ينتشر الدروز في السويداء وجرمانا وصحنايا بريف دمشق، إضافة إلى منطقة حضر القريبة من القنيطرة، وهضبة الجولان، وقرى في جبل السماق بريف إدلب.
ينتشر الدروز في السويداء وجرمانا وصحنايا بريف دمشق، إضافة إلى منطقة حضر القريبة من القنيطرة، وهضبة الجولان، وقرى في جبل السماق بريف إدلب.

على بعد 100 كلم جنوبي دمشق، تتربع محافظة السويداء على قمة يطلق عليها جبل العرب. تقطن المحافظة الطائفة الدرزية أو "الموحدون الدروز"، وهي أقلية في سوريا لا يتجاوز عدد أفرادها 700 ألف نسمة، ما نسبته 3% من سكان سوريا.

ينتشر الدروز في السويداء وجرمانا وصحنايا بريف دمشق، إضافة إلى منطقة حضر القريبة من القنيطرة، وهضبة الجولان، وقرى في جبل السماق بريف إدلب.

استطاع الدروز طيلة الألف عام التي تلت نشوء مذهبهم الحفاظ على وجودهم رغم تعاقب الدول والأنظمة التي حكمت المنطقة. ورغم أن هذه الطائفة تنتشر فقط في بلاد الشام، باستثناء الهجرات إلى أوروبا وأمريكا الجنوبية، إلا أن الروابط بين دروز المنطقة عميقة ومتداخلة.

ويعتبر دروز سوريا رغم نسبتهم القليلة مقارنة بباقي المذاهب والطوائف في البلاد، مؤثرين في المشهد الثقافي والسياسي والفني تاريخيا. والسوريون يربطون اسم السويداء بالطائفة الدرزية أو بسلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى التي اندلعت ضد الاستعمار الفرنسي عام 1925، والذي رفض حينها الاقتراحات الفرنسية بإقامة دولة درزية، وعزز انتماء الطائفة الوطني، كما رفض كثير من دروز الجولان قرار إسرائيل بضم المنطقة إليها، وشاركوا في احتجاجات عام 1982 ضد القرار، قبل أن تتغير قناعة بعضهم في السنوات الأخيرة.

 

حافظ الكثير من دروز الجولان على روابط وثيقة مع دمشق
الواقع السوري يدفع مزيدا من دروز الجولان نحو الجنسية الإسرائيلية
بعد مرور نحو أربعة عقود منذ ضمّ إسرائيل لمرتفعات الجولان، حافظ السكان الدروز على هوياتهم وأساليب عيشهم السورية، ورفضوا الاندماج في إسرائيل، وأبقوا على روابط قوية بدمشق، لكن الوضع يسير نحو التغيّر وفق تقرير صحفي إسرائيلي.

وتركت أحداث الثورة السورية، التي اندلعت في مارس 2011، ضبابية حيال موقف الدروز من الثورة أو النظام، خصوصاً أن أشهر أغاني الثورة ضد النظام السوري والمعروفة بعنوان "يا حيف"، أطلقها الفنان سميح شقير الذي ينتمي إلى الطائفة الدرزية، كما ضمت الانشقاقات من الجيش السوري بعض العناصر والضباط الدروز أبرزهم الملازم أول خلدون زين الدين وشقيقه الملازم أول فضل زين الدين.

وقُتل الأول في معارك ضد قوات النظام عام 2013، بينما غادر الثاني ومنشقون دروز آخرون مناطق سيطرة المعارضة في الجنوب بعد مضايقات من الجماعات المتطرفة، كما برز موقف منتهى الأطرش ابنة قائد الثورة السورية الكبرى، التي أيدت تحركات وتطلعات السوريين المناوئين للنظام، هذا عدا عن فئة واسعة من الإعلاميين والصحفيين، بينهم مذيع قناة الجزيرة فيصل القاسم.

