كنيسة القديسة آنا، تم تحويل قسم منها إلى بيت يأوي عائلة نازحين سوريين- فرانس برس
كنيسة القديسة آنا، تم تحويل قسم منها إلى بيت يأوي عائلة نازحين سوريين- فرانس برس

وثق تقرير صادر عن مركز "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، شهادات لمواطنين مسيحيين من شمال سوريا، تفيد بتقييد ممارستهم لطقوسهم الدينية ومصادرة ممتلكاتهم العقارية والانتفاع بكنائسهم.

وصودر حوالي 750 منزلاً مملوكا لمسيحيين في قرى ريف جسر الشغور، على يد "هيئة تحرير الشام" وتنظيم "حراس الدين" وعناصر من "الحزب الإسلامي التركستاني"، خلال عام 2018، وذلك بحجة غياب أصحاب تلك المنازل، وفق التقرير.

كما وثق المركز خلال الفترة الممتدة ما بين أواخر 2018 ومنتصف أكتوبر 2019، مصادرة نحو 550 منزلاً ومحلاً تجارياً في مدينة إدلب، تعود ملكيتها لمسيحيين، على يد "هيئة تحرير الشام".

وبدأ التضييق على المسيحيين في مدينة إدلب وريفها منذ سيطرة تنظيم داعش على المنطقة عام 2013، إذ تم منعهم من إظهار رموزهم الدينية، وممارسة طقوسهم وشعائرهم بشكل علني، باستثناء السماح بالصلوات داخل الكنائس من دون قرع الأجراس.

وتمت في ذلك الحين أيضاً، مصادرة ممتلكاتهم العقارية، وحرمانهم من المساعدات الإنسانية، واستمر الأمر مع خروج تنظيم داعش وسيطرة "جبهة النصرة" عام 2014 على إدلب وريفها، ما أدى لهجرة معظم المسحيين من أحيائهم تجاه مدن أخرى أو إلى خارج سوريا.

جورج لاجئ سوري مسيحي يقيم في ألمانيا، رفض ذكر اسمه الكامل لأسباب أمنية، يقول لـ"ارفع صوتك": "عاش آلاف المسحيين في قرى إدلب وفي مدينة إدلب، إلا أن معظمهم غادر مع بداية سيطرة تنظيم داعش عام 2013".

ويضيف: "عام 2013 سيطر تنظيم داعش على المنطقة، ولم يسمح للمسيحيين بقرع الأجراس وممارسة شعائرنا الدينية، وهذا أجبرنا على الهجرة والهرب بشكل مباشر أنا وعائلتي، ولا يزال جدي مقيما في قرية الغسانية التابعة لجسر الشغور، وفشلت جميع محاولاتنا لإقناعه بالهجرة والقدوم إلينا".

وبحسب تقرير "سوريون من أجل العدالة والحقيقة"، استولت "هيئة تحرير الشام" على ثلاثة أسواق بالكامل في مدينة إدلب أواخر عام 2018، وهي "خان غنوم، وكباد الحبوب، وفهدي لبيع الزيوت"، التي تضم مستودعات ومحال تعود ملكيتها لعدد من التجار المسيحيين، ولها أهمية رمزية كبيرة لدى أهالي المدينة.

ونشرت وكالة فرانس برس في أواخر ديسمبر 2021، صوراً تظهر كنيسة القديسة آنا في بلدة اليعقوبية، وقد تحولت إلى منزل يأوي عائلة سورية نازحة.

 

استرداد مشروط

بعد عام 2018، بدأت "هيئة تحرير الشام" باستخدام نهج مختلف تجاه المسيحيين في إدلب، إذ التقى قائدها أبو محمد الجولاني بعدد من المسيحيين، ونشرت مؤسسة "أمجاد" الإعلامية التابعة للهيئة، صوراً أظهرت اللقاء بأهالي قرى القنية واليعقوبية والجديدة من المسيحيين في ريف جسر الشغور، في محاولة لطمأنتهم وإيصال رسالة مفادها أنه "منفتح" على جميع الطوائف.

