استمرت ثورة الزنج لأكثر من 14 عاما خلال عهد الخليفتين العباسيين المعتز والمعتمد.
استمرت ثورة الزنج لأكثر من 14 عاما خلال عهد الخليفتين العباسيين المعتز والمعتمد.

تختلط النزعات الدينية والقومية المتحيزة في الحكم على ثورة الزنج، جنوبي العراق، إبان عهد الخليفتين العباسيين المعتز (847-869 م) والمعتمد (870-892 م). فمن مُرجع أسبابها إلى دعوة دينية مهدوية، إلى آخرين نسبوها لشخص فارسي الأصل، غامض الأهداف والنوايا، إلى من اعتبرها مجرد فوضى قادها "رعاع" بهدف النهب والتعدي على التجار، وهي آراء، في مجملها، تعزل هذه الثورة عن سياقها التاريخي، وتختصرها بشخص، ربما استغل آلاف المعذبين، ليحقق طموحات شخصية.

 

قبل الزنج.. الزط أولا

 

تعود مشكلة الأفارقة المستعبدين، الذين أُسكنوا مناطق الأهوار جنوبي العراق، إلى عهد الخليفة المعتصم (796-842 م) عندما أجلى قائدُه عجيف بن عنبسة الثوار السنديين من شعب الزط (من شعوب الهند وباكستان)، من جنوبي العراق إلى بغداد وبعض مناطق الجزيرة الفراتية وكيليكية في جنوبي تركيا الحالية، عقاباً على ثورتهم ضد ظروف عملهم الصعبة، وإحلال الأفارقة "الزنج" مكانهم.

قبل هذا التاريخ بحوالي قرنين، كان الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان (608-680 م)، في إطار سياساته في تعزيز الاستقرار وإعادة تفعيل طرق التجارة العالمية العابرة لمناطق الدولة الإسلامية، استقدم مبكرا مجموعات من أبناء شعب الزط من حوض السند للعمل على تأهيل الطريق النهري من الخليج العربي إلى شط العرب في البصرة، حيث إن حالة العطالة والحروب الأهلية الإسلامية الطويلة قد أدت إلى تعطيله بالنباتات المائية، إضافة إلى تملح التربة المجاورة للنهر، والتي غدت غير صالحة للزراعة.

وتواصل استجلاب الزطيين في عهد عدد من خلفاء بني أمية بعد معاوية، قبل أن يشعلوا ثورة في عهد الخليفة العباسي المعتصم الذي "أرسل قواته لمحاربة الزطيين الذين يعيشون في وسط المياه التي يصب فيها دجلة والفرات [شط العرب]، لأنهم شعب متمرد ومصدر إزعاج للخلفاء، حيث إنهم يضربون ويقتلون ويسلبون التجار الذين يقصدون بغداد من البصرة والهند والصين"، كما يقول المؤرخ ديونيسيوس التلمحري.

وبعد نجاحه في القضاء على ثورة الزط، سعى الخليفة المعتصم إلى استبدالهم بالزنج الذين تم استقدامهم من بلاد النوبة. وتشير المصادر السريانية والعربية، إلى المعتصم شدد خلال تجديد "اتفاقية البقط" مع ملوك النوبيين على إرسال العبيد الذين تخلفوا عن إرسالهم طوال السنوات السابقة. وبحسب الاتفاقية كان مفروضاً على ملك النوبة أن يرسل 350 عبداً سنوياً. ومن الواضح أن تشديد المعتصم على تنفيذ الاتفاقية كان بهدف سد نقص اليد العاملة من الزط في بطائح العراق. فقبل ذلك العهد، لا نملك مصادر عن كثافة وجود الأفارقة المستعبدين في جنوبي العراق، وكل المصادر كانت تتحدث عن الزط السنديين.

