الباعوثة كلمة كلدانية – آرامية تعني الطلب والتضرع.
الباعوثة كلمة كلدانية – آرامية تعني الطلب والتضرع.

يعرف المسيحيون العراقيون صوم يونان أو صوم الباعوثة باعتباره أحد أنواع الصيام المعروفة في بلاد الرافدين منذ قرون. الباعوثة كلمة كلدانية – آرامية تعني الطلب والتضرع. ويرتبط هذا الصيام بقصة النبي يونان أو يونس، كما هو معروف في المصادر الإسلامية، وذهابه إلى مدينة نينوى العظيمة عاصمة الإمبراطورية الآشورية القديمة. ما هي قصة النبي يونان؟ وماذا فعل في نينوى؟ ولماذا يوجد اختلاف بين الكلدان والآشوريين حول تحديد أصل الباعوثة؟ وما هي الطقوس العراقية المرتبطة بذلك الصوم؟

 

قصة يونان ونينوى

 

وردت قصة النبي يونان بن أمتاي في أسفار العهد القديم. جاء في تلك الأسفار أن النبي يونان عاش في مملكة إسرائيل الشماليّة في القرن الثامن قبل الميلاد في أيام الملك ياربعام الثاني. وأنه كُلف من قِبل الإله يهوه بالذهاب إلى العراق لدعوة أهل مدينة نينوى إلى التوبة والكف عن عمل الشر.

يذكر القمص تادرس يعقوب في كتابه "تفسير الكتاب المقدس" أن "يونان لم يحتمل الذهاب إلى نينوى فتَخْلُصَ (إي فتنجو) على حساب شعبه إسرائيل، فعصى الرب لا عن كراهية في القلب وإنما عن غيرة من جهة شعبه...". عزم يونان بعدها على السفر غرباً ناحية بلاد الأندلس، وعندها عاقبه يهوه.

جاء في سفر يونان "... وأما الرب فأعد حوتاً عظيماً ليبتلع يونان فكان يونان في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال. فصلى يونان إلى الرب إلهه من جوف الحوت. وقال دعوت من ضيقي الرب فاستجابني. صرخت من جوف الهاوية فسمعت صوتي...".

بحسب ما ورد في السفر، فإن يهوه استجاب لدعاء يونان بعد ثلاثة أيام "وأمر الرب الحوت فقذف يونان إلى البر".

وعندها ذهب النبي إلى نينوى وبدأ في دعوة أهلها إلى طريق الحق. جاء في الإصحاح الثالث من سفر يونان "...فأمن أهل نينوى بالله ونادوا بصوم ولبسوا مسوحاً من كبيرهم إلى صغيرهم. وبلغ الأمر ملك نينوى فقام عن كرسيه وخلع رداءه عنه وتغطى بمسح وجلس على الرماد. ونودي وقيل في نينوى عن أمر الملك وعظمائه قائلاً لا تذوق الناس، ولا البهائم ولا البقر ولا الغنم شيئاً لا ترعى ولا تشرب ماء. وليتغط بمسوح الناس والبهائم ويصرخوا إلى الله بشدة ويرجعوا كل واحد عن طريقه الرديئة وعن الظلم الذي في أيديهم. لعل الله يعود ويندم ويرجع عن حمو غضبه فلا نهلك. فلما رأى الله أعمالهم أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة ندم الله على الشر الذي تكلم أن يصنعه بهم فلم يصنعه".

تحدث العهد الجديد أيضاً عن النبي يونان ورحلته إلى نينوى. تم تشبيه يونان بالمسيح نفسه. على سبيل المثال جاء في الإصحاح الحادي عشر من إنجيل لوقا "لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى، هكذا يكون ابن الإنسان لهذا الجيل". وكذلك جاء في الإصحاح الثاني عشر من إنجيل متى "أَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال".

في الإسلام، تحدث القرآن والحديث النبوي عن يونان تحت اسم يونس بن متى. ووردت قصة ابتلاع الحوت له في سورة الصافات. يمكن تلخيص قصة النبي يونس في الإسلام بحسب وجهة النظر الإسلامية بما جاء في تفسير ابن كثير: "يونس بن متى، عليه السلام، بعثه الله إلى أهل قرية "نينوى"، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضباً لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث. فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله عز وجل، وجأروا إليه، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحملانها، فرفع الله عنهم العذاب... وأما يونس فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فلججت بهم، وخافوا أن يغرقوا. فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضاً، فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضاً... فقام يونس وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله، سبحانه وتعالى، من البحر الأخضر - فيما قاله ابن مسعود - حوتاً يشق البحار، حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت ألا تأكل له لحماً، ولا تهشم له عظماً، فإن يونس ليس لك رزقاً، وإنما بطنك له يكون سجناً...".