وسمحت حكومة الإنقاذ لمسيحيي إدلب باسترداد عقاراتهم شرط الإقامة الدائمة في المنطقة.

في سياق متصل، أورد تقرير لمركز "فرات للدراسات"، أن مساعدي الجولاني قدموا عروضاً للعائلات المسيحية المهجّرة من إدلب بالعودة، مقابل إعادة أملاكها المصادرة، وعيشها بكل حرية.

ووفق شهادات حصل عليها "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، فإن الأمور المتعلقة بممارسة الحريات الدينية لم تتغير بعد زيارة الجولاني إلى المنطقة ووعوده بتحسين الأوضاع، فقد بقيت الصلوات ومراسم الأعياد محصورة ضمن نطاق الكنيسة دون السماح بقرع الأجراس أو رفع الصلبان، إلى جانب الزيارات العائلية داخل البيوت دون أي مظاهر للاحتفال في الشوارع.

بدوره، يؤكد المدير التنفيذ للمركز بسام الأحمدي، أن هناك "توجهاً عاماً وخاصة لدى هيئة تحرير الشام، لأن موضوع المسيحيين والدروز والأقليات بشكل عام له حساسية معينة".

"كما تعمل مراكز دراسات مع الهيئة لتلميع صورتهم، فمن الممكن أنهم يعتقدون أن الغرب قد يغير نظرته عن الهيئة إذا ما قاموا بذلك (إظهار الانفتاح الطائفي). وواضح أن هذه لعبة سياسية وخطوة ليتم شرعنتها أكثر من أن تكون خطوة جدية للحد من المشاكل التي يتعرض لها المسيحيون"، يتابع الأحمدي.

ومع نهاية عام 2020، انتشرت صور تظهر احتفالات المسيحيين في بعض قرى ريف إدلب بعيد الميلاد المجيد، ولاقت تفاعلا واسعاً على شبكات التواصل الاجتماعي.

وفي أغسطس 2021، أُعيد افتتاح كنيسة "القديسة آنّا" في قرية اليعقوبية، بعد إغلاقها وانقطاع إقامة الاحتفالات الدينية فيها لأكثر من عشر سنوات. وتداول ناشطون وأهالي القرى المسيحية في إدلب صوراً وتسجيلات مصورة لافتتاحها، بمشاركة أهالي قرى اليعقوبية والجديدة والقنية.

 

"وضع سيِّئ جداً"

يصف الأحمدي، لـ"ارفع صوتك"، وضع المسيحيين في إدلب بأنه "سيئ جدا"، مردفاً "ما زالوا يعانون من المضايقات، لكنها أقل من السابق، حيث خففت هيئة تحرير الشام من التضييق على  المسيحيين خلال الفترة الماضية".

ويوضح: "هيئة تحرير الشام وخاصة الجولاني، يحاولون أن يقوموا بالقليل من التحسينات والخطوات، ويبدو أن الملف المسيحي أحد الممرات التي قد تُدخل الهيئة للساحة الدولية".

"ولكن هذا لا يعني أن وضع المسيحيين جيد، فهناك تضييق ومنع من ممارسة شعائرهم الدينية بشكل علني، وممنوع قرع الأجراس، وهناك الكثير من الممتلكات والأراضي الزراعية والمنازل والمعامل لم تعد لأصحابها" يستدرك الأحمدي.

ويقول في ختام حديثه: "الموضوع مهم جدا وحساس، وحاولنا مقاربته من هذه الزاوية، ونقول إن الوضع سيئ على الرغم من أن الهيئة تروّج لشيء آخر، فأسبابها سياسية وليس خوفا أو حباً بحقوق الإنسان أو حباً بالمسيحيين".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

أيزيديون يحتفلون برأس السنة الأيزيدية في معبد لالش قرب مدينة دهوك العراقية/ وكالة الصحافة الفرنسية

مع استمرار المجتمع الأيزيدي في التعافي بعد الإبادة الجماعية التي تعرض لها في أغسطس 2014، أعلن مجلس الوزراء العراقي الموافقة على إنشاء جامعة سنجار. وهو الأمر الذي عده مختصون رسالة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة التي ما زالت تعاني.

