يحتفل معظم المسيحيين حول العالم بعيد الغطاس في السادس من شهر يناير. يمثل هذا العيد تذكاراً لحادثة معمودية السيد المسيح في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان، كما في الكتاب المقدس. من هو يوحنا المعمدان؟ وما أهمية طقس المعمودية في العقيدة المسيحية؟ وما هي أهم تقاليد الاحتفال بعيد الغطاس في الدول العربية؟
يوحنا المعمدان
ورد الحديث عن شخصية يوحنا المعمدان في مواضع متفرقة من العهد الجديد. تذكر الأناجيل الأربعة أن يوحنا هو ابن النبي زكريا وأليصابات. جاء في إنجيل لوقا الإشادة بهما "...وَكَانَا كِلاَهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ اللهِ، سَالِكَيْنِ فِي جَمِيعِ وَصَايَا الرَّبِّ وَأَحْكَامِهِ بِلاَ لَوْمٍ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَدٌ، إِذْ كَانَتْ أَلِيصَابَاتُ عَاقِراً. وَكَانَا كِلاَهُمَا مُتَقَدِّمَيْنِ فِي أَيَّامِهِمَا…".
يذكر العهد الجديد أن القرعة وقعت على زكريا ليدخل إلى الهيكل المقدس ويُبخِّر (من البخور). وبينما هو في الهيكل ظهر له ملاك الرب وقال له: "لاَ تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا، لأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ، وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْناً وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا. وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ، وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلاَدَتِهِ، لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيماً أَمَامَ الرَّبِّ".
على أرجح الأقوال داخل الكنيسة، ولد يوحنا قبل المسيح بستة أشهر. ومال منذ صباه للزهد والنسك. وعاش أيامه في صوم وعبادة وبتولية. وعُرف عنه أنه كان يلبس الثياب المتواضعة، بل تقول الأدبيات المسيحية إنه لم يكن يأكل إلا الجراد والعسل البري!
يتحدث الإصحاح الأول من إنجيل مرقس عن الدور المهم الذي لعبه يوحنا في إرشاد ووعظ اليهود في الفترة التي سبقت ظهور المسيح، فيقول: "كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. وَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمِيعُ كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَأَهْلُ أُورُشَلِيمَ وَاعْتَمَدُوا جَمِيعُهُمْ مِنْهُ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ…".
حانت نهاية يوحنا لمّا قام بانتقاد وتوبيخ ملك الجليل هيرودس أنتيباس بسبب زواجه بامرأة أخيه هيروديا. يذكر العهد الجديد أن هيرودس قبض عليه وزج به في السجن لفترة قبل أن يقتله، ليشهد له المسيح قائلاً: "لم يقم بين المُولدين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان".
عيد الغطاس
يُعدّ عيد الغطاس واحداً من بين الأعياد السَّيِّدية التي يحتفل بها المسيحيون على مدار السنة. والتي يُحتفل فيها بمناسبات تخص السَّيِّد المسيح. يُعرف هذا العيد بأسماء مختلفة ومنها عيد "الدنح"، المشتق من اللفظ الكلداني الذي يعني الظهور أو الشروق، كما يسمى بالإبيفانيا أو الثيؤفانيا وهما لفظتان يونانيتا الأصل بمعنى الظهور الإلهي، "لأنه فيه ظهر الثالوث الأقدس هكذا: الأب ينادي من السماء: هذا هو ابني الحبيب. والابن قائم على الأردن. والروح القدس شبه حمامة نازلاً عليه…".
كان من الشائع الاحتفال بعيدي الميلاد والغطاس معاً في ليلة واحدة في القرون الثلاثة الأولى للميلاد. بعدها، تم الفصل بينهما، فصار من المعتاد الاحتفال بالغطاس في السادس من يناير من كل عام لدى أغلبية الكنائس حول العالم. أما الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فحددت الاحتفال في يوم الحادي عشر من شهر طوبة في التقويم القبطي، والذي يوافق التاسع عشر من يناير. جاء في التقاليد المعتمدة في الكنائس المسيحية أن رسل المسيح أمروا المؤمنين باستذكار يوم معمودية المسيح في عيد الغطاس: "فليكن عندكم جليلاً عيد الظهور الإلهي الذي هو الغطاس، لأن الرب بدأ يظهر فيه لاهوته (لاهوت الرب يسوع) في المعمودية في الأردن من يوحنا...".
