زائر مسيحي يغطس نفسه في مياه نهر الأردن خلال احتفالات عيد الغطاس في موقع المغطس في قصر اليهود بالقرب من مدينة أريحا بالضفة الغربية في 18 يناير 2017.
زائر مسيحي يغطس نفسه في مياه نهر الأردن خلال احتفالات عيد الغطاس في موقع المغطس في قصر اليهود بالقرب من مدينة أريحا بالضفة الغربية في 18 يناير 2017.

يحتفل معظم المسيحيين حول العالم بعيد الغطاس في السادس من شهر يناير. يمثل هذا العيد تذكاراً لحادثة معمودية السيد المسيح في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان، كما في الكتاب المقدس. من هو يوحنا المعمدان؟ وما أهمية طقس المعمودية في العقيدة المسيحية؟ وما هي أهم تقاليد الاحتفال بعيد الغطاس في الدول العربية؟

 

يوحنا المعمدان

 

ورد الحديث عن شخصية يوحنا المعمدان في مواضع متفرقة من العهد الجديد. تذكر الأناجيل الأربعة أن يوحنا هو ابن النبي زكريا وأليصابات. جاء في إنجيل لوقا الإشادة بهما "...وَكَانَا كِلاَهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ اللهِ، سَالِكَيْنِ فِي جَمِيعِ وَصَايَا الرَّبِّ وَأَحْكَامِهِ بِلاَ لَوْمٍ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَدٌ، إِذْ كَانَتْ أَلِيصَابَاتُ عَاقِراً. وَكَانَا كِلاَهُمَا مُتَقَدِّمَيْنِ فِي أَيَّامِهِمَا…".

يذكر العهد الجديد أن القرعة وقعت على زكريا ليدخل إلى الهيكل المقدس ويُبخِّر (من البخور). وبينما هو في الهيكل ظهر له ملاك الرب وقال له: "لاَ تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا، لأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ، وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْناً وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا. وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ، وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلاَدَتِهِ، لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيماً أَمَامَ الرَّبِّ".

يحتفل ما يزيد عن ملياري مسيحي حول العالم بذكرى ميلاد المسيح في الـ25 من شهر ديسمبر من كل سنة.
بين الـ25 ديسمبر والـ7 يناير.. متى ولد المسيح؟
يحتفل ما يزيد عن ملياري مسيحي حول العالم بذكرى ميلاد المسيح في هذه الأيام. يحظى هذا الاحتفال بالمكانة الأهم في الوجدان الديني المسيحي بعد عيد القيامة. رغم ذلك، توجد الكثير من الاختلافات حول حادثة ميلاد المسيح. في أي سنة ولد؟ وفي أي يوم بالتحديد؟ وما السبب في اختلاف توقيت الاحتفال بعيد الميلاد بين الكنائس المختلفة؟

على أرجح الأقوال داخل الكنيسة، ولد يوحنا قبل المسيح بستة أشهر. ومال منذ صباه للزهد والنسك. وعاش أيامه في صوم وعبادة وبتولية. وعُرف عنه أنه كان يلبس الثياب المتواضعة، بل تقول الأدبيات المسيحية إنه لم يكن يأكل إلا الجراد والعسل البري!

يتحدث الإصحاح الأول من إنجيل مرقس عن الدور المهم الذي لعبه يوحنا في إرشاد ووعظ اليهود في الفترة التي سبقت ظهور المسيح، فيقول: "كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. وَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمِيعُ كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَأَهْلُ أُورُشَلِيمَ وَاعْتَمَدُوا جَمِيعُهُمْ مِنْهُ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ…".

حانت نهاية يوحنا لمّا قام بانتقاد وتوبيخ ملك الجليل هيرودس أنتيباس بسبب زواجه بامرأة أخيه هيروديا. يذكر العهد الجديد أن هيرودس قبض عليه وزج به في السجن لفترة قبل أن يقتله، ليشهد له المسيح قائلاً: "لم يقم بين المُولدين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان".

