زائر مسيحي يغطس نفسه في مياه نهر الأردن خلال احتفالات عيد الغطاس في موقع المغطس في قصر اليهود بالقرب من مدينة أريحا بالضفة الغربية في 18 يناير 2017.
زائر مسيحي يغطس نفسه في مياه نهر الأردن خلال احتفالات عيد الغطاس في موقع المغطس في قصر اليهود بالقرب من مدينة أريحا بالضفة الغربية في 18 يناير 2017.

يحتفل معظم المسيحيين حول العالم بعيد الغطاس في السادس من شهر يناير. يمثل هذا العيد تذكاراً لحادثة معمودية السيد المسيح في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان، كما في الكتاب المقدس. من هو يوحنا المعمدان؟ وما أهمية طقس المعمودية في العقيدة المسيحية؟ وما هي أهم تقاليد الاحتفال بعيد الغطاس في الدول العربية؟

 

يوحنا المعمدان

 

ورد الحديث عن شخصية يوحنا المعمدان في مواضع متفرقة من العهد الجديد. تذكر الأناجيل الأربعة أن يوحنا هو ابن النبي زكريا وأليصابات. جاء في إنجيل لوقا الإشادة بهما "...وَكَانَا كِلاَهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ اللهِ، سَالِكَيْنِ فِي جَمِيعِ وَصَايَا الرَّبِّ وَأَحْكَامِهِ بِلاَ لَوْمٍ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَدٌ، إِذْ كَانَتْ أَلِيصَابَاتُ عَاقِراً. وَكَانَا كِلاَهُمَا مُتَقَدِّمَيْنِ فِي أَيَّامِهِمَا…".

يذكر العهد الجديد أن القرعة وقعت على زكريا ليدخل إلى الهيكل المقدس ويُبخِّر (من البخور). وبينما هو في الهيكل ظهر له ملاك الرب وقال له: "لاَ تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا، لأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ، وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْناً وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا. وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ، وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلاَدَتِهِ، لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيماً أَمَامَ الرَّبِّ".

يحتفل ما يزيد عن ملياري مسيحي حول العالم بذكرى ميلاد المسيح في الـ25 من شهر ديسمبر من كل سنة.
بين الـ25 ديسمبر والـ7 يناير.. متى ولد المسيح؟
يحتفل ما يزيد عن ملياري مسيحي حول العالم بذكرى ميلاد المسيح في هذه الأيام. يحظى هذا الاحتفال بالمكانة الأهم في الوجدان الديني المسيحي بعد عيد القيامة. رغم ذلك، توجد الكثير من الاختلافات حول حادثة ميلاد المسيح. في أي سنة ولد؟ وفي أي يوم بالتحديد؟ وما السبب في اختلاف توقيت الاحتفال بعيد الميلاد بين الكنائس المختلفة؟

على أرجح الأقوال داخل الكنيسة، ولد يوحنا قبل المسيح بستة أشهر. ومال منذ صباه للزهد والنسك. وعاش أيامه في صوم وعبادة وبتولية. وعُرف عنه أنه كان يلبس الثياب المتواضعة، بل تقول الأدبيات المسيحية إنه لم يكن يأكل إلا الجراد والعسل البري!

يتحدث الإصحاح الأول من إنجيل مرقس عن الدور المهم الذي لعبه يوحنا في إرشاد ووعظ اليهود في الفترة التي سبقت ظهور المسيح، فيقول: "كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. وَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمِيعُ كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَأَهْلُ أُورُشَلِيمَ وَاعْتَمَدُوا جَمِيعُهُمْ مِنْهُ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ…".

حانت نهاية يوحنا لمّا قام بانتقاد وتوبيخ ملك الجليل هيرودس أنتيباس بسبب زواجه بامرأة أخيه هيروديا. يذكر العهد الجديد أن هيرودس قبض عليه وزج به في السجن لفترة قبل أن يقتله، ليشهد له المسيح قائلاً: "لم يقم بين المُولدين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان".

 

عيد الغطاس

 

يُعدّ عيد الغطاس واحداً من بين الأعياد السَّيِّدية التي يحتفل بها المسيحيون على مدار السنة. والتي يُحتفل فيها بمناسبات تخص السَّيِّد المسيح. يُعرف هذا العيد بأسماء مختلفة ومنها عيد "الدنح"، المشتق من اللفظ الكلداني الذي يعني الظهور أو الشروق، كما يسمى بالإبيفانيا أو الثيؤفانيا وهما لفظتان يونانيتا الأصل بمعنى الظهور الإلهي، "لأنه فيه ظهر الثالوث الأقدس هكذا: الأب ينادي من السماء: هذا هو ابني الحبيب. والابن قائم على الأردن. والروح القدس شبه حمامة نازلاً عليه…".