 

متى عرف العراقيون صوم الباعوثة؟

 

من المعروف أن الكنيسة السريانية في العراق انقسمت إلى كنيستين. تُعرف الأولى باسم الكنيسة الكلدانية، ويرى أتباعها أن لهم صلة قرابة بالبابليين القدماء الذين سكنوا وسط وجنوب العراق. أما الكنيسة الثانية فتُعرف باسم الكنيسة الآشورية، ويعتقد أتباعها بأنهم أحفاد الأشوريين القدماء الذين أقاموا إمبراطورية واسعة في القرن الثامن قبل الميلاد.

اعتمادًا على التباين القائم بين الكنيستين فإن لكل منهما وجهة نظر مختلفة فيما يخص تحديد تاريخ صوم الباعوثة في العراق. بالنسبة للكنيسة الآشورية -والتي تحظى مدينة نينوى لديها بمكانة عظيمة- فإنها تؤكد على أن صوم الباعوثة ظهر للمرة الأولى على يد النبي يونان عندما دعا أهل نينوى للتوبة عن الخطايا التي اقترفوها.

يقول الباحث الأشوري أبرم شبيرا موضحاً ذلك الرأي: "بعد ظهور المسيح، واعتناق الآشوريين المسيحية وهي في سنواتها الأولى، أصبح للتوراة وقع كبير على الشعب الآشوري وتأثير عميق في إحياء ذكرياتهم القومية التاريخية عن بلادهم ومدنهم وملوكهم، خصوصاً عظمة نينوى التي شكلت محور أساطير العهد القديم بما فيها قصة قدوم النبي يونان إليها وخشوع الملك سنحاريب لإرادة الرب. وتدلنا مخطوطات كنيسة المشرق الآشورية التي دونها القديس مار أفرام السرياني (أو الآشوري) (306-373م) إلى ممارسة الآشوريين لهذا الصوم. كانوا يصومون لمدة 40 يوماً خصوصاً في أوقات الأزمات أو خلال المذابح ضد أتباع كنيسة المشرق من قِبل الفرس وأتباعهم. وبسبب ارتباط تاريخ الآشوريين وكنيستهم بالمآسي والفواجع والتشرد من أوطانهم وخضوعهم لشتى أنواع الاضطهادات، ارتبط هذا الطقس بهم طيلة تاريخهم الطويل وتواتروا على ممارسته حتى انتظامه سنوياً في العصور الحديثة بشكل ثابت ومستقر، وأدرج في التقويم الكنسي لكنيسة المشرق واُعتبر من المناسبات المهمة التي ينتظرها الكثيرون ممن يسعون إلى تحقيق آمالهم عن طريق الصيام والتورع الى الرب خالق الجميع. ولكن في الآونة الاخيرة وبسبب ظروف العصر اختصر الصوم إلى ثلاثة أيام...".

على الجانب المقابل، يرفض الكلدانيون الاعتراف بقدم صوم الباعوثة. ويرجعونه إلى أسباب تاريخية بحتة. فيقولون إن هذا النوع من الصوم ظهر للمرة الأولى في القرن السادس الميلادي. وأنه ارتبط اسميًا -فقط- بقصة النبي يونان. يشرح بطريرك الكلدان الكاثوليك في العراق لويس روفائيل ساكو هذا الأمر فيقول إن مرض الطاعون انتشر في سنة 576م في شمال العراق في المنطقة الواقعة بين مثلث كركوك، والموصل، وتكريت، وذلك في زمن جاثليق (متقدم الأساقفة) الكنيسة السريانية النسطوري، حزقيال. وبسبب زيادة حالات الموت بين الناس اقترح مطران كركوك سبريشوع على الجاثليق حزقيال الصوم ثلاثة أيام، فاستحسنه الجاثليق وأمر به. يستشهد الكلدانيون على ذلك بالقصة المشهورة التي ذكرها عمرو بن متى في كتابه "أخبار فطاركة كرسي المشرق" في سياق الحديث عن الجاثليق حزقيال.