 

عيد الغطاس

 

يُعدّ عيد الغطاس واحداً من بين الأعياد السَّيِّدية التي يحتفل بها المسيحيون على مدار السنة. والتي يُحتفل فيها بمناسبات تخص السَّيِّد المسيح. يُعرف هذا العيد بأسماء مختلفة ومنها عيد "الدنح"، المشتق من اللفظ الكلداني الذي يعني الظهور أو الشروق، كما يسمى بالإبيفانيا أو الثيؤفانيا وهما لفظتان يونانيتا الأصل بمعنى الظهور الإلهي، "لأنه فيه ظهر الثالوث الأقدس هكذا: الأب ينادي من السماء: هذا هو ابني الحبيب. والابن قائم على الأردن. والروح القدس شبه حمامة نازلاً عليه…".

كان من الشائع الاحتفال بعيدي الميلاد والغطاس معاً في ليلة واحدة في القرون الثلاثة الأولى للميلاد. بعدها، تم الفصل بينهما، فصار من المعتاد الاحتفال بالغطاس في السادس من يناير من كل عام لدى أغلبية الكنائس حول العالم. أما الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فحددت الاحتفال في يوم الحادي عشر من شهر طوبة في التقويم القبطي، والذي يوافق التاسع عشر من يناير. جاء في التقاليد المعتمدة في الكنائس المسيحية أن رسل المسيح أمروا المؤمنين باستذكار يوم معمودية المسيح في عيد الغطاس: "فليكن عندكم جليلاً عيد الظهور الإلهي الذي هو الغطاس، لأن الرب بدأ يظهر فيه لاهوته (لاهوت الرب يسوع) في المعمودية في الأردن من يوحنا...".

كان طقس المعمودية بالماء معروفاً بين اليهود قبل المسيح بقرون طويلة. ووردت العديد من الآيات التي أشارت لممارسة هذا الطقس في أسفار العهد القديم. على سبيل المثال جاء في الإصحاح الثامن من سفر اللاويين "...ثُمَّ قَالَ مُوسَى لِلْجَمَاعَةِ: «هذَا مَا أَمَرَ الرَّبُّ أَنْ يُفْعَلَ». فَقَدَّمَ مُوسَى هَارُونَ وَبَنِيهِ وَغَسَّلَهُمْ بِمَاءٍ…". كذلك جاء في الإصحاح السادس والثلاثين من سفر حزقيال "وَأَرُشُّ عَلَيْكُمْ مَاءً طَاهِراً فَتُطَهَّرُونَ. مِنْ كُلِّ نَجَاسَتِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَصْنَامِكُمْ أُطَهِّرُكُمْ". بعد ظهور المسيح تم ترسيم طقس المعمودية كأحد الطقوس المهمة في العقيدة المسيحية. جاء في الإصحاح الثامن والعشرين من إنجيل متى أن المسيح أمر تلاميذه بالتعميد فقال لهم: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ".

تختلف الطوائف المسيحية فيما بينها حول شكل وطريقة التعميد. مثلاً يؤمن الأرثوذكس بأن المعمودية لا تصح إلا بتغطيس الإنسان تغطيسا كاملًا، وبتغطيسه ثلاث مرات، وليس مرة واحدة. أما الكاثوليك فيكتفون برش الماء على الوجه لأن المقصود من وضع الماء هو الإشارة إلى غسل الروح القدس. لذلك كانت كمية الماء غير مهمة.

يرى اللاهوتيون المسيحيون أن هناك سبباً مهماً في اختيار نهر الأردن بالذات ليشهد معمودية السيد المسيح. عبر بنو إسرائيل هذا النهر أثناء دخولهم إلى "أرض الميعاد" تحت قيادة يشوع بن نون. وحسب التقاليد اليهودية المسيحية، شهد هذا الحدث "معجزة خارقة" للعادة عندما "انشق النهر بعدما وضع فيه تابوت العهد" (التابوت الذي حُفظت به ألواح النبي موسى). كانت "قصة العبور إذن رمزاً لعبورنا من خلال الرب المتجسد للسماء أرض الموعد الحقيقية لذلك انفتحت السماء حين نزل الرب في الماء كما انفتح النهر بحلول تابوت العهد فيه. توافق في الرمز ويشوع كان رمزاً ليسوع والمعنى المباشر لكلا الاثنين هو مخلص، يشوع يعنى مخلص ويسوع يعنى مخلص".