في المقابل، برزت شخصيات وكيانات مؤيدة أو داعمة للنظام، كان منها شخصيات عسكرية كالعميد عصام زهر الدين، وهو ضابط في الحرس الجمهوري كان مغموراً قبل العام 2011، قبل أن يزج به النظام إلى الواجهة، بالإضافة إلى مستشارة الرئيس السوري لونا الشبل.

 

الدروز.. التاريخ والحاضر

 

يقول الصحفي السوري رامي زين الدين لـ"ارفع صوتك" إن الدروز لعبوا دوراً بارزاً في تاريخ سوريا الحديث، وتحديداً خلال 3 مراحل مهمة، حيث شاركوا في الثورة العربية الكبرى إلى جانب قوات الشريف حسين، وكانوا في طليعة المقاتلين الذين دخلوا دمشق عام 1918. وتذكر العديد من المصادر أن سلطان الأطرش (1891-1982) كان أول من رفع علم الثورة فوق مبنى البلدية، لكن تلك المشاركة لم تكن تحظى بإجماع كافة الدروز آنذاك، إذ انحاز بعض الوجهاء، من آل الأطرش وغيرهم، إلى جانب العثمانيين، إلا أنهم لم يتقاتلوا فيما بينهم.

وفي مرحلة ما بعد استقلال سوريا، حتى انقلاب حزب البعث (1946-1963)، انخرط الدروز في السلك العسكري والسياسي وبرزت العديد من الشخصيات الوازنة منهم.

وبعد عام 1970، تاريخ استيلاء حافظ الأسد السلطة، تم التخلص من الكثير من خصوم الرئيس الجديد، ومن ضمنهم الضباط والسياسيون الدروز، الذين كانوا إما منافسين في النفوذ أو يتبعون خصومه في القيادة القومية لحزب البعث. وهكذا انتهى تقريباً أي حضور درزي بارز في سوريا.

يعتقد زين الدين أن دروز سوريا، كجماعة، لا ينخرطون عادة في الصراعات، إلا في حالتين: إذا ما كان هناك عدو خارجي (الثورة ضد العثمانيين والفرنسيين)، أو في حال تعرض وجودهم للتهديد، كما حدث عام 2000 عندما أفضت توترات بينهم وبين بعض العشائر البدوية إلى صراع مع السلطة، إضافة إلى ردع هجمات الجماعات المتطرفة على السويداء خلال السنوات العشر الأخيرة.

وحسب الصحافي السوري، فإن هذا ما يُفسر "الموقف الأقرب إلى الحياد الذي اتخذه معظم المجتمع الدرزي بعد انتفاضة عام 2011، والتي شهدت تحولات كبيرة، أكثرها خطورة، ظهور جماعات جهادية وخطاب راديكالي، شكّلا حالة من القلق والخوف لدى الأقليات عموماً في سوريا".

 

ظاهرة البلعوس

 

في عام 2014، برزت على المشهد الشعبي في السويداء حركة "رجال الكرامة" التي أسّسها عدد من رجال الدين الدروز بزعامة الشيخ وحيد البلعوس، وهو شخصية لم تكن معروفة قبل ذلك الوقت، إلا أنه استطاع خلال وقت قصير كسب تأييد واسع بين الدروز.

أكد البلعوس أنه غير منحاز لأي طرف في الصراع السوري. وقال في أكثر من خطاب: "نحن لسنا مؤيدين ولا معارضين، نحن إنسانيون سوريون". لكنه سرعان ما اصطدم مع أجهزة النظام السوري التي اتهمها بمحاولة إقحام الدروز في حرب ليست حربهم ووضعهم في مواجهة مع باقي السوريين، فرفض عمليات التجنيد الإجباري وتطوعت حركته لحماية كل رافضي الالتحاق بالخدمة العسكرية.