جاء في تلك الرواية: "بسبب ارتفاع الموت المذكور كان أنَّ مطران باجرمي وأسقف نينوى اتفق رأيهما على عمل الباعوثة وعرّفوا هذا الأب بذلك فأعجبه وكتب إلى سائر الأمصار المشرقية أن يكونون بأسرهم متفقين على رأي واحد ونية واحدة ويصوموا ثلاثة أيام أولها يوم الاثنين قبل الصوم الكبير بعشرين يوماً ويطلبوا من الله أن يرحمهم ويقبل سؤلهم مثلما قبل من أهل نينوى ويرفع الموت عن خلقه وأن يكون صيام هذه الثلاثة أيام مؤبداً طول الزمان. فلمّا عملوا ذلك قَبِلَ الله منهم ورفع الموت، ومن ذلك اليوم سُمِّيَت هذه الباعوثة صوم نينوى لكونهم قالوا: نعمل مثل أهل نينوى وتخلَّصوا منه برفع السخط عنهم…".

انتقل طقس صوم الباعوثة من العراق إلى العديد من مناطق الشرق القديم. على سبيل المثال، لمّا اعتلى البابا أبرام بن زرعة -السرياني الأصل- كرسي الكرازة المرقسية في مصر سنة 975م، أمر الأقباط بهذا الصوم. وقد ظل صوم الباعوثة معروفاً في مصر على مر القرون، ومازال قائماً حتى اليوم.

 

طقوس صوم الباعوثة

 

يبدأ صوم الباعوثة يوم الاثنين الثالث السابق للصوم الكبير، أي قبل 20 يوماً من بدء الصوم الكبير، ويستمر ثلاثة أيام. خلال تلك الأيام، يذهب الكثير من المسيحيين العراقيين إلى الكنائس. وينخرطون في الصلاة والدعاء من الصباح وحتى ظهيرة اليوم. ويتم ترديد بعض الأناشيد المحفوظة في التراث الكنسي العراقي القديم، خلال أيام الصوم الثلاثة.

يعرف المسيحيون العراقيون بعض الأكلات الشعبية المرتبطة بصوم الباعوثة. من تلك الأكلات الأكلة الأشورية المشهورة التي تُعرف باسم البوخن، وهي عبارة عن مادة غذائية تتكون من "تحميص سبعة أنواع من الحبوب الشائعة الاستعمال تطحن معاً ثم تملح وفي الليلة الأخيرة من الصوم تؤخذ كمية منها يتم تقديرها عن طريق وضع إبهام اليد ثلاث مرات في البوخن وتحميل ظهر الإبهام (الظفر) بها ثم دفعها تحت اللسان والركون إلى النوم بأمل الحلم بأحلام تحقيق آمالهم المستعصية". يعتقد الكثيرون أن تناول تلك الأكلة في هذا اليوم يساعد في استدعاء الأحلام السعيدة في المنام.

الحارث بن جبلة الغساني.. الزعيم العلماني للكنيسة السريانية
الحارث بن جبلة الغساني.. الزعيم "العلماني" للكنيسة السريانية
تختلف صورة الملك الغساني الحارث بن جبلة في المصادر العربية والبيزنطية عنها في المصادر السريانية. ففي حين يظهر عند الطبري واليعقوبي والمسعودي، وكذلك عند بروكوبيوس وملالاس، مقاتلاً من الطراز الرفيع ضد أعدائه المناذرة من عرب العراق، ومن يقف خلفهم من ملوك الساسانيين، نجده في المصادر السريانية مقاتلاً من مقاتلي المسيح على خطى القديس الجندي سيرجيوس، جعل هدفه خدمة كنيسته السريانية الأرثوذوكسية "ذات الإيمان القويم".

في الآونة الأخيرة، ارتبط صوم الباعوثة ببعض الأحداث المستجدة. ففي يناير 2021م كتب بطريرك الكلدان لويس روفائيل ساكو داعياً للربط بين صوم الباعوثة والدعاء لإزالة الغمة التي فرضها فيروس كورونا على جميع أنحاء العالم، فقال: "إن وباء كورونا الفتاك الذي تفشى في كل دول العالم، ومسَّ حياة الملايين من الناس يُشبه وباء الطاعون في زمن الجاثليق حزقيال! ... وكما فعل المسيحيون أيام الجاثليق حزقيال وزال عنهم الوباء، لنقتد بهم نحن أيضاً، ونحول هذه التجربة الأليمة إلى فرصة نعمة وخير، من خلال وقفة روحية واجتماعية تضامنية جادة: تعالوا نصوم معاً ونتوب عن خطايانا، ونصلي من أجل الخلاص من وباء كورونا، ونتأمل في معنى وجودنا، ونتحمل مسؤولياتنا تجاه إخوتنا ومجتمعاتنا".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.
يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.

