يكتنف الغموض الطريقة التي اعتنق فيها النوبيون الإسلام. فالمصادر العربية الإسلامية، وكذلك السريانية، تقول إن شعب النوبة كان مسيحياً على المذهب اليعقوبي حتى عصر المتوكل العباسي. وتروي تلك المصادر قصة العلاقة بين مملكة نوباتيا المسيحية وقوات المسلمين المرابطة في مصر أيام الخليفتين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان. وتؤكد أن المسلمين لم يفتحوا النوبة، لا صلحاً ولا حرباً، بل عقدوا اتفاقية تبادل تجاري، تسمى "معاهدة البقط"، التي تضمن توريد الرقيق الإفريقي إلى الدولة الإسلامية، مقابل مواد غذائية يحصل عليها حكام النوبة من الخلفاء المسلمين.
وتكشف بعض النصوص التاريخية اللاحقة أن الاتفاقية كانت تشمل عدم ممانعة النوبيين للمسلمين في استخراج الذهب من مناجم بلاد البجة، وهي فقرة غير معروفة سابقاً.
ولا تأتي المصادر القديمة على ذكر فكرة نشر الإسلام في بلاد النوبة، بقدر ما تتحدث عن تجارة الرقيق واستخراج الذهب، إلى أن سيطرت السلالة الفاطمية على مصر، وبدأت برنامج الأسلمة الذي لم يكتمل إلاّ في زمن الدولة المملوكية.
اتفاقية اقتصادية
تتحدث المصادر السريانية المعاصرة للخليفة المعتصم (796- 842 م)، وهي الأقدم بين أيدينا الآن، عن هذه الاتفاقية بنص صريح يقول: "اعتاد ملوك النوبيين منذ أمد طويل، أن يقدموا لخلفاء المسلمين سنوياً ثلاثمائة وستين عبداً أسود، وقردة مدربة ومروضة على تقليد تصرفات الناس، وحيوانات تدعى زرافة وعاجاً وجلود النمور. ومقابل ذلك كان خلفاء المسلمين يعطون لملوك النوبيين، كذا كيل من القمح من بلاد مصر وكذا كيل من زيت الزيتون، وأواني وثياباً فاخرة، كما أذنوا لملك النوبة أن يجبي الضرائب من النوبيين الساكنين في بلاد المسلمين. وبموجب هذا الاتفاق لم يعد المسلمون يسبون النوبيين، ولا النوبيون يجتازون مدينة أسوان الحدودية من ناحية مصر، ويدخلون إلى أراضي المسلمين".
ونجد صدى لمثل هذا الكلام في نص المؤرخ المسلم أحمد بن يحيى البلاذري (820- 892 م) صاحب "فتوج البلدان"، حيث يقول إن المسلمين في عهد الوالي عمرو بن العاص (575- 664 م) حاولوا فتح بلاد النوبة عنوة، ولكنهم ووجهوا بقتال شديد كلف المسلمين الكثير، وخصوصاً حدقات العيون، بسبب مهارة النوبيين برمي النبال. وحين ولي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي حكم مصر بين عامي 646 و656 م، حاول غزوهم فسألوه الصلح والموادعة، فأجابهم إلى ذلك على غير جزية، وإنما على هدنة تتضمن ثلاث مئة عبد في كل سنة، على أن يهدي المسلمون إليهم طعاما بقدر ذلك.
وفي كتاب "الأموال" للقاسم بن سلام (774-838م) تفاصيل أوفى عن بنود الاتفاقية الشفوية حيث يقول: "الصلح بيننا وبين النوبة على ألا نقاتلهم ولا يقاتلونا، وأن يعطونا رقيقا ونعطيهم بقدر ذلك طعاما. فإن باعوا نساءهم لم أر بذلك بأسا أن يشترى.. ليس بيننا وبينهم عهد ولا ميثاق، إنما هي هدنة على أن نعطيهم شيئا من قمح وعدس ويعطونا رقيقاً، فلا بأس بشراء رقيقهم منهم أو من غيرهم".
