيلم وثائقي" في مهرجان الأفلام الذي ينظمه معهد السينما السويدي. وقبل عام، حصل  الفيلم على جائزة أفضل مخرج في مهرجان ساندانس الدولي العريق، في فئة السينما الوثائقية العالمية.

بالإضافة إلى الجوائز السويدية والدولية، أشاد النقاد بـ"سبايا" لرواية القصص الوثائقية الجريئة.

في مراجعة صحيفة "أخبار اليوم" السويدية واسعة الانتشار من الخريف الماضي، ورد أن الفيلم "يتجنب أي نوع من البطولات أو الإثارة. الحقيقة كافية كما هي".

تم تمويل الفيلم من معهد الأفلام السويدي المملوك للدولة، وشارك في إنتاجه تلفزيون السويد الممول مباشرة من أموال دافعي الضرائب.

عندما فاز الفيلم بجائزة في مهرجان ساندانس، سلط المخرج هوجير هيروري الضوء على الشخصيتين الرئيسيتين محمود وزياد، باعتبارهما الأهم. بشكل مأساوي، توفي محمود فجأة في أعقاب نوبة قلبية قبل أيام فقط من العرض الأول في السويد.

"هم الأبطال الحقيقيون"، كما قال هوجير في ذلك الوقت، مهديا الجائزة لمركز بيت الأيزيديين.

ومع ذلك، فإن الاتهامات لمخرج الفيلم بدأت مباشرة في الظهور إلى العلن. ففي نهاية سبتمبر من العام الماضي، نشرت صحيفة نيويورك تايمز
مقالاً  نقديا عن الفيلم حظي باهتمام دولي كبير. أكدت عدة مصادر للصحيفة بأن المخرج هوجير لم يحصل على موافقة عدد من النساء الأيزيديات لمشاركتهن في الفيلم.

أشارت الصحيفة إلى ثلاث نساء قلن إنهن لم يفهمن الغرض من التصوير، أو أنه قيل لهن إن الفيلم لن يعرض في سوريا والعراق. وتقول امرأة أخرى إنها رفضت بشدة الظهور في الفيلم الوثائقي.

نفى هوجير هيروري ومنتج الفيلم أنتوني روسو ميريندا في حديث مع صحيفة " أخبار اليوم" السويدية المعلومات الواردة. وقدم المنتج أيضًا بيانًا رسميًا تفصيلياً، نشر على موقع Variety.  ذكر فيه أنه تم الحصول على موافقة كتابية أو شفهية أو مصورة من جميع المشاركين في "سبايا"، وكذلك من أولياء أمر الفتيات.

بالإضافة إلى ذلك، جاء في البيان بأن "سبايا" إنتاج سويدي يتبع القانون السويدي، ووفقًا له، فإن الموافقات المكتوبة واللفظية والمصورة صالحة على حد سواء. العقود المكتوبة، بحسب البيان، مكتوبة باللغتين الإنجليزية والعربية.

ماجدالينا جانجارد، رئيسة قسم دعم الإنتاج في المعهد السويدي للسينما، أكدت أنه "من الضروري مقابلة المنتج والمخرج لطرح الأسئلة التي تتناولها مقالة نيويورك تايمز".

وأضافت: "صحيح أن امرأتين لم ترغبا في المشاركة ولم ترغبا في التوقيع على عقديهما. وأخفى فريق العمل هويتهما من خلال التشويش على صورتهما وتشويه صوتهما لتجنب التعرف عليهما. تقييمنا هو أن المنتج والمخرج استجابا للاعتراضات التي جاءت من الممثلين وأجروا التعديلات اللازمة".

لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد. نشرت صحيفة "Kvartal" كفارتال اليمينية المحافظة في نهاية شهر أيار الماضي تحقيقاً استقصائياً مكونا من جزئين، يحتوي معلومات "جديدة"، وغير معروفة حتى الآن عن فيلم "سبايا".

تذكر الصحيفة بأن العديد من النساء أخرجن من المخيم رغما عنهن، فيما أجبرت بعضهن على التخلي عن أطفالهن، كما خدعت بعضهن للانفصال عن أطفالهن، وتم تقديم وعود لهن بأنه سيتم لم شملهم لاحقًا. وتم إبقاء النساء اللواتي رفضن التخلي عن أطفالهن رهن الإقامة الجبرية لمدة تصل إلى عامين داخل مركز البيت الأيزيدي. وكذلك عرض تنظيم داعش على النساء شراء الأطفال.

