يعرف المسيحيون العراقيون صوم يونان أو صوم الباعوثة باعتباره أحد أنواع الصيام المعروفة في بلاد الرافدين منذ قرون. الباعوثة كلمة كلدانية – آرامية تعني الطلب والتضرع. ويرتبط هذا الصيام بقصة النبي يونان أو يونس، كما هو معروف في المصادر الإسلامية، وذهابه إلى مدينة نينوى العظيمة عاصمة الإمبراطورية الآشورية القديمة. ما هي قصة النبي يونان؟ وماذا فعل في نينوى؟ ولماذا يوجد اختلاف بين الكلدان والآشوريين حول تحديد أصل الباعوثة؟ وما هي الطقوس العراقية المرتبطة بذلك الصوم؟
قصة يونان ونينوى
وردت قصة النبي يونان بن أمتاي في أسفار العهد القديم. جاء في تلك الأسفار أن النبي يونان عاش في مملكة إسرائيل الشماليّة في القرن الثامن قبل الميلاد في أيام الملك ياربعام الثاني. وأنه كُلف من قِبل الإله يهوه بالذهاب إلى العراق لدعوة أهل مدينة نينوى إلى التوبة والكف عن عمل الشر.
يذكر القمص تادرس يعقوب في كتابه "تفسير الكتاب المقدس" أن "يونان لم يحتمل الذهاب إلى نينوى فتَخْلُصَ (إي فتنجو) على حساب شعبه إسرائيل، فعصى الرب لا عن كراهية في القلب وإنما عن غيرة من جهة شعبه...". عزم يونان بعدها على السفر غرباً ناحية بلاد الأندلس، وعندها عاقبه يهوه.
جاء في سفر يونان "... وأما الرب فأعد حوتاً عظيماً ليبتلع يونان فكان يونان في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال. فصلى يونان إلى الرب إلهه من جوف الحوت. وقال دعوت من ضيقي الرب فاستجابني. صرخت من جوف الهاوية فسمعت صوتي...".
بحسب ما ورد في السفر، فإن يهوه استجاب لدعاء يونان بعد ثلاثة أيام "وأمر الرب الحوت فقذف يونان إلى البر".
وعندها ذهب النبي إلى نينوى وبدأ في دعوة أهلها إلى طريق الحق. جاء في الإصحاح الثالث من سفر يونان "...فأمن أهل نينوى بالله ونادوا بصوم ولبسوا مسوحاً من كبيرهم إلى صغيرهم. وبلغ الأمر ملك نينوى فقام عن كرسيه وخلع رداءه عنه وتغطى بمسح وجلس على الرماد. ونودي وقيل في نينوى عن أمر الملك وعظمائه قائلاً لا تذوق الناس، ولا البهائم ولا البقر ولا الغنم شيئاً لا ترعى ولا تشرب ماء. وليتغط بمسوح الناس والبهائم ويصرخوا إلى الله بشدة ويرجعوا كل واحد عن طريقه الرديئة وعن الظلم الذي في أيديهم. لعل الله يعود ويندم ويرجع عن حمو غضبه فلا نهلك. فلما رأى الله أعمالهم أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة ندم الله على الشر الذي تكلم أن يصنعه بهم فلم يصنعه".
تحدث العهد الجديد أيضاً عن النبي يونان ورحلته إلى نينوى. تم تشبيه يونان بالمسيح نفسه. على سبيل المثال جاء في الإصحاح الحادي عشر من إنجيل لوقا "لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى، هكذا يكون ابن الإنسان لهذا الجيل". وكذلك جاء في الإصحاح الثاني عشر من إنجيل متى "أَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال".
في الإسلام، تحدث القرآن والحديث النبوي عن يونان تحت اسم يونس بن متى. ووردت قصة ابتلاع الحوت له في سورة الصافات. يمكن تلخيص قصة النبي يونس في الإسلام بحسب وجهة النظر الإسلامية بما جاء في تفسير ابن كثير: "يونس بن متى، عليه السلام، بعثه الله إلى أهل قرية "نينوى"، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضباً لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث. فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله عز وجل، وجأروا إليه، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحملانها، فرفع الله عنهم العذاب... وأما يونس فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فلججت بهم، وخافوا أن يغرقوا. فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضاً، فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضاً... فقام يونس وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله، سبحانه وتعالى، من البحر الأخضر - فيما قاله ابن مسعود - حوتاً يشق البحار، حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت ألا تأكل له لحماً، ولا تهشم له عظماً، فإن يونس ليس لك رزقاً، وإنما بطنك له يكون سجناً...".