 

العادات والتقاليد المرتبطة بالعيد

 

يحظى عيد الغطاس/ الدنح بأهمية كبيرة في المجتمعات المسيحية المنتشرة في شتى الدول العربية. على سبيل المثال يميز الأقباط في مصر هذا العيد بمجموعة من الطقوس المخصوصة منذ قرون. يصف المؤرخ المسلم شهاب الدين النويري اهتمام الأقباط بإحياء هذا العيد في القرن الثالث عشر الميلادي. يقول في كتابه "نهاية الأرب في فنون الأدب": "ومنها -أي أعياد الأقباط- الغطاس. ويعمل في الحادي عشر من طوبة من شهورهم. ويقولون إن يحيى بن زكريا، وينعتونه بالمعمدان، غسل عيسى عليه السلام في بحيرة الأردن، ويزعمون أن عيسى عليه السلام لما خرج من الماء اتصل به روح القدس على هيئة حمامة. والنصارى يغمسون أولادهم في الماء فيه، ووقته شديد البرد".

لاتزال بعض الطقوس القبطية المحتفية بعيد الدنح قائمة حتى اللحظة. من ذلك فانوس الأقباط المعروف باسم البلابيصا. وهو عبارة عن فانوس مصنوع من البرتقال ويُرسم عليه رمز الصليب. وتوضع بداخله شمعة موقدة ويلف به الأطفال في الشوارع. كذلك يشتهر هذا العيد بالإكثار من تناول القلقاس والقصب بسبب الاعتقاد بكونهما يرمزان لمجموعة من الأمور الروحية المرتبطة بحادثة المعمودية. ومنها "أن نبات القلقاس يُزرع عن طريق دفنه كاملاً في الأرض ثم يصير نباتاً حياً صالحاً للطعام، وتعتبر المعمودية هي دفن للإنسان تحت المياه وقيامه مع السيد المسيح كما حدث له عند التعميد في نهر الأردن، أما القصب فلونه الأبيض يرمز للنقاء الذي توفره المعمودية حسب الاعتقاد المسيحي".

يحتفي المسيحيون في لبنان أيضاً بعيد الدنح. ويشتهر فيما بينهم باسم "ليلة القدر". في منتصف ليل يوم العيد يقف الناس في الشرفات ويدعون الله لمباركتهم. تروي السيّر الشعبية اللبنانية أنه في ليلة عيد الغطاس، مرّ السيد المسيح على امرأة فقيرة لا تملك شيئاً لتأكله، ودون أن تعلم من هو فسألها، ماذا تفعلين؟ قالت أعمل على قلي العجين الممزوج بالماء، لأطعم أولادي. وخلال الحوار بدأ العجين يكثر في الوعاء وفاض من كثرة اختماره". ولذلك تُطبخ في هذا العيد مجموعة من الحلويات المشهورة المصنوعة من العجين ومنها العوامة والمعكرون والزلابية.

تنتشر العادات والتقاليد المرتبطة بعيد الدنح بين المسيحيين العراقيين. ذكر الباحثان عاصم حاكم عباس الجبوري وعلي طالب عبيد السلطاني في بحثهما "العادات والتقاليد في المجتمع النسطوري في القرن التاسع عشر" أن النساطرة العراقيين اعتادوا في عيد الدنح الاغتسال قُبيل الذهاب للكنائس لأداء الصلاة، كما أن أيام هذا العيد تشهد إقبالاً كبيراً على تعميد الأطفال غير المُعمدين. وكذلك إقامة حفلات الخطوبة والزواج.

حالياً، يحتفل الكلدان والأشوريون بعيد الدنح من خلال قراءة صلوات معينة في الكنائس. من تلك الصلوات: "إننا نسجد، يا رب، لظهورك المقدس، الذي أبهجنا، إذ به أنرت جميع الشعوب، التي كانت جالسة في ظلام الضلال، المجد لك، يا محب البشر".