أهرامات مروي في بلاد النوبة في السودان حاليا.
زار ملكهم بغداد والتقى الخليفة.. كيف دخل الإسلام بلاد النوبة؟
يكتنف الغموض الطريقة التي اعتنق فيها النوبيون الإسلام. فالمصادر العربية الإسلامية، والسريانية، تقول إن شعب النوبة كان مسيحيا حتى عصر المتوكل العباسي. وتروي تلك المصادر قصة العلاقة بين مملكة نوباتيا المسيحية وقوات المسلمين المرابطة في مصر أيام الخليفتين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان.
 

ظروف مزرية

 

بدأت ثورة "الزنج" في مناطق الأهوار العراقية في عهد الخليفة المعتز في العام 868م، احتجاجا على ظروف عيشهم الصعبة، فقد كانت ظروف عملهم قاسية تحت شمس محرقة، يضاف إلى ذلك رقابة صارمة من جانب وكلاء أصحاب الإقطاعات، والحرمان من تكوين الأسر والمنع من الزواج، وتفشي الأمراض، خاصة الملاريا بينهم.

وأضيفت إلى ذلك مجموعة كبيرة من المظالم التي تسببت بها سياسة الخليفة المتوكل، والذي لم يترك أقلية أو شخصية مخالفةً في دولته إلا ونالها العسف والاضطهاد، من هدم لكنائس المسيحيين واليهود، إلى اضطهاد الأئمة المسلمين المخالفين لعقيدة المعتزلة التي المتوكل يعتنقها، ومنهم أحمد بن حنبل (780-855 م)، إلى اضطهاد الشيعة وسلالة علي بن أبي طالب، حتى غدا الخروج والثورة على الحكم خيار الأكثرية من رعايا الدولة.

وكما هو شأن الكثير من الثورات العفوية، ظهر مغامرون يبدو أنهم أن يركبوا على مظالم الناس لتحقيق مآربهم وطموحاتهم الشخصية، ولعل علي بن محمد، القائد المعروف لهذه الثورة، واحد منهم. وتشير الشذرات التي وصلتنا من حياة هذا الرجل أنه بدأ حياته شاعراً في بلاط الخليفة، ثم ثائراً في شرقي الجزيرة العربية متخذاً مبدأ الخوارج في رفض توريث الحكم، ثم مدعياً النسب العلوي متبنياً العقيدة المهدوية، في محاولة لكسب الشعبي مع العلويين الذين كانوا يمرون بفترة اضطهاد رهيبة حينها.

واتفقت طموحات علي بن محمد مع مصلحة الأفارقة المستعبدين بالثورة. وتذكر المصادر التاريخية العباسية، المنحازة لوجهة النظر الرسمية، أن علي بن محمد الذي أطلقوا عليه اسم "صاحب الزنج" خطب بهم ووعدهم بأنه سوف يقودهم ويترأس عليهم حتى يملِّكهم الأموال، والمنازل، والعبيد، وألا يخذلهم أو يغدر بهم.

 

تفاصيل ثمينة

 

ويسرد الطبري في تاريخه تفاصيل ثمينة عن هذه الثورة التي بدأت بالإغارة على القرى المجاورة لاستخلاص السلاح من أهلها، مشيرا إلى أن المعركة الأولى حشدت ستة آلاف عبد في جيش بدأ يكبر شيئاً فشيئاً، حتى بلغ عشرات الآلاف.

ويبدو أن علي بن محمد أرسل وفداً للبصرة كي يطمئن أهلها بأنه لا يستهدفهم، وأن هدفه السلطة العباسية، ولكن قتل أحد رسله فيها أدى إلى تعميق فكرة الثورة، والتخطيط للسيطرة على المدن بدل استهداف أصحاب الملكيات الكبيرة.

بعد ذلك، أسس الثوار مدينة حصينة أطلقوا عليها اسم المختارة، وتأسست بالقرب منها قرى عمرت بالأكواخ، وكان الانتصار على جيش الخليفة الذي حضر على عجل، قد شحن معنويات الثوار وجعلهم يتجرأون على مدينة الأبلة التاريخية، المعروفة في المصادر القديمة باسم أبولونياس، وهي من أهم الحواضر المحيطة بالبصرة، ومنها انطلقوا إلى الأهواز، وكانوا ينتصرون على كل الجيوش التي كان الخلفاء العباسيون يرسلونها، إلى أن نجحوا أخيراً في حصار البصرة والدخول إليها وتدميرها.