متى عرف العراقيون صوم الباعوثة؟
من المعروف أن الكنيسة السريانية في العراق انقسمت إلى كنيستين. تُعرف الأولى باسم الكنيسة الكلدانية، ويرى أتباعها أن لهم صلة قرابة بالبابليين القدماء الذين سكنوا وسط وجنوب العراق. أما الكنيسة الثانية فتُعرف باسم الكنيسة الآشورية، ويعتقد أتباعها بأنهم أحفاد الأشوريين القدماء الذين أقاموا إمبراطورية واسعة في القرن الثامن قبل الميلاد.
اعتمادًا على التباين القائم بين الكنيستين فإن لكل منهما وجهة نظر مختلفة فيما يخص تحديد تاريخ صوم الباعوثة في العراق. بالنسبة للكنيسة الآشورية -والتي تحظى مدينة نينوى لديها بمكانة عظيمة- فإنها تؤكد على أن صوم الباعوثة ظهر للمرة الأولى على يد النبي يونان عندما دعا أهل نينوى للتوبة عن الخطايا التي اقترفوها.
يقول الباحث الأشوري أبرم شبيرا موضحاً ذلك الرأي: "بعد ظهور المسيح، واعتناق الآشوريين المسيحية وهي في سنواتها الأولى، أصبح للتوراة وقع كبير على الشعب الآشوري وتأثير عميق في إحياء ذكرياتهم القومية التاريخية عن بلادهم ومدنهم وملوكهم، خصوصاً عظمة نينوى التي شكلت محور أساطير العهد القديم بما فيها قصة قدوم النبي يونان إليها وخشوع الملك سنحاريب لإرادة الرب. وتدلنا مخطوطات كنيسة المشرق الآشورية التي دونها القديس مار أفرام السرياني (أو الآشوري) (306-373م) إلى ممارسة الآشوريين لهذا الصوم. كانوا يصومون لمدة 40 يوماً خصوصاً في أوقات الأزمات أو خلال المذابح ضد أتباع كنيسة المشرق من قِبل الفرس وأتباعهم. وبسبب ارتباط تاريخ الآشوريين وكنيستهم بالمآسي والفواجع والتشرد من أوطانهم وخضوعهم لشتى أنواع الاضطهادات، ارتبط هذا الطقس بهم طيلة تاريخهم الطويل وتواتروا على ممارسته حتى انتظامه سنوياً في العصور الحديثة بشكل ثابت ومستقر، وأدرج في التقويم الكنسي لكنيسة المشرق واُعتبر من المناسبات المهمة التي ينتظرها الكثيرون ممن يسعون إلى تحقيق آمالهم عن طريق الصيام والتورع الى الرب خالق الجميع. ولكن في الآونة الاخيرة وبسبب ظروف العصر اختصر الصوم إلى ثلاثة أيام...".
على الجانب المقابل، يرفض الكلدانيون الاعتراف بقدم صوم الباعوثة. ويرجعونه إلى أسباب تاريخية بحتة. فيقولون إن هذا النوع من الصوم ظهر للمرة الأولى في القرن السادس الميلادي. وأنه ارتبط اسميًا -فقط- بقصة النبي يونان. يشرح بطريرك الكلدان الكاثوليك في العراق لويس روفائيل ساكو هذا الأمر فيقول إن مرض الطاعون انتشر في سنة 576م في شمال العراق في المنطقة الواقعة بين مثلث كركوك، والموصل، وتكريت، وذلك في زمن جاثليق (متقدم الأساقفة) الكنيسة السريانية النسطوري، حزقيال. وبسبب زيادة حالات الموت بين الناس اقترح مطران كركوك سبريشوع على الجاثليق حزقيال الصوم ثلاثة أيام، فاستحسنه الجاثليق وأمر به. يستشهد الكلدانيون على ذلك بالقصة المشهورة التي ذكرها عمرو بن متى في كتابه "أخبار فطاركة كرسي المشرق" في سياق الحديث عن الجاثليق حزقيال.
