يحتفل اليهود حول العالم في الفترة من الثامن عشر من ديسمبر وحتى السادس والعشرين من الشهر نفسه بعيد حانوكا أو عيد الأنوار. ورغم أن هذا العيد لم يُذكر بشكل صريح في أسفار العهد القديم إلا أنه يحظى بمكانة مهمة في الوجدان اليهودي الجمعي. ما هي قصة هذا العيد؟ وكيف ورد في التقاليد اليهودية القديمة؟ وماذا عن الطقوس المرتبطة بالاحتفال به؟
الخلفية التاريخية: الثورة المكابية
عزم الإسكندر المقدوني عندما اعتلى كرسي الحكم في اليونان على القضاء على الإمبراطورية الفارسية التي سيطرت على مساحات واسعة من الأراضي في تلك الفترة. توجه الإسكندر شرقاً واستولى على مصر وفلسطين وسوريا والعراق وآسيا الصغرى وبلاد فارس. ووصلت جيوشه إلى بلاد الهند.
في سنة 323 ق.م، توفي الإسكندر واقتسمت مملكته الواسعة بين كبار قادة جيشه. حظي بطليموس بحكم مصر، وأخذ أنتيغون مقدونيا القديمة وآسيا الصغرى، فيما كانت أرض سوريا وبابل وفارس من نصيب سلوقس الأول نيكاتور.
كانت فلسطين واقعة بين مصر وسوريا، وكان من الطبيعي أن يدور الصراع عليها بين البطالمة والسلوقيين. تؤكد المصادر التاريخية أن البطالمة تمكنوا من السيطرة على فلسطين حتى سنة 198 ق.م تقريباً. وبعدها استطاع السلوقيون أن يفرضوا سيطرتهم الكاملة عليها.
وقع تغير مهم في فلسطين في فترة حكم الملك السلوقي أنطيوخوس الرابع. نشر أنطيوخوس الثقافة اليونانية في جميع الأقاليم التابعة له. وعمل على إزالة معالم الدين اليهودي بشكل كامل. قبل جزء من اليهود ذلك الوضع واندمجوا في الثقافة اليونانية، بينما رفض البقية هذا الدمج وتمسكوا بدينهم وبشعائرهم وطقوسهم التي ورثوها عن أسلافهم منذ قرون.
يذكر الإصحاح الثاني من سفر المكابيين قصة الصراع الذي دار بين الفريقين. ويحكي عن الكاهن متاتيا بن يوحنا بن سمعان الذي تزعم الفريق اليهودي المؤيد للالتزام بالتقاليد اليهودية القديمة، والذي رفض الانصياع لأوامر ملوك السلوقيين. يذكر السفر أن الكاهن متاتيا رُزق خمسة من الأبناء الذكور، وهم "يُوحَنَّا الْمُلَقَّبُ بِكَدِّيسَ، وَسِمْعَانُ الْمُسَمَّى بَطَسِّيَ، وَيَهُوذَا الْمُلَقَّبُ بِالْمَكَّابِي، وَأَلِعَازَارُ الْمُلَقَّبُ بِأَوَارَانَ، وَيُونَاثَانُ الْمُلَقَّبُ بِأَفُّوسَ". قاد متاتيا وأبناؤه تيار المعارضة ضد السلطات السلوقية. لمّا حاول أعوان السلوقيين أن يغروه بالذهب والفضة ليتخلى عن موقفه، رفض متاتيا العرض، وقال لهم: "إِنَّهُ وَإِنْ طَاعَتْ لِلْمَلِكِ كُلُّ الأُمَمِ الَّتِي فِي دَارِ مُلْكِهِ، وَارْتَدَّ كُلُّ أَحَدٍ عَنْ دِينِ آبَائِهِ وَرَضِيَ بِأَوَامِرِهِ، فَأَنَا وَبَنِيَّ وَإِخْوَتِي نَسْلُكُ فِي عَهْدِ آبَائِنَا".
تستطرد القصة بعد ذلك أن متاتيا وجد أحد كهنة اليهود المتحالفين مع السلوقيين وقد بدأ في أداء الصلوات والشعائر الدينية في المذبح المقدس، فغضب وسارع بقتل الكاهن، وبعدها قام أبناؤه بقتل جميع الرجال المتحالفين مع السلوقيين.
دعا متاتيا اليهود بعدها للثورة على الحكم اليوناني، فخرج الثوار من أورشليم وصعدوا إلى بعض المعاقل الجبلية الحصينة البعيدة عنها، وشرعوا في قتال القوات السلوقية. في سنة 166ق.م تقريباً توفي متاتيا، وتولى قيادة الثورة ابنه يهوذا المُلقب بالمكابي -تعني المطرقة- والذي سيشتهر اسمه كثيراً بين اليهود حيث سيُطلق لقبه -المكابي- على جميع أفراد أسرته، ليسموا بالمكابيين. ذكر سفر المكابيين الثاني تفاصيل الانتصارات العظيمة التي حققها يهوذا المكابي على السلوقيين، وكيف أن الثوار تمكنوا من العودة مرة أخرى إلى أورشليم بعد ثلاثة سنوات من الحرب الطاحنة.
العيد و"معجزة" الزيت
بعد رجوعهم إلى أورشليم، عمل الثوار على إعادة تدشين الهيكل مرة أخرى ليصبح صالحاً لممارسة العبادة بعد أن قام السلوقيون "بتدنيسه". ومن هنا جاء اسم حانوكا والتي تعني التدشين.
