أهرامات مروي في بلاد النوبة في السودان حاليا.
أهرامات مروي في بلاد النوبة في السودان حاليا.

يكتنف الغموض الطريقة التي اعتنق فيها النوبيون الإسلام. فالمصادر العربية الإسلامية، وكذلك السريانية، تقول إن شعب النوبة كان مسيحياً على المذهب اليعقوبي حتى عصر المتوكل العباسي. وتروي تلك المصادر قصة العلاقة بين مملكة نوباتيا المسيحية وقوات المسلمين المرابطة في مصر أيام الخليفتين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان. وتؤكد أن المسلمين لم يفتحوا النوبة، لا صلحاً ولا حرباً، بل عقدوا اتفاقية تبادل تجاري، تسمى "معاهدة البقط"، التي تضمن توريد الرقيق الإفريقي إلى الدولة الإسلامية، مقابل مواد غذائية يحصل عليها حكام النوبة من الخلفاء المسلمين.

وتكشف بعض النصوص التاريخية اللاحقة أن الاتفاقية كانت تشمل عدم ممانعة النوبيين للمسلمين في استخراج الذهب من مناجم بلاد البجة، وهي فقرة غير معروفة سابقاً.

ولا تأتي المصادر القديمة على ذكر فكرة نشر الإسلام في بلاد النوبة، بقدر ما تتحدث عن تجارة الرقيق واستخراج الذهب، إلى أن  سيطرت السلالة الفاطمية على مصر، وبدأت برنامج الأسلمة الذي لم يكتمل إلاّ في زمن الدولة المملوكية.

 

اتفاقية اقتصادية

 

تتحدث المصادر السريانية المعاصرة للخليفة المعتصم (796- 842 م)، وهي الأقدم بين أيدينا الآن، عن هذه الاتفاقية بنص صريح يقول: "اعتاد ملوك النوبيين منذ أمد طويل، أن يقدموا لخلفاء المسلمين سنوياً ثلاثمائة وستين عبداً أسود، وقردة مدربة ومروضة على تقليد تصرفات الناس، وحيوانات تدعى زرافة وعاجاً وجلود النمور. ومقابل ذلك كان خلفاء المسلمين يعطون لملوك النوبيين، كذا كيل من القمح من بلاد مصر وكذا كيل من زيت الزيتون، وأواني وثياباً فاخرة، كما أذنوا لملك النوبة أن يجبي الضرائب من النوبيين الساكنين في بلاد المسلمين. وبموجب هذا الاتفاق لم يعد المسلمون يسبون النوبيين، ولا النوبيون يجتازون مدينة أسوان الحدودية من ناحية مصر، ويدخلون إلى أراضي المسلمين".

ونجد صدى لمثل هذا الكلام في نص المؤرخ المسلم أحمد بن يحيى البلاذري (820- 892 م) صاحب "فتوج البلدان"، حيث يقول إن المسلمين في عهد الوالي عمرو بن العاص (575- 664 م) حاولوا فتح بلاد النوبة عنوة، ولكنهم ووجهوا بقتال شديد كلف المسلمين الكثير، وخصوصاً حدقات العيون، بسبب مهارة النوبيين برمي النبال. وحين ولي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي حكم مصر بين عامي 646 و656 م، حاول غزوهم فسألوه الصلح والموادعة، فأجابهم إلى ذلك على غير جزية، وإنما على هدنة تتضمن ثلاث مئة عبد في كل سنة، على أن يهدي المسلمون إليهم طعاما بقدر ذلك.

وفي كتاب "الأموال" للقاسم بن سلام (774-838م) تفاصيل أوفى عن بنود الاتفاقية الشفوية حيث يقول: "الصلح بيننا وبين النوبة على ألا نقاتلهم ولا يقاتلونا، وأن يعطونا رقيقا ونعطيهم بقدر ذلك طعاما. فإن باعوا نساءهم لم أر بذلك بأسا أن يشترى.. ليس بيننا وبينهم عهد ولا ميثاق، إنما هي هدنة على أن نعطيهم شيئا من قمح وعدس ويعطونا رقيقاً، فلا بأس بشراء رقيقهم منهم أو من غيرهم".