تظهر بعض الطقوس الخاصة بهذا العيد في شمالي العراق، وخصوصاً في بعض مدن سهل نينوى التي تقطنها أغلبيات مسيحية. على سبيل المثال، تُمارس بعض الطقوس القديمة المتوارثة يوم الدنح في بلدة كرمليس -الواقعة على بعد 28 كلم شرقي مدينة الموصل- والتي يقطنها خمسة آلاف مواطن مسيحي كلداني. يمضي شباب القرية ليلة العيد عند ينابيع كرمليس، التي تبعد 6 كيلومترات من شرقي القرية. يبدأون من منتصف الليل بالسباحة في الينابيع وعند الساعة الرابعة فجراً يعودون إلى الكنيسة لاستماع القداس. أيضاً اعتاد رجال القرية المسنون على الذهاب للكنيسة في العيد. ثم يذهبون صوب بِركة ماء (گيما) ليقوموا بكسر الجليد المتجمد ويسبحون في مياهها في الساعات الأولى من الفجر كعلامة على الفرح والابتهاج بالذكرى المقدسة التي وقعت للمسيح منذ آلاف السنين. من جهة أخرى، اعتاد الكلدانيون الاحتفال بعيد الدنح في منازلهم من خلال وضع أطفالهم على الخشبة المسماة (كوجا) ورش الجوز واللوز والحلويات الموضوعة في الغربال فوق رؤوسهم.

عرفت المدن السورية أيضاً طقوساً مخصوصة لعيد الدنح. كان الأهالي يغطسون في المياه الباردة ويستحمون في هذا اليوم حتى طلوع الفجر. وكان من الشائع أن يتبادل المسيحيون بعض العبارات التقليدية للمعايدة ومنها عبارة "دايم دايم"، وعبارة "اللي ما عندو مولود بيوم الغطاس يعمِّد عود". في السياق نفسه، كان الأهالي يتركون أبواب منازلهم مفتوحة طوال الليل إيماناً منهم بأن السيد المسيح يطوف على المنازل لمباركتها.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة من جزيرة سقطرى اليمنية حيث يتكلم أهلها اللغة السقطرية- تعبيرية
صورة من جزيرة سقطرى اليمنية حيث يتكلم أهلها اللغة السقطرية- تعبيرية

في بدايات القرن السابع الميلادي، فتح المسلمون جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية. بعدها، وبشكل متدرج، استطاعت اللغة العربية الحجازية الشمالية -المُستخدمة في قبيلة قريش- أن تفرض نفسها في المناطق العربية الجنوبية.

 بعد قرون، انعزلت اللهجات اليمنية الجنوبية واقتصر استعمالها على بعض الشعوب. وصارت هناك فوارق واسعة بينها وبين اللغة العربية التقليدية، حتى اعتبرها بعض علماء اللغة مستقلة عن العربية. وفي ذلك شاع قول بعض اللغوين "ما لسان حِمير -اللهجة اليمنية- بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا".

رغم ذلك، بقيت بعض اللغات اليمنية القديمة حاضرة في جنوبي شبه الجزيرة العربية حتى الآن، لكنها مهددة بالاندثار، فيما تحاول العديد من المؤسسات المعنية بإنقاذها. فماذا نعرف عن هذه اللغات؟

اللغة المهرية

تُنسب إلى قبيلة المهرة التي سكنت شرقي اليمن منذ قرون طويلة، واعتاد النسابون أن يرجعوا أصلها إلى مهرة بن حيدان بن عمرو بن لحاف بن قضاعة. 

تُعدّ المهرية واحدة من أقسام اللغات العربية الجنوبية الشرقية الحديثة، ويعتبرها معظم الباحثين لغة سامية بدائية فيما يرى آخرون أنها امتداد للغة الأكدية العراقية القديمة.

تنتشر حاليا في شرق اليمن وسلطنة عمان والكويت والإمارات والسعودية. كما تتواجد بشكل أقل في بعض بلدان شرق أفريقيا كتنزانيا وكينيا. ويزيد عدد المتحدثين بها عن 200 ألف شخص.