بعد اتفاق سياسي تأخر لسنوات، سينطلق التعداد العام للسكان في العراق نوفمبر المقبل دون ذكر الانتماء القومي للسكان.

اعتبر محللون عراقيون أن ذلك سيجنب البلد "المزيد من الجدل". ورغم عدم تقديم اعتراضات رسمية، إلا أن ممثلين عن الأقليات أعربوا عن قلق من استغلال النتائج.

وزارة التخطيط وعلى لسان متحدثها الرسمي عبد الزهرة الهنداوي أبلغت "ارفع صوتك" أن التعداد السكاني سينطلق بين 20 و21 نوفمبر المقبل، وسيكون تعداداً "تنموياً" لمعرفة الواقع المعيشي والاقتصادي والخدمي المقدم للعراقيين.

بموجب هذا التعداد، "سيتم وضع الخطط المستقبلية لتحقيق العدالة في توزيع الثروات"، يقول الهنداوي.

ويشير إلى أن التعداد في العراق سابقاً "كان يتضمن فقرة تتعلق بالقومية ولم يكن هناك أية أسئلة تتعلق بالمذهب". أما النسخة الحالية منه فستكون "خالية من السؤالين، كون هذه الأسئلة غير مجدية من الناحية التنموية".

ويؤكد الهنداوي أن ذكر القومية "كان أحد أسباب تأجيل الإحصاء في سنوات سابقة، نتيجة خلافات سياسية". لذلك فإن الأمم المتحدة رأت "إلغاء أي سؤال يمكن أن يعرقل التعداد".

وعن أهم الأسباب التي أدت إلى تأجيل التعداد أكثر من مرة منذ 2003، يشرح الهنداوي أنها كانت أحياناً تتعلق بالخلافات السياسية وفي أحيان أخرى بالأوضاع الأمنية أو عدم توفر التخصيصات المالية اللازمة، الإضافة إلى الأسباب الصحية التي رافقت انتشار فيروس كورونا سنة 2020.

وحالياً، تمت "معالجة الخلافات باتفاق سياسي، والوضع الأمني مستقر. بالتالي كل الظروف أصبحت مهيأة لإجراء أول تعداد سكاني في العراق منذ 27 عاماً"، بحسب الهنداوي.

لماذا تفشل دول عربية في إجراء التعداد السكاني بشكل دوري؟
يُعتبر تعداد السكان والمساكن من بين أكثر العمليات ضخامة وتعقيداً التي يمكن لأي دولة القيام بها. وبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن التعداد السكاني يحتاج إلى أن تكون البلدان التي تقوم به في حالة سلم، إذ يتطلب التخطيط الدقيق وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة.

قلق في صفوف الأقليات

على الرغم من إدراج الديانة للسكان كما تقول وزارة التخطيط، إلا أن هناك أقليات تعتبر نفسها قومية منفصلة مثل الشبك والكرد الفيلين وبعض الأيزيديين.

يوضح نائب رئيس مجلس الأقليات العراقي محمد الشبكي لـ"ارفع صوتك": "بحسب المناقشات التي سبقت التعداد السكاني في الأعوام السابقة، فقد تم تقديم مقترح لوضع سؤال يتعلق بالقومية، على أن تُترك الخانة فارغة ليقوم المواطن بكتابتها بنفسه إذا رغب".

ويقول إن التعداد السكاني في النسخ السابقة كان يتم فيه ذكر القوميات الأساسية العرب والأكراد والتركمان ثم يتم كتابة كلمة "أخرى"، لذلك فإن "أقليات قومية مثل الشبك والكرد الفيلين لم يتم تعدادهم بشكل صحيح، وكنا نعتبر الإحصاء الحالي يمكن أن ينصفهم"، وفق تعبيره.

يتركز وجود الشبك في المناطق المتنازع عليها بين الإقليم والمركز وهي مناطق صراع، يتابع الشبكي "من جهة، ترغب الحكومة المركزية بالسيطرة عليها، ومن جهة أخرى يرغب الإقليم باعتبار سكانها أكراداً. وبهذا تصبح مناطقهم تابعة للإقليم".

