مشهد عام لمدينة سنجار شمال العراق
مشهد عام لمدينة سنجار شمال العراق- صورة أرشيفية

يعتبر عراقيون أيزيديون، أن قرار مجلس الوزراء القاضي بتمليك الأراضي السكنية والمنازل في 11 مجمعاً سكنياً، في قضاءي سنجار والبعاج غرب الموصل، بصيص أمل قد يساهم في إعادة الحياة إلى مناطقهم التي نزحوا منها عام 2014، إثر سيطرة تنظيم داعش عليها.

ووافق المجلس في 12 ديسمبر الماضي على مرسوم يمنح بموجبه ملكية الأراضي السكنية والمنازل في 11 مجمعاً سكنياً، لشاغليها، وهي مجمعات: خانصور (التأميم) ودوﮔري (حطين) وبورك (اليرموك) وﮔوهبل (الأندلس) وزورافا (العروبة) ودهولا (القادسية)، في ناحية الشمال التابعة لقضاء سنجار. ومجمعات تل قصب (البعث) وتل بنات (الوليد)، في ناحية القيروان في قضاء سنجار. ومجمعات تل عزير (القحطانية) وسيبا شيخدري (الجزيرة) وكرزرك (العدنانية) في ناحية القحطانية التابعة لقضاء البعاج ضمن محافظة نينوى.

وأنهى القرار معاناة الأيزيديين وحرمانهم من ملكية أراضيهم المستمرة منذ أكثر من 47 عاما، حيث حرمهم النظام السابق عام 1975 من حقهم في تملّك أراضيهم، ضمن حملات الترحيل والتعريب التي مارسها ضد الكرد والمكونات الأخرى غير العربية في البلاد.

وكان النظام الأسبق بزعامة أحمد حسن البكر، هجّر سكان أكثر من 146 قرية في قضاء سنجار لوحدها واستولى على أراضيهم ومزارعهم، وجمعهم في مجمعات سكنية تقع شمال وجنوب جبل سنجار، بعد توقيعه "اتفاقية الجزائر" مع إيران، لترسيم الحدود وإنهاء الثورة الكردية عام 1975.

وقال رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، في بيان إن "قرار الحكومة العراقية بتمليك العراقيين الأيزيديين لمنازلهم في سنجار، التي حرموا منها يأتي بسبب السياسات الإقصائية الظالمة التي انتهجها النظام الديكتاتوري السابق"، في إشارة إلى سياسات نظام حزب البعث.

 

استرداد الحقوق

لطالما انتظرت عائلة أميرة بشار، وهي نازحة أيزيدية من سنجار، امتلاك بيتهم الذي يقع في مجمع "الجزيرة" وانتهاء مخاوفهم من الحرمان منه في أي وقت.

ومنذ سنة 2014، تعيش أميرة مع عائلتها في مخيم "شاريا" بمحافظة دهوك، كغيرهم من آلاف العائلات الأيزيدية النازحة التي لم تتمكن من العودة إلى قضاء سنجار، بسبب انعدام الاستقرار ونقص الخدمات الرئيسة.

تقول "قرار تمليكنا بيوتنا وأراضينا بعد مرور هذه السنوات مهم جداً، لأننا استرددنا أحد حقوقنا".

"وقبل هذا القرار كنا نعيش في بيوتنا التي هي ملكنا، لكن دون أن نمتلك أي مستند قانونب يثبت ذلك، وكنا في قلق دائم، متخوفين دائما من أن يستولي عليها شخص ما بشكل غير قانوني"، تضيف أميرة لـ"ارفع صوتك".

وترى أن القرار قد "يساهم في عودة النازحين إلى سنجار وأطرافها، لكنها تستبعد أن تكون العودة بدرجة كبيرة"، مبينةً أن العودة ترتبط باستتباب الأمن في المنطقة وتوفير الخدمات وتعويض الأهالي.

من جهته، يرى الرئيس التنفيذي لمنظمة "سنرايز" لتطوير المجتمع المدني،  نايف صبري، أن "أي قرار إيجابي، سيساهم في تشجيع عودة النازحين، على الرغم من وجود معوقات عديدة في المخيمات وسنجار".

ويوضح لـ"ارفع صوتك"، أن أسباب التخوف من العودة "أكبر من إيجابية هذا القرار، منها الصراع السياسي على أراضي الأيزيديين وتهميشهم، ونقص الخدمات من قبل الحكومة".

"لذلك من غير الممكن أن يساهم هذا القرار بشكل كبير في عودة النازحين إلى مناطقهم"، يؤكد صبري.

في نفس السياق، يعتبر عضو مجلس النواب العراقي، ماجد شنكالي، قرار الحكومة"مهماً"، ويطالب بوضعه في موقع التطبيق "بسرعة".

وعن تبعات تنفيذه، يبيّن شنكالي لـ"ارفع صوتك": "أستبعد أي تأثير سياسي، لكن سيكون له تأثير كبيرا اجتماعياً ومعنوياً، وفي سنجار تحديداً لا يُعتبر هذا القرار أمراً كبيراً، لأن المشكلة فيها هي أمنية وسياسية".

ويشير إلى أن "المشكلة العسكرية والأمنية تتمثل في وجود قوات خارجة عن القانون متمثلة بمقاتلي وحدات مقاومة سنجار (جناح الحزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا)، وبعض فصائل الحشد الشعبي الذين يسيطرون على إيرادات ومقدرات سنجار بمعظمها".

أما المشكلة الثانية التي تعاني منها سنجار، بحسب شنكالي، فهي "عدم وجود أي حكومة محلية تستطيع الذهاب إليها لإدارتها"، داعياً إلى تطبيق "اتفاقية سنجار"  لتسهيل عودة النازحين.

ترحيب أُممي

بدورها، رحبت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، جينين هينيس-بلاسخارت، بقرار الحكومة العراقية، واصفة إياه بـ"الخطوة الحاسمة".

وأكدت في بيان، أن "المرسوم يشكل اعترافاً رسمياً بملكية أراضي ومنازل الأيزيديين وينهي عقوداً من التمييز"، معربةً عن أملها بأن يسهّل عودة الأيزيديين إلى نينوى ويشجعهم عليها".

ولم تنفذ بعد أي بند من بنود اتفاقية سنجار، التي وقعتها حكومة إقليم كردستان والحكومة العراقي لإدارة قضاء سنجار من قبل الجانبين وتطبيع الأوضاع فيها رغم مرور أكثر من عامين على توقيعها، إثر عدد من الفصائل المسلحة الموالية لإيران ومسلحي العمال الكردستاني ضدها.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.