يرتدي الرجال والنساء ملابس بيضاء يطلق عليها اسم "الرستا" ويقفون حفاة على
كان طقس المعمودية بالماء معروفاً بين اليهود قبل المسيح بقرون طويلة. ووردت العديد من الآيات التي أشارت لممارسة هذا الطقس في أسفار العهد القديم. على سبيل المثال جاء في الإصحاح الثامن من سفر اللاويين "...ثُمَّ قَالَ مُوسَى لِلْجَمَاعَةِ: «هذَا مَا أَمَرَ الرَّبُّ أَنْ يُفْعَلَ». فَقَدَّمَ مُوسَى هَارُونَ وَبَنِيهِ وَغَسَّلَهُمْ بِمَاءٍ…". كذلك جاء في الإصحاح السادس والثلاثين من سفر حزقيال "وَأَرُشُّ عَلَيْكُمْ مَاءً طَاهِراً فَتُطَهَّرُونَ. مِنْ كُلِّ نَجَاسَتِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَصْنَامِكُمْ أُطَهِّرُكُمْ". بعد ظهور المسيح تم ترسيم طقس المعمودية كأحد الطقوس المهمة في العقيدة المسيحية. جاء في الإصحاح الثامن والعشرين من إنجيل متى أن المسيح أمر تلاميذه بالتعميد فقال لهم: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ".
تختلف الطوائف المسيحية فيما بينها حول شكل وطريقة التعميد. مثلاً يؤمن الأرثوذكس بأن المعمودية لا تصح إلا بتغطيس الإنسان تغطيسا كاملًا، وبتغطيسه ثلاث مرات، وليس مرة واحدة. أما الكاثوليك فيكتفون برش الماء على الوجه لأن المقصود من وضع الماء هو الإشارة إلى غسل الروح القدس. لذلك كانت كمية الماء غير مهمة.
يرى اللاهوتيون المسيحيون أن هناك سبباً مهماً في اختيار نهر الأردن بالذات ليشهد معمودية السيد المسيح. عبر بنو إسرائيل هذا النهر أثناء دخولهم إلى "أرض الميعاد" تحت قيادة يشوع بن نون. وحسب التقاليد اليهودية المسيحية، شهد هذا الحدث "معجزة خارقة" للعادة عندما "انشق النهر بعدما وضع فيه تابوت العهد" (التابوت الذي حُفظت به ألواح النبي موسى). كانت "قصة العبور إذن رمزاً لعبورنا من خلال الرب المتجسد للسماء أرض الموعد الحقيقية لذلك انفتحت السماء حين نزل الرب في الماء كما انفتح النهر بحلول تابوت العهد فيه. توافق في الرمز ويشوع كان رمزاً ليسوع والمعنى المباشر لكلا الاثنين هو مخلص، يشوع يعنى مخلص ويسوع يعنى مخلص".
العادات والتقاليد المرتبطة بالعيد
يحظى عيد الغطاس/ الدنح بأهمية كبيرة في المجتمعات المسيحية المنتشرة في شتى الدول العربية. على سبيل المثال يميز الأقباط في مصر هذا العيد بمجموعة من الطقوس المخصوصة منذ قرون. يصف المؤرخ المسلم شهاب الدين النويري اهتمام الأقباط بإحياء هذا العيد في القرن الثالث عشر الميلادي. يقول في كتابه "نهاية الأرب في فنون الأدب": "ومنها -أي أعياد الأقباط- الغطاس. ويعمل في الحادي عشر من طوبة من شهورهم. ويقولون إن يحيى بن زكريا، وينعتونه بالمعمدان، غسل عيسى عليه السلام في بحيرة الأردن، ويزعمون أن عيسى عليه السلام لما خرج من الماء اتصل به روح القدس على هيئة حمامة. والنصارى يغمسون أولادهم في الماء فيه، ووقته شديد البرد".
لاتزال بعض الطقوس القبطية المحتفية بعيد الدنح قائمة حتى اللحظة. من ذلك فانوس الأقباط المعروف باسم البلابيصا. وهو عبارة عن فانوس مصنوع من البرتقال ويُرسم عليه رمز الصليب. وتوضع بداخله شمعة موقدة ويلف به الأطفال في الشوارع. كذلك يشتهر هذا العيد بالإكثار من تناول القلقاس والقصب بسبب الاعتقاد بكونهما يرمزان لمجموعة من الأمور الروحية المرتبطة بحادثة المعمودية. ومنها "أن نبات القلقاس يُزرع عن طريق دفنه كاملاً في الأرض ثم يصير نباتاً حياً صالحاً للطعام، وتعتبر المعمودية هي دفن للإنسان تحت المياه وقيامه مع السيد المسيح كما حدث له عند التعميد في نهر الأردن، أما القصب فلونه الأبيض يرمز للنقاء الذي توفره المعمودية حسب الاعتقاد المسيحي".
