أحد أفراد الجالية اليهودية الكردية في العراق يشارك في احتفال بعيد حانوكا اليهودي في بلدة القوش العراقية، على بعد 50 كم شمال مدينة الموصل في 29 ديسمبر 2019.
أحد أفراد الجالية اليهودية الكردية في العراق يشارك في احتفال بعيد حانوكا اليهودي في بلدة القوش العراقية، على بعد 50 كم شمال مدينة الموصل في 29 ديسمبر 2019.

عاش اليهود في بلاد الرافدين منذ آلاف السنين. حظيت تلك الأرض بمكانة مهمة عند اليهود باعتبارها الموطن الأول للنبي إبراهيم، حسب المعتقدات الدينية، ولكونها المكان الذي شهد سبي أسباط بني إسرائيل في زمن الإمبراطوريتين الآشورية والبابلية. تعرض اليهود العراقيون للكثير من المتاعب والتحديات في العصر الحديث. كيف وصل اليهود للعراق؟ وكيف عاشوا على أرضها في العصور الحديثة؟ وما هي الأسباب التي حدت بهم لهجرة بلاد الرافدين بعد مئات القرون من استيطانها؟

 

كيف وصل اليهود للعراق؟

 

يذكر العهد القديم أن النبي إبراهيم خرج من بلاد الرافدين ثم سافر إلى مصر وبلاد كنعان، وأن ذريته انتشرت في منطقة فلسطين وتمكنت من تأسيس دولة موحدة بها في القرن العاشر قبل الميلاد. انقسمت تلك المملكة وتعرض الجزء الشمالي منها للهجوم من قِبل الإمبراطورية الآشورية في القرن الثامن قبل الميلاد. وبعدها هوجم الجزء الجنوبي من قِبل الإمبراطورية البابلية في القرن السادس قبل الميلادي. على وقع الهزيمتين، تم نفي الآلاف من بني إسرائيل إلى بلاد الرافدين فيما عُرف باسم السبي الآشوري والسبي البابلي على الترتيب. تحدث العهد القديم عن الظروف التي عاش فيها اليهود في العراق. على سبيل المثال، جاء في سفر المزامير: "على أنهار بابل هناك جلسنا، بكينا أيضاً عندما تذكرنا صهيون".

 

كيف عاش اليهود العراقيون في العصور الحديثة؟

 

بقي اليهود في العراق على مر القرون. وعاشوا تحت صفة "أهل ذمة" بعد دخول الإسلام إلى بلاد الرافدين، كما أن المزيد منهم قدموا إلى العراق بعد سقوط الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي. برزت مكانة اليهود العراقيين في العصر الحديث في مجالات التجارة والمعاملات المالية على وجه التحديد، ومارسوا الكثير من المهن الحرة مثل الطب والصيدلة، كما أنهم اشتغلوا بكثافة في بعض الصناعات البسيطة مثل صناعة الأثاث والأحذية والأخشاب والأدوية والأقمشة والتبغ والجلود. وكذلك وصلوا إلى رئاسة بعض اللجان المسؤولة عن التجارة في بغداد. وكان رئيس صيارفة الوالي المعروف باسم "صراف باشا" يهودياً في أغلب الأحيان، واشتهر من بين هؤلاء الصيارفة ساسون بن صالح بن داود الذي تقلد هذه الوظيفة أعواماً طويلة.

على الصعيد الديموغرافي، انتشر يهود العراق في أغلبية المدن والقرى العراقية ولا سيما بغداد والموصل والبصرة وكركوك. وكانت لهم علاقات تجارية وثيقة بالهند وإيران. وازدهر هذا الدور عقب افتتاح قناة السويس في مصر سنة 1868. تحدثت الباحثة الإسرائيلية فيوليت شاماش -وهي من مواليد بغداد سنة 1912م- في كتابها "ذكرياتي في الجنة: رحلة في بغداد اليهودية" عن الأوضاع المتميزة التي عاشها يهود العراق في النصف الأول من القرن العشرين. تقول إنه من بين كل التجمعات اليهودية في الشرق الأوسط، كان يهود العراق الأكثر تكاملاً واندماجاً في المجتمع، والأكثر عروبة، والأكثر ازدهاراً

في السياق نفسه، تذكر الباحثة خيرية قاسمية في كتابها "يهود البلاد العربية" أن اليهود العراقيين عاشوا في بلاد الرافدين كسكان أصليين وليس كرعايا دول أجنبية، كما أنهم اعتادوا على التحدث بالعربية أو الكردية في المناطق التي يقطنها الأكراد. وكذلك، واظبوا على استعمال الأسماء العربية مثل فيصل وغازي، ولم يلجؤوا إلى التسمي بالأسماء التوراتية إلا في أضيق الحدود.