فكرة إنشاء جامعة في سنجار ليست حديثة العهد، كما يقول مدير "مبادرة نادية" في العراق فيصل غانم. بل بدأت في العام 2018 بعد حصول الأيزيدية الناجية نادية مراد على جائزة نوبل. "التقت برئيس الوزراء في العام ذاته (عادل عبد المهدي) وقدمت مقترحاً باستحداث جامعة في سنجار، وحصلت على موافقة أولية، ثم حصلت على دعم مالي من الإمارات العربية المتحدة لتمويل المشروع".

و"مبادرة نادية" هي منظمة غير حكومية أسستها الحائزة على جائزة نوبل نادية مراد، التي تدافع عن الناجيات من العنف الجنسي، ويركز عملها على إعادة التطوير المستدام في سنجار، موطن الأيزيديين في العراق.

فريق مبادرة نادية، كما يوضح غانم لـ"ارفع صوتك"، "عمل على إصدار الموافقات ودراسات الجدوى والتصاميم، بالشراكة مع منظمات الأمم المتحدة والمؤسسات الرسمية العراقية في بغداد ونينوى وقائمقامية سنجار والتي اقترحت أربعة مواقع محتملة لإنشاء الجامعة، قبل تقديم المشروع إلى وزارة التعليم العراقية".

جرت اجتماعات عديدة بين الجهات المعنية كما يشير غانم. "وفي العام الماضي تم اختيار الأرض التي سيتم بناء الجامعة عليها وبأمر ديواني من رئيس الوزراء"، كما تم "تشكيل لجنة لمتابعة العمل في المشروع بالتنسيق مع محافظة نينوى ولجنة من التعليم بالإضافة إلى جامعة نينوى التي ستقوم بالإشراف على الأمور الإدارية حتى تكتمل الجامعة".

"المبادرة ستتكفل ومن خلال التمويل باستكمال البناء، ثم يتم تسليمها إلى الحكومة العراقية التي ستتكفل بتشغيلها وتوظيف العاملين فيها"، يقول غانم، مشيراً إلى أن المشروع" من شأنه أن يجمع العراقيين من مختلف المحافظات في بناية واحدة، وهو ما يساعد على زيادة التعرف بالمنطقة وعاداتها وتقاليدها ويسهم بنشر الوعي بالمجتمع الإيزيدي".

أكثر الأمور تعقيداً خلال الرحلة الطويلة التي سبقت الموافقة على بناء جامعة سنجار كان "تخصيص الأرض، لأنها تخضع إلى إجراءات روتينية تتطلب موافقات من 14 جهة مختلفة منها البيئة والنفط والآثار والكهرباء وغيرها، وما زلنا بانتظار الموافقة النهائية للمباشرة بالعمل".

 

رسالة اطمئنان

 

يقول معاون محافظ نينوى علي عمر لـ"ارفع صوتك" إنه من المخطط "أن يتم بناء جامعة سنجار على مساحة تتجاوز 160 دونماً في ناحية الشمال (سنوني) وهي أراض مخصصة كمراعٍ لا توجد فيها مشاكل تمليك وسيتم تحويلها من وزارة المالية مباشرة إلى أراض للجامعة".

وستتضمن الجامعة عند افتتاحها "ثلاثة كليات في بداية انطلاقها وهي الزراعة، التربية، والإدارة والاقتصاد، ثم سيتم توسيعها مستقبلاً لتستقر كجامعة عراقية مستقلة".

وبحسب عمر، فإن البناء سيتم بالتعاون مع "مبادرة نادية مراد" التي حصلت على تمويل بعشرة ملايين دولار من دولة الإمارات العربية المتحدة، فيما سيتم توفير البنى التحتية والخدمات الضرورية من قبل محافظة نينوى، على أن تكون جزءاً من جامعة نينوى إلى حين استكمال الإجراءات الرسمية.