تُعدّ المهرية من اللغات غير المكتوبة، أي أن متحدثيها يتوارثونها شفوياً، وتتكون من حروف اللغة العربية الـ28، بالإضافة إلى خمسة حروف أخرى.

في كتابه "مهرة في مصادر اللغة والأدب"، يذكر الباحث عامر بلحاف العديد من الألفاظ المهرية التي وردت في المعاجم والقواميس اللغوية العربية التراثية.

 من تلك الألفاظ كلمة "الزفن" التي تحمل معنى الرقص، وجاءت تلك الكلمة بهذا المعنى في بعض الروايات والأحاديث المنسوبة للنبي. على سبيل المثال ذكر البخاري في "صحيحه" عن عائشة خبر قدوم وفد الحبشة إلى المدينة، وفيه: "فجعلوا يزفنون" أي يرقصون. 

من الأمثلة الأخرى كلمة "بربور" بمعنى ثرثار كثير الحديث، وكلمة "حوور" وهو اللون الأسود، وكلمة "كركر" بمعنى ضحك وقهقه.

 يشير بلحاف إلى أن الكثير من اللغوين العرب القدامى أوضحوا في كتاباتهم أن اللغة المهرية لغة خاصة، مختلفة عن اللغة العربية التقليدية. لكنهم ذكروا أن المهرية لغة متروكة و"مرغوب عنها"، الأمر الذي يشهد على غلبة اللهجات العربية الشمالية على شبه الجزيرة العربية بعد الإسلام.

السقطرية

تُنسب تلك اللغة إلى سقطرى، وهي أرخبيل يمني يتبع إقليم حضرموت ويتكون من ست جزر على المحيط الهندي قبالة سواحل القرن الأفريقي. يشيع استخدام السقطرية داخل الجزر التابعة للأرخبيل، وتتميز بوجود بعض الحروف المختلفة عن العديد من اللغات السامية، منها "الشين الجانبية"، و"اللام الجانبية". 

بشكل عام، هناك أربع مجموعات من اللهجات السقطرية، وهي اللهجات المحكية في الساحل الشمالي، واللهجات المحكية في الساحل الجنوبي، واللهجات التي يتحدث بها البدو في الجبال في وسط الجزيرة، واللهجة التي يتحدث بها أهالي جزيرة عبد الكوري.

في العقود الماضية، بُذلت العديد من المحاولات لدراسة السقطرية وتدوين نصوصها الأدبية بهدف الحفاظ عليها. 

بدأت تلك المحاولات في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، عندما زار المستشرق النمساوي دافيد هاينريش مُولَّر أرخبيل سقطرى، وعمل على تدوين وتسجيل بعض مفردات اللغة السقطرية. 

في سنة 2014، تم تطوير نظام كتابة اللغة السقطرية على يد فريق روسي بقيادة الدكتور فيتالي نومكين. عكف الفريق على دراسة هذه اللغة لمدة خمس سنوات كاملة، وبعدها نشر النظام الكتابي المُقترح في كتاب بعنوان "مجموعة الأدب الشفوي السقطري".

 في أكتوبر 2017، حاولت الحكومة اليمنية المشاركة في إحياء اللغة السقطرية، وذلك عندما وجه رئيس الوزراء اليمني السابق أحمد عبيد بن دغر، وزارة الثقافة، لإنشاء مركز اللغة المهرية والسقطرية للدراسات والبحوث، إلا أن تلك التوجيهات لم تطبق على أرض الواقع بسبب أحداث الحرب الأهلية اليمنية.

يُعدّ مشروع حماية الأدب الشعبي في سقطرى المدعوم من قِبل الحكومة الألمانية ومعهد "جوته"، آخر المحاولات الداعمة للغة السقطرية. استهدف المشروع حماية الأدب الشعبي في جزيرة سقطرى من خلال "جمعه ومراجعته وتوثيقه وإتاحته باللغة السقطرية ثم اللغة العربية والإنجليزية. ثم العمل على الترويج له من خلال منصات إعلامية وثقافية وأكاديمية متنوعة...". 