معاهدة جديدة
استمرت هذه التفاهمات طوال العصر الأموي، ولكن حصل تطور في مطلع العصر العباسي، بحسب البلاذري
الذي ذكر أن الخليفة المهدي (745- 785م) أمر بإلزام النوبة في كل سنة بـ360 عبداً وزرافة واحدة، على أن يعطَوا قمحاً وخل خمر وثياباً وفرشاً أو قيمته. ولكن النوبيين احتجوا إلى الخليفة وقالوا إن هذا "البقط" مما يأخذون من رقيق أعدائهم، فإذا لم يجدوا منه شيئاً عادوا على أولادهم فأعطوا منهم فيه بهذه العدة، فاستجاب لهم المهدي وأمر بأن تنفذ معاهدة البقط كل ثلاث سنين".
ويبدو أن الخليفة هارون الرشيد (765- 809 م) أراد أن يجبر النوبيين على الخضوع التام للدولة الإسلامية، بسبب توسع مُلك العرب واشتداد بأسهم، بحسب تعبير البطريرك السرياني ديونيسيوس التلمحري الذي قال: "أخذوا يستصغرون النوبيين وأبطلوا عادة تبادل الهدايا، وحينما أخذ أبو إسحاق (المعتصم) بزمام الأمور في المملكة، أرسل سُعاةً إلى النوبيين يقول لهم: أرسلوا لنا ما يتوجب عليكم تجاهنا حسب العادة القديمة مع هدايا السنين الماضية، وإلا فسأرسل عرباً يسبون بلادكم".
رحلة الملك النوبي إلى بغداد
ويتابع التلمحري: "لما بلغ الساعي بلاد نوباتيا، وجد أن ملكهم قد مات، وكان يدير مملكتهم آنذاك شخص من الرؤساء يدعى زكريا. وكان هذا رجلاً فصيحاً وشهيراً بالذكاء والبسالة. ولكنه لم يكن من صلب الملوك، الأمر الذي لا بد منه لمن يكون عليهم رئيساً وملكاً، وكان لزكريا هذا ابن من امرأة تنتمي في جنسها إلى صلب الملوك يدعى جاورجي، فأقاموه ملكاً عليهم ووضعوا على رأسه تاج الملوك، في حين استمر والده يدير دفة الأمور حتى بلغ سن الرشد. فلما استقبل زكريا مبعوث الخليفة أبي إسحاق، ولاحظ أن العرب يدخلون باستمرار إلى البلاد ويسبون الأهالي، فكر في إرسال ابنه ذاته موفداً إلى الخليفة أبي إسحاق، لكي يلقى طلبه قبولاً حسنا عنده، مراعاة لابنه الذي يكرمه بمجيئه الشخصي إليه. فرد الجواب على الساعي: إني لم أشأ أن أجيب سيدك برسالة بل ها أنذا أرسل ابني الذي هو اليوم ملك النوبيين لإكرام خليفتكم والسلام عليه".
ويقول التلمحري: "أرسل الساعي إلى أبي إسحاق (المعتصم) يطلعه على الأمر، ولما سمع أبو إسحاق أن ملك النوبيين خرج وبلغ مصر، كتب إلى جميع الحكام، من مصر إلى بغداد يأمرهم بأن يستأجروا له جمالاً تكفي لإكرامه وأن يدفعوا له كل يوم خمسين دينارا لنفقاته حيثما يحل، ويستقبله حكام المدن بما يليق به كملك".