نشرت كفارتال "Kvartal" أيضا تسجيلا صوتيا غير معروف المصدر، أظهر أن إحدى النساء أخبرت المخرج أن بطل الفيلم الوثائقي محمود تعامل مع النساء بشكل سيء.

اعتمدت الصحيفة في تحقيقها الاستقصائي أيضاً على تقرير من قناة الخدمة العامة الكندية سي بي سي CBC، حيث تمت مقابلة العديد من النساء الأيزيديات اللواتي أجبرن على التخلي عن أطفالهن. وتمت مقابلة محمود. ولكن من الواضح أن قناة CBC لم تكن تعلم عن مشاركته في الفيلم.

يقول محمود في التقرير إنه سمح لداعش بشراء أطفال النساء مقابل الحصول على معلومات، وأنه استخدمهم كسلع بعد فصلهم عن أمهاتهم.

قامت الصحيفة بتعقب المترجم الذي عينته سي بي سي CBC للمساعدة في التقرير، نيجيرفان ماندو. بعد الاطلاع على ما ورد في المقابلة، أكد المترجم أن محمود يقول إن مركز البيت الأيزيدي كان يقدم الأطفال إلى داعش مقابل معلومات عن المفقودين من الأيزيديين.

التلميح الوحيد الذي يحصل عليه الجمهور حول ما تعرضت له النساء وأطفالهن في مشهد في الفيلم يصور إحدى النساء وهي تبكي وتتخلى عن ابنها الصغير، بينما تشرح النساء المتطوعات في مركز البيت الأيزيدي ذلك بأنه "مؤقت فقط".

في الجزء الثاني من التحقيق، قالت "كفارتال" إن العديد من المشاهد الرئيسية في "سبايا" ليست أصلية، ولكن تم التلاعب بها لتتناسب مع القصة التي يريد الفيلم تقديمها، منها أن مخرج الفيلم لم يكن حاضرًا أبدًا عند إطلاق سراح ليلى (المشهد الرئيسي في الفيلم)، إضافة إلى أنها ليست نفس الشخص الذي تعرض فريق الإنقاذ للمطاردة خلال عملية تحريره. ويزعم الفريق أنه مر في منطقة نفوذ تابعة لـ"داعش" الذي بادر عناصره عليه النيران، وحسب الصحيفة، فإن هذا المشهد تم تصويره مع امرأة أخرى.

هوجير اعترف أنه "أعطى انطباعًا بأنه كان حاضرًا عند إطلاق سراح ليلى"، وأنه "كان من الإهمال وغير الضروري بالنسبة لي ألا أحدد في المقابلة مع بي بي سي أن هذا المشهد كان يخص سيدة أخرى". لذلك، اختارت مؤسسة البث البريطانية العامةBBC   حذف المقابلة مع هوجير في بداية شهر تموز 2022.

وكتبت بي بي سي في تعليق لــ "كفارتال": "نحن ندرك أن هناك مخاوف قد أثيرت بشأن صحة بعض التصريحات التي أدلى بها المخرج، وقد حذفنا مقابلتنا معه، بعد مراجعتنا لها".

رفض المخرج هوجير هيروري المشاركة في المراجعة الاستقصائية التي قامت بها صحيفة "كفارتال". وقال في رسالة نصية أذاعتها نشرة الأخبار الثقافية في التلفزيون السويدي، بأن النقد سخيف، و"خاصة الآن عندما تأتي صحيفة كفارتال باتهامات خطيرة ضد شخص مات ولا يستطيع الدفاع عن نفسه". وأضاف المخرج أنه يرد على الانتقادات "في المستقبل القريب".

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

رجل عربي من البدون في منطقة صحراوية غرب منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية.
رجل عربي من البدون في منطقة صحراوية غرب منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية.

بحسب تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن هناك 10 ملايين شخص على الأقل بدون جنسية حول العالم. تبدو تلك المشكلة حاضرة بشكل لافت للنظر في منطقة الخليج العربي، حيث يعيش عشرات الآلاف من عديمي الجنسية/ البدون في كل من السعودية والكويت والإمارات وقطر والعراق.