ويعرب الشبكي عن قلقه من "استخدام البيانات (من التعداد) لمسائل سياسية أو لتثبيت واقع حال أو تلاعب بحدود المحافظات".

في المقابل،  يرى رئيس ائتلاف الرافدين يونادم كنا أن إلغاء القومية من التعداد السكاني "أمر إيجابي لأنه يخدم النهج الوطني".

ويبين لـ"ارفع صوتك" أن كوتا الأقليات في البرلمان العراقي "لن تتأثر بإحصاء السكان، كونها أقرت بقانون وزعت فيه المقاعد بموجب اتفاق سياسي لم يؤخذ فيه بنظر الاعتبار عدد السكان".

 ولو كان تم الأخذ بنظر الاعتبار عدد السكان "لكنّا رأينا عدد مقاعد مختلف الأقليات خصوصاً أتباع الديانة المسيحية، إذا أخذنا التعداد التقديري السابق الذي تحدث عن وجود مليون ونصف المليون مسيحي في البلد ولهم 15 مقعداً في البرلمان"، يضيف كنا.

وبحسب نظام كوتا الأقليات في البرلمان العراقي، فإن هناك خمسة مقاعد للمسيحيين موزعة على محافظات بغداد ونينوى وكركوك ودهوك وأربيل، ومقعد واحد لكل من الأيزيدين والصابئة والشبك والكرد الفيلية.

الحالة الوحيدة المثيرة للقلق، كما يقول كنا "إذا رأينا بعد التعداد وظهور النتائج نفساً قومياً عنصرياً أو دينياً متشدداً يمكن أن يؤثر سلباً إذا ما طالب بإعادة النظر بالقانون، وهو أمر إذا ساد فأقرأ السلام على الوطن" على حدّ تعبيره.


"تذويب الهويات"

يرى المحلل السياسي أحمد الشريفي أن عدم إدراج خيارات القومية والمذهب في التعداد السكاني، "يعني تذويب الهويات الفرعية إلى هوية وطنية واحدة، وهو خيار إيجابي يؤدي إلى جمع العراقيين تحت مظلة العنوان الوطني الواحد".

يقول لـ"ارفع صوتك": "في السابق كانت المذهبية غير موجودة في الإحصاء السكاني، لكن القومية كانت حاضرة منذ تسلّم حزب البعث للسلطة الذي ذهب باتجاه تعزيزها بعد تبنيه مبدأ القومية العربية فوق باقي المكونات، فضلاً عن ترسيخه للعشائرية والقبلية في نظام الحكم".

ويرجّح الشريفي أن الغاء القومية "سيكون ورقياً فقط" بينما في الواقع، بحسب كلامه "ستكون الأزمة حاضرة في الظاهرة السياسية، وأقرب مصداق لها قضية كركوك التي تتجاذبها ثلاث قوميات (الكرد والعرب والتركمان) وكل منهم يدعي أنه يمثل الأغلبية".

لكن مشكلة كركوك، يستدرك الشريفي "لم تبدأ بعد عام 2003 بل منذ عقود، عندما قرر حزب البعث تغيير الحدود الإدارية لعدد من المحافظات ومنها كركوك التي كانت تضم 36 وحدة إدارية ليتبقى منها 16 فقط".

يتابع: "لا يزال النزاع قائماً وكامناً وفاعلاً، وبسبب وجوده، فإن المحافظة الغنية بالنفط عاجزة عن اختيار محافظ لها اليوم، رغم مرور أشهر على انتخابات مجالس المحافظات".

يتفق المحلل السياسي إياد العنبر مع ما ذهب إليه الشريفي، بالقول "من الناحية السياسية نحن أمام قضيتين الأولى هي المناطق المتنازع عليها، والثانية هي كركوك. وهي من الخلافات المهمة بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان. وفي حال إجراء إحصاء يتضمن القومية فإنه يمكن أن يؤجج المشكلة أكثر من أن يقدم حلاً لها".

وتعتبر الخلافات على المناطق المتنازع عليها واحدة من أعقد المشكلات بين إقليم كردستان وبغداد، وهي تتضمن محافظات كركوك ونينوى وصلاح الدين وديالى. وكان الدستور أقر المادة 140 كحل لها، التي تتضمن ثلاث خطوات، إحداها تتعلق بإجراء إحصاء للسكان واستفتاء لتحديد المصير.