وكان لهذه الانتصارات وعجز قادة العباسيين عن وضع حد للثورة، أن وصلت طلائعها إلى مشارف بغداد، حتى أن الخليفة المعتمد فر إلى مصر خشية من القبض عليه، خصوصاً بعد انضمام الكثير من العرب الناقمين من سيطرة العناصر الأعجمية، للثورة.

 

مبالغات

 

تبالغ المصادر العباسية في نتائج هذه الثورة، إذ تذكر أن جيش أحد قادة الزنج، ويدعى المهلبي، استولى عام 871م على البصرة فدمرها، وقتل 300 ألف من أهلها، وسبى ستة آلاف من نسائها، واسترق أطفالها، حتى أن بعض المسبيين كانوا من بني هاشم أنفسهم! وهي أرقام مبالغ فيها لا شك.

وأخيراً وبعد أربعة عشر عاماً من بدء الثورة، نجح أحد الأمراء العباسيين ويدعى أبو أحمد الموفق وهو ابن الخليفة المتوكل في مسعاه بالتضييق على الثوار وحصرهم في عاصمتهم المختارة، ثم استخدم ضدهم الرصاص المصهور، والنار الإغريقية حتى دمرهم جيشهم، وقتل زعيمهم علي بن محمد وحمل رأسه إلى بغداد.

 

تقييم سلبي

 

في العموم، كان تقييم "ثورة الزنج" شديد السلبية في المصادر التاريخية العربية. فباستثناء المؤرخين اليساريين العرب المعاصرين، لا تكاد تقرأ سطراً واحداً يمكن أن يتضمن تعاطفا مع آلاف العبيد المقهورين، إذ هجا الثوار شاعر كبير هو ابن الرومي، ووصفهم بـ"قطع الليل".

وكان تركيز المؤرخين على حجم الخراب الذي خلفته ثورة الزنج، واستعباد ثوارها للناس، بما في ذلك النساء والأطفال. يضاف إلى ذلك تداخل طموحات علي بن محمد الشخصية، مع هدف التحرر من العبودية الذي كان هو هدف الثوار الأصلي، إذ كان المؤرخون يصمون هذه الثورة بالمروق الديني حيناً، وباللصوصية حيناً آخر، علماً أن اتفاق المصالح بين علي بن محمد والثوار الزنج سار في نهاية المطاف لصالح علي بن محمد الذي استطاع حكم جزء كبير من العراق وجنوبي إيران، وانعكس سلباً على الثورة التي وصمت بأبشع الأوصاف.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

رجل عربي من البدون في منطقة صحراوية غرب منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية.
رجل عربي من البدون في منطقة صحراوية غرب منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية.

بحسب تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن هناك 10 ملايين شخص على الأقل بدون جنسية حول العالم. تبدو تلك المشكلة حاضرة بشكل لافت للنظر في منطقة الخليج العربي، حيث يعيش عشرات الآلاف من عديمي الجنسية/ البدون في كل من السعودية والكويت والإمارات وقطر والعراق.

بشكل عام، تُطلق تسمية البدون على مجموعة من القبائل العربية البدوية التي عاشت في مناطق صحراوية على أطراف السعودية والكويت والعراق. وترجع أصول غالبيتهم إلى بادية الشام. بعد تأسيس الدول الخليجية الحديثة، لم يحصل هؤلاء على الجنسية لأسباب مختلفة، وبقيت مشكلتهم قائمة على مدار السنوات المتعاقبة.

 

الكويت

تعود أصول البدون في الكويت إلى بادية سوريا والأردن والعراق. وينتمون في الأساس إلى مجموعة من القبائل العربية الكبيرة مثل شمر وعنزة. بدأت مشكلتهم في خمسينيات القرن العشرين، عندما صدر قانون الجنسية الكويتي في سنة 1959م. والذي فرّق بين المواطنين الكويتيين الأصل والمنشأ، والوافدين القادمين من مناطق مجاورة.