بشكل عام، تُطلق تسمية البدون على مجموعة من القبائل العربية البدوية التي عاشت في مناطق صحراوية على أطراف السعودية والكويت والعراق. وترجع أصول غالبيتهم إلى بادية الشام. بعد تأسيس الدول الخليجية الحديثة، لم يحصل هؤلاء على الجنسية لأسباب مختلفة، وبقيت مشكلتهم قائمة على مدار السنوات المتعاقبة.

 

الكويت

تعود أصول البدون في الكويت إلى بادية سوريا والأردن والعراق. وينتمون في الأساس إلى مجموعة من القبائل العربية الكبيرة مثل شمر وعنزة. بدأت مشكلتهم في خمسينيات القرن العشرين، عندما صدر قانون الجنسية الكويتي في سنة 1959م. والذي فرّق بين المواطنين الكويتيين الأصل والمنشأ، والوافدين القادمين من مناطق مجاورة.

بشكل عام، تمتع "البدون" بالمساواة مع المواطنين الكويتيين منذ سنة 1961م وحتى سنة 1991م. بعد الغزو العراقي للكويت، وجهت أصابع الاتهام للبدون العراقيين الأصل، وتم اتهامهم بالخيانة ومساندة نظام صدام حسين. بعد تحرير الكويت، تم عزل العديد من البدون، وفقدوا الكثير من المميزات الاجتماعية والاقتصادية. 

حالياً، تذكر البيانات الحكومية الرسمية إن 85 ألفاً على الأقل من البدون يعيشون في الكويت، لكن النشطاء يقولون إن العدد يزيد عن ذلك بكثير.

في سنة 2000م، ومع تفاقم أزمة البدون، أصدر مجلس الأمة الكويتي قانوناً ينص على تجنيس ألفي شخص من "البدون" سنوياً، ممن يقيمون في الكويت منذ 1965 على الأقل. لكن لم تُفلح تلك المحاولة في القضاء على الأزمة. اعتاد البدون الكويتيون على تنظيم المظاهرات المطالبة بالحصول على حقوقهم في الجنسية الكويتية من حين إلى آخر.

في السنوات الأخيرة، تصاعد زخم الاحتجاجات من جانب البدون الكويتيين بالتزامن مع دعمهم من قِبل العديد من النشطاء والمنظمات الحقوقية. في ديسمبر 2021م، تجمع نحو مئتي متظاهر في ساحة الإرادة مقابل مبنى مجلس الأمة الكويتي في وقفة احتجاجية سلمية دعماً لمطالب البدون. في مارس 2022م، أُعلن عن بدء إضراب مفتوح عن الطعام للمطالبة بـ "الحقوق الإنسانية الأساسية" للبدون في الكويت. وأثار الإضراب موجة تعاطف واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. في أغسطس 2023م، نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً عن معاناة بدون الكويت.  جاء فيه إن الحكومة الكويتية تمارس التمييز ضد أطفال البدون "وذلك من خلال تقاعسها في توفير التعليم المجاني". وبيّن التقرير كيف أن الحكومة تُجبر أطفال البدون على دفع رسوم التعليم الخاص الذي يعدّه الآباء والأمهات والأطفال دون مستوى التعليم في المدارس الحكومية المجانية التي يلتحق بها المواطنون الكويتيون. في الشهر الماضي، سلطت الأضواء على قضية "البدون" في الكويت من جديد، وذلك بعدما أعلنت وزارة الداخلية الكويتية عن "وقف جواز سفر رقم (17) "الخاص بالمقيمين بصورة غير قانونية" وهم عديمو الجنسية "البدون" باستثناء الحالات الإنسانية مثل العلاج والدراسة.

 

السعودية

تشكّل البدون في السعودية من القبائل البدوية التي عاشت حياة الترحال في شمال وجنوب المملكة العربية السعودية، ومن الجاليات الإسلامية التي هاجرت من آسيا إلى شبه الجزيرة العربية في بدايات القرن العشرين، واستوطنت فيما بعد في غرب السعودية.

في سبعينيات القرن العشرين، أُتيحت الفرصة لإعطاء هؤلاء الجنسية السعودية. غير أن أغلب البدون تجاهلوا الأمر بسبب انشغالهم بالحياة البدوية، أو لعدم معرفتهم بفتح باب الحصول على الجنسية. تسبب ذلك في عدم حصول أبناء وأحفاد تلك الفئات على الجنسية السعودية حتى الآن.