ويقول التلمحري: " كان ملك النوبيين جاورجي قد وصل إلى بغداد منذ شباط دون أن يقابله الخليفة، وكان قد كتب إليّ لدى وصوله إلى الرقة، بعد أن أمضى فترة طويلة في الطريق، يطلب زيارتي لأخذ البركة، فأجبته: لا يمكنني ذلك قبل مقابلتي للخليفة، وبإمكانك أن تسبقني وسوف أراك هناك. وقد ذكّرت الخليفة بشأنه وقلت له، إني أود أن ألقاه لكونه من أبناء عقيدتي. ولم أعرف سبب ذلك التأخير، وبعد أن قابل الخليفة جاورجي وأكرمه بتوسط طبيبه سليمان، قال لي: اذهب والتق بذلك النوبي، فرافقني بعض الأساقفة والمؤمنون، فوجدناه شاباً ذكياً، ابن عشرين سنة، بهي الطلعة مهندماً ومهذباً، ذا هيئة تليق بالملوكية، وتحدثنا إليه بواسطة مترجم ولمسنا بأنه أرثوذكسي حقيقي غيور على الإيمان، يأنف مخالطة الهراطقة. وقدمنا الذبيحة يوم الأحد وناولناه والذين معه، وكانوا حاملين معهم طقماً كاملاً من آنية القداس. وبعد أن أخذنا فرماناً من الخليفة وعدنا، أكرمْنا ملك النوبيين ببعض الهدايا الذهبية والفضية التي تليق أن تقدم له من قبل أمثالي لتبقى ذكرى في مملكتهم".
ملك النوبة في الرقة
ويصف التلمحري دخول الأمير النوبي إلى مدينة الرقة حيث كان هناك بقوله: "في الرقة، استقبله أمير الجزيرة واحتفى به المسيحيون والمسلمون، وتهافتوا عليه وكأنما شيئاً غريباً حدث في بلدهم. فقد كان يركب جملاً مسرجاً بسرج غريب يختلف عن سرج منطقتنا، تعلوه مظلة موشاة بأقمشة فاخرة، وعلى قمتها صليب ذهبي. وأمسك عصا بإحدى يديه وصليباً بالثانية، وإلى جانبيه يسير شباب نوبيون حاملين صلباناً بأيديهم، ويتقدمه أسقف راكب وبيده صليب، وكنيسة من خيمة، وجميع هذه الصلبان من ذهب، وجميع الفرسان والعبيد الذين معه، هم من السود. وكان يرافقه أسقفان آخران توفيا في الطريق، كما توفي بعض مرافقيه بسبب الثلج والجليد. ولم يكن أبناء الرقة قد نظروا مثل هذه المشاهد من قبل. وبعد أن أمضى جاورجي عيد الميلاد في الرقة، نزل إلى بغداد فاحتفى به الجيش في الشوارع، وحل في أحد القصور الملكية، ومكث هناك من شباط حتى مطلع آب دون أن يواجه الخليفة أبا إسحاق".
وهي فترة طويلة من الانتظار سببها، بحسب البطريرك السرياني، "أن نوبياً ممن كانوا يجبون ضرائب الملك من النوبيين الذين في بلاد المسلمين، تمرد على الملك وأشهر إسلامه، فقبض عليه وكبله بالسلاسل، فكتب ذاك الشقي إلى خليفة المسلمين يقول إن هذا رجل محتال وليس ابن ملك. فأرسل الخليفة إلى مصر من يحقق في أمر ذلك المتمرد. لذا تأخر دخول جاورجي إلى أبي إسحاق، ولما أكدّ التحقيق بأنه ملك وابن ملك، أرسل بطلبه، وأمر القوات العسكرية أن تستقبله بكامل أسلحتهم وزينتهم، فاجتاز بينهم وهم منتظمون على جانبي الطريق، يعلو رأسه إكليل، ويعلو تاجه صليب. وهيأ أبو إسحاق مجلساً أكثر عدداً من المأمون، ولما دخل أمسكه من يديه وأجلسه أمامه. ولما علم منه بواسطة مترجم انه أقبل للسلام عليه، قبله بفرح وأعطاه هدايا كثيرة حسب عادة الملوك، من فضة وذهب وثياب ومسك وعنبر وعشرين جملا من النوع السريع (الذلول)، وزوده برسائل إلى حكام بلاده كلهم لكي يكرموه ويقدموا له النفقات حتى يصل إلى بلاده".