يحتفي المسيحيون في لبنان أيضاً بعيد الدنح. ويشتهر فيما بينهم باسم "ليلة القدر". في منتصف ليل يوم العيد يقف الناس في الشرفات ويدعون الله لمباركتهم. تروي السيّر الشعبية اللبنانية أنه في ليلة عيد الغطاس، مرّ السيد المسيح على امرأة فقيرة لا تملك شيئاً لتأكله، ودون أن تعلم من هو فسألها، ماذا تفعلين؟ قالت أعمل على قلي العجين الممزوج بالماء، لأطعم أولادي. وخلال الحوار بدأ العجين يكثر في الوعاء وفاض من كثرة اختماره". ولذلك تُطبخ في هذا العيد مجموعة من الحلويات المشهورة المصنوعة من العجين ومنها العوامة والمعكرون والزلابية.
تنتشر العادات والتقاليد المرتبطة بعيد الدنح بين المسيحيين العراقيين. ذكر الباحثان عاصم حاكم عباس الجبوري وعلي طالب عبيد السلطاني في بحثهما "العادات والتقاليد في المجتمع النسطوري في القرن التاسع عشر" أن النساطرة العراقيين اعتادوا في عيد الدنح الاغتسال قُبيل الذهاب للكنائس لأداء الصلاة، كما أن أيام هذا العيد تشهد إقبالاً كبيراً على تعميد الأطفال غير المُعمدين. وكذلك إقامة حفلات الخطوبة والزواج.
حالياً، يحتفل الكلدان والأشوريون بعيد الدنح من خلال قراءة صلوات معينة في الكنائس. من تلك الصلوات: "إننا نسجد، يا رب، لظهورك المقدس، الذي أبهجنا، إذ به أنرت جميع الشعوب، التي كانت جالسة في ظلام الضلال، المجد لك، يا محب البشر".
تظهر بعض الطقوس الخاصة بهذا العيد في شمالي العراق، وخصوصاً في بعض مدن سهل نينوى التي تقطنها أغلبيات مسيحية. على سبيل المثال، تُمارس بعض الطقوس القديمة المتوارثة يوم الدنح في بلدة كرمليس -الواقعة على بعد 28 كلم شرقي مدينة الموصل- والتي يقطنها خمسة آلاف مواطن مسيحي كلداني. يمضي شباب القرية ليلة العيد عند ينابيع كرمليس، التي تبعد 6 كيلومترات من شرقي القرية. يبدأون من منتصف الليل بالسباحة في الينابيع وعند الساعة الرابعة فجراً يعودون إلى الكنيسة لاستماع القداس. أيضاً اعتاد رجال القرية المسنون على الذهاب للكنيسة في العيد. ثم يذهبون صوب بِركة ماء (گيما) ليقوموا بكسر الجليد المتجمد ويسبحون في مياهها في الساعات الأولى من الفجر كعلامة على الفرح والابتهاج بالذكرى المقدسة التي وقعت للمسيح منذ آلاف السنين. من جهة أخرى، اعتاد الكلدانيون الاحتفال بعيد الدنح في منازلهم من خلال وضع أطفالهم على الخشبة المسماة (كوجا) ورش الجوز واللوز والحلويات الموضوعة في الغربال فوق رؤوسهم.
عرفت المدن السورية أيضاً طقوساً مخصوصة لعيد الدنح. كان الأهالي يغطسون في المياه الباردة ويستحمون في هذا اليوم حتى طلوع الفجر. وكان من الشائع أن يتبادل المسيحيون بعض العبارات التقليدية للمعايدة ومنها عبارة "دايم دايم"، وعبارة "اللي ما عندو مولود بيوم الغطاس يعمِّد عود". في السياق نفسه، كان الأهالي يتركون أبواب منازلهم مفتوحة طوال الليل إيماناً منهم بأن السيد المسيح يطوف على المنازل لمباركتها.