في السنوات الأخيرة، أشارت بعض التقارير الصحفية إلى المعاناة الشديدة التي يلاقيها البدون السعوديون في شتى مناحي الحياة، وخصوصاً فيما يخص المسكن، والاوضاع الاجتماعية، والتعليم، والزواج. في هذا السياق، بُذلت بعض المجهودات لحل مشكلتهم. ومن ذلك، صدور مرسوم ملكي في العام 2000م يقضي بمنح الجنسية لقبائل شمر وعنزة وبني خالد والأساعدة. وفي سنة 2012م، كشفت وزارة الداخلية عن خطة حكومية لقرب إصدار نظام لتجنيس البدون، الأمر الذي تحقق بشكل جزئي في سنة 2014م، عندما أصدرت المديرية العامة للجوازات السعودية بطاقات خاصة للبدون لتسهيل إجراءاتهم.

على الرغم من تلك المجهودات، لم تنته أزمة البدون السعوديين. في سنة 2015م، اعترفت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بأن إجراءات تصحيح وثائق البدون بطيئة جداً وأن الإشكالات ستتوسع إذا ما تأخر حسم هذا الملف. بعدها بسنتين، نشرت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان تقريراً حول "الحرمان من الجنسية في السعودية"، خلص إلى أن "معاناة البدون في السعودية انطوت على العديد من التجاوزات والانتهاكات والتمييز العنصري".

الإمارات

تعود أصول العديد من البدون في الإمارات إلى مجتمعات البدو أو المهاجرين الذين سكنوا البلاد قبل تشكيل الدولة في سنة 1971م، ولم يجرِ تسجيلهم وقتها لنيل الجنسية. 

بشكل عام، يجد البدون الإماراتيون صعوبات عدة في استخراج شهادات الميلاد والوفاة، وفي توثيق عقود الزواج والطلاق، كما أنه لا يحق لأبنائهم الالتحاق بالمدارس الحكومية.

في 2006م، كشفت وزارة الداخلية الإماراتية عن قرب حل قضية البدون. وفي سنة 2008م، عملت الإمارات على إيجاد حل بديل لأزمة البدون الذين يعيشون على أراضيها. عقدت إمارة أبوظبي اتفاقاً مع دولة جزر القمر الواقعة شرقي أفريقيا. بموجب هذا الاتفاق قامت الحكومة الإمارتية بشراء وثائق هوية وجوازات سفر للبدون، ووزعتها عليهم. مع إعطائهم الحق في الإقامة على الأراضي الإمارتية، ووعدهم بمنح العديد من التسهيلات والامتيازات. ذكرت بعض التقارير الصحفية أن جواز السفر القمري الواحد بلغت كلفته 4 آلاف يورو، وأن الحكومة الإمارتية دفعت ما لا يقل عن 200 مليون يورو كتكلفة إجمالية.

 

قطر

تختلف مشكلة البدون في قطر عنها في باقي الدول الخليجية. تعود تلك المشكلة إلى سنة 1995م، عندما تمت الإطاحة بأمير قطر آنذاك، خليفة بن حمد آل ثاني، في انقلاب قام به نجله حمد بن خليفة آل ثاني. حاول خليفة بن حمد وقتها ان يسترد السلطة بمساعدة قبائل آل مرّة. فشلت المحاولة، وتحمل الطرف الخاسر ضريبة الهزيمة. في سنة 2005م جرّدت الحكومة القطرية الآلاف من أبناء قبائل آل مرّة، من جنسياتهم، وأصبح وضعهم القانوني مشابهاً لأوضاع البدون في السعودية والكويت والإمارات.

منذ ذلك الوقت، حُرم العديد من آل مرّة من الحصول على الوظائف، ومن تلقي الرعاية الصحية المجانية، كما فُرضت الكثير من القيود على التعليم والزواج وفتح الحسابات المصرفية. في أغسطس 2021م، زادت معاناة آل مرّة بعدما أقرت الدوحة قانون الانتخابات البرلمانية الجديد. بموجبه حُرم الآلاف من آل مرة من الاقتراع أو الترشح. بعدما اقتصر حق المشاركة في الانتخابات على القطريين "الأصليين" فحسب.