بشكل عام، تمتع "البدون" بالمساواة مع المواطنين الكويتيين منذ سنة 1961م وحتى سنة 1991م. بعد الغزو العراقي للكويت، وجهت أصابع الاتهام للبدون العراقيين الأصل، وتم اتهامهم بالخيانة ومساندة نظام صدام حسين. بعد تحرير الكويت، تم عزل العديد من البدون، وفقدوا الكثير من المميزات الاجتماعية والاقتصادية. 

حالياً، تذكر البيانات الحكومية الرسمية إن 85 ألفاً على الأقل من البدون يعيشون في الكويت، لكن النشطاء يقولون إن العدد يزيد عن ذلك بكثير.

في سنة 2000م، ومع تفاقم أزمة البدون، أصدر مجلس الأمة الكويتي قانوناً ينص على تجنيس ألفي شخص من "البدون" سنوياً، ممن يقيمون في الكويت منذ 1965 على الأقل. لكن لم تُفلح تلك المحاولة في القضاء على الأزمة. اعتاد البدون الكويتيون على تنظيم المظاهرات المطالبة بالحصول على حقوقهم في الجنسية الكويتية من حين إلى آخر.

في السنوات الأخيرة، تصاعد زخم الاحتجاجات من جانب البدون الكويتيين بالتزامن مع دعمهم من قِبل العديد من النشطاء والمنظمات الحقوقية. في ديسمبر 2021م، تجمع نحو مئتي متظاهر في ساحة الإرادة مقابل مبنى مجلس الأمة الكويتي في وقفة احتجاجية سلمية دعماً لمطالب البدون. في مارس 2022م، أُعلن عن بدء إضراب مفتوح عن الطعام للمطالبة بـ "الحقوق الإنسانية الأساسية" للبدون في الكويت. وأثار الإضراب موجة تعاطف واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. في أغسطس 2023م، نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً عن معاناة بدون الكويت.  جاء فيه إن الحكومة الكويتية تمارس التمييز ضد أطفال البدون "وذلك من خلال تقاعسها في توفير التعليم المجاني". وبيّن التقرير كيف أن الحكومة تُجبر أطفال البدون على دفع رسوم التعليم الخاص الذي يعدّه الآباء والأمهات والأطفال دون مستوى التعليم في المدارس الحكومية المجانية التي يلتحق بها المواطنون الكويتيون. في الشهر الماضي، سلطت الأضواء على قضية "البدون" في الكويت من جديد، وذلك بعدما أعلنت وزارة الداخلية الكويتية عن "وقف جواز سفر رقم (17) "الخاص بالمقيمين بصورة غير قانونية" وهم عديمو الجنسية "البدون" باستثناء الحالات الإنسانية مثل العلاج والدراسة.

 

السعودية

تشكّل البدون في السعودية من القبائل البدوية التي عاشت حياة الترحال في شمال وجنوب المملكة العربية السعودية، ومن الجاليات الإسلامية التي هاجرت من آسيا إلى شبه الجزيرة العربية في بدايات القرن العشرين، واستوطنت فيما بعد في غرب السعودية.

في سبعينيات القرن العشرين، أُتيحت الفرصة لإعطاء هؤلاء الجنسية السعودية. غير أن أغلب البدون تجاهلوا الأمر بسبب انشغالهم بالحياة البدوية، أو لعدم معرفتهم بفتح باب الحصول على الجنسية. تسبب ذلك في عدم حصول أبناء وأحفاد تلك الفئات على الجنسية السعودية حتى الآن.