جاء في تلك الرواية: "بسبب ارتفاع الموت المذكور كان أنَّ مطران باجرمي وأسقف نينوى اتفق رأيهما على عمل الباعوثة وعرّفوا هذا الأب بذلك فأعجبه وكتب إلى سائر الأمصار المشرقية أن يكونون بأسرهم متفقين على رأي واحد ونية واحدة ويصوموا ثلاثة أيام أولها يوم الاثنين قبل الصوم الكبير بعشرين يوماً ويطلبوا من الله أن يرحمهم ويقبل سؤلهم مثلما قبل من أهل نينوى ويرفع الموت عن خلقه وأن يكون صيام هذه الثلاثة أيام مؤبداً طول الزمان. فلمّا عملوا ذلك قَبِلَ الله منهم ورفع الموت، ومن ذلك اليوم سُمِّيَت هذه الباعوثة صوم نينوى لكونهم قالوا: نعمل مثل أهل نينوى وتخلَّصوا منه برفع السخط عنهم…".
انتقل طقس صوم الباعوثة من العراق إلى العديد من مناطق الشرق القديم. على سبيل المثال، لمّا اعتلى البابا أبرام بن زرعة -السرياني الأصل- كرسي الكرازة المرقسية في مصر سنة 975م، أمر الأقباط بهذا الصوم. وقد ظل صوم الباعوثة معروفاً في مصر على مر القرون، ومازال قائماً حتى اليوم.
طقوس صوم الباعوثة
يبدأ صوم الباعوثة يوم الاثنين الثالث السابق للصوم الكبير، أي قبل 20 يوماً من بدء الصوم الكبير، ويستمر ثلاثة أيام. خلال تلك الأيام، يذهب الكثير من المسيحيين العراقيين إلى الكنائس. وينخرطون في الصلاة والدعاء من الصباح وحتى ظهيرة اليوم. ويتم ترديد بعض الأناشيد المحفوظة في التراث الكنسي العراقي القديم، خلال أيام الصوم الثلاثة.
يعرف المسيحيون العراقيون بعض الأكلات الشعبية المرتبطة بصوم الباعوثة. من تلك الأكلات الأكلة الأشورية المشهورة التي تُعرف باسم البوخن، وهي عبارة عن مادة غذائية تتكون من "تحميص سبعة أنواع من الحبوب الشائعة الاستعمال تطحن معاً ثم تملح وفي الليلة الأخيرة من الصوم تؤخذ كمية منها يتم تقديرها عن طريق وضع إبهام اليد ثلاث مرات في البوخن وتحميل ظهر الإبهام (الظفر) بها ثم دفعها تحت اللسان والركون إلى النوم بأمل الحلم بأحلام تحقيق آمالهم المستعصية". يعتقد الكثيرون أن تناول تلك الأكلة في هذا اليوم يساعد في استدعاء الأحلام السعيدة في المنام.
في الآونة الأخيرة، ارتبط صوم الباعوثة ببعض الأحداث المستجدة. ففي يناير 2021م كتب بطريرك الكلدان لويس روفائيل ساكو داعياً للربط بين صوم الباعوثة والدعاء لإزالة الغمة التي فرضها فيروس كورونا على جميع أنحاء العالم، فقال: "إن وباء كورونا الفتاك الذي تفشى في كل دول العالم، ومسَّ حياة الملايين من الناس يُشبه وباء الطاعون في زمن الجاثليق حزقيال! ... وكما فعل المسيحيون أيام الجاثليق حزقيال وزال عنهم الوباء، لنقتد بهم نحن أيضاً، ونحول هذه التجربة الأليمة إلى فرصة نعمة وخير، من خلال وقفة روحية واجتماعية تضامنية جادة: تعالوا نصوم معاً ونتوب عن خطايانا، ونصلي من أجل الخلاص من وباء كورونا، ونتأمل في معنى وجودنا، ونتحمل مسؤولياتنا تجاه إخوتنا ومجتمعاتنا".