وقد شكّلت حركة "رجال الكرامة" آنذاك حالة استثنائية في السويداء، كما يقول الصحفي زين الدين الذي اعتبر أن البلعوس هو الشخصية الوحيدة التي استطاعت أن تُكرر ظاهرة سلطان باشا الأطرش. "لقد كان رجل بسيطاً، عفوياً، شجاعاً وجريئاً، أحدث رحيله فراغاً كبيراً"، يقول الصحافي السوري.

في 4 سبتمبر 2015، قتل وحيد البلعوس باستهداف سيارته في محافظة السويداء. واتهمت الحركة النظام باغتيال زعيمها.

بعد مقتل البلعوس، فقدت حركة "رجال الكرامة" الكثير من نفوذها وشعبيتها، حيث تولى قيادتها شقيق البلعوس لفترة قصيرة، قبل أن يتراجع بسبب وضعه الصحي على خلفية إصابات طالته في التفجير الذي قتل فيه شقيقه، ثم تولى القيادة الشيخ يحيى الحجار، الذي بدا أنه أكثر براغماتية وأقل اندفاعاً من مؤسس الحركة. لكن، مع ذلك لا تزال "رجال الكرامة" ناشطة في السويداء إلى اليوم، وقد انسحب منها نجلا البلعوس قبل عدة سنوات وشكّلا فصيلاً مستقلاً ضد النفوذ الإيراني في السويداء.

 

العنف المقنن

 

منذ بداية الانتفاضة السورية، تعامل النظام مع الأقليات عموماً وفق "استراتيجية خاصة"، كما يقول رامي زين الدين. فمن ناحية لم يكن النظام يريد المواجهة مع الأقليات خشية فقدان ورقة طالما استعملها أمام المجتمع الدولي. ومن ناحية أخرى، كان يرفض أي مظهر للتمرد على سلطته. وهكذا، اتبع سياسة تقوم على "العنف المقنن"، أي التدخل المحدود في حالات معينة.

إضافة إلى ذلك، عمد على ضرب السلم الأهلي، فبدل خروج أجهزة الأمن لمواجهة المظاهرات كان يدفع بـ"الشبيحة" من أبناء المناطق ذاتها لقمع المتظاهرين، وهذا بالضبط ما حدث في السويداء.

 

الأحداث الدامية

 

شهدت محافظة السويداء عدة أحداث واشتباكات بين مختلف أطراف الصراع في سوريا خلال السنوات الأخيرة، إلا أن أبرز الهجمات وأعنفها هي تلك التي شنها تنظيم داعش على ريف السويداء الشرقي في يوليو 2018.

أوقع الهجوم، الذي تخللته عمليات انتحارية، أكثر من 250 قتيلاً، وخطف 36 مدنيا بينهم نساء وأطفال.

حينها، أرجع زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني، وليد جنبلاط، سبب الهجوم الدموي الذي شنه تنظيم داعش على قرى السويداء، إلى رفض "مشايخ الكرامة" الالتحاق بالجيش السوري، وطالب روسيا بحمايتهم.

وفي سلسلة تغريدات نشرها عبر صفحته الرسمية على موقع تويتر بعد ساعات من الهجوم الدموي، قال جنبلاط: "السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف وصلت وبهذه السرعة تلك المجموعات الداعشية إلى السويداء ومحيطها وقامت بجرائمها قبل أن ينتفض أهل الكرامة للدفاع عن الأرض والعرض. أليس النظام الباسل الذي ادعى بعد معركة الغوطة أنه لم يعد هناك من خطر داعشي إلا إذا كان المطلوب الانتقام من مشايخ الكرامة".

 

العلاقة السياسية والاجتماعية

يرى عضو الائتلاف الوطني السوري المعارض حافظ قرقوط أنه لا يمكن الحديث عن وجود توازن بين السويداء والنظام السوري والمعارضة، لأن الظروف لا تسمح ببناء هذا التوازن.

ويوضح قرقوط لموقع "ارفع صوتك": "السويداء مغلوب على أمرها، وهي مهمشة تاريخيا منذ حكم الأسد الأب خصوصا بعد تسريحه أكثر من 300 ضابط درزي إلى جانب تسريح 700 ضابط سني".

ويؤكد عضو الائتلاف أن "عدد سكان السويداء يعتبر قليلا مقارنة بالمدن السورية، ويمكن أن تكون مدن في ريف دمشق أو ريف حلب تحتضن أعدادا أكبر من السكان، لكن الاهتمام بالسويداء يأتي بسبب أثرها التاريخي منذ انطلاق تشكيل الدولة السورية بعد الاستقلال".

لكن وبحسب قرقوط، "لا يمكن إطلاق حكم بأن الدروز معارضون أو موالون للنظام، لأن حالهم كحال باقي سكان المدن السورية فيهم المؤيد والمعارض، لكن يمكن القول أن معظم الشخصيات الوازنة والهامة في المجتمع الدرزي تنتمي للمعارضة، وأهالي السويداء أصلا لا يمكنهم التحرك بسبب موقع محافظتهم الجغرافي، فهي لا تمتلك خطا مباشرا إلا مع العاصمة دمشق، وإذا قطع هذا الخط ستكون المدينة محاصرة تماما كونها لا تملك منفذا حدوديا آخر، لأن الوضع الأمني في جارتها درعا معقد أمنيا والحدود الأردنية مغلقة".

ويعتقد قرقوط أن بعض "الشعارات الدينية" التي أطلقت خلال "الثورة السورية" كان لها أثرا غير إيجابي على الساحة السورية، وهو ما ترك مسافة بين المجتمع في هذه المحافظة والحراك الثوري، حيث إن المعارضة لم تستفد من هذا المجتمع ولم تمد جسورا سليمة معه، وبدا أن هناك غياب للخطاب الوطني الجامع، وهذا على عكس ثورات التاريخ.

 

العلاقة مع دروز المنطقة

 

في فبراير من العام الحالي، قام الشيخ موفق طريف الرئيس الروحي لطائفة الدروز في إسرائيل بزيارة إلى العاصمة الروسية موسكو. وأكد حينها أن زيارته جاءت لإثارة قضية الدروز السوريين (في الداخل السوري).

ورغم أكثر من 40 عاما على ضم إسرائيل للجولان، إلا أن الغالبية من دروز المنطقة ظلت محافظة على الجنسية السورية، وهو ما ترك أسئلة كثيرة عن علاقة دروز سوريا بالدروز في المنطقة، سواء في إسرائيل أو لبنان.

وفي منتصف أكتوبر 2022، منع النظام السوري وفدا دينيا من دروز لبنان يترأسه الشيخ عادل النمر، من دخول الأراضي السورية، حيث أوقف في منطقة المصنع عند نقطة تفتيش، أثناء قدومه في زيارة خاصة إلى مدينة جرمانا.

وبحسب تقارير صحافية، فإن منعه تم بسبب عدم حصوله على بطاقة "رجل دين" يصدرها شيخ عقل الدروز المعين من قبل طلال أرسلان الموالي للنظام السوري.

وكما هو معروف فإن الحضور السياسي الدرزي في لبنان بارز، حيث يعتبر كل من طلال أرسلان ووئام وهاب زعيمين درزيين مؤيدين بشدة للنظام السوري، في حين يصطف وليد جنبلاط في الصف المقابل، وهو ما يعني انقسامات سياسية حادة بين الطبقة السياسية الدرزية وصلت إلى اعتماد رجال عقل وتهميش آخرين.

