تختلط النزعات الدينية والقومية المتحيزة في الحكم على ثورة الزنج، جنوبي العراق، إبان عهد الخليفتين العباسيين المعتز (847-869 م) والمعتمد (870-892 م). فمن مُرجع أسبابها إلى دعوة دينية مهدوية، إلى آخرين نسبوها لشخص فارسي الأصل، غامض الأهداف والنوايا، إلى من اعتبرها مجرد فوضى قادها "رعاع" بهدف النهب والتعدي على التجار، وهي آراء، في مجملها، تعزل هذه الثورة عن سياقها التاريخي، وتختصرها بشخص، ربما استغل آلاف المعذبين، ليحقق طموحات شخصية.
قبل الزنج.. الزط أولا
تعود مشكلة الأفارقة المستعبدين، الذين أُسكنوا مناطق الأهوار جنوبي العراق، إلى عهد الخليفة المعتصم (796-842 م) عندما أجلى قائدُه عجيف بن عنبسة الثوار السنديين من شعب الزط (من شعوب الهند وباكستان)، من جنوبي العراق إلى بغداد وبعض مناطق الجزيرة الفراتية وكيليكية في جنوبي تركيا الحالية، عقاباً على ثورتهم ضد ظروف عملهم الصعبة، وإحلال الأفارقة "الزنج" مكانهم.
قبل هذا التاريخ بحوالي قرنين، كان الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان (608-680 م)، في إطار سياساته في تعزيز الاستقرار وإعادة تفعيل طرق التجارة العالمية العابرة لمناطق الدولة الإسلامية، استقدم مبكرا مجموعات من أبناء شعب الزط من حوض السند للعمل على تأهيل الطريق النهري من الخليج العربي إلى شط العرب في البصرة، حيث إن حالة العطالة والحروب الأهلية الإسلامية الطويلة قد أدت إلى تعطيله بالنباتات المائية، إضافة إلى تملح التربة المجاورة للنهر، والتي غدت غير صالحة للزراعة.
وتواصل استجلاب الزطيين في عهد عدد من خلفاء بني أمية بعد معاوية، قبل أن يشعلوا ثورة في عهد الخليفة العباسي المعتصم الذي "أرسل قواته لمحاربة الزطيين الذين يعيشون في وسط المياه التي يصب فيها دجلة والفرات [شط العرب]، لأنهم شعب متمرد ومصدر إزعاج للخلفاء، حيث إنهم يضربون ويقتلون ويسلبون التجار الذين يقصدون بغداد من البصرة والهند والصين"، كما يقول المؤرخ ديونيسيوس التلمحري.
وبعد نجاحه في القضاء على ثورة الزط، سعى الخليفة المعتصم إلى استبدالهم بالزنج الذين تم استقدامهم من بلاد النوبة. وتشير المصادر السريانية والعربية، إلى المعتصم شدد خلال تجديد "اتفاقية البقط" مع ملوك النوبيين على إرسال العبيد الذين تخلفوا عن إرسالهم طوال السنوات السابقة. وبحسب الاتفاقية كان مفروضاً على ملك النوبة أن يرسل 350 عبداً سنوياً. ومن الواضح أن تشديد المعتصم على تنفيذ الاتفاقية كان بهدف سد نقص اليد العاملة من الزط في بطائح العراق. فقبل ذلك العهد، لا نملك مصادر عن كثافة وجود الأفارقة المستعبدين في جنوبي العراق، وكل المصادر كانت تتحدث عن الزط السنديين.
ظروف مزرية
بدأت ثورة "الزنج" في مناطق الأهوار العراقية في عهد الخليفة المعتز في العام 868م، احتجاجا على ظروف عيشهم الصعبة، فقد كانت ظروف عملهم قاسية تحت شمس محرقة، يضاف إلى ذلك رقابة صارمة من جانب وكلاء أصحاب الإقطاعات، والحرمان من تكوين الأسر والمنع من الزواج، وتفشي الأمراض، خاصة الملاريا بينهم.
وأضيفت إلى ذلك مجموعة كبيرة من المظالم التي تسببت بها سياسة الخليفة المتوكل، والذي لم يترك أقلية أو شخصية مخالفةً في دولته إلا ونالها العسف والاضطهاد، من هدم لكنائس المسيحيين واليهود، إلى اضطهاد الأئمة المسلمين المخالفين لعقيدة المعتزلة التي المتوكل يعتنقها، ومنهم أحمد بن حنبل (780-855 م)، إلى اضطهاد الشيعة وسلالة علي بن أبي طالب، حتى غدا الخروج والثورة على الحكم خيار الأكثرية من رعايا الدولة.