من جهة أخرى، احتفظ اليهود بحقهم في ممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية بحسب اللوائح والتنظيمات التي أقرتها القوانين العثمانية. على سبيل المثال، احتفظ اليهود العراقيون بخمس مزارات دينية في أرض العراق، وهي مرقد النبي ناحوم في القوش شمال نينوى، وقبر عزرا أو العزير بين مدينتي القرنة والعمارة جنوب العراق، ومدفن النبي حزقيال بين مدينتي الحلة والنجف، ومرقد يوشع كوهين بجانب الكرخ في بغداد، ومرقد الشيخ إسحق الغاووني بجانب الرصافة في بغداد. واشتهرت كذلك عدد من المعابد ودور العبادة اليهودية، ومنها كنيس "مئير طويق" الذي يقع في الجانب الشرقي لنهر دجلة من بغداد، وعُرف بكونه أحد مراكز تسجيل اليهود العراقيين الراغبين بالهجرة إلى إسرائيل فيما بعد، ومقبرة الحبيبية في مدينة الصدر في بغداد والتي تُعدّ أكبر مقبرة لليهود في العراق.

 

النزوح من العراق

 

تغيرت أوضاع اليهود العراقيين كثيراً في أربعينات القرن العشرين، وذلك بالتزامن مع بوادر تأسيس دولة إسرائيل. خاضت الدول العربية الحرب ضد إسرائيل، وبالتبعية تم استهداف اليهود الذين يعيشون على أراضي تلك الدول.

في اليوم الأول من يونيو 1941، وقعت حادثة الفرهود في العراق. والتي سقط على إثرها نحو 3000 بين قتيل وجريح من يهود بغداد. وتسببت فيما بعد في تسريع وتيرة الهجرات اليهودية من الأراضي العراقية. رغم مرور ما يزيد عن الثمانين سنة على وقوع تلك الحادثة الدامية إلا أن ملابساتها لا تزال غامضة إلى حد بعيد.

هاجر الآلاف من اليهود العراقيين في تلك الفترة. وفي مارس سنة 1950م، صدّق البرلمان العراقي، في مجلسيه، الأعيان والنواب، على القانون الرقم 1 لعام 1950م، والذي اشتُهر بـ "قانون إسقاط الجنسية" عن اليهود. ونص القانون على السماح لمن يرغب من يهود العراق في ترك العراق نهائياً بأن يهاجر رسمياً وشرعياً، في مقابل توقيعه على استمارة بالتنازل عن جنسيته العراقية. وأعطى القانون اليهودَ العراقيين مهلة عامٍ للتفكير والتسجيل لطلب الهجرة، كما نص القانون على نزع الجنسية العراقية عن اليهود الذين غادروا العراق في فترات سابقة من دون الحصول على إذن، أو بوسائل غير مشروعة، ما لم يعودوا خلال شهرين. وقدَّمت الحكومة العراقية تبريرها من أجل تقديم هذا القانون إلى البرلمان. وقالت إن "الأسباب الموجبة" هي أنه "لوحِظَ أن بعض اليهود العراقيين أخذوا يتذرَّعون بكل الوسائل غير المشروعة من أجل ترك العراق نهائياً، وإن وجود رعايا من هذا القبيل، مُرغَمين على البقاء في البلاد، ومُكرَهين على الاحتفاظ بالجنسية العراقية، يؤدي إلى نتائج لها تأثيرها في الأمن العام، وإلى خلق مشاكل اجتماعية واقتصادية، فقد وجد أنه لا مندوحة من عدم الحيلولة دون رغبة هؤلاء في مغادرة العراق نهائياً وإسقاط الجنسية العراقية عنهم".

زاد استهداف اليهود العراقيين بالتزامن مع وصول النظام البعثي إلى السلطة في أواخر ستينات القرن العشرين. تم اتهام العشرات من اليهود بتهمة التجسس لحساب إسرائيل. تسبب ذلك في دفع الكثير منهم لمغادرة العراق بعد فترة من التردد. وتشير إحصاءات رسمية إلى أن الأغلبية الغالبة من اليهود العراقيين الذين تركوا العراق في تلك الظروف العصيبة توجهوا إلى إسرائيل. وإلى أن 219 ألف يهودي إسرائيلي يعودون بالأساس إلى أصول عراقية. ومنهم الكثير من الشخصيات المشهورة والمؤثرة في المجتمع الإسرائيلي مثل زعيم طائفة اليهود السفارديم الحاخام الأكبر عوفاديا يوسف، ووزير الدفاع الأسبق بنيامين بن إليعازر.