في السنوات الأخيرة، أشارت بعض التقارير الصحفية إلى المعاناة الشديدة التي يلاقيها البدون السعوديون في شتى مناحي الحياة، وخصوصاً فيما يخص المسكن، والاوضاع الاجتماعية، والتعليم، والزواج. في هذا السياق، بُذلت بعض المجهودات لحل مشكلتهم. ومن ذلك، صدور مرسوم ملكي في العام 2000م يقضي بمنح الجنسية لقبائل شمر وعنزة وبني خالد والأساعدة. وفي سنة 2012م، كشفت وزارة الداخلية عن خطة حكومية لقرب إصدار نظام لتجنيس البدون، الأمر الذي تحقق بشكل جزئي في سنة 2014م، عندما أصدرت المديرية العامة للجوازات السعودية بطاقات خاصة للبدون لتسهيل إجراءاتهم.

على الرغم من تلك المجهودات، لم تنته أزمة البدون السعوديين. في سنة 2015م، اعترفت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بأن إجراءات تصحيح وثائق البدون بطيئة جداً وأن الإشكالات ستتوسع إذا ما تأخر حسم هذا الملف. بعدها بسنتين، نشرت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان تقريراً حول "الحرمان من الجنسية في السعودية"، خلص إلى أن "معاناة البدون في السعودية انطوت على العديد من التجاوزات والانتهاكات والتمييز العنصري".

الإمارات

تعود أصول العديد من البدون في الإمارات إلى مجتمعات البدو أو المهاجرين الذين سكنوا البلاد قبل تشكيل الدولة في سنة 1971م، ولم يجرِ تسجيلهم وقتها لنيل الجنسية. 

بشكل عام، يجد البدون الإماراتيون صعوبات عدة في استخراج شهادات الميلاد والوفاة، وفي توثيق عقود الزواج والطلاق، كما أنه لا يحق لأبنائهم الالتحاق بالمدارس الحكومية.

في 2006م، كشفت وزارة الداخلية الإماراتية عن قرب حل قضية البدون. وفي سنة 2008م، عملت الإمارات على إيجاد حل بديل لأزمة البدون الذين يعيشون على أراضيها. عقدت إمارة أبوظبي اتفاقاً مع دولة جزر القمر الواقعة شرقي أفريقيا. بموجب هذا الاتفاق قامت الحكومة الإمارتية بشراء وثائق هوية وجوازات سفر للبدون، ووزعتها عليهم. مع إعطائهم الحق في الإقامة على الأراضي الإمارتية، ووعدهم بمنح العديد من التسهيلات والامتيازات. ذكرت بعض التقارير الصحفية أن جواز السفر القمري الواحد بلغت كلفته 4 آلاف يورو، وأن الحكومة الإمارتية دفعت ما لا يقل عن 200 مليون يورو كتكلفة إجمالية.

 

قطر

تختلف مشكلة البدون في قطر عنها في باقي الدول الخليجية. تعود تلك المشكلة إلى سنة 1995م، عندما تمت الإطاحة بأمير قطر آنذاك، خليفة بن حمد آل ثاني، في انقلاب قام به نجله حمد بن خليفة آل ثاني. حاول خليفة بن حمد وقتها ان يسترد السلطة بمساعدة قبائل آل مرّة. فشلت المحاولة، وتحمل الطرف الخاسر ضريبة الهزيمة. في سنة 2005م جرّدت الحكومة القطرية الآلاف من أبناء قبائل آل مرّة، من جنسياتهم، وأصبح وضعهم القانوني مشابهاً لأوضاع البدون في السعودية والكويت والإمارات.

منذ ذلك الوقت، حُرم العديد من آل مرّة من الحصول على الوظائف، ومن تلقي الرعاية الصحية المجانية، كما فُرضت الكثير من القيود على التعليم والزواج وفتح الحسابات المصرفية. في أغسطس 2021م، زادت معاناة آل مرّة بعدما أقرت الدوحة قانون الانتخابات البرلمانية الجديد. بموجبه حُرم الآلاف من آل مرة من الاقتراع أو الترشح. بعدما اقتصر حق المشاركة في الانتخابات على القطريين "الأصليين" فحسب.