لكن عضو الائتلاف الوطني حافظ قرقوط يرى أنه لا يوجد دور سياسي لرجال الدين الدروز تاريخيا، معتبرا أن النظام "يريدهم الآن في الواجهة لكي يضعهم في مواجهة الناس". ويضيف قرقرط: "لا يوجد تنسيق بين دروز إدلب ودروز السويداء، ولا بين دروز السويداء ودروز دول الجوار، باستثناء أن كثيرا من دروز إدلب لجأوا إلى السويداء هربا الظلم والاضطهاد الذي عايشوه بعد سيطرة هيئة تحرير الشام هناك. والعلاقة بين الدروز بعضهم البعض، هي علاقة اجتماعية ودينية فقط. وأما عن الدعم الدولي والعربي فإنه لا يوجد دعم للدروز من هذا النوع، في حين أن الروس لم يقدموا ضمانات حقيقية لمنع اعتداءات من فصائل موالية لروسيا ضد المحافظة، ولم يكونوا صادقين أبدا".

 

دروز إدلب

 

في حزيران الماضي، قام زعيم تنظيم هيئة تحرير الشام "أبو محمد الجولاني" بزيارة إلى منطقة جبل السماق بريف إدلب والتقى عددا من وجهاء الدروز هناك. وخلال زيارته، دشن مشروع بئر لمياه الشرب هناك، ووعد "بتكثيف الجهود للنهوض بالواقع الخدمي وتحسين المرافق العامة وتقديم خدمات أوسع".

الزيارة وصفتها أوساط إعلامية حينها أنها جاءت للترويج بأن هيئة تحرير الشام تحمل خطابا وطنيا جامعا. لكن بعد فقط شهرين من هذه الزيارة، قتل اثنان من الدروز في قرية تابعة لمنطقة جبل السماق، من قبل عناصر الحزب الإسلامي التركستاني الحليف القوي لتحرير الشام.

وكرر الحزب انتهاكاته بحق الدروز. وحدث مرة أن اقتحم عنصر منه مسجدا في قرية قلب لوزة، ولقم بندقيته محاولا استهداف المصلين من الدروز بعد اتهامهم بالكفر والإلحاد، قبل أن يسيطر عليه الموجودون ويجردوه من سلاحه.

وهناك نحو 18 قرية درزية واقعة في جبل السماق، تضم حوالي 30 ألف نسمة، نزحت فئة منهم إلى السويداء بسبب الانتهاكات والتجاوزات التي ارتكبت بحقهم خصوصا من الحزب الإسلامي التركستاني.

وكما في باقي المناطق، ظل دروز إدلب على الحياد ولم ينحازوا لأي طرف هناك. لكن قراهم هناك لم تسلم من الانتهاكات، ولا حتى من قصف الطيران الحربي الروسي كما حدث في شهر سبتمبر الماضي.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

An ethnic Rohingya woman weeps after being removed from their temporary shelter at the basement of a community hall during a…
امرأة من الروهينغا تبكي بعد ترحيلها مع لاجئين آخرين وصلوا إندونيسيا هرباً من سوء الأوضاع في بنغلادش

في عام 2017 نفذت حكومة ميانمار عملية عسكرية موسعة ضد أقلية الروهينغا المسلمة، ردًا على غارات نفذها مسلحون في عدة مراكز شرطة، فهدمت الحكومة 55 قرية وقتلت 6700 شخص، بوفق أرقام منظمة "أطباء بلا حدود".

ولا تعتبر ميانمار، أقلية الروهينغا العرقية، من مواطنيها، إذ تصنف أبناءها بأنهم "عديمو الجنسية"، وهي الحجة التي برّرت بها عدوانها عليهم وتشريد عشرات الآلاف منهم، الأمر الذي أثار استياء دوليا، خصوصاً بعد حركة اللجوء الكبيرة للروهينغا خارج بلدهم.

حالياً تبدو عودة هؤلاء المهجرين مستحيلة في ظِل الاضطرابات السياسية التي تعيشها ميانمار عقب الانقلاب العسكري الذي أطاح الجيش بموجبه بالمستشارة أونغ سو تشي وسياسيين آخرين في نوفمبر 2021، رغم نجاح حزبها "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" في اكتساح الانتخابات البرلمانية.