 

معاهدة جديدة

 

استمرت هذه التفاهمات طوال العصر الأموي، ولكن حصل تطور في مطلع العصر العباسي، بحسب البلاذري

الذي ذكر أن الخليفة المهدي (745- 785م) أمر بإلزام النوبة في كل سنة بـ360 عبداً وزرافة واحدة، على أن يعطَوا قمحاً وخل خمر وثياباً وفرشاً أو قيمته. ولكن النوبيين احتجوا إلى الخليفة وقالوا إن هذا "البقط" مما يأخذون من رقيق أعدائهم، فإذا لم يجدوا منه شيئاً عادوا على أولادهم فأعطوا منهم فيه بهذه العدة، فاستجاب لهم المهدي وأمر بأن تنفذ معاهدة البقط كل ثلاث سنين".

ويبدو أن الخليفة هارون الرشيد (765- 809 م) أراد أن يجبر النوبيين على الخضوع التام للدولة الإسلامية، بسبب توسع مُلك العرب واشتداد بأسهم، بحسب تعبير البطريرك السرياني ديونيسيوس التلمحري الذي قال: "أخذوا يستصغرون النوبيين وأبطلوا عادة تبادل الهدايا، وحينما أخذ أبو إسحاق (المعتصم) بزمام الأمور في المملكة، أرسل سُعاةً إلى النوبيين يقول لهم: أرسلوا لنا ما يتوجب عليكم تجاهنا حسب العادة القديمة مع هدايا السنين الماضية، وإلا فسأرسل عرباً يسبون بلادكم".

 

رحلة الملك النوبي إلى بغداد

 

ويتابع التلمحري: "لما بلغ الساعي بلاد نوباتيا، وجد أن ملكهم قد مات، وكان يدير مملكتهم آنذاك شخص من الرؤساء يدعى زكريا. وكان هذا رجلاً فصيحاً وشهيراً بالذكاء والبسالة. ولكنه لم يكن من صلب الملوك، الأمر الذي لا بد منه لمن يكون عليهم رئيساً وملكاً، وكان لزكريا هذا ابن من امرأة تنتمي في جنسها إلى صلب الملوك يدعى جاورجي، فأقاموه ملكاً عليهم ووضعوا على رأسه تاج الملوك، في حين استمر والده يدير دفة الأمور حتى بلغ سن الرشد. فلما استقبل زكريا مبعوث الخليفة أبي إسحاق، ولاحظ أن العرب يدخلون باستمرار إلى البلاد ويسبون الأهالي، فكر في إرسال ابنه ذاته موفداً إلى الخليفة أبي إسحاق، لكي يلقى طلبه قبولاً حسنا عنده، مراعاة لابنه الذي يكرمه بمجيئه الشخصي إليه. فرد الجواب على الساعي: إني لم أشأ أن أجيب سيدك برسالة بل ها أنذا أرسل ابني الذي هو اليوم ملك النوبيين لإكرام خليفتكم والسلام عليه".

ويقول التلمحري: "أرسل الساعي إلى أبي إسحاق (المعتصم) يطلعه على الأمر، ولما سمع أبو إسحاق أن ملك النوبيين خرج وبلغ مصر، كتب إلى جميع الحكام، من مصر إلى بغداد يأمرهم بأن يستأجروا له جمالاً تكفي لإكرامه وأن يدفعوا له كل يوم خمسين دينارا لنفقاته حيثما يحل، ويستقبله حكام المدن بما يليق به كملك".