تمكن فريق العمل من نشر كتاب "تُوْتِيَتَنْ دِ سَاقَطْرِيْ" أو "حكايات من التراث الشعبي في سقطرى"، كما طور المشروع أداة إلكترونية يمكن من خلالها تحويل اللغة السقطرية المكتوبة بالحروف العربية إلى حروف لاتينية.

A Kurdish woman dances with others during the Newroz celebrations marking the start of spring in Istanbul, Turkey, Sunday,…
منها الآرامية والأمازيغية والكردية.. جولة على لغات الأقليات في الدول العربية
"لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات اثنية أو دينية أو لغوية، أن يُحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم"، هذا ما تنص عليه المادة رقم 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ومن هنا، تبدو اللغات التي تتحدث بها الأقليات العرقية ، أساساً لحريتها وخصوصيتها. فما هي أبرز اللغات التي تتحدث بها الأقليات في الدول العربية؟

الشحرية

تُعدّ الشحرية واحدة من اللغات السامية القديمة، وتُنسب إلى قبائل الشحرى التي تسكن محافظة ظفار في سلطنة عمان. وتًعرف أيضاً باللغة الجبالية، بسبب انتشارها في بعض أنحاء الريف.

توجد العديد من اللهجات للغة الشحرية، وجميعها تُنطق ولا تُكتب. وعلى عكس العديد من اللغات الشفوية المعروفة، تستند الشحرية إلى مجموعة من القواعد والأسس اللغوية. من ذلك أن لها ضمائر منفصلة وأسماء إشارة مفصلة للذكر والأنثى والمفرد والمثنى والجمع. كما أن الشحرية تحتوي على كل حروف اللغة العربية ما عدا حروف "ص، ق، ض"، هذا بالإضافة إلى 8 حروف أخرى خاصة بها.

من الخصائص المميزة للشحرية أنه يتم عكس بعض الكلمات العربية لتعطي نفس المعنى باللغة الشحرية. على سبيل المثال، يتم قلب كلمة "قتل" باللغة العربية لتصبح كلمة "لتق" باللغة الشحرية. أيضاً تتميز اللغة الشحرية بظاهرة الشنشنة وهي قلب كاف الخطاب للأنثى شيناً.

من النقاط المثيرة للاهتمام، أن هناك تشابهاً واضحاً بين اللغة الشحرية واللغة الأمازيغية المنتشرة في شمالي غرب أفريقيا، حتى ذهب العديد من المؤرخين والباحثين إلى وجود أصل مشترك بين أهل ظفار والأمازيغ. من هؤلاء الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة الذي زار ظفار في القرن الثامن الهجري وأشار إلى الشبه بين الظفاريين وأهل المغرب.

في العقود الأخيرة، اهتم العديد من الباحثين بدراسة اللغة الشحرية الذين أصدروا مؤلفات عدة في المجال، مثل كتاب "لسان ظفار الحميري" لمحمد بن سالم المعشني، وكتاب "لهجة مهرة وآدابها" لعلي محسن آل حفيظ، وكتاب "لغة عاد" لعلي أحمد محاش الشحري.

 

الخولانية

هي إحدى اللغات السامية القديمة وأخذت اسمها من قبائل خولان، المنسوبة إلى خولان بن عامر. تنتشر تلك اللغة بين القاطنين في جنوبي غرب المملكة العربية السعودية وشمالي اليمن.

توجد العديد من اللهجات لتلك اللغة، ومنها لهجة بني مالك، ولهجة الريث، ولهجة العبادل. أما أشهر لهجات الخولانية فهي اللهجة الفيفية المنتشرة في محافظة فيفا السعودية الجبلية.

من جهة أخرى، توجد العديد من القواعد المعروفة للغة الخولانية. منها استخدام أداة التعريف "أم" بدلاً من أداة التعريف "أل" المُستخدمة بشكل اعتيادي في اللغة العربية.

 توجد بعض الروايات التي تذكر أن الرسول محمد استخدم "أم" عند حديثه مع بعض القبائل اليمنية القديمة. على سبيل المثال، جاء في مسند أحمد بن حنبل أن "النبي نهى بعض اليمنيين عن الصيام في السفر، فقال لهم (ليس من امبر امصيام في امسفر".