على أثر هذا الانقلاب، تبنّت بعض أقليات ميانمار الخيار العسكري فشكّلت ميليشيات عرقية رفعت السلاح في وجه الحكم العسكري مُطالبة بتطبيق الفيدرالية في البلاد، كان من أبرزها  "جيش تحرير تانغ الوطني" و"جيش استقلال كاشين" و"جيش إنقاذ روهينغا أراكان".

تحت لواء حماية الروهينغا من بطش السُلطة، أجرى "جيش أراكان" عمليات تجنيد واسعة لشباب الروهينغا ودفعهم لتنفيذ عدة عمليات عسكرية ضد جنود جيش ميانمار، ما أجج العداء بين الطرفين وعقد المشهد أكثر.

وإثر هذه الصراعات المتنامية، ارتفع عدد الأشخاص الذين يحتاجون للمساعدة من مليون فردٍ إلى أكثر من 18 مليوناً.

اتفاق لإعادة النازحين الروهينغا إلى بورما 'في غضون عامين'
أعلنت حكومة بنغلادش الثلاثاء التوصل إلى اتفاق مع بورما ينص على إعادة النازحين الروهينغا الذين فروا من عمليات عسكرية نفذها الجيش البورمي "في غضون سنتين"، وذلك في أول جدول زمني واضح لإعادة مئات آلاف الأفراد من هذه الأقلية المسلمة رغم عدم اتضاح ظروف عودتهم بعد.

 

بنغلادش: أكبر مخيم في العالم

كانت بنغلادش أول وجهة لجوء، فرّ إليها الآلاف من الروهينغا، وزاد العدد مع الوقت، لتستضيف البلد أكثر من 700 ألف لاجئ، ما وضعها أمام تحدٍّ ضخم حاولت الحكومة إخفاءه عبر تسكين اللاجئيين في مخيمات عديدة، أهمها "كوكس بازار" المُصنّف كأكبر مخيم للاجئين في العالم، وهي خطوة نالت إشادات دولية عِدة في ذلك الوقت.

رغم الجهود الكبيرة لتحسين الأوضاع في "كوكس بازار"، فقد عانى سكانه طيلة السنوات الفائتة من الفيضانات وسوء التغذية وانتشار الأمراض بسبب نقص الرعاية الصحية.

إلى جانب هذه المشكلات، زادت عقبات إدارية من متاعب الروهينغا؛ فلم يُسمح لهم بإقامة منازل من الطوب، ولم يتلقَ أطفالهم تعليماً منتظماً ولم توفّر للرجال فرص عمل لائقة.

في 2018 أبرمت بنغلاديش اتفاقاً مع ميانمار لإعادة اللاجئين إلى قراهم، وهي خطوة لم تتم حتى اليوم في ظل اشتعال الموقف داخل ولاية راخين -كانت الموطن الرئيس لأغلبية الروهينغا- بسبب الاشتباكات المستمرة مع "جيش أراكان".

في ختام العام الماضي، تحوّل وجود الروهينغا إلى عبءٍ كبير بعدما تناقص الدعم المالي المقدم إلى بنغلادش لدعم جهودها في إيوائهم، ما دفعها لإطلاق نداءات متعددة للمساعدة، أبرزها خطاب رئيسة الوزراء شيخة حسينة واجد، في الأمم المتحدة.

بجانب التناقص المستمر في المعونات المقدمة، باتت الحياة داخل المخيمات أقل أمناً في ضوء تنامي دور عصابات تهريب المخدرات والاتجار بالبشر، التي بسطت سيطرتها على مساحات كبيرة من المخيم ودخلت في صراعات طاحنة مع بعضها، أسفرت عن مقتل العشرات من الروهينغا، وفي بعض الأحيان لجأت هذه العصابات إلى اختطاف العديد من سكان المخيم وابتزاز عائلاتهم من أجل الحصول على أموال نظير الإفراج عنهم.