ويقول التلمحري: " كان ملك النوبيين جاورجي قد وصل إلى بغداد منذ شباط دون أن يقابله الخليفة، وكان قد كتب إليّ لدى وصوله إلى الرقة، بعد أن أمضى فترة طويلة في الطريق، يطلب زيارتي لأخذ البركة، فأجبته: لا يمكنني ذلك قبل مقابلتي للخليفة، وبإمكانك أن تسبقني وسوف أراك هناك. وقد ذكّرت الخليفة بشأنه وقلت له، إني أود أن ألقاه لكونه من أبناء عقيدتي. ولم أعرف سبب ذلك التأخير، وبعد أن قابل الخليفة جاورجي وأكرمه بتوسط طبيبه سليمان، قال لي: اذهب والتق بذلك النوبي، فرافقني بعض الأساقفة والمؤمنون، فوجدناه شاباً ذكياً، ابن عشرين سنة، بهي الطلعة مهندماً ومهذباً، ذا هيئة تليق بالملوكية، وتحدثنا إليه بواسطة مترجم ولمسنا بأنه أرثوذكسي حقيقي غيور على الإيمان، يأنف مخالطة الهراطقة. وقدمنا الذبيحة يوم الأحد وناولناه والذين معه، وكانوا حاملين معهم طقماً كاملاً من آنية القداس. وبعد أن أخذنا فرماناً من الخليفة وعدنا، أكرمْنا ملك النوبيين ببعض الهدايا الذهبية والفضية التي تليق أن تقدم له من قبل أمثالي لتبقى ذكرى في مملكتهم".

 

ملك النوبة في الرقة

 

ويصف التلمحري دخول الأمير النوبي إلى مدينة الرقة حيث كان هناك بقوله: "في الرقة، استقبله أمير الجزيرة واحتفى به المسيحيون والمسلمون، وتهافتوا عليه وكأنما شيئاً غريباً حدث في بلدهم. فقد كان يركب جملاً مسرجاً بسرج غريب يختلف عن سرج منطقتنا، تعلوه مظلة موشاة بأقمشة فاخرة، وعلى قمتها صليب ذهبي. وأمسك عصا بإحدى يديه وصليباً بالثانية، وإلى جانبيه يسير شباب نوبيون حاملين صلباناً بأيديهم، ويتقدمه أسقف راكب وبيده صليب، وكنيسة من خيمة، وجميع هذه الصلبان من ذهب، وجميع الفرسان والعبيد الذين معه، هم من السود. وكان يرافقه أسقفان آخران توفيا في الطريق، كما توفي بعض مرافقيه بسبب الثلج والجليد. ولم يكن أبناء الرقة قد نظروا مثل هذه المشاهد من قبل. وبعد أن أمضى جاورجي عيد الميلاد في الرقة، نزل إلى بغداد فاحتفى به الجيش في الشوارع، وحل في أحد القصور الملكية، ومكث هناك من شباط حتى مطلع آب دون أن يواجه الخليفة أبا إسحاق".

وهي فترة طويلة من الانتظار سببها، بحسب البطريرك السرياني، "أن نوبياً ممن كانوا يجبون ضرائب الملك من النوبيين الذين في بلاد المسلمين، تمرد على الملك وأشهر إسلامه، فقبض عليه وكبله بالسلاسل، فكتب ذاك الشقي إلى خليفة المسلمين يقول إن هذا رجل محتال وليس ابن ملك. فأرسل الخليفة إلى مصر من يحقق في أمر ذلك المتمرد. لذا تأخر دخول جاورجي إلى أبي إسحاق، ولما أكدّ التحقيق بأنه ملك وابن ملك، أرسل بطلبه، وأمر القوات العسكرية أن تستقبله بكامل أسلحتهم وزينتهم، فاجتاز بينهم وهم منتظمون على جانبي الطريق، يعلو رأسه إكليل، ويعلو تاجه صليب. وهيأ أبو إسحاق مجلساً أكثر عدداً من المأمون، ولما دخل أمسكه من يديه وأجلسه أمامه. ولما علم منه بواسطة مترجم انه أقبل للسلام عليه، قبله بفرح وأعطاه هدايا كثيرة حسب عادة الملوك، من فضة وذهب وثياب ومسك وعنبر وعشرين جملا من النوع السريع (الذلول)، وزوده برسائل إلى حكام بلاده كلهم لكي يكرموه ويقدموا له النفقات حتى يصل إلى بلاده".