أعيد افتتاح آيا صوفيا كمسجد في الرابع والعشرين من يوليو سنة 2020. أقيمت صلاة الجمعة في هذا المكان التاريخي للمرة الأولى منذ 86 سنة كاملة.
من النظام الملّي إلى "الخط الهمايوني".. كيف عاشت الأقليات المسيحية تحت الحكم العثماني؟
اتسمت العلاقة بين النبي والمسيحيين بالود والتسامح في أغلب فتراتها. رغم من ذلك، لم تبق العلاقة بين الحكومات الإسلامية المتعاقبة وبين الرعايا المسيحيين هادئة دائماً، خاصة تحت حكم الدولة العثمانية.

العراق

تختلف مشكلة معدومي الجنسية في العراق عنها في منطقة الخليج. يُعدّ الأكراد الفيليون الذين قدموا إلى العراق من بعض أنحاء إيران في القرن السادس عشر الميلادي أبرز النماذج المعبرة عن تلك المشكلة.

خلال الحرب الصفوية- العثمانية، نزحت عوائل الكثير من الجند الفيليين -الذين كانوا يحاربون في صف الصفويين- إلى العراق في صورة هجرات بشرية متتابعة. استقرت تلك العوائل في العراق رغم استعادة العثمانيين السيطرة على المنطقة. وهكذا صار الفيلييون متواجدين بشكل كثيف في غربي إيران وشرقي العراق. 

عند تأسيس المملكة العراقية في عام 1921م وبموجب اتفاقية تخطيط الحدود العراقية - الإيرانية تم إلحاق مناطق واسعة من الأراضي الكردية الفيلية بالعراق، ليصبح الفيلييون عندها إحدى المكونات البشرية المهمة في التكوين الفسيفسائي للشعب العراقي. تمركز الفيلييون بشكل رئيس في خانقين، وجلولاء، وبعقوبة، والكوت، والكميت. هذا إلى جانب تواجد بعض تجمعاتهم في كل من بغداد، والسليمانية، وأربيل، وكركوك، والكوفة، والنجف، وكربلاء، والبصرة.

بدأت محنة الأكراد الفيلين في العراق في النصف الأول من القرن الماضي. فرّق قانون الجنسية العراقي بين المواطنين الذين يعودون إلى أصول إيرانية والمواطنين الذين يعودون إلى أصول عثمانية. بموجب هذا القانون أصبح الفيلييون مواطنين من الدرجة الثانية. وتم البدء في تهجيرهم إبان حكومتي رشيد الكيلاني ونوري السعيد. 

تصاعدت وتيرة التهجير في حكومتي عبد السلام عارف وأحمد حسن البكر. ووصلت تلك الوتيرة إلى ذروتها في زمن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في الفترة الواقعة بين سنتي 1970 و2003م. 

في سنة 1980م -وبالتزامن من اندلاع حرب الخليج الأولى ضد إيران- أصدر صدام حسين القرار رقم (666)، والذي نص على "إسقاط الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل أجنبي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة وتخويل وزير الداخلية صلاحية إبعاد كل من أسقطت عنه الجنسية العراقية ما لم يقتنع بناءً على أسباب كافية بأن بقاءه في العراق أمر تستدعيه ضرورة قضائية أو قانونية". 

بموجب هذا القانون جُرد الفيلييون من الجنسية العراقية وتمت مصادرة أموالهم وممتلكاتهم ووجهت لهم اتهامات بالخيانة والعمالة لإيران.

بحسب بعض المصادر الفيلية، وصل عدد المهجرين في تلك الفترة إلى ما يقرب من 600 ألف فيلي، وتم إرسالهم إلى الحدود مع إيران. رغم مرور عشرات الأعوام على وقوع تلك الحوادث المؤسفة، لا يزال الآلاف من الفيليين المُهجّرين يعيشون في أوضاع معيشية سيئة في الأماكن التي خصصتها لهم الحكومة الإيرانية في مخيّمي ازنا وجهرم في لرستان الواقعة في غربي إيران. لم تُحل مشكلة هؤلاء اللاجئين المُهجرين حتى الآن رغم مرور ما يقرب من عشرين عاماً على سقوط نظام صدام حسين.