في مطلع العام الحالي، تعرّض مخيم "كوكس بازار" لحريقٍ ضخم أدى إلى تدمير 800 خيمة وتشريد خمسة آلاف لاجئ بينهم 3500 طفل، لتتكرر نفس المأساة التي مرّ بها ذات المخيم في 2023 حين احترقت قرابة 2800 خيمة، متسببة في تشريد نحو 12 ألف لاجئ.

الحرائق المتتالية أكدت تدهور الوضع الأمني في المخيمات في ظل شكوكٍ قوية بكونها مُدبَّرة أو وقعت نتيجة اشتباكات بين الميليشيات المسلحة.

هذا المصير المؤسف سبق وأن تعرّض له أكثر من 21 ألف مواطن من الروهغينا فرّوا إلى الهند، ففي السنوات الفائتة استهدفَتْ معسكراتهم جماعات هندوسية متطرفة وأحرقت خيمهم المؤقتة وسط تصاعد لحملات كراهية ضدهم على مواقع التواصل الاجتماعي وصفتهم بـ"الإرهابيين" و"المهاجرين غير الشرعيين".

وفي مطلع هذا العام تزايدت شكاوى النازحات في بنغلادش من تعرضهن للاستغلال الجنسي داخل المخيمات على أيدي الضباط المكلفين بتأمين المنطقة التي يعيشون بها.

 

إندونيسيا: القفز نحو المجهول

بسبب صعوبة الأوضاع في بنغلادش، بدأ الروهينغا في استقلال مراكب تعبر بهم البحر نحو إندونيسيا.

تعيّن على هؤلاء المغامرين خوض رحلة بحرية شاقة في خليج البنغال على متن قوارب متهالكة كثيراً ما انقلبت بهم وأسفرت عن سقوط عديد الضحايا. في 2023 وحده توفي 569 لاجئاً في المياه، وهو رقم لافت للنظر لم تشهده تلك الحوادث منذ 10 سنوات.

من ناحيتها تبنّت إندونيسيا موقفا رحّب باستقبال اللاجئين، فأعلنت بذل جهودها في توفير الموارد اللازمة لاستضافتهم، رغم أنها لم توقّع على اتفاقية اللاجئين لعام 1951، بالتالي لا تُلزمها بنودها، لكنها في المقابل طالبت المجتمع الدولي بالعمل على حل المشكلة الرئيسة وهي الاقتتال العرقي في ميانمار، وأيضاً المساعدة في توفير احتياجات الفارين إلى أرضها، وهو أمر يبدو من الصعب تحقيقه في ضوء اقتطاع 40% من الميزانية الأممية المخصصة لدعم الروهينغا.

 

 

 

هذا الترحيب الحكومي لم يشمل جميع طوائف المجتمع الإندونيسي الذي شهد تنامياً في موجة العداء والرفض لاستقبال اللاجئين، رغم أنم جميعاً يشتركون في الانتماء للدين الإسلامي.

في نوفمبر من العام الماضي حاصر مجموعة من القرويين الإندونيسيين قارباً متهالكاً وصل إلى شاطئهم وهو محمول بمئات المهاجرين، رفض السكان السماح لهم بالنزول وأعادوهم من حيث أتوا.

ورفع آخرون لافتات فوق مبانٍ حكومية تعرب عن رفض السكان لاستقبال المزيد من المهاجرين، بعدها نظّمت الشرطة الإندونيسية بمساعدة الصيادين المحليين دوريات منتظمة لمنع القوارب القادمة من الرسو.

وبلغت موجة العداء ذروتها، حين اقتحم قرابة 100 إندونيسي مركزاً لإيواء الروهينغا في مدينة باندا آتشيه، ثم وضعوهم داخل شاحنات نقلتهم إلى دائرة الهجرة مطالبين بإعادتهم من حيث أتوا، وهو الهجوم الذي وصفته مفوضية اللاجئين بـ"المزعج للغاية".