 

مناجم الذهب

 

وفي عهد الخليفة المتوكل ابن المعتصم (822-861 م)، حدث تطور كشف جانباً غير معروف من "اتفاقية البقط" يتضمن السماح للمسلمين باستخراج الذهب من مناجم في بلاد النوبة. ويذكر البلاذري أن المتوكل أرسل رجلا يقال له محمد بن عبد الله ويعرف بالقمي إلى مناجم الذهب ليكون والياً عليها وعلى إقليم القلزم وطريق الحجاز وإمارة الحاج المصر. ويبدو أنه لقي ممانعة، وهي الذريعة التي اتخذها المتوكل للدخول إلى بلاد البجة حرباً، الأمر الذي دعا الملك لزيارة سر من رأى العاصمة، وأن يقر بخضوعه، ويسدد ما هو مطلوب منه "من الإتاوة والبقط" وعدم ممانعة العمل في مناجم الذهب.

 

إمارة الكنوز

 

استمر النوبيون على مسيحيتهم إلى زمن المعز لدين الله الفاطمي (931-975م)، حيث أرسل الداعية عبد الله بن أحمد بن سليم الأسواني وهو من "جماعة الكنوز" لنشر الإسلام بينهم، وقابل الأسواني ملك مملكة علوة ووجد بعض المسلمين في مملكته فاتفق معه على نشر الدعاة وجدد معاهدة البقط.

والكنوز هم شعب مولد من قبيلة ربيعة العربية ومن النوبيين، وهؤلاء أسسوا إمارة في أسوان بزعامة أبي مروان بشر بن إسحق، وقد خلفه على زعامة هذا الشعب ابن عمه ربيعة، واستطاع هؤلاء أن يمدوا نفوذهم جنوباً ليضموا مملكة نوباتيا التي أطلق عليها العرب أرض مريس، وهذه هي الإشارة الأولى في التاريخ إلى نهاية مملكة نوباتيا المسيحية.

ومع خلو المصادر التاريخية من تفاصيل هذا التحول، يمكن أن نستنتج أن إمارة الكنوز احتوت النوبيين عن طريق المصاهرة، وكونوا طبقة حاكمة جديدة ساهمت بتحويل النوبيين إلى الإسلام على مدى قرون.

ومما يروى، من دون وثائق، أن إسلام المطران النوبي ساهم في تحول رعيته إلى الدين الجديد، ولكن لا توجد وثيقة تدعم هذا القول، ولكن الثابت أن النوبيين الكنوز كانوا مخلصين للدولة الفاطمية ومذهبها الإسماعيلي، وثاروا ضد صلاح الدين بعد أن قضى على السلالة الفاطمية، قبب أن ينجح في قمع الثورة ونفي قادتها إلى أخميم في جنوبي مصر. ولذلك تحتل أسوان مكانة مهمة في التاريخ الإسماعيلي، حيث أوصى الأغا خان الثالث (1877- 1957) أن يدفن في أسوان حيث بقي فيها بعض من الإسماعيلية الآغاخانية حتى اليوم.

 

صراعات داخلية

 

ومع ذلك تذكر المصار التاريخية أن أحد أمراء النوبة المسيحيين ويدعى نشلي لجأ للسلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون في العام 1305 واعتنق الإسلام، وسمى نفسه عبد الله برشمبو، فأرسله السلطان بحملة كبيرة إلى النوبة هزم فيها ملكها كرنيس وتولى الحكم هناك، لكنه لقي مصرعه سريعاً على يد عدد من قبيلة الكنوز. فأرسل محمد بن قلاوون حملة أخرى أعادت الهدوء إلى النوبة وولّت ملكها السابق عليها بعد أن اعتنق الإسلام، وحين دخل العثمانيون إلى النوبة في عهد السلطان سليم الأول وجدوا الإسلام ديانة لجميع النوبيين.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.
يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.

بعد اتفاق سياسي تأخر لسنوات، سينطلق التعداد العام للسكان في العراق نوفمبر المقبل دون ذكر الانتماء القومي للسكان.

اعتبر محللون عراقيون أن ذلك سيجنب البلد "المزيد من الجدل". ورغم عدم تقديم اعتراضات رسمية، إلا أن ممثلين عن الأقليات أعربوا عن قلق من استغلال النتائج.