وكما هو شأن الكثير من الثورات العفوية، ظهر مغامرون يبدو أنهم أن يركبوا على مظالم الناس لتحقيق مآربهم وطموحاتهم الشخصية، ولعل علي بن محمد، القائد المعروف لهذه الثورة، واحد منهم. وتشير الشذرات التي وصلتنا من حياة هذا الرجل أنه بدأ حياته شاعراً في بلاط الخليفة، ثم ثائراً في شرقي الجزيرة العربية متخذاً مبدأ الخوارج في رفض توريث الحكم، ثم مدعياً النسب العلوي متبنياً العقيدة المهدوية، في محاولة لكسب الشعبي مع العلويين الذين كانوا يمرون بفترة اضطهاد رهيبة حينها.
واتفقت طموحات علي بن محمد مع مصلحة الأفارقة المستعبدين بالثورة. وتذكر المصادر التاريخية العباسية، المنحازة لوجهة النظر الرسمية، أن علي بن محمد الذي أطلقوا عليه اسم "صاحب الزنج" خطب بهم ووعدهم بأنه سوف يقودهم ويترأس عليهم حتى يملِّكهم الأموال، والمنازل، والعبيد، وألا يخذلهم أو يغدر بهم.
تفاصيل ثمينة
ويسرد الطبري في تاريخه تفاصيل ثمينة عن هذه الثورة التي بدأت بالإغارة على القرى المجاورة لاستخلاص السلاح من أهلها، مشيرا إلى أن المعركة الأولى حشدت ستة آلاف عبد في جيش بدأ يكبر شيئاً فشيئاً، حتى بلغ عشرات الآلاف.
ويبدو أن علي بن محمد أرسل وفداً للبصرة كي يطمئن أهلها بأنه لا يستهدفهم، وأن هدفه السلطة العباسية، ولكن قتل أحد رسله فيها أدى إلى تعميق فكرة الثورة، والتخطيط للسيطرة على المدن بدل استهداف أصحاب الملكيات الكبيرة.
بعد ذلك، أسس الثوار مدينة حصينة أطلقوا عليها اسم المختارة، وتأسست بالقرب منها قرى عمرت بالأكواخ، وكان الانتصار على جيش الخليفة الذي حضر على عجل، قد شحن معنويات الثوار وجعلهم يتجرأون على مدينة الأبلة التاريخية، المعروفة في المصادر القديمة باسم أبولونياس، وهي من أهم الحواضر المحيطة بالبصرة، ومنها انطلقوا إلى الأهواز، وكانوا ينتصرون على كل الجيوش التي كان الخلفاء العباسيون يرسلونها، إلى أن نجحوا أخيراً في حصار البصرة والدخول إليها وتدميرها.
وكان لهذه الانتصارات وعجز قادة العباسيين عن وضع حد للثورة، أن وصلت طلائعها إلى مشارف بغداد، حتى أن الخليفة المعتمد فر إلى مصر خشية من القبض عليه، خصوصاً بعد انضمام الكثير من العرب الناقمين من سيطرة العناصر الأعجمية، للثورة.
مبالغات
تبالغ المصادر العباسية في نتائج هذه الثورة، إذ تذكر أن جيش أحد قادة الزنج، ويدعى المهلبي، استولى عام 871م على البصرة فدمرها، وقتل 300 ألف من أهلها، وسبى ستة آلاف من نسائها، واسترق أطفالها، حتى أن بعض المسبيين كانوا من بني هاشم أنفسهم! وهي أرقام مبالغ فيها لا شك.
وأخيراً وبعد أربعة عشر عاماً من بدء الثورة، نجح أحد الأمراء العباسيين ويدعى أبو أحمد الموفق وهو ابن الخليفة المتوكل في مسعاه بالتضييق على الثوار وحصرهم في عاصمتهم المختارة، ثم استخدم ضدهم الرصاص المصهور، والنار الإغريقية حتى دمرهم جيشهم، وقتل زعيمهم علي بن محمد وحمل رأسه إلى بغداد.
تقييم سلبي
في العموم، كان تقييم "ثورة الزنج" شديد السلبية في المصادر التاريخية العربية. فباستثناء المؤرخين اليساريين العرب المعاصرين، لا تكاد تقرأ سطراً واحداً يمكن أن يتضمن تعاطفا مع آلاف العبيد المقهورين، إذ هجا الثوار شاعر كبير هو ابن الرومي، ووصفهم بـ"قطع الليل".
وكان تركيز المؤرخين على حجم الخراب الذي خلفته ثورة الزنج، واستعباد ثوارها للناس، بما في ذلك النساء والأطفال. يضاف إلى ذلك تداخل طموحات علي بن محمد الشخصية، مع هدف التحرر من العبودية الذي كان هو هدف الثوار الأصلي، إذ كان المؤرخون يصمون هذه الثورة بالمروق الديني حيناً، وباللصوصية حيناً آخر، علماً أن اتفاق المصالح بين علي بن محمد والثوار الزنج سار في نهاية المطاف لصالح علي بن محمد الذي استطاع حكم جزء كبير من العراق وجنوبي إيران، وانعكس سلباً على الثورة التي وصمت بأبشع الأوصاف.