كان المكابيون يريدون أن يشعلوا الزيت لإنارة الهيكل تنفيذا لما ورد في الإصحاح الرابع والعشرين من سفر اللاويين "وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: «أَوْصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُقَدِّمُوا إِلَيْكَ زَيْتَ زَيْتُونٍ مَرْضُوضٍ نَقِياً لِلضَّوْءِ لإِيقَادِ السُّرُجِ دَائِماً…".
وبحسب التقليد الروائي التلمودي، فإن اليهود لمّا بحثوا في الهيكل عن الزيت المقدس لم يجدوا إلا قارورة صغيرة لأن اليونانيين قاموا بإفساد باقي الزيت قبل خروجهم من الهيكل. رغم ذلك، فإن قارورة صغيرة من الزيت تمكنت من إنارة الهيكل لمدة ثمانية أيام كاملة في الفترة من الخامس والعشرين من شهر كِسْلُو إلى الثاني أو الثالث من شهر تبت بحسب التقويم العبري. الأمر الذي اعتبره اليهود معجزة إلهية خارقة للعادة!
يذكر التلمود أيضا سبباً آخر للاحتفال بعيد الحانوكا. جاء في بعض المواضع أن آدم لما لاحظ أن ساعات النهار تقل في موسم الشتاء، دعا الله وبعد ثمانية أيام لاحظ أن النهار يزداد من جديد فجعل هذه الأيام الثمانية أيام شكر وفرح وسعادة.
في الحقيقة، توجد العديد من الأسماء التي أُطلقت على هذا العيد. يسميه المؤرخ اليهودي يوسيفيوس "عيد الأنوار" لأنه من المعتاد إشعال الأنوار في البيوت والمجامع والشوارع، بينما كان اليهود يطلقون عليه اسم "عيد المكابيين"، ويذكره التلمود كذلك باسم "عيد النور".
طقوس الاحتفال بعيد الحانوكا
في خلال أيام عيد الحانوكا الثمانية تضاء شمعة في كل ليلة من الليالي في شمعدان خاص بتلك المناسبة. ويتم وضع الشمعدان في شرفة المنزل أو مدخل البيت حتى يراه المارون في الشوارع. وخلال أيام العيد يقبل اليهود على تناول المأكولات المقلية، والتي تختلف من بلد إلى آخر، ومنها الفطائر المقلية والمحلاة، والبطاطا المقلية المهروسة.
ومن الشائع أيضا أن يلعب الأطفال بلعبة تُعرف باسم بلبل الحانوكا. وهي عبارة عن بلبل خشبي له أربعة جوانب وفي كل جانب مكتوب حرف يرمز إلى معنى معين. في الجانب الأول حرف النون، وفي الجانب الثاني حرف الجيم، وفي الجانب الثالث حرف الهاء، أما في الجانب الرابع فيكتب حرف الشين.
في سياق آخر، عرفت البلاد العربية التي انتشر فيها الدين اليهودي منذ قرون بعض الشعائر الاحتفالية بهذا العيد. على سبيل المثال تميزت احتفالات عيد حانوكا في العراق بتناول طعام شهي محلي مكون من الفطائر الحلوة المقلية التي تُعرف باسم زنغولة. وأيضاً عرف المغرب بعض الأكلات المرتبطة بهذا العيد. ومنها حلوى الإسفنج التي تُقلى بالزيت وتؤكل مع العسل. وكذلك تقدم بعض الأسر اليهودية في هذا العيد طبق "المعقودة"، وهي عبارة عن بطاطا مهروسة بتوابل خاصة تُقلى بالزيت.
من الملاحظ أن الاحتفال بعيد الحانوكا عاد إلى الواجهة من جديد في السنوات الأخيرة في بعض الدول العربية. في منتصف شهر ديسمبر سنة 2018م احتفل اليهود المصريون في معبد عدلي، الواقع في وسط القاهرة، بعيد الحانوكا للمرة الأولى منذ سنين طويلة. وفي منتصف ديسمبر سنة 2020م أضاء برج خليفة في دبي احتفالاً بأول ليلة من حانوكا في الإمارات العربية المتحدة، في حدث هو الأول من نوعه منذ تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات.
أما في نوفمبر من سنة 2022م، فقال رئيس مجلس أمناء الكنيس والمجتمع اليهودي في البحرين إبراهيم نونو إنّه تمّ تحديد تاريخ 25 ديسمبر المقبل للاحتفال بعيد الحانوكا في المنامة. وأكّد بأنّ الاحتفال يتزامن مع وصول «لفيف التوراة» من إسرائيل إلى البحرين، وسيستمرّ لمدّة ثمانية أيام بدءًا من تاريخ 25 ديسمبر ولغاية 1 يناير 2023م، في منطقة باب البحرين ومحيط سوق المنامة، وصولًا إلى الكنيس اليهوديّ. وأضاف أنّه سيتمّ إقامة الشّعائر والطقوس وإشعال الشّموع في الكنيس، وبحضور عددٍ من المسؤولين في السفارة الإسرائيلية لدى البحرين، وشخصيات رسميّة بحرينيّة وسائحين وعددٍ من اليهود المقيمين في منطقة الخليج.