وزارة التخطيط وعلى لسان متحدثها الرسمي عبد الزهرة الهنداوي أبلغت "ارفع صوتك" أن التعداد السكاني سينطلق بين 20 و21 نوفمبر المقبل، وسيكون تعداداً "تنموياً" لمعرفة الواقع المعيشي والاقتصادي والخدمي المقدم للعراقيين.

بموجب هذا التعداد، "سيتم وضع الخطط المستقبلية لتحقيق العدالة في توزيع الثروات"، يقول الهنداوي.

ويشير إلى أن التعداد في العراق سابقاً "كان يتضمن فقرة تتعلق بالقومية ولم يكن هناك أية أسئلة تتعلق بالمذهب". أما النسخة الحالية منه فستكون "خالية من السؤالين، كون هذه الأسئلة غير مجدية من الناحية التنموية".

ويؤكد الهنداوي أن ذكر القومية "كان أحد أسباب تأجيل الإحصاء في سنوات سابقة، نتيجة خلافات سياسية". لذلك فإن الأمم المتحدة رأت "إلغاء أي سؤال يمكن أن يعرقل التعداد".

وعن أهم الأسباب التي أدت إلى تأجيل التعداد أكثر من مرة منذ 2003، يشرح الهنداوي أنها كانت أحياناً تتعلق بالخلافات السياسية وفي أحيان أخرى بالأوضاع الأمنية أو عدم توفر التخصيصات المالية اللازمة، الإضافة إلى الأسباب الصحية التي رافقت انتشار فيروس كورونا سنة 2020.

وحالياً، تمت "معالجة الخلافات باتفاق سياسي، والوضع الأمني مستقر. بالتالي كل الظروف أصبحت مهيأة لإجراء أول تعداد سكاني في العراق منذ 27 عاماً"، بحسب الهنداوي.

لماذا تفشل دول عربية في إجراء التعداد السكاني بشكل دوري؟
يُعتبر تعداد السكان والمساكن من بين أكثر العمليات ضخامة وتعقيداً التي يمكن لأي دولة القيام بها. وبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن التعداد السكاني يحتاج إلى أن تكون البلدان التي تقوم به في حالة سلم، إذ يتطلب التخطيط الدقيق وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة.

قلق في صفوف الأقليات

على الرغم من إدراج الديانة للسكان كما تقول وزارة التخطيط، إلا أن هناك أقليات تعتبر نفسها قومية منفصلة مثل الشبك والكرد الفيلين وبعض الأيزيديين.

يوضح نائب رئيس مجلس الأقليات العراقي محمد الشبكي لـ"ارفع صوتك": "بحسب المناقشات التي سبقت التعداد السكاني في الأعوام السابقة، فقد تم تقديم مقترح لوضع سؤال يتعلق بالقومية، على أن تُترك الخانة فارغة ليقوم المواطن بكتابتها بنفسه إذا رغب".

ويقول إن التعداد السكاني في النسخ السابقة كان يتم فيه ذكر القوميات الأساسية العرب والأكراد والتركمان ثم يتم كتابة كلمة "أخرى"، لذلك فإن "أقليات قومية مثل الشبك والكرد الفيلين لم يتم تعدادهم بشكل صحيح، وكنا نعتبر الإحصاء الحالي يمكن أن ينصفهم"، وفق تعبيره.

يتركز وجود الشبك في المناطق المتنازع عليها بين الإقليم والمركز وهي مناطق صراع، يتابع الشبكي "من جهة، ترغب الحكومة المركزية بالسيطرة عليها، ومن جهة أخرى يرغب الإقليم باعتبار سكانها أكراداً. وبهذا تصبح مناطقهم تابعة للإقليم".

ويعرب الشبكي عن قلقه من "استخدام البيانات (من التعداد) لمسائل سياسية أو لتثبيت واقع حال أو تلاعب بحدود المحافظات".

في المقابل،  يرى رئيس ائتلاف الرافدين يونادم كنا أن إلغاء القومية من التعداد السكاني "أمر إيجابي لأنه يخدم النهج الوطني".