أعيد افتتاح آيا صوفيا كمسجد في الرابع والعشرين من يوليو سنة 2020. أقيمت صلاة الجمعة في هذا المكان التاريخي للمرة الأولى منذ 86 سنة كاملة.
من النظام الملّي إلى "الخط الهمايوني".. كيف عاشت الأقليات المسيحية تحت الحكم العثماني؟
اتسمت العلاقة بين النبي والمسيحيين بالود والتسامح في أغلب فتراتها. رغم من ذلك، لم تبق العلاقة بين الحكومات الإسلامية المتعاقبة وبين الرعايا المسيحيين هادئة دائماً، خاصة تحت حكم الدولة العثمانية.

العراق

تختلف مشكلة معدومي الجنسية في العراق عنها في منطقة الخليج. يُعدّ الأكراد الفيليون الذين قدموا إلى العراق من بعض أنحاء إيران في القرن السادس عشر الميلادي أبرز النماذج المعبرة عن تلك المشكلة.

خلال الحرب الصفوية- العثمانية، نزحت عوائل الكثير من الجند الفيليين -الذين كانوا يحاربون في صف الصفويين- إلى العراق في صورة هجرات بشرية متتابعة. استقرت تلك العوائل في العراق رغم استعادة العثمانيين السيطرة على المنطقة. وهكذا صار الفيلييون متواجدين بشكل كثيف في غربي إيران وشرقي العراق. 

عند تأسيس المملكة العراقية في عام 1921م وبموجب اتفاقية تخطيط الحدود العراقية - الإيرانية تم إلحاق مناطق واسعة من الأراضي الكردية الفيلية بالعراق، ليصبح الفيلييون عندها إحدى المكونات البشرية المهمة في التكوين الفسيفسائي للشعب العراقي. تمركز الفيلييون بشكل رئيس في خانقين، وجلولاء، وبعقوبة، والكوت، والكميت. هذا إلى جانب تواجد بعض تجمعاتهم في كل من بغداد، والسليمانية، وأربيل، وكركوك، والكوفة، والنجف، وكربلاء، والبصرة.

بدأت محنة الأكراد الفيلين في العراق في النصف الأول من القرن الماضي. فرّق قانون الجنسية العراقي بين المواطنين الذين يعودون إلى أصول إيرانية والمواطنين الذين يعودون إلى أصول عثمانية. بموجب هذا القانون أصبح الفيلييون مواطنين من الدرجة الثانية. وتم البدء في تهجيرهم إبان حكومتي رشيد الكيلاني ونوري السعيد. 

تصاعدت وتيرة التهجير في حكومتي عبد السلام عارف وأحمد حسن البكر. ووصلت تلك الوتيرة إلى ذروتها في زمن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في الفترة الواقعة بين سنتي 1970 و2003م. 

في سنة 1980م -وبالتزامن من اندلاع حرب الخليج الأولى ضد إيران- أصدر صدام حسين القرار رقم (666)، والذي نص على "إسقاط الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل أجنبي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة وتخويل وزير الداخلية صلاحية إبعاد كل من أسقطت عنه الجنسية العراقية ما لم يقتنع بناءً على أسباب كافية بأن بقاءه في العراق أمر تستدعيه ضرورة قضائية أو قانونية". 

بموجب هذا القانون جُرد الفيلييون من الجنسية العراقية وتمت مصادرة أموالهم وممتلكاتهم ووجهت لهم اتهامات بالخيانة والعمالة لإيران.

بحسب بعض المصادر الفيلية، وصل عدد المهجرين في تلك الفترة إلى ما يقرب من 600 ألف فيلي، وتم إرسالهم إلى الحدود مع إيران. رغم مرور عشرات الأعوام على وقوع تلك الحوادث المؤسفة، لا يزال الآلاف من الفيليين المُهجّرين يعيشون في أوضاع معيشية سيئة في الأماكن التي خصصتها لهم الحكومة الإيرانية في مخيّمي ازنا وجهرم في لرستان الواقعة في غربي إيران. لم تُحل مشكلة هؤلاء اللاجئين المُهجرين حتى الآن رغم مرور ما يقرب من عشرين عاماً على سقوط نظام صدام حسين.