ظهر الدين البهائي للمرة الأولى في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي في كل من العراق وإيران.
ظهر الدين البهائي للمرة الأولى في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي في كل من العراق وإيران.

ظهر الدين البهائي للمرة الأولى في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي في كل من العراق وإيران. لم يمر وقت طويل حتى تمكن البهائيون من نشر معتقداتهم في عشرات الدول. وتقدر أعداد معتنقي البهائية في العالم اليوم بما يزيد عن الستة ملايين شخص.

تباينت أوضاع البهائيين العراقيين بين الاعتراف في العهد الملكي في الربع الأول من القرن العشرين، وحظر أنشطتهم بشكل كامل زمن النظام البعثي. وأخيراً تهميشهم وإبعادهم عن دائرة الضوء حالياً. ما هو تاريخ البهائية؟ وما هي أبرز طقوس ومبادئ هذا الدين؟ وكيف عاش البهائيون في العراق على مر السنين؟

 

تاريخ الدين البهائي

 

بدأت قصة الدين البهائي في إيران في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي. ازدهرت المدرسة الشيعية الشيخية التي أسسها أحمد بن زين الدين الإحسائي. وكانت تلك المدرسة تبشر بقرب ظهور المهدي المنتظر محمد بن الحسن العسكري الذي دخل في الغيبة الكبرى سنة 329ه.

في سنة 1844م، ظهر علي محمد رضا الشيرازي وأعلن أنه الباب "لمن يُظهره الله"، وأنه هو المهدي المنتظر الذي بشرت به الأديان والرسالات السابقة. ولاقت دعوته بعض القبول. واصطدم بالسلطة القاجارية الحاكمة في إيران، فتم إعدامه في سنة 1850م رمياً بالرصاص بشكل علني في مدينة تبريز.

الحدائق البهائية في حيفا حيث المركز على العالمي البهائي.
من عيد الرضوان إلى أيام الهاء.. تعرف على الأعياد والمناسبات البهائية!
تنتهي أيام الهاء البهائية في اليوم الأول من شهر مارس. تُعدّ تلك الأيام من أهم الفترات التي يعيشها البهائيون كل سنة. توجد أيضاً مجموعة أخرى من الأيام والأعياد المهمة في التقويم البهائي. يستذكر البهائيون، الذين يتجاوز عددهم الستة مليون شخص، تلك الأيام فيحرصون على تلاوة بعض النصوص المقدسة والأدعية. ما هي أهم تلك الأيام والأعياد؟ وما الذي نعرفه عن عيد الرضوان ويوم الميثاق؟ وكيف ارتبطت الذاكرة البهائية بشخصيتي الباب والبهاء؟

تفرق أتباع "الباب" بعد ذلك، وتم نفي الكثير منهم إلى العراق. أوصى الباب قُبيل وفاته أن يقوم الميرزا يحيى صبح أزل بخلافته في تنظيم شؤون الحركة البابية. في هذا الوقت قال حسين علي النوري -وهو الأخ غير الشقيق ليحيى صبح أزل- بأنه هو الشخص الذي بشر به الباب من قبل، وسمى نفسه "بهاء الله". وأعلن عن ذلك في حديقة النجيبية -والتي سماها بهاء الله بحديقة الرضوان- ببغداد في أبريل سنة 1863م. تسبب ذلك في بدء النزاع بين أتباع بهاء الله الذين عُرفوا باسم البهائية وأتباع الميرزا يحيى صبح أزل الذين عُرفوا باسم الأزلية.

حاولت الدولة العثمانية -التي كانت تحكم العراق في ذلك الوقت- أن تقضي على الصراع الدائر بين الأخوين. قامت بنفي بهاء الله وبعض أتباعه إلى إسطنبول، ثم ترحيله بعدها لقلعة عكا. ومكث هناك لعشرات السنين. تذكر المصادر البهائية أن بهاء الله مرض في الأيام الأخيرة من شهر مايو سنة 1892م، وأن الكثير من أتباعه توجهوا لزيارته فخاطبهم قائلاً: "إنّي راضٍ عنكم جميعاً فلقد أدّيتم خدمات عديدة وتحمّلتم المشقّة". بعدها توفي بهاء الله في التاسع والعشرين من مايو، ودفن في قصر البهجة بعكا.

بعد وفاة بهاء الله تولى ابنه عبد البهاء عباس مهمة الإشراف على الدعوة البهائية. ولكنه اصطدم هو الآخر بمعارضة أخيه غير الشقيق ميرزا محمد علي. ومن هنا ظهرت طائفتان داخل الدين البهائي. وهما "البهائيون العباسيون" أتباع عباس عبد البهاء، و"البهائيون الموحدون" أتباع ميرزا محمد علي.

 

العقائد والطقوس

 

أعلنت البهائية أنها أحد الأديان السماوية الإبراهيمية. واعتبرت نفسها مكملة للشرائع اليهودية والمسيحية والإسلامية. تتحدث الباحثة نارين صديق مام كاك في دراستها "البهائية في كردستان العراق" عن المبادئ الرئيسة في الديانة البهائية فتقول: تؤمن البهائية بإله واحد، وهذا يعني أن الكون وجميع المخلوقات وما فيه من قوى قد خلقها خالق متعالٍ، وهو فوق قدرة الإنسان والطبيعة.. أما المبدأ الثاني في البهائية فهو وحدة الجنس البشري. ويُقصد به أن لجميع البشر مواهب وقدرات إلهية معطاة، وأن الاختلافات الجسمانية مثل اللون والعرق هي أمور ثانوية وليس لها علاقة بأفضلية أي شعب عن الآخر. أما المبدأ الثالث للدين البهائي فيتمثل في وحدة الأديان. ويُقصد به أن هناك ديناً واحداً وهو دين الله، وهو ينمو ويتطور باستمرار، وكل نظام ديني يعتبر مرحلة من مراحل ذلك التطور الكامل، وإن الدين البهائي يمثل المرحلة المعاصرة من مراحل تطور الدين.

يمارس البهائيون طقوسهم في البيوت أو في مراكز بهائية عامة، ولا يوجد لديهم رجال دين، وتُعرف دور عبادتهم بـاسم "مشارق الأذكار". ويؤدون مجموعة من الطقوس والعبادات المهمة ومنها صيام الشهر المعروف باسم شهر العلاء، والذي يبدأ مع نهاية "أيام الهاء" في الثاني من مارس وينتهي مع حلول عيد النّيروز يوم 21 مارس. كما أنهم يقومون بأداء الصلاة، وعندهم ثلاث صلوات يومية، وهي الصلاة الكبرى، والصلاة الوسطى، والصلاة الصغرى. وكذلك يقوم البهائيون بأداء فريضة الحج. وقد نصت كتبهم المقدسة على أن الحج يجب أن يكون إلى بيت بهاء الله في بغداد، وبيت الباب في شيراز. يحج البهائيون أيضاً إلى المركز العالمي للبهائيين الذي يقع في مدينتي عكا وحيفا.

في السياق نفسه، يعرف البهائيون مجموعة من الأعياد والمناسبات المهمة. من تلك الأعياد، عيد الرضوان. ويحتفل البهائيون فيه ببداية دعوة بهاء الله إلى الدين الجديد. ويُعدّ يوم الرضوان أهم الأعياد عند البهائيين. يظهر ذلك في وصف بهاء الله لهذا العيد بأنّه "سلطان الأعياد". يستمر عيد الرضوان لمدة اثنا عشر يوماً بداية من يوم 21 أبريل وحتى 2 مايو. ويُحرّم العمل في اليوم الأول والتاسع والأخير منه.

يحتفي البهائيون أيضا بأيام الهاء والتي ترتبط بالتقويم البهائي المعروف باسم "التقويم البديع". تتكون السنة البهائية من 19 شهراً في كل منها تسعة عشر يوماً.  وتضاف 4 أو 5 أيام كل سنة -بحسب إذا ما كانت تلك السنة بسيطة أو كبيسة- حتى تتوافق السنة البهائية مع السنة الشمسية، وتُعرف تلك الأيام باسم "أيام الهاء". كذلك يحتفل البهائيون -مع غيرهم من الشعوب- بعيد النيروز في اليوم الحادي والعشرين من شهر مارس. وهو اليوم الذي يوافق يوم الاعتدال الربيعي من كل عام. يمثل هذا العيد بداية السنة الجديدة في التقويم البهائي ويليه مباشرة شهر الصيام.

 

البهائية في العراق

 

كان العراق مركزاً للديانة البهائية على مدى 10 أعوام في الفترة 1853م إلى 1863م وهي المدة التي قضاها بهاء الله في العراق قبل أن يتم ترحيله إلى تركيا. تمتع البهائيون العراقيون بالحق في الإعلان عن انتمائهم الديني في العصر الملكي. كفل لهم دستور العراق سنة 1925م ممارسة ديانتهم بحرية. وكان لهم بيت للعبادة في جانب حي الكرخ من العاصمة بغداد، وهو البيت الذي يُعرف ببيت حضرة بهاء الله. ويُعدّ هذا البيت من أقدس الأماكن في الدين البهائي. كذلك كان للبهائيين مقر في شارع النضال وسط بغداد يعرف بحظيرة القدس للبهائيين. ويعود تأسيس أول محفل محلي روحاني بهائي في العراق إلى سنة 1919م.

تغير الوضع بشكل كامل بعد وصول النظام البعثي إلى السلطة في العراق. صدر في سنة 1970م قرار من مجلس قيادة الثورة البعثيّ رقم 105 بحظر النشاط البهائيّ في العراق. وجاء في المادة الأولى من هذا القرار: "يحظر على كل شخص تحبيذ أو ترويج البهائية أو الانتساب لأي محفل أو جهة تعمل على تلقين أو نشر البهائية أو الدعوة إليها بأي شكل من الأشكال".

ونصّت المادة السادسة من هذا القانون على أنه "يعاقب المخالف لأحكام هذا القانون بالحبس مدة لا تقل عن 10 أعوام". ترتّب على إصدار ذلك القانون أن تم حلّ جميع المؤسسات البهائية في العراق، كما تم استبدال هويّتهم الدينيّة "بهائيّ" بـ "مسلم". أوضحت إحدى العراقيات المعتنقات للدين البهائي التأثير السيء لهذا القانون على البهائيين العراقيين عبر السنين فقالت: "حاول القانون طمس هويّتنا الدينيّة وتجريدنا من معتقداتنا وتذويبنا في هويّة الأغلبيّة الدينيّة المسلمة...".

حالياً، ما يزال البهائيون تحت طائلة عدم الاعتراف الرسمي كأقلية، رغم الإطاحة بحكم النظام البعثي في سنة 2003م. لم يستعد البهائيون الممتلكات التي تمّت مصادرتها في سبعينات القرن العشرين، كما ترفض المؤسسات الحكومية الاعتراف بهويتهم الدينية في الأوراق الرسمية. لا يوجد إحصاء دقيق لعدد البهائيين في العراق. ويغلب الظن أن الأغلبية الغالبة من البهائيين العراقيين يعيشون في كردستان العراق، بسبب الاستقرار الأمني والاجتماعي هناك. ويتمركزون في ثلاث محافظات في الإقليم، هي: السليمانية وأربيل ودهوك.

رغم التهميش، يحاول البهائيون العراقيون أن يعلنوا عن حضورهم في بعض المناسبات. على سبيل المثال احتفل البهائيّون في بغداد في 30 نوفمبر سنة 2017م بالذكرى المئويّة الثانية لمولد مؤسّس الدين البهائيّ بهاء الله، في مناسبة علنيّة، حضرها ممثّلون عن البرلمان العراقيّ والمفوّضيّة العليا لحقوق الإنسان، وممثّلو بعثة الأمم المتّحدة في العراق، وممثّلون عن المجتمع المدنيّ وناشطون إعلاميّون.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يُعدّ الدين المسيحي ثاني  أكبر الأديان في إيران من حيث عدد الأتباع، بعد الإسلام.
يُعدّ الدين المسيحي ثاني  أكبر الأديان في إيران من حيث عدد الأتباع، بعد الإسلام.

يُعدّ الدين المسيحي ثاني  أكبر الأديان في إيران من حيث عدد الأتباع، بعد الإسلام. ويعترف الدستور الإيراني في مادته الثالثة عشرة بالمسيحية باعتبارها أحد الأديان التي يُضمن لأفرادها حرية العقيدة والممارسة الدينية.

رغم ذلك، تتباين آراء المسيحيين الإيرانيين فيما يخص موقف الدولة منهم بعد انتصار "الثورة الإسلامية" سنة 1979، إذ يرى البعض أن النظام الحاكم أتاح للمسيحيين الفرصة للحصول على حريتهم الدينية الكاملة، فيما يرى آخرون أن النظام يتعمد تهميشهم وإقصاءهم.

كيف انتشرت المسيحية في إيران؟ وما هي أهم الطوائف المسيحية الإيرانية؟ وما هي وجهات النظر المختلفة حول موقف النظام الحاكم من المسيحيين الإيرانيين؟

 

كيف انتشرت المسيحية في إيران؟

عرفت إيران الدين المسيحي منذ فترة مبكرة. وبحسب التقاليد المسيحية، فإن القديس توما الرسول كان أول من بشر بالإنجيل في بلاد فارس وبلاد ما بين النهرين، ثم تبعه في مهمته تلميذه عداي أو مار آدي، ومن بعدهما تولى نبيل فارسي -اسمه ماري- رعاية الجماعات المسيحية الناشئة في المنطقة، ثم توالى سبعة أساقفة على التبشير في منطقة بلاد فارس حتى نهاية القرن الثالث الميلادي، ونجحوا في تلك الفترة في بناء ما يزيد على ٣٠٠ كنيسة في أماكن متفرقة من إيران.

يذكر الباحث سركيس أبو زيد في كتابه "المسيحية في إيران: دراسة في النشأة والواقع" أن معاملة السلطات الفارسية للمسيحيين تغيرت بشكل جذري تبعاً للظروف السياسية التي مرت بالمنطقة في القرون الوسطى. وعلى الرغم من أن معظم الحكومات الإيرانية اعتادت أن تعامل المسيحيين بروح من التسامح، إلا أن ثمة بعض الفترات التي عانى المسيحيون الإيرانيون خلالها من الاضطهاد والتضييق.

من جهة أخرى، لعب المسيحيون الإيرانيون دوراً مهماً في تاريخ الحضارة الفارسية في العصور القديمة. فمن ناحية، كانت إيران هي النقطة الأساس التي انتشرت منها المسيحية عبر قارة آسيا. فالمبشرون الأوائل الذين نقلوا دينهم إلى الصين في القرن السابع عشر الميلادي كانوا من إيران، حتى إن المصادر الصينية استمرت بالإشارة إلى المسيحية بكونها الدين الفارسي. ومن ناحية أخرى، اشتهر المسيحيون الإيرانيون بعلومهم المثيرة للإعجاب.

يقول أبو زيد في كتابه: "كانت مدرستهم -أي المسيحيين الإيرانيين- الطبية في جنديسابور، التي تقع جنوب غرب مقاطعة خوزستان الإيرانية، مركز التعليم النسطوري... قدمت تلك المدرسة أجيالاً عدة من الأطباء إلى البلاط الملكي الساساني واستمرت حتى الحقبة الإسلامية؛ حيث درب المعلمون المسيحيون العديد من العائلات العربية الرفيعة المستوى".

 

الآشوريون والأرمن والبروتستانت

حالياً، تتواجد العديد من الطوائف الدينية المسيحية داخل إيران، ويمكن أن نحدد 3 طوائف رئيسية تمثل الأغلبية الغالبة من المسيحيين الإيرانيين.

تُعدّ "كنيسة المشرق الأشورية" أقدم الطوائف المسيحية المنتشرة داخل إيران على الإطلاق. يعود تاريخ تأسيس تلك الكنيسة إلى القرن الخامس الميلادي. في تلك الفترة، تم عقد مجمع أفسس  سنة 431م، ورُفضت فيه أفكار نسطوريوس، بطريرك القسطنطينية بخصوص طبيعة المسيح. وعلى إثر ذلك، انتقلت أفكار نسطوريوس إلى العراق وبلاد فارس. وتأسست كنيسة المشرق أو كنيسة فارس.

تمتعت الكنيسة بنفوذ كبير في العصر العباسي، وظهر منها العديد من العلماء والمترجمين والأطباء ومنهم آل بختيشوع، وإسحاق بن حنين، ويوحنا بن ماسويه. حالياً، يتركز الوجود الأشوري في مدينة أرومية في محافظة أذربيجان، شمالي غربي إيران.

أيضاً، يتواجد أتباع كُثر للكنيسة الأرمينية داخل إيران، وقد تنامى نفوذ الكنيسة في بلاد فارس بالتزامن مع وصول الصفويين للحكم في بدايات القرن السادس عشر الميلادي.

وفي القرن السابع عشر، ازدادت أعداد المسيحيين الأرمن بعدما تم توطين مئات الآلاف منهم في مدينة أصفهان، كما أن الآلاف منهم قدموا إلى إيران في أثناء المذابح العثمانية في أرمينيا.

بشكل عام، تمكن المسيحيون المنحدرون من أصول أرمينية من الحصول على قدر كبير من الحرية في موطنهم الجديد. وساعدتهم الدولة في بناء العديد من الكنائس في مركزهم الرئيسي بحي جلفا بمدينة أصفهان، ومنها "كنيسة فانك" الشهيرة، والتي تُعتبر واحدة من أهم المزارات الدينية التي يقصدها السياح من داخل وخارج إيران.

يوجد كذلك حضور مهم للكنائس البروتستانتية المختلفة في إيران. وترجع بدايات هذا الحضور إلى بدايات القرن العشرين، في تلك الفترة، وقد نجحت الحملات التبشيرية البروتستانتية القادمة من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية في تحويل العديد من الأكراد في شمالي إيران إلى المسيحية.

 

وجهة النظر الرسمية: تسامح وحرية

يؤكد النظام الحاكم في إيران  احترامه للأقليات الدينية المتواجدة داخل حدود الدولة الإيرانية. وتأتي الأقلية المسيحية على رأس تلك الأقليات. وقد نصت المادة الثالثة عشرة من الدستور الإيراني على أن "الإيرانيين الزرادشت، واليهود، والمسيحيون هم وحدهم الأقليات الدينية المُعترف بها، وتتمتع بالحرية في أداء مراسمها الدينية ضمن نطاق القانون،  ولها أن تعمل وفق قواعدها في الأحوال الشخصية والتعاليم الدينية".

تبرهن الحكومة الإيرانية على تسامحها مع المكون المسيحي من خلال مجموعة من الشواهد والأدلة، ومن أهمها مشاركة المسيحيين في الحياة السياسية من خلال حصولهم على بعض المقاعد في "مجلس الشورى" و"البرلمان"، وإتاحة الفرصة لهم للإسهام في الأنشطة الاقتصادية بالدولة، ووجود ما يقرب من 600 كنيسة تتوزع في مناطق مختلفة من الجمهورية الإيرانية، بالإضافة إلى الحرية التي يتمتع بها المسيحيون فيما يخص قوانين الإرث والأحوال الشخصية، وإتاحة الفرصة لهم للاحتفال بالمناسبات الرسمية دون تضييق من الحكومة.

كذلك، تؤكد وجه النظر الإيرانية الرسمية وجود العديد من المدارس الخاصة التي تهتم بنقل المعارف الدينية لدي الأقلية المسيحية، ومنها بعض المدارس التابعة لكنيسة المشرق الآشورية، والعديد من المدارس الأرمينية في طهران، والتي تقوم بتدريس اللغة الأرمينية وتاريخ الشعب الأرمني دون تدخل يُذكر من الدولة.

بشكل عام، يحرص الإعلام الإيراني الرسمي على إبراز مجموعة من التصريحات التي تؤكد  التسامح الذي تتمتع به الأقلية المسيحية في البلاد.

على سبيل المثال، في 2021م، أبرزت وكالة ABNA الإيرانية، المقربة من النظام تصريحات كبير أساقفة كنيسة المشرق الآشورية في إيران "مار نرساي بنيامين"، والتي أكد فيها أن المسيحيين الإيرانيين يحظون بالأمن والسلام في ظل الحكومة الإسلامية.

وأضاف: "إن أفكار الخميني قد أدّت إلى التضامن والتعاطف بين أتباع الديانات السماوية في إيران". في السياق نفسه، يقول مسؤول أبرشية الأرمن في أرومية: "لا أعتقد أن لدينا محدوديات خاصة للعيش في إيران من قِبل الحكومة، بل إنها رسمت لنا أُطر ا معينة ودقيقة وضحتها بصورة شفافة لنتمكن من ممارسة جميع شعائرنا في هذه الأطر".

 

وجهة النظر المعارضة: اضطهاد وتضييق

على الجانب المقابل، تتصاعد شكوى العديد من المنظمات الحقوقية العالمية بخصوص الاضطهاد الذي يعاني منه المسيحيون داخل إيران وتحدد تلك المنظمات 3 تجليات واضحة لهذا الاضطهاد. أولها، إجبار النساء المسيحيات على ارتداء الحجاب/ الزي الإسلامي بعد انتصار "الثورة الإسلامية" في سنة 1979م، وثانيها، استهداف بعض القيادات المسيحية داخل إيران. أما التجلي الثالث فيتمثل في تجريم التحول العقائدي إلى المسيحية.

في تسعينيات القرن العشرين، أُثير النقاش حول استهداف المسيحيين الإيرانيين بعد اختفاء القس المسيحي هايك هوفسبيان. يعود هوسبيان إلى أصول أرمنية إيرانية، وكان أحد القادة المسيحيين القلائل الذين استمروا في التبشير بالمسيحية داخل إيران. ففي سنة 1994م، تعرض هوفسبيان للاختطاف من قِبل جهة غير معلومة. وتبادلت الحكومة الإيرانية مع حركة مجاهدي خلق المعارضة الاتهامات باختطافه، قبل أن يتم العثور عليه قتيلاً بعد 11 يوما من اختفائه.

في سنة 2012م، انتقدت منظمة هيومن رايتس وتش في تقريرها تجريم السلطات الإيرانية لتحول بعض المسلمين الإيرانيين للمسيحية. وفي هذا السياق، ألقى التقرير الضوء على محاكمة القس يوسف نادارخاني في سنة 2010م، والذي أدين بتهمة الارتداد وحُكم عليه بالإعدام، وتم تأييد الحكم من قِبل المحكمة العليا في إيران، قبل أن يتم تبرئة نادارخاني والإفراج عنه في سبتمبر 2012م بعد ضغط قوي من جانب العديد من المنظمات الحقوقية داخل إيران وخارجه.

في سنة 2016م، ألقت بعض المنظمات الحقوقية الإيرانية الضوء على الظلم الذي تعرضت لها جماعة رباني- وهي أكبر طائفة بروتستانتية في إيران- بعدما تم مصادرة أراضي وعقارات تابعة لها في مدينة الكرج الواقعة غربي طهران. وقالت الجماعة وقتها إن الاستيلاء على أملاكها تم من خلال منظمة تُدار -بشكل مباشر- من قِبل المرشد الأعلى علي خامنئي.

في أغسطس 2018م، تحدث تقرير شبكة فوكس نيوز الأميركية عن الحكم الذي أصدرته محكمة في بوشهر ضد 12 إيرانيا مسيحيا بتهمة "الدعاية ضد الإسلام".

وأشار التقرير إلى أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الإدارة الأميركية على إيران تسببت -عن غير قصد- في تصاعد حملة القمع ضد المسيحيين الإيرانيين.

في السياق نفسه، ذكر التقرير الصادر عن منظمة هيومن رايتس واتش أن المحاكم الإيرانية في 2018م أصدرت أحكاماً بالسجن على 37 مسلماً اعتنقوا المسيحية بتهمة ممارسة "أعمال تبشيرية".

وبحسب تلك الآراء، فإن التضييق الإيراني على المسيحيين وصل لمحاولة تغيير هوية بعض المباني المسيحية القديمة. على سبيل المثال، في مايو 2019م، تحدثت بعض التقارير أن عناصر من الاستخبارات الإيرانية أغلقوا إحدى الكنائس الآشورية القديمة في تبريز، كما قاموا بإزالة الصليب المُعلق أعلى الكنيسة.