كان من الشائع الاحتفال بعيدي الميلاد والغطاس معاً في ليلة واحدة في القرون الثلاثة الأولى للميلاد. بعدها، تم الفصل بينهما، فصار من المعتاد الاحتفال بالغطاس في السادس من يناير من كل عام لدى أغلبية الكنائس حول العالم. أما الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فحددت الاحتفال في يوم الحادي عشر من شهر طوبة في التقويم القبطي، والذي يوافق التاسع عشر من يناير. جاء في التقاليد المعتمدة في الكنائس المسيحية أن رسل المسيح أمروا المؤمنين باستذكار يوم معمودية المسيح في عيد الغطاس: "فليكن عندكم جليلاً عيد الظهور الإلهي الذي هو الغطاس، لأن الرب بدأ يظهر فيه لاهوته (لاهوت الرب يسوع) في المعمودية في الأردن من يوحنا...".

كان طقس المعمودية بالماء معروفاً بين اليهود قبل المسيح بقرون طويلة. ووردت العديد من الآيات التي أشارت لممارسة هذا الطقس في أسفار العهد القديم. على سبيل المثال جاء في الإصحاح الثامن من سفر اللاويين "...ثُمَّ قَالَ مُوسَى لِلْجَمَاعَةِ: «هذَا مَا أَمَرَ الرَّبُّ أَنْ يُفْعَلَ». فَقَدَّمَ مُوسَى هَارُونَ وَبَنِيهِ وَغَسَّلَهُمْ بِمَاءٍ…". كذلك جاء في الإصحاح السادس والثلاثين من سفر حزقيال "وَأَرُشُّ عَلَيْكُمْ مَاءً طَاهِراً فَتُطَهَّرُونَ. مِنْ كُلِّ نَجَاسَتِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَصْنَامِكُمْ أُطَهِّرُكُمْ". بعد ظهور المسيح تم ترسيم طقس المعمودية كأحد الطقوس المهمة في العقيدة المسيحية. جاء في الإصحاح الثامن والعشرين من إنجيل متى أن المسيح أمر تلاميذه بالتعميد فقال لهم: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ".

تختلف الطوائف المسيحية فيما بينها حول شكل وطريقة التعميد. مثلاً يؤمن الأرثوذكس بأن المعمودية لا تصح إلا بتغطيس الإنسان تغطيسا كاملًا، وبتغطيسه ثلاث مرات، وليس مرة واحدة. أما الكاثوليك فيكتفون برش الماء على الوجه لأن المقصود من وضع الماء هو الإشارة إلى غسل الروح القدس. لذلك كانت كمية الماء غير مهمة.

يرى اللاهوتيون المسيحيون أن هناك سبباً مهماً في اختيار نهر الأردن بالذات ليشهد معمودية السيد المسيح. عبر بنو إسرائيل هذا النهر أثناء دخولهم إلى "أرض الميعاد" تحت قيادة يشوع بن نون. وحسب التقاليد اليهودية المسيحية، شهد هذا الحدث "معجزة خارقة" للعادة عندما "انشق النهر بعدما وضع فيه تابوت العهد" (التابوت الذي حُفظت به ألواح النبي موسى). كانت "قصة العبور إذن رمزاً لعبورنا من خلال الرب المتجسد للسماء أرض الموعد الحقيقية لذلك انفتحت السماء حين نزل الرب في الماء كما انفتح النهر بحلول تابوت العهد فيه. توافق في الرمز ويشوع كان رمزاً ليسوع والمعنى المباشر لكلا الاثنين هو مخلص، يشوع يعنى مخلص ويسوع يعنى مخلص".

