يترقب مسيحيو منطقة الخليج العرب الزيارة المرتقبة للبابا فرانسيس بابا الفاتيكان إلى دولة البحرين، اليوم الخميس، لتكون زيارته الثانية إلى دولة خليجية بعد الإمارات عام 2019.
تستضيف البحرين المقر الرئيسي للكنيسة الكاثوليكية في المنطقة، ومن المقرّر أن تُشكل تلك الزيارة حدثاً هاماً للمسيحيين الكاثوليكيين الذين يعيشون في منطقة الخليج.
بحسب أرقام الفاتيكان، فإن 80 ألف كاثوليكياً يعيشون في البحرين وحدها، أغلبهم عمال أجانب أتوا من الهند والفلبين. أما إجمالي عدد المسيحيين الكاثوليكيين في الخليج فيُقدر بحوالي مليوني مواطن.
تاريخ المسيحية في الخليج
بحسب مرويات تاريخية، فإن قبائل مسيحية عربية نزحت من وطنها الأصلي بالحيرة وسط العراق إلى الخليج حيث نشرت المسيحية في المنطقة. وما بين عامي 309 و379م مارست الإمبراطورية الفارسية اضطهاداً كبيراً بحق المسيحيين النساطرة ما دفعهم إلى الهرب والتمركز في منطقة الخليج.
ورصد أيضاً علماء الآثار "بقايا حياة مسيحية" قديمة في مناطق تمتدُّ من قطر إلى عمان من ضمنها أطلال كنائس وأديرة.
أما البحرين تحديداً، تمثّل حلقة فريدة في تاريخ حياة المسيحيين في دول الخليج قبل ظهور الإسلام، فقبيلة عبد القيس المسيحية شكلت أغلب سكان البحرين ونواحيها، وكان تحوّلها إلى الإسلام عاملاً حاسماً في "أسلمة" تلك المناطق لمئات السنوات التالية.
هذا التميّز البحريني في التاريخ المسيحي أهّلها لتضمّ أقلية مسيحية بحرينية هي الأكبر عدداً في الخليج (قُدّرت بنحو ألف مواطن)، نالت حقوقاً نيابية، بعدما مُثّل المسيحيون في عضوية مجلس الشورى منذ التسعينات، فسبق وأن ضمّ مجلس الشورى البحريني سيدتين مسيحيتين، هما هالة رمزي فايز من أصولٍ مصرية، كان والدها أحد مؤسسي وزارة الصحة في البحرين، وأليس سمعان من أصولٍ عراقية، قضت فترتين في مجلس الشورى. وفي 2005 أصبحت أول امرأة تترأّس جلسة في البرلمان البحريني، وفي 2010، تم تعيينها سفيرة في بريطانيا.
وتستضيف البحرين أيضا واحدة من أقدم الكنائس في الخليج، أنشأتها الكنيسة الإنجيلية البروتستانتية عام 1906. إنشاء تلك الكنيسة كان واحداً من أبرز جهود الإرسالية الأمريكية البروتستانتية في الخليج، التي اعتنت بالتبشير ونشر المسيحية في الخليج، ولذلك أنشأت مؤسسات دعوية لها في البصرة، وعمان، والبحرين، والكويت.
على الرغم من الجهود الكبيرة التي قام بها المبشرون خاصةً في النواحي التعليمية والعلاجية، فإن الأهالي اتخذوا موقفاً مرتاباً تجاه محاولات نشر المسيحية على مرمى حجر من قلب الإسلام في مكة. يقول هاشم الطائي، في كتابه "جذور التيار الإسلامي المعاصر في الخليج العربي"، إن الشكاوى انهالت على شيخ البحرين من السكان من مخاوفهم على الإسلام في ظِل بقاء هؤلاء المبشرين.
استمرّ دور الكنيسة الإنجيلية حتى اليوم، وقد حقّقت مكانة مجتمعية كبرى كفلت لمؤسساتها الاحترام بين مواطني الخليج الذي عالجت أولادهم وأفراد عائلتهم، لكنها لم تحقّق نجاحا يُذكر في نشر المسيحية بين أهالي الخليج.
وفي عام 2020، وقّعت البحرين اتفاقية سلام مع إسرائيل، وتقدم نفسها كنموذج للتسامح الديني في المنطقة حتى إنها أعادت افتتاح كنيس ديني أُغلق منذ عام 1947، وسمحت لليهود بالصلاة فيه، وهي الخطوة التي سبقها إقامة الكنيسة الأكبر في منطقة الخليج بدعمٍ مباشر من أمير البحرين الذي قام بزيارة إلى الفاتيكان عام 2009.
مسيحيو الخليج.. أغلبيتهم أجانب
تعيش في مصر ولبنان وسوريا أعداد كبيرة من المسيحيين، هم جزء رئيسي من نسيج تلك الشعوب إذ عاشوا على تلك الأراضي طيلة آلاف السنوات، وهو ما لا نجده في "الحالة الخليجية"؛ فعدد المسيحيين المحليين ضعيف جداً. وفي 2013 صرّح باول هيندر الأسقف الكاثوليكي للإمارات وعمان قائلاً: "لا يوجد مسيحيون محليون، أغلبهم من الأجانب".
في الكويت، قُدّر عدد المسيحيين الكويتيين بـ200 شخص في عام 2013، وقد ارتفع عددهم ليصل مؤخراً إلى 800 فردٍ وفقاً لأكبر التقديرات، أشهرهم القس الكويتي عمانوئيل غريب، الذي يُصرُّ على ارتداء الغترة والعقال بجوار زيه الديني تأكيداً على هويته كأول قِس خليحي وأول كويتي يشغل منصب راعي الكنيسة الإنجيلية في الكويت.
عقب اكتشاف النفط، وكثرة فرص العمل وارتفاع مستوى الحياة في الخليج هاجر إليها ملايين العمال الأجانب، كان من ضمنهم آلاف المسيحيين خاصةً من دول مثل الفليبين وسيريلانكا وجنوب الهند.
وتقدر إحصائيات غير رسمية قدّرت أعداد المسيحيين، بمن فيهم الأجانب، بنحو 9% من سكان الإمارات، وقرابة 12% من سكان الكويت وكذلك في البحرين.
كيف يعيشون؟
على عكس السعودية، أعطت الكويت وقطر والبحرين والإمارات قِسطاً من الحرية لمسيحييها، كفل لهم بناء كنائس وإفساح المجال لرجال دين بالقيام بدورهم.
وبحسب تقرير نشرته "سكاي نيوز"، المملوكة لدولة الإمارات، فإن المسيحيين عاشوا في الإمارات منذ قرونٍ مضت، إذ أكدت الاكتشافات وجود دير مسيحي بُني في جزيرة "صير بني ياس" منذ القرن السابع الميلادي، جرى ترميمه وتحويله إلى مزار سياحي منذ 3 أعوام.
وكانت الإمارات أكثر دول الخليج تسامحاً مع بناء الكنائس على أرضها حتى قبل الإعلان الرسمي لتأسيس دولة الإمارات الذي جرى عام 1971، إذ بُنيت أول كنيسة في إمارة أبو ظبي عام 1965 وبعد عامين لحقت بها إمارة دبي وأقامت كنيسةً حملت اسم "القديسة مريم". وبحسب "سكاي نيوز"، يبلغ عدد الكنائس في الإمارات حالياً قرابة 45 كنيسة.
أما قطر، ففي 2008 دُشِّنت أول كنيسة كاثوليكية بها بعدما تبرّع الشيخ حمد بن خليفة بأرضٍ قيمتها 15 مليون دولار من أجل إقامة تلك الكنيسة التي أنهت سنوات من العبادة السرية للمسيحيين في قطر.
وكذلك، استضافت الكويت الكنائس مبكراً منذ عام 1932، وفي عام 2009م تشكّل مجلس للعلاقات المسيحية الإسلامية في الكويت كخطوة لتعزيز العلاقات بين الطرفين، في الوقت الذي يتّخذ فيه الدستور الكويتي موقفاً متحفظاً "غير مباشر" من غير المسلمين؛ فهو لا ينصّ على حرمان المسيحيين وغيرهم من حقوقهم الدينية، ولكنه يقيّدها بعوامل أخرى، إذ يقول "حرية ممارسة الدين وفق العادات المرعية، شرط ألا يتعارض مع السياسة العامة أو الأخلاق".
هذه الحرية المقيّدة تكاد تكون نهجاً ثابتاً في كافة الدول الخليجية التي تسمح للمسيحيين بممارسة شرائعهم، فحريتهم في عباداتهم لا تزال محكومة بإطار الشريعة الإسلامية التي تحكم كافة قوانين البلاد؛ فحرية التبشير وحرية المسلمين في تغيير ديانتهم إلى المسيحية تظلُّ أموراً غير متسامح معها.
يقول القسيس يينس هيلر الذي ترأّس الجماعة البروتستانتية الألمانية في الإمارات: "لابد وأن تتم الصلاة في المباني المخصصة ذلك، ومن غير المسموح لغير المسيحيين بالمشاركة في الصلاة".