إنشاء الجامعة، كما يرى عمر، بحد ذاته "رسالة اطمئنان قوية إلى الأهالي على أن الوضع الأمني مستتب وسيتطور، فأي صرح ثقافي وعلمي حين يتم إنشاؤه معناه أن المنطقة مستقرة ويمكنها تقديم الخدمات ليس لسكانها فحسب، بل لأي طالب علم من كافة انحاء العراق".

لإقامة الجامعة في المنطقة، كما يقول عضو مجلس محافظة نينوى عيدان الشيخ كالو لـ"ارفع صوتك"، "أهمية كبيرة فهي اللبنة الاساسية لتقديم أهم الخدمات في المنطقة التي يتخرج سكانها كل عام من مختلف الجامعات العراقية وبمختلف الاختصاصات، وفي مناطق بعيدة من مناطق سكنهم في إقليم كردستان ونينوى".

كما أنها، يضيف عيدان الشيخ كالو، ستسهم "في إعادة الاستقرار، وتشجيع النازحين إلى العودة، وتشغيل العديد من المواطنين سواء خلال العمل بإنشاء الجامعة أو عند استقبالها للطلبة والأساتذة. كما أنها ستكون قريبة لطلبة تلك المناطق بمختلف انتماءاتهم الدينية والقومية، وتجمعهم في بناء واحد مما يزيد من التعايش السلمي بين السكان".

أما موعد البدء بإنشاء الجامعة، "فهناك توجه حكومي واهتمام بالغ نتأمل أن يترجم على أرض الواقع قريباً من خلال تنفيذ إنشاء الجامعة". ويقول كالو: "هناك بعض الأمور العالقة تتعلق باستحصال موافقات لبعض الدوائر الرسمية، بالإضافة لتوفير تخصيصات في ميزانية الحكومة العراقية، ومتى ما توفرت سيتم المباشرة بالبناء".

 

مردود اجتماعي

 

إنشاء جامعة في مدينة سنجار له آثار كبيرة لدى أبناء المنطقة، كما يقول طالب الدكتوراه الأيزيدي في جامعة الموصل راشد داود جندي: "فهي صرح حضاري وعلمي له مردودات اجتماعية هائلة".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "منطقة سنجار لديها عدد كبير جداً من الطلاب للدراسات الأولية والعليا، ويضطرون لترك مناطقهم والتوجه لجامعات إقليم كردستان ونينوى وبغداد، وهي بعيدة عن مناطق سكنهم.  هذا البعد الجغرافي له مردودات سلبية على الطلبة كونه يتطلب وقتا طويل للتنقل، كما أن بعضهم يضطرون لأخذ العائلة إلى منطقة أخرى قريبة للجامعة التي يدرس فيها".

هذا الأمر "شكل ضغطاً اقتصادياً على الكثير من الطلبة من ذوي الدخل المحدود، وربما يتركون الدراسة". أما في حال وجود جامعة قريبة فإنه "سيقلل الضغوط الاقتصادية على المواطنين، بالإضافة إلى التأثير الايجابي حيث سيكون طلبة الجامعات من مختلف المناطق والتوجهات الدينية والفكرية في مكان واحد".

وعن الوضع الأمني في المنطقة يرى جندي أن "المنطقة تعيش بوضع أمني أفضل ربما من بعض الدول في الشرق الأوسط، وهي مستقرة على خلاف ما يتم تداوله إعلامياً في بعض الأحيان لغايات سياسية ليس أكثر". كما أن مشروع الجامعة "سيكون عامل مساهم في الاستقرار وتوفير فرص العمل".

من جانبه، يعتبر مدير الإكاديمية الأيزيدية للتعليم مراد اسماعيل أن بناء جامعة سنجار "ضرورة قصوى للمنطقة، إذ ستوفر الجامعة فرص التعليم للآلاف من الطلبة في هذه المنطقة المنكوبة، وتساهم في إعادة الحياة إليها. فكلما ازدادت فرص التعليم والعمل، كلما ابتعد الناس عن المجاميع المسلحة وعادت الحياة إلى مجراها الطبيعي".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "أتأمل أن يتم تنفيذ المشروع في أقرب فرصة، ولا يكون كغيره من المشاريع المعلنة مجرد حبر على ورق".