يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.
يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.

يعرف المجتمع العراقي تنوعاً عرقياً فريداً من نوعه. يعيش في بلاد الرافدين كل من العرب والأكراد والتركمان فضلاً عن مجموعة من الأعراق الأقل عدداً والتي تتوزع في شتى أنحاء البلاد. نلقي الضوء في هذا المقال على العنصر التركماني، لنتعرف على تاريخه، ولنفهم أكثر عن أحوال التركمان العراقيين الاجتماعية والسياسية اليوم.

 

تاريخ عريق

 

لا نعرف الأصل الدقيق لكلمة التركمان. تختلف الآراء حولها. يذهب البعض إلى أن أصلها عربي، بينما يذهب أخرون إلى أن أصولها تركية أو يونانية. على الرغم من كل تلك الاختلافات حول أصل الكلمة، يتفق الجميع على دلالتها الواضحة والتي يُقصد منها الإشارة إلى العنصر التركي المنحدر من وسط آسيا، والذي ينتشر حالياً في الكثير من الدول الأسيوية.

تعود الإشارة إلى العنصر التركي في الأراضي العراقية إلى مرحلة مبكرة من عمر الحضارة العربية الإسلامية. ذكرت المصادر الإسلامية أن والي البصرة عُبيد الله بن زياد استعان ببعض الأتراك القادمين من مدينة بُخارى وجندهم في جيشه. يقول الطبري، في كتابه "تاريخ الرسل والملوك"، "أن البخارية الَّذِينَ قدم بهم عُبَيْد اللَّهِ بن زياد الْبَصْرَة ألفان، كلهم جيد الرمي بالنشاب…".

في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، توسع الخليفة العباسي المعتصم بالله في الاعتماد على العنصر التركي في الجيش. يذكر المؤرخ العراقي عبد العزيز الدوري في كتابه "العصر العباسي الأول" أن المعتصم كان يطلب من ولاته أن يبعثوا له بالغلمان الأتراك من كل مكان، وأن عبد الله بن طاهر والي خراسان كان يرسل له بألفي غلام تركي سنوياً كجزء من الخراج. أيضاً كان المعتصم يشجع الأتراك الأحرار في آسيا الصغرى على الانخراط في جيشه. تذكر بعض المصادر أن المحاربين الأتراك في الجيش العباسي زادوا كثيرًا في تلك الفترة حتى بلغ عددهم 70 ألفا.

في النصف الأول من القرن الخامس الهجري، ازداد الأتراك بشكل كبير في العراق. أسلم السلاجقة -وهم إحدى العشائر القبلية التركية- في تلك الحقبة التاريخية وعبروا نهر جيحون في آسيا الوسطى وعاشوا لفترة في كنف الدولة الغزنوية. بعد سنوات، تعاظمت قوة السلاجقة، في زمن زعيمهم طغرلبك، ودخلوا في صراع طويل ضد السلطان الغزنوي مسعود بن محمود، وانتصروا عليه في نهاية المطاف في موقعة داندقان سنة 429ه. بعدها، سارع طغرلبك بالمسير إلى العراق، وأعلن عن طاعته للخليفة العباسي القائم بأمر الله. وبذلك، أوجد السلاجقة لأنفسهم مكاناً مهماً على الخريطة السياسية في بلاد الرافدين.

في القرن السابع الهجري، اضطرت عشيرة كايي -وهي إحدى العشائر التركية التابعة لشعب الأوغوز/ الغُزّ- إلى الهجرة من مساكنها الواقعة في بلاد آسيا الوسطى، فراراً من الغزوات المغولية لتلك المنطقة. تحالفت هذه العشيرة مع سلطان سلاجقة الروم فأقطعها بعض الأراضي الواقعة شمالي الشام. ولم يمر وقت طويل حتى تمكن زعيم القبيلة عثمان بن أرطغل من توسيع نفوذه في المنطقة المحيطة به، ودخل في حروب متلاحقة ضد جيرانه البيزنطيين.

بعد سقوط دولة سلاجقة الروم على يد المغول، أعلن عثمان عن تأسيس الدولة العثمانية التي سُميت باسمه وحافظت على وجودها لما يزيد عن ستة قرون. دخل العثمانيون في صراع طويل ضد الصفويين في إيران. وفي تلك الفترة ازدادت هجرة التركمان باتجاه العراق بشكل واضح. على سبيل المثال تمكن العثمانيون في العراق من الاستيلاء على مدينة الموصل سنة 1534م، وبعدها نجحوا في الاستيلاء على مدينة كركوك. من هنا كان من الطبيعي أن يشهد الجزء الشمالي من العراق الكثافة التركمانية الأكبر.

تحتفظ لنا المصادر التاريخية بأسماء العديد من أعلام التركمان الذين سكنوا العراق لفترات متباينة. من أشهر هؤلاء كل من الفيلسوف الشهير أبي نصر الفارابي، والشاعر عماد الدين نسيمي الذي كان أول شاعر ينظم الشعر بالتركمانية، والشاعر فضولي البغدادي المُلقب بسلطان الشعراء.

 

التركمان العراقيون الآن

 

يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد، ويوجد اختلاف كبير في تقدير أعدادهم. ويذهب الكثيرون إلى أنهم بين مليونين إلى مليونين ونصف. ويتوزعون في المناطق الشمالية والوسطى من العراق، حيث ينتشرون في محافظات نينوى وأربيل وكركوك وديالى وصلاح الدين وفي بعض أحياء العاصمة بغداد. يستقرون كذلك في عديد من الأقضية، مثل طوز خورماتو، وتلعفر، وآمرلي، وداقوق، وخانقين، وبدرة، وسنجار، وفي قرية جلولاء، والسعدية، وكفري، وسليمان بيك، وينكجة، وحمرين، والتون كوبري، وتازة خورماتو، وبشير.

من جهة أخرى، توجد العديد من القبائل التركمانية العراقية المشهورة، ومنها قبائل البيات، والصالحي، والياغجي، والعسكري، وبيراقدار، وصاريللي، وياغجي. ويتحدث أغلب التركمان في العراق اللهجة التركمانية وهي إحدى اللهجات التركية. ويعتنق أغلبهم الإسلام وفق المذهب السني أو المذهب الشيعي، بينما يعتنق القليل منهم المسيحية.

على الرغم من انخراطهم في المجتمع العراقي، فإن التركمان عملوا على الحفاظ على هويتهم العرقية من خلال الحفاظ على ارتداء بعض الثياب التقليدية الخاصة بهم. تتكون تلك الثياب من الصاية (رداء طويل يلبس فوق الثوب)، والجاكيت (السترة: لباس يغطي النصف الأعلى من الجسم)، والجراوية (شماغ: قطعة قماش تلف فوق الرأس). ويوجد أيضاً زي مخصوص للنساء لونه سماوي يلبس فوقه عرقجين (غطاء الرأس) ويكون ثخيناً قليلاً، ويتلون بالنجوم والحلقات، والخيوط الذهبية أو الرصاصية، وفي الأسفل دشداشة (ثوب طويل) مزخرف أيضاً وملون بالخيوط الذهبية والفضية، وحذاء خاص.

التركمان العراقيون والسياسة

 

عانى التركمان العراقيون من التهميش والاستبعاد السياسي في الكثير من الفترات التاريخية في العراق الحديث. تعرضوا للعديد من المجازر والحوادث الدموية حتى قبل صعود البعثيين إلى السلطة. من أشهر تلك المجازر حادثة كاورباغي سنة 1946م، عندما قامت قوات من الشرطة العراقية بإطلاق النار على مجموعة من عمال شركة نفط كركوك المضربين عن العمل للمطالبة بحقوقهم والذين تجمعوا في حديقة كاورباغي في مدينة كركوك.

هناك أيضا مجزرة كركوك التي وقعت عام 1959م أثناء الاحتفال بالذكرى الأولى لتأسيس الجمهورية العراقية، وسقط فيها مئات القتلى من المدنيين التركمان على يد فرقة من الجنود الأكراد الشيوعيين، وذلك بحسب ما تذكره المصادر التركمانية. وهناك كذلك مجزرة مدينة أربيل التي ارتكبها نظام البعث في العام 1996م، والتي قُتل فيها ما يقرب من الخمسين تركمانياً.

أثرت تلك الأحداث بشكل سلبي فيما يخص علاقة التركمان بالدولة العراقية. وصفت بعض الآراء التركمانية أن تلك الحوادث الدامية تسببت في أن يصبح "التركمان مجتمعاً أكثر انغلاقاً. فإن حقيقة أن ما جرى لم يتم رفضه أو تجاهله، أضعف إيمان الشعب التركماني بالدولة. وبالإضافة إلى ذلك، يُنظر إلى تلك الحوادث على أنها نقطة البداية الرئيسية للصراع بين التركمان والأكراد في العراق. بعد هذا التاريخ، ازداد إدراك النضال والتوتر والعنف، والأهم من ذلك، انعدام الأمن والكراهية التي تغذي الجانب الآخر إلى مستويات أعلى".

لم تنته محنة التركمان العراقيين مع سقوط النظام البعثي، فقد تعرضوا للاستهداف من قِبل بعض الجماعات الإرهابية عقب الغزو الأميركي للعراق في 2003م. أيضاً تسببت الفوضى التي أحدثها سيطرة تنظيم داعش على الموصل عام 2014م في وقوع نتائج كارثية على المكون التركماني في العراق. نزح مئات الآلاف من التركمان إلى مناطق أخرى في شمال العراق وجنوبه وإلى العاصمة بغداد. وذهبت بعض التقارير إلى أن ما يزيد عن 300 ألف تركماني تركوا العراق وهاجروا إلى تركيا أو الأردن. من أوضح صور المعاناة التركمانية ما وقع في سنة 2017م عندما أقدم تنظيم "داعش" على إعدام 200 تركمانياً في قضاء تلعفر غرب مدينة الموصل.

حاليا، توجد العديد من الأحزاب السياسية التركمانية المعروفة على الساحة، ومن أهمها كل من الحزب الوطني التركماني العراقي، وحزب تركمن إيلي، وحزب التركمان الإقليمي، وحركة التركمان المستقلة، وحزب حقوق التركمان العراقيين، والحركة الإسلامية التركمانية العراقية، بالإضافة إلى أحزاب وحركات أخرى مثل حزب الإرادة التركمانية، وحزب التنمية التركماني، والحزب التحرري القومي التركماني، والحزب الديمقراطي التركماني، والتجمع الليبرالي التركماني.

تحظى أغلبية تلك الأحزاب بدعم أنقرة. يظهر ذلك فيما أكد عليه وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو في وقت سابق من دعم بلاده للمكون التركماني في العراق، مشيراً إلى أن تركيا تقف دائماً بجانب تركمان العراق. من جهة أخرى، تسعى القوى السياسية التركمانية للمشاركة في العمل السياسي في الدولة العراقية بشكل أكثر تأثيراً.

على سبيل المثال، طالبت الجبهة التركمانية في العراق بمقعد وزاري في حكومة محمد شياع السوداني (نالت ثقة البرلمان أول أمس). جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده رئيس جبهة تركمان العراق الموحد حسن توران قبل أسبوع في مقر الجبهة بمشاركة عدد من أعضائها، وقال توران حينها: "في الوقت الذي نبارك فيه المساعي المبذولة لتشكيل الحكومة العراقية برئاسة محمد شياع السوداني، إلا إننا كقائمة جبهة تركمان العراق الموحد نستغرب من رئيس الوزراء المكلف والكتل السياسية الداعمة له من عدم تخصيص مقعد وزاري داخل الكابينة للمكون الرئيسي الثالث في العراق".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

رحل النظام العراقي السابق أكثر من 350 ألف كردي فيلي إلى إيران.

بعد نحو 12 عاما على تشكيلها وأكثر من 20 عاما على سقوط نظام صدام حسين، صادقت وزارة العدل العراقية مؤخراً على توصيات اللجنة المعنية بإزالة الآثار السلبية عن الكرد الفيليين، ممن صودرت أراضيهم أو بيوتهم من قبل النظام السابق.

وإضافة إلى التوصية الخاصة بمعالجة الآثار المترتبة على قراري مجلس قيادة الثورة المنحل المرقمين (489) و(617) لسنة 1981 المتعلقين بمصادرة البساتين والأراضي الزراعية في منطقتي خانقين ومندلي في محافظة ديالى وتسوية الحقوق التصرفية فيها، تضمنت التوصيات النظر في إمكانية إعمار المناطق الفيلية المنكوبة وتنميتها ونزع الألغام منها وشمولها بالمشروعات الإستراتيجية. كذلك العمل على مراعاة تعيين هذه الشريحة في الدرجات الوظيفية الشاغرة في الوزارات وغيرها من الجهات الرسمية.

وفي الوقت الذي ينظر سياسيون وأكاديميون من الكرد الفيليين بإيجابية للمصادقة "المتأخرة" على توصيات اللجنة، فهم يشككون أيضاً في إمكانية تنفيذها بشكل يؤدي لتحقيق العدالة والإنصاف للضحايا.

 

تاريخ الاضطهاد

بدأ الاضطهاد "الممنهج" للكرد الفيليين في العراق عام 1970 وتواصل حتى سقوط النظام البعثي في 2003.

يقول القيادي في الحزب الكردستاني العراقي والمدافع عن قضية الكرد الفيليين، علي الفيلي، إن "الاضطهاد الذي تعرضوا له كان الأعنف ضد أقلية في العراق، لقد اضطهدوا بشكل ممنهج لفترات طويلة، حُرموا من حقوقهم الأساسية، وتمت مصادرة ممتلكاتهم، وجُردوا من جنسيتهم نتيجة شكوك ومخاوف ابتدعها النظام السابق".