كذلك، فإنه من المعتاد إقامة الكنائس في ضواحي المدينة وليس في مراكزها، وألا تحمل صلبان واضحة في سقوفها، وألا تدق الأجراس بصوتٍ عال، وألا تُرفع الصلبان على علوٍّ شاهق، ولا تزال قرارات الحكّام بإقامة كنائس تثير حفيظة بعض رجال الدين، مثلما جرى في البحرين عام 2012 حين خصّص ملك البحرين قطعة أرض لبناء أكبر كنيسة في الخليج، وهو الأمر الذي أثار غضب عدد ليس بالقليل من الفقهاء.
القسيس أندرو تومبسون، راعي الأبرشية الأنجليكانية سانت أندرو في أبو ظبي، قال في تصريحات صحافية: "حرية الدين موجودة، لكنها تختلف عن الحرية الموجودة في الدول المسيحية، إن الأمور ليست بهذه السهولة". وبسبب الحظر الذي تفرضه الإمارات على القيام بأي نشاط تبشيري، كشف تومبسون أنه "يرفض أي طلبٍ من مسلم يريد تغيير دينه رفضاً قطعيّاً".
لا كنائس في السعودية حتى الآن
تغرد السعودية خارج كل ذلك السرب. فعلى الرغم من استضافتها لجالية كبيرة العدد من المسيحيين إلا أنها لا تزال حتى الآن ترفض إقامة أي كنيسة داخل أراضيها.
يُخالف هذا الوضع ما كان سائداً في الجزيرة خلال حياة النبي محمد، فتحدثنا المرويات التاريخية، أنه عندما ظهر الإسلام كان هناك مسيحيون في مكة وفي اليمن، ولمسيحيي نجران قصة شهيرة وثّقها القرآن (قصة أصحاب الأخدود)، بل إن وفداً من نصارى نجران زار النبي في المدينة وخاضا معاً مناظرة حول ألوهية المسيح.
وبحسب الخوري جوزيف ضو في كتابه "المسيحيون في الجزيرة العربية"، فإن الجزيرة عرفت المسيحية في مرحلة مبكرة جداً؛ فقد أقيمت كنيسة نسطورية في عكاظ، كما أقيمت عدة أديرة للرهبان المسيحيين مثل دير سعد في بلاد غطفان ودير عمرو في جبال طيء، بل إن سادس ملوك جرهم (قبيلة عربية قديمة سيطرت على الكعبة 330 عاما) كان يُدعى "عبد المسيح"، كما حكى الأزرقي في كتابه "أخبار مكة"، أن صوراً لعيسى بن مريم وأمّه كانت معلّقة جوار الكعبة لم تُمح من مكانها إلا في العهد الأموي.
بحسب التقديرات، فإن مليونا وافداً من المسيحيين يعيشون داخل السعودية، محظورٌ عليهم إقامة شعائرهم.
وفي تصريحٍ شهير لمفتي السعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، أكد أن الدين الوحيد المسموح به في شبه الجزيرة العربية هو الإسلام. وفي لقاءٍ مع وفد كويتي، دعا آل الشيخ لـ"تدمير الكنائس في المنطقة".
هذه التصريحات أثارت انتقادات أسقفية حادة في ألمانيا والنمسا وروسيا، وصرّح روبرت زوليتش، رئيس مجلس الأساقفة الألمان، أن آل الشيخ "لا يبدي أي احترام للحرية الدينية والتعايش الحر بين الأديان".
شكّل هذا التصريح النهج الثابت للدولة السعودية خلال السنوات الفائتة، وسبق وأن نظم الفاتيكان العديد من مبادرات الحوار مع قادة المملكة، أشهرها اللقاء الذي جمع بين الملك عبد الله وبابا الفاتيكان عام 2008. لكن حتى الآن قوبلت كافة تلك الدعاوى بالرفض.
هذا الموقف بدأ في التغيّر خلال الفترة الأخيرة. فخلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى مصر عام 2008، قابَل البابا تواضروس بابا الإسكندرية. وبعد هذا اللقاء سُمح للكنيسة بإقامة قدّاس داخل أحد منازل أفراد الجالية القبطية بالسعودية.
وكانت صحيفة الإيكونوميست البريطانية نقلت عن مستشار ملكي سعودي قوله "إن مدينة نيوم في أقصى شمال غرب المملكة من الأماكن المحتملة لافتتاح كنيسة".