مناجم الذهب
وفي عهد الخليفة المتوكل ابن المعتصم (822-861 م)، حدث تطور كشف جانباً غير معروف من "اتفاقية البقط" يتضمن السماح للمسلمين باستخراج الذهب من مناجم في بلاد النوبة. ويذكر البلاذري أن المتوكل أرسل رجلا يقال له محمد بن عبد الله ويعرف بالقمي إلى مناجم الذهب ليكون والياً عليها وعلى إقليم القلزم وطريق الحجاز وإمارة الحاج المصر. ويبدو أنه لقي ممانعة، وهي الذريعة التي اتخذها المتوكل للدخول إلى بلاد البجة حرباً، الأمر الذي دعا الملك لزيارة سر من رأى العاصمة، وأن يقر بخضوعه، ويسدد ما هو مطلوب منه "من الإتاوة والبقط" وعدم ممانعة العمل في مناجم الذهب.
إمارة الكنوز
استمر النوبيون على مسيحيتهم إلى زمن المعز لدين الله الفاطمي (931-975م)، حيث أرسل الداعية عبد الله بن أحمد بن سليم الأسواني وهو من "جماعة الكنوز" لنشر الإسلام بينهم، وقابل الأسواني ملك مملكة علوة ووجد بعض المسلمين في مملكته فاتفق معه على نشر الدعاة وجدد معاهدة البقط.
والكنوز هم شعب مولد من قبيلة ربيعة العربية ومن النوبيين، وهؤلاء أسسوا إمارة في أسوان بزعامة أبي مروان بشر بن إسحق، وقد خلفه على زعامة هذا الشعب ابن عمه ربيعة، واستطاع هؤلاء أن يمدوا نفوذهم جنوباً ليضموا مملكة نوباتيا التي أطلق عليها العرب أرض مريس، وهذه هي الإشارة الأولى في التاريخ إلى نهاية مملكة نوباتيا المسيحية.
ومع خلو المصادر التاريخية من تفاصيل هذا التحول، يمكن أن نستنتج أن إمارة الكنوز احتوت النوبيين عن طريق المصاهرة، وكونوا طبقة حاكمة جديدة ساهمت بتحويل النوبيين إلى الإسلام على مدى قرون.
ومما يروى، من دون وثائق، أن إسلام المطران النوبي ساهم في تحول رعيته إلى الدين الجديد، ولكن لا توجد وثيقة تدعم هذا القول، ولكن الثابت أن النوبيين الكنوز كانوا مخلصين للدولة الفاطمية ومذهبها الإسماعيلي، وثاروا ضد صلاح الدين بعد أن قضى على السلالة الفاطمية، قبب أن ينجح في قمع الثورة ونفي قادتها إلى أخميم في جنوبي مصر. ولذلك تحتل أسوان مكانة مهمة في التاريخ الإسماعيلي، حيث أوصى الأغا خان الثالث (1877- 1957) أن يدفن في أسوان حيث بقي فيها بعض من الإسماعيلية الآغاخانية حتى اليوم.
صراعات داخلية
ومع ذلك تذكر المصار التاريخية أن أحد أمراء النوبة المسيحيين ويدعى نشلي لجأ للسلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون في العام 1305 واعتنق الإسلام، وسمى نفسه عبد الله برشمبو، فأرسله السلطان بحملة كبيرة إلى النوبة هزم فيها ملكها كرنيس وتولى الحكم هناك، لكنه لقي مصرعه سريعاً على يد عدد من قبيلة الكنوز. فأرسل محمد بن قلاوون حملة أخرى أعادت الهدوء إلى النوبة وولّت ملكها السابق عليها بعد أن اعتنق الإسلام، وحين دخل العثمانيون إلى النوبة في عهد السلطان سليم الأول وجدوا الإسلام ديانة لجميع النوبيين.