وزارة التخطيط نأت بنفسها عن أن تكون جزءاً من تنفيذ المادة الدستورية من خلال تقديمها سؤالاً إلى المحكمة الاتحادية عام 2010، يتعلق بالإحصاء السكاني وإذا ما كان هو ذاته المقصود في الدستور. وحينها أشارت المحكمة إلى أنه لا يوجد أي ربط بين الإحصاء العام والإحصاء المذكور ضمن المادة 140.

مع ذلك يرى العنبر أن قضية الأرقام المتعلقة بالمذاهب والقوميات "واضحة في أغلب المناطق لأن أغلبها معروف من يسكنها، لكن البعض يحاول استثمار الموضوع للتجاذبات السياسية والدخول في جدل سياسي جديد. وربما يتم الطعن في بعض النتائج باعتبارها تغيير ديمغرافي إذا ما تم ذكر القومية والمذهب وهو أمر لسنا بحاجة له على الإطلاق".

لماذا عجز العراق عن إجراء تعداد سكاني منذ ربع قرن؟
عام 1997م أجرى العراق تعداده السكاني الأخير. عملية شابتها الكثير من المشاكل، فلم يُجرَ الاستطلاع إلا في 15 محافظة بعد استبعاد محافظات إقليم كردستان، الأمر الذي دفع بعض الباحثين لعدم الاعتراف بنتائجه والاكتفاء ببيانات الإحصاء الذي سبقه بعشر سنوات وشمل جميع محافظات العراق.

مقاعد

في السياق نفسه، يقول رئيس مركز "المورد" للدراسات والإعلام نجم القصاب، إن عدم ذكر القومية والمذهب في التعداد معناه أن "الحكومة تتعامل مع المواطن كونه عراقياً فقط، وليس على أساس المكونات". 

والمكون، برأيه "يقسم المجتمع أولاً، والدولة العراقية ثانياً" مردفاً "لهذا علينا أن نغادر هذه المسميات وهذه الأسماء".

ولكن، ما تأثير ذلك على التعداد السكاني؟ يقول القصّاب إنه "يتعلق بالفروقات السكانية التي يمكن أن تظهر بين محافظة وأخرى، وهو أمر من شأنه إحداث تغييرات في التمثيل البرلماني للمحافظات".

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "إذا ما حصل وكانت الأرقام الحقيقية خلال التعداد السكاني مختلفة عن التقديرات في المحافظات، فمن يظهر وجود نسبة سكان أعلى لن تتضرر بل ستستفيد لأن تمثيلها السكاني سيرتفع. أما المحافظات التي تتراجع بها النسبة السكانية بشكل ملحوظ ستتراجع نسبة تمثيلها البرلماني وتصبح مقاعدها أقل".

تغيير نسب السكان معناه كما يقول المحلل السياسي علي الحبيب لـ"ارفع صوتك" أن هناك إمكانية لـ"زيادة مقاعد بعض المحافظات التي سيرتفع عدد سكانها، كما سترتفع حصتها المالية التي تعتمد على عدد السكان وتتغير الخطط التنموية المتعلقة بها"، وإذا تراجع عدد السكان "سيحصل العكس، أي أن تتراجع أعداد المقاعد وتنخفض تخصيصاتها المالية".

هذه العوامل، بحسب الحبيب "تثير المخاوف لدى المراقبين من إمكانية حصول تدخلات لتحقيق مكاسب سياسية ومالية عبر التأثير على عملية التعداد، التي تؤدي إلى تحقيق نتائج غير دقيقة، خصوصاً أن لدينا تغيرات ديمغرافية قبل وبعد عام 2003، ووجود عدد كبير من النازحين في المخيمات".

جزء من هذه المخاوف تأتي "لعدم توفر البنية التحتية الضرورية مثل التقنية والموارد البشرية المدربة بشكل كافٍ، وعدم تنمية الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية ليُدلي ببياناته بشكل دقيق"، يتابع الحبيب، مضيفاً "كل هذه المعوقات من شأنها أن تؤثر سلبياً على نتائج الإحصاء".

والحل، أن يبذل العراق "جهوداً كبيرة لتطوير البنية التحتية، وحل أزمة الثقة بين المواطن والحكومة للوصول إلى نتائج حقيقية للإحصاء السكاني"، يقول الحبيب.