 

العادات والتقاليد المرتبطة بالعيد

 

يحظى عيد الغطاس/ الدنح بأهمية كبيرة في المجتمعات المسيحية المنتشرة في شتى الدول العربية. على سبيل المثال يميز الأقباط في مصر هذا العيد بمجموعة من الطقوس المخصوصة منذ قرون. يصف المؤرخ المسلم شهاب الدين النويري اهتمام الأقباط بإحياء هذا العيد في القرن الثالث عشر الميلادي. يقول في كتابه "نهاية الأرب في فنون الأدب": "ومنها -أي أعياد الأقباط- الغطاس. ويعمل في الحادي عشر من طوبة من شهورهم. ويقولون إن يحيى بن زكريا، وينعتونه بالمعمدان، غسل عيسى عليه السلام في بحيرة الأردن، ويزعمون أن عيسى عليه السلام لما خرج من الماء اتصل به روح القدس على هيئة حمامة. والنصارى يغمسون أولادهم في الماء فيه، ووقته شديد البرد".

لاتزال بعض الطقوس القبطية المحتفية بعيد الدنح قائمة حتى اللحظة. من ذلك فانوس الأقباط المعروف باسم البلابيصا. وهو عبارة عن فانوس مصنوع من البرتقال ويُرسم عليه رمز الصليب. وتوضع بداخله شمعة موقدة ويلف به الأطفال في الشوارع. كذلك يشتهر هذا العيد بالإكثار من تناول القلقاس والقصب بسبب الاعتقاد بكونهما يرمزان لمجموعة من الأمور الروحية المرتبطة بحادثة المعمودية. ومنها "أن نبات القلقاس يُزرع عن طريق دفنه كاملاً في الأرض ثم يصير نباتاً حياً صالحاً للطعام، وتعتبر المعمودية هي دفن للإنسان تحت المياه وقيامه مع السيد المسيح كما حدث له عند التعميد في نهر الأردن، أما القصب فلونه الأبيض يرمز للنقاء الذي توفره المعمودية حسب الاعتقاد المسيحي".

يحتفي المسيحيون في لبنان أيضاً بعيد الدنح. ويشتهر فيما بينهم باسم "ليلة القدر". في منتصف ليل يوم العيد يقف الناس في الشرفات ويدعون الله لمباركتهم. تروي السيّر الشعبية اللبنانية أنه في ليلة عيد الغطاس، مرّ السيد المسيح على امرأة فقيرة لا تملك شيئاً لتأكله، ودون أن تعلم من هو فسألها، ماذا تفعلين؟ قالت أعمل على قلي العجين الممزوج بالماء، لأطعم أولادي. وخلال الحوار بدأ العجين يكثر في الوعاء وفاض من كثرة اختماره". ولذلك تُطبخ في هذا العيد مجموعة من الحلويات المشهورة المصنوعة من العجين ومنها العوامة والمعكرون والزلابية.

تنتشر العادات والتقاليد المرتبطة بعيد الدنح بين المسيحيين العراقيين. ذكر الباحثان عاصم حاكم عباس الجبوري وعلي طالب عبيد السلطاني في بحثهما "العادات والتقاليد في المجتمع النسطوري في القرن التاسع عشر" أن النساطرة العراقيين اعتادوا في عيد الدنح الاغتسال قُبيل الذهاب للكنائس لأداء الصلاة، كما أن أيام هذا العيد تشهد إقبالاً كبيراً على تعميد الأطفال غير المُعمدين. وكذلك إقامة حفلات الخطوبة والزواج.

حالياً، يحتفل الكلدان والأشوريون بعيد الدنح من خلال قراءة صلوات معينة في الكنائس. من تلك الصلوات: "إننا نسجد، يا رب، لظهورك المقدس، الذي أبهجنا، إذ به أنرت جميع الشعوب، التي كانت جالسة في ظلام الضلال، المجد لك، يا محب البشر".

تظهر بعض الطقوس الخاصة بهذا العيد في شمالي العراق، وخصوصاً في بعض مدن سهل نينوى التي تقطنها أغلبيات مسيحية. على سبيل المثال، تُمارس بعض الطقوس القديمة المتوارثة يوم الدنح في بلدة كرمليس -الواقعة على بعد 28 كلم شرقي مدينة الموصل- والتي يقطنها خمسة آلاف مواطن مسيحي كلداني. يمضي شباب القرية ليلة العيد عند ينابيع كرمليس، التي تبعد 6 كيلومترات من شرقي القرية. يبدأون من منتصف الليل بالسباحة في الينابيع وعند الساعة الرابعة فجراً يعودون إلى الكنيسة لاستماع القداس. أيضاً اعتاد رجال القرية المسنون على الذهاب للكنيسة في العيد. ثم يذهبون صوب بِركة ماء (گيما) ليقوموا بكسر الجليد المتجمد ويسبحون في مياهها في الساعات الأولى من الفجر كعلامة على الفرح والابتهاج بالذكرى المقدسة التي وقعت للمسيح منذ آلاف السنين. من جهة أخرى، اعتاد الكلدانيون الاحتفال بعيد الدنح في منازلهم من خلال وضع أطفالهم على الخشبة المسماة (كوجا) ورش الجوز واللوز والحلويات الموضوعة في الغربال فوق رؤوسهم.

عرفت المدن السورية أيضاً طقوساً مخصوصة لعيد الدنح. كان الأهالي يغطسون في المياه الباردة ويستحمون في هذا اليوم حتى طلوع الفجر. وكان من الشائع أن يتبادل المسيحيون بعض العبارات التقليدية للمعايدة ومنها عبارة "دايم دايم"، وعبارة "اللي ما عندو مولود بيوم الغطاس يعمِّد عود". في السياق نفسه، كان الأهالي يتركون أبواب منازلهم مفتوحة طوال الليل إيماناً منهم بأن السيد المسيح يطوف على المنازل لمباركتها.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

أيزيديون يحتفلون برأس السنة الأيزيدية في معبد لالش قرب مدينة دهوك العراقية/ وكالة الصحافة الفرنسية

الدمار يغطي معظم أجزائه، وقوات مختلفة المراجع العسكرية تتقاسم السيطرة عليه، ونقص حاد في الخدمات الرئيسية، هذا هو حال قضاء سنجار محافظة نينوى شمال العراق، بعد مرور عقد على الإبادة الجماعية بحق سكانه الأيزيديين.

اجتاح تنظيم داعش في 3 أغسطس 2014 قضاء سنجار الذي يضم أغلبية تتبع الديانة الأيزيدية، وارتكب التنظيم إبادة جماعية بحقهم أسفرت عن مقتل أكثر من 5000 أيزيدي، واختطاف 6417 أيزيديا غالبيتهم من النساء والأطفال، بحسب إحصائيات مكتب إنقاذ المختطفين الأيزيديين.

وبلغ عدد المقابر الجماعية المكتشفة في سنجار حتى الآن 83 مقبرة جماعية، فيما عدد المزارات والمراقد الدينية التي فجرها داعش في حدود سنجار إلى 68 مزارا.

فما حال سنجار اليوم، وهل باتت مؤهلة لاستيعاب أبنائها العائدين ممن نزحوا قبل عشر سنوات؟

قوى عسكرية متعددة

دلبر شنكالي، فتاة أيزيدية عادت منذ نحو 7 سنوات إلى سنجار مع عائلتها بعد رحلة نزوح شاقة، وتمكنت من التأقلم مع أوضاع المدينة المدمرة التي لم تكن أفضل من المخيم، بحسب كلامها.

تقول لـ"ارفع صوتك": "رغم ما نواجهه من نقص خدمات وانعدام فرص العمل، إلا أن أوضاع سنجار الأمنية، مع أنها مستتبة الآن، لا تبشر بالخير وسط هذه الأعداد من القوات العسكرية المتنوعة المختلفة في ما بينها. نحن نخشى أن تصطدم مع بعضها البعض بأية لحظة ونكون نحن الضحية مجدداً".

وتخضع رقعة قضاء سنجار الجغرافية لسيطرة مجموعة من القوى العسكرية المتعددة، تتمثل بمليشيا "عصائب أهل الحق" و"منظمة بدر" و"كتائب الإمام علي" و"كتائب حزب الله العراقي" و"كتائب سيد الشهداء" الموالية لإيران والمنضوية في هيئة الحشد الشعبي، إضافة إلى وحدات "مقاومة سنجار" الموالية لحزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا، وقوات قيادة البيشمركة و"حماية إزيدخان" التابعتين لوزارة البيشمركة في حكومة إقليم كردستان، إلى جانب الشرطة المحلية والشرطة الاتحادية وقطعات من الجيش العراقي.

وشهدت سنجار خلال السنوات الماضية التي أعقبت تحريرها من داعش، مناوشات وصلت حد الاشتباكات المسلحة بين هذه القوات، كان أبرزها الاشتباكات التي وقعت بين الجيش العراقي ووحدات حماية سنجار في مايو 2022، التي أدت الى مقتل عنصرين اثنين من الوحدات وجندي من الجيش، كما أدت لنزوح مئات الأيزيديين.

ولا يعتبر تعدد القوى الماسكة للأرض في القضاء التهديد الوحيد الذي يخشى منه الأهالي، إذ تشكل الغارات الجوية التركية التي تستهدف مسلحي حزب العمال وتهديدات أنقرة بتنفيذ عملية عسكرية في سنجار لإنهاء تواجدهم، مصدر قلق إضافي لهم.

يقول الشاب الأيزيدي مراد خيري، من سنجار أيضاً، إن الأوضاع الأمنية فيها حاليا "مستقرة" و"لا يوجد تهديد على المدنيين من أي جهة سوى القوات التركية وتدخلها الوشيك".

مخاوف من عودة داعش

تشير المنظمة الأيزيدية للتوثيق إلى أنه ورغم مرور 10 سنوات على الإبادة التي تعرضت لها سنجار، ما زالت هناك مخاوف من عودة تنظيم داعش إلى المدينة.

يقول مدير المنظمة حسام عبد الله لـ"ارفع صوتك": "لدينا مخاوف من عودة داعش، فهو لا يزال متواجدا في محيط قضاء سنجار رغم الانتشار الأمني فيه".

ويلفت إلى أن سنجار تواجه جملة من التحديات، منها "استمرار المشاكل المستعصية بين حكومتي بغداد وأربيل بشأن هذه المدينة، ولا توجد لحد الآن إدارة محلية ثابتة لقضاء سنجار في خضم الصراعات الداخلية التي يشهدها، وهذه الصراعات متفوقة على المجالات الأخرى نتيجة الصدمات التي تمخضت عن الإبادة".

بطء في آلية التعويضات

تشكل التعويضات التي خصصتها الحكومة العراقية لأهالي المدن المتضررة من داعش، أحد أبرز التحديات التي يواجها أهالي سنجار لإعادة بناء وإعمار بيوتهم المدمرة.

يبين مدير العلاقات العامة في منظمة "بتريكور" لحقوق الإنسان، سامي بشار عتو لـ"ارفع صوتك"،أن آلاف الأيزيديين "قدموا ملفاتهم وأنجزوا معاملات نيل التعويضات عن الأضرار التي لحقت ببيوتهم وممتلكاتهم في سنجار وأطرافها، إلا أن نسبة من نال هذه التعويضات لا يتعدى سوى 2%".

ويتيح القانون (رقم 20 لسنة 2009) للعراقيين تقديم طلب لنيل التعويضات على الأضرار التي لحقت بهم "جراء العمليات الحربية والأخطاء العسكرية والعمليات الإرهابية".

ويشمل القانون إلى جانب العسكريين جميع ضحايا الحرب من المدنيين وأفراد عائلاتهم في حالات الاستشهاد والفقدان والعجز والإصابات والأضرار التي تصيب الممتلكات والأضرار المتعلقة بالوظيفة والدراسة.

وأعلنت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في يونيو 2023، أن السلطات العراقية "تقاعست عن دفع التعويضات المالية المستحقة بموجب القانون لآلاف الأيزيديين وغيرهم من قضاء سنجار على الدمار والضرر الذي لحق بممتلكاتهم من قبل داعش وجراء المعارك العسكرية".

ويساهم غياب التعويضات وسير إجراءاتها ببطء في تأخر عودة النازحين. ووفق إحصائيات مكتب وزارة الهجرة والمهجرين في محافظة دهوك بإقليم كردستان، عاد إلى قضاء سنجار منذ بداية العام الحالي 10 آلاف نازح أيزيدي.

ويؤكد مسؤول في إدارة سنجار أن نسبة العائدين إلى سنجار لم تتعدّ 40% من مجمل الموجودين اليوم في العراق، إذ لا يزال هناك نحو 60% نازحون، يتوزعون بين المخيمات ومدن كردستان.

ويضيف المسؤول لـ"ارفع صوتك"، مفضلا عدم الكشف عن اسمه: "لا يختلف الوضع الخدمي في سنجار عن باقي الوحدات الإدارية في محافظة نينوى من حيث التخصيصات المالية، لكن حجم الدمار الذي لحق بسنجار كبير جدا يحتاج إلى مبالغ مالية كبيرة لإعادة البنية التحتية للمشاريع الخدمية".

ووفق المسؤول تختلف نسب الدمار الذي لحق بقضاء سنجار من منطقة لأخرى، حيث يصل في مركز القضاء مثلاً إلى 75% وفي ناحية القحطانية 85%، وناحية الشمال 40%، وناحية القيروان 65%.