ويبين لـ"ارفع صوتك" أن كوتا الأقليات في البرلمان العراقي "لن تتأثر بإحصاء السكان، كونها أقرت بقانون وزعت فيه المقاعد بموجب اتفاق سياسي لم يؤخذ فيه بنظر الاعتبار عدد السكان".

 ولو كان تم الأخذ بنظر الاعتبار عدد السكان "لكنّا رأينا عدد مقاعد مختلف الأقليات خصوصاً أتباع الديانة المسيحية، إذا أخذنا التعداد التقديري السابق الذي تحدث عن وجود مليون ونصف المليون مسيحي في البلد ولهم 15 مقعداً في البرلمان"، يضيف كنا.

وبحسب نظام كوتا الأقليات في البرلمان العراقي، فإن هناك خمسة مقاعد للمسيحيين موزعة على محافظات بغداد ونينوى وكركوك ودهوك وأربيل، ومقعد واحد لكل من الأيزيدين والصابئة والشبك والكرد الفيلية.

الحالة الوحيدة المثيرة للقلق، كما يقول كنا "إذا رأينا بعد التعداد وظهور النتائج نفساً قومياً عنصرياً أو دينياً متشدداً يمكن أن يؤثر سلباً إذا ما طالب بإعادة النظر بالقانون، وهو أمر إذا ساد فأقرأ السلام على الوطن" على حدّ تعبيره.


"تذويب الهويات"

يرى المحلل السياسي أحمد الشريفي أن عدم إدراج خيارات القومية والمذهب في التعداد السكاني، "يعني تذويب الهويات الفرعية إلى هوية وطنية واحدة، وهو خيار إيجابي يؤدي إلى جمع العراقيين تحت مظلة العنوان الوطني الواحد".

يقول لـ"ارفع صوتك": "في السابق كانت المذهبية غير موجودة في الإحصاء السكاني، لكن القومية كانت حاضرة منذ تسلّم حزب البعث للسلطة الذي ذهب باتجاه تعزيزها بعد تبنيه مبدأ القومية العربية فوق باقي المكونات، فضلاً عن ترسيخه للعشائرية والقبلية في نظام الحكم".

ويرجّح الشريفي أن الغاء القومية "سيكون ورقياً فقط" بينما في الواقع، بحسب كلامه "ستكون الأزمة حاضرة في الظاهرة السياسية، وأقرب مصداق لها قضية كركوك التي تتجاذبها ثلاث قوميات (الكرد والعرب والتركمان) وكل منهم يدعي أنه يمثل الأغلبية".

لكن مشكلة كركوك، يستدرك الشريفي "لم تبدأ بعد عام 2003 بل منذ عقود، عندما قرر حزب البعث تغيير الحدود الإدارية لعدد من المحافظات ومنها كركوك التي كانت تضم 36 وحدة إدارية ليتبقى منها 16 فقط".

يتابع: "لا يزال النزاع قائماً وكامناً وفاعلاً، وبسبب وجوده، فإن المحافظة الغنية بالنفط عاجزة عن اختيار محافظ لها اليوم، رغم مرور أشهر على انتخابات مجالس المحافظات".

يتفق المحلل السياسي إياد العنبر مع ما ذهب إليه الشريفي، بالقول "من الناحية السياسية نحن أمام قضيتين الأولى هي المناطق المتنازع عليها، والثانية هي كركوك. وهي من الخلافات المهمة بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان. وفي حال إجراء إحصاء يتضمن القومية فإنه يمكن أن يؤجج المشكلة أكثر من أن يقدم حلاً لها".

وتعتبر الخلافات على المناطق المتنازع عليها واحدة من أعقد المشكلات بين إقليم كردستان وبغداد، وهي تتضمن محافظات كركوك ونينوى وصلاح الدين وديالى. وكان الدستور أقر المادة 140 كحل لها، التي تتضمن ثلاث خطوات، إحداها تتعلق بإجراء إحصاء للسكان واستفتاء لتحديد المصير.

وزارة التخطيط نأت بنفسها عن أن تكون جزءاً من تنفيذ المادة الدستورية من خلال تقديمها سؤالاً إلى المحكمة الاتحادية عام 2010، يتعلق بالإحصاء السكاني وإذا ما كان هو ذاته المقصود في الدستور. وحينها أشارت المحكمة إلى أنه لا يوجد أي ربط بين الإحصاء العام والإحصاء المذكور ضمن المادة 140.

مع ذلك يرى العنبر أن قضية الأرقام المتعلقة بالمذاهب والقوميات "واضحة في أغلب المناطق لأن أغلبها معروف من يسكنها، لكن البعض يحاول استثمار الموضوع للتجاذبات السياسية والدخول في جدل سياسي جديد. وربما يتم الطعن في بعض النتائج باعتبارها تغيير ديمغرافي إذا ما تم ذكر القومية والمذهب وهو أمر لسنا بحاجة له على الإطلاق".

لماذا عجز العراق عن إجراء تعداد سكاني منذ ربع قرن؟
عام 1997م أجرى العراق تعداده السكاني الأخير. عملية شابتها الكثير من المشاكل، فلم يُجرَ الاستطلاع إلا في 15 محافظة بعد استبعاد محافظات إقليم كردستان، الأمر الذي دفع بعض الباحثين لعدم الاعتراف بنتائجه والاكتفاء ببيانات الإحصاء الذي سبقه بعشر سنوات وشمل جميع محافظات العراق.

مقاعد

في السياق نفسه، يقول رئيس مركز "المورد" للدراسات والإعلام نجم القصاب، إن عدم ذكر القومية والمذهب في التعداد معناه أن "الحكومة تتعامل مع المواطن كونه عراقياً فقط، وليس على أساس المكونات". 

والمكون، برأيه "يقسم المجتمع أولاً، والدولة العراقية ثانياً" مردفاً "لهذا علينا أن نغادر هذه المسميات وهذه الأسماء".

ولكن، ما تأثير ذلك على التعداد السكاني؟ يقول القصّاب إنه "يتعلق بالفروقات السكانية التي يمكن أن تظهر بين محافظة وأخرى، وهو أمر من شأنه إحداث تغييرات في التمثيل البرلماني للمحافظات".

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "إذا ما حصل وكانت الأرقام الحقيقية خلال التعداد السكاني مختلفة عن التقديرات في المحافظات، فمن يظهر وجود نسبة سكان أعلى لن تتضرر بل ستستفيد لأن تمثيلها السكاني سيرتفع. أما المحافظات التي تتراجع بها النسبة السكانية بشكل ملحوظ ستتراجع نسبة تمثيلها البرلماني وتصبح مقاعدها أقل".

تغيير نسب السكان معناه كما يقول المحلل السياسي علي الحبيب لـ"ارفع صوتك" أن هناك إمكانية لـ"زيادة مقاعد بعض المحافظات التي سيرتفع عدد سكانها، كما سترتفع حصتها المالية التي تعتمد على عدد السكان وتتغير الخطط التنموية المتعلقة بها"، وإذا تراجع عدد السكان "سيحصل العكس، أي أن تتراجع أعداد المقاعد وتنخفض تخصيصاتها المالية".

هذه العوامل، بحسب الحبيب "تثير المخاوف لدى المراقبين من إمكانية حصول تدخلات لتحقيق مكاسب سياسية ومالية عبر التأثير على عملية التعداد، التي تؤدي إلى تحقيق نتائج غير دقيقة، خصوصاً أن لدينا تغيرات ديمغرافية قبل وبعد عام 2003، ووجود عدد كبير من النازحين في المخيمات".

جزء من هذه المخاوف تأتي "لعدم توفر البنية التحتية الضرورية مثل التقنية والموارد البشرية المدربة بشكل كافٍ، وعدم تنمية الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية ليُدلي ببياناته بشكل دقيق"، يتابع الحبيب، مضيفاً "كل هذه المعوقات من شأنها أن تؤثر سلبياً على نتائج الإحصاء".

والحل، أن يبذل العراق "جهوداً كبيرة لتطوير البنية التحتية، وحل أزمة الثقة بين المواطن والحكومة للوصول إلى نتائج حقيقية للإحصاء السكاني"، يقول الحبيب.