وينتقد الفيلي تعامل الحكومات العراقية المتعاقبة بعد سقوط النظام مع قضية الكرد الفيليين، مبيّناً لـ"ارفع صوتك": "كان يفترض أن تكون قضيتهم أولوية بعد سقوط النظام كدليل على جدية العهد الجديد في إزالة الظلم".

بحسب دراسة "الإبادة الجماعية للكرد الفيليين في العراق" الصادرة عن مركز "حمورابي" للبحوث والدراسات الاستراتجية، تعرض آلاف الكرد الفيليين إلى حملات إعدام مممنهجة من قبل النظام السابق منذ 1968، إضافة إلى ترحيل أكثر من 350 ألف كردي فيلي إلى إيران، والاختفاء القسري الذي طال نحو 15 ألفاً لا يزال مصيرهم مجهولاً.   

يؤكد الفيلي أن "غالبية المختفين قسراً هم من الأطفال الذكور الذين اختطفهم النظام السابق بتهمة محاولتهم حمل السلاح ضد الدولة".

وفي مطلع ثمانينيات القرن الماضي أصدر مجلس قيادة الثورة المنحل قرارات لتثبيت واقع اضطهاد الكرد الفيليين، فعلاوة على مصادرة البساتين والأراضي الزراعية وفقاً للقرارين (489) و(617) لسنة 1981، أصدر المجلس عام 1980 القرار (666) القاضي بإسقاط الجنسية العراقية عن "كل عراقي أجنبي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية  العليا للثورة"، وهو القرار الذي طُبق بشكل أساسي على الكرد الفيليين، حيث أسقطت الجنسية عن نحو نصف مليون كردي فيلي، كما تنقل الدراسة عن مصادر كردية.

وتعيد الدراسة جذور الاضطهاد إلى جملة من العوامل، في مقدمتها العامل القومي حيث "تشير الدلائل على أنهم من أقدم وأعراق سكان العراق، غير أن تواجدهم الجغرافي في نقاط التماس الجيوسياسية للصراع العراقي- الإيراني، شجع الإبادة ضدهم، وكذلك تنوعهم الثقافي والاجتماعي الذي مكنهم من الاندماج مع باقي المكونات بشكل صعب على النظام مهمة اجتثاثهم".

أما العامل الأخير فكان "عنصرية وطائفية النظام عندما رسخ تهمة تبعية الكرد الفيليين لإيران بدعوى وجود مناطق كردية في الجانب الإيراني المحاذي للحدود العراقية تربط الكرد الفيليين بصلات قرابة.

 

مخاوف بعد انتظار طويل

رغم حديثه عن إيجابيات المصادقة على التصويات كخطوة على طريق رفع الظلم الواقع على الكرد الفيليين، يقول أستاذ الفكر السياسي عصام الفيلي إن "المشكلة لا تكمن في التشريعات والقوانين إنما في الممارسة والتطبيق".

يضيف لـ"ارفع صوتك": "عند الحديث عن تعويضات عن سنوات محدودة فإن ذلك ليس من الإنصاف، كذلك فإن التشريعات لم تعالج المساحات الكبيرة من الأراضي التي جرى الاستيلاء عليها وهي غير مسيجة من قبل أصحابها وتحولت إلى أملاك للدولة".

ويعتقد عصام الفيلي أن الضرر النفسي والمعنوي الذي خلفته الإبادة على الكرد الفيليين "تتجاوز ما قدمته اللجنة"، مشدداً على "ضرورة إنشاء لجنة عليا لرعاية الكرد الفيليين بمهام متعددة تتجاوز مسألة التعويض والأراضي إلى دمجهم في الوظائف الحكومية وتضمينهم في المناهج التعليمية وتحسين الخدمات في أماكن تواجدهم".

يتابع: "المطلوب قبل كل شيء تأسيس ثقافة تؤكد على أن العراق بلد لجميع المكونات، حينها يشعر الكرد الفيليون بمواطنتهم ويسترجعون حقوقهم، فمنذ سقوط النظام حتى اليوم لا يوجد تحسّن حقيقي في حياتهم".

الأمر ذاته يكرره القيادي في الحزب الكردستاني العراقي، علي الفيلي، بقوله: "التعويض المالي مهم لكن التعويض النفسي والمعنوي أكثر أهمية".

ويرى أن "بداية التعويض المعنوي تتمثل في أن تتوقف دوائرة السلطة عن معاملتهم معاملة الأجانب حيث يواصلون مراجعة دائرة شؤون الأجانب لإتمام معاملاتهم".