تسببت كل تلك الأحداث في غياب العنصر اليهودي -بشكل شبه كامل- عن المشهد العراقي. يوضح سعد سلوم مؤسس معهد دراسات التنوع الديني في بغداد التناقص الحاد في أعداد اليهود العراقيين فيقول: حتى سنة 2012، سجلت في كتابي عن الأقليات في العراق وجود ستة يهود فقط في العراق. وقبل مدة رحلت عن عالمنا امرأة يهودية مسنة ليتبقى خمسة أفراد فقط. ومع وفاة آخر طبيب يمثل الأقلية العراقية اليهودية، صرنا على وشك وضع ختام لوجود يهود بابل الألفي وتلاشي طائفة دينية تجذرت لقرون في بلاد ما بين النهرين. اليهود الأربعة الذين تبقوا في بغداد، هويتهم غير مكشوفة، وربما فقط السلطات وبعض المقربين يعرفونها، ولا يذهبون للمعابد ولا يعلنون عن ديانتهم". وأضاف: "يخشون القتل، فهناك من لا يفرق بين الإسرائيليين واليهود. في السنوات المقبلة ومع تقادم أعمار هؤلاء الأربعة، فإن العراق سيكون من دون أي وجود يهودي".

من الجدير بالذكر أن هناك بعض الأصوات العراقية التي دعت لعودة اليهود العراقيين إلى بلادهم مرة أخرى. في يونيو سنة 2018، رد الزعيم الشيعي مقتدى الصدر على سؤال ورد على مكتبه في مدينة النجف عما إذا كان يحق لليهود ذوي الأصل العراقي العودة إلى العراق بعد هجرتهم إلى فلسطين المحتلة منتصف القرن الماضي. أجاب الصدر خطياً "إذا كان ولاؤهم للعراق فأهلاً بهم".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.
يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.

بعد اتفاق سياسي تأخر لسنوات، سينطلق التعداد العام للسكان في العراق نوفمبر المقبل دون ذكر الانتماء القومي للسكان.

اعتبر محللون عراقيون أن ذلك سيجنب البلد "المزيد من الجدل". ورغم عدم تقديم اعتراضات رسمية، إلا أن ممثلين عن الأقليات أعربوا عن قلق من استغلال النتائج.

وزارة التخطيط وعلى لسان متحدثها الرسمي عبد الزهرة الهنداوي أبلغت "ارفع صوتك" أن التعداد السكاني سينطلق بين 20 و21 نوفمبر المقبل، وسيكون تعداداً "تنموياً" لمعرفة الواقع المعيشي والاقتصادي والخدمي المقدم للعراقيين.

بموجب هذا التعداد، "سيتم وضع الخطط المستقبلية لتحقيق العدالة في توزيع الثروات"، يقول الهنداوي.

ويشير إلى أن التعداد في العراق سابقاً "كان يتضمن فقرة تتعلق بالقومية ولم يكن هناك أية أسئلة تتعلق بالمذهب". أما النسخة الحالية منه فستكون "خالية من السؤالين، كون هذه الأسئلة غير مجدية من الناحية التنموية".

ويؤكد الهنداوي أن ذكر القومية "كان أحد أسباب تأجيل الإحصاء في سنوات سابقة، نتيجة خلافات سياسية". لذلك فإن الأمم المتحدة رأت "إلغاء أي سؤال يمكن أن يعرقل التعداد".

وعن أهم الأسباب التي أدت إلى تأجيل التعداد أكثر من مرة منذ 2003، يشرح الهنداوي أنها كانت أحياناً تتعلق بالخلافات السياسية وفي أحيان أخرى بالأوضاع الأمنية أو عدم توفر التخصيصات المالية اللازمة، الإضافة إلى الأسباب الصحية التي رافقت انتشار فيروس كورونا سنة 2020.

وحالياً، تمت "معالجة الخلافات باتفاق سياسي، والوضع الأمني مستقر. بالتالي كل الظروف أصبحت مهيأة لإجراء أول تعداد سكاني في العراق منذ 27 عاماً"، بحسب الهنداوي.

لماذا تفشل دول عربية في إجراء التعداد السكاني بشكل دوري؟
يُعتبر تعداد السكان والمساكن من بين أكثر العمليات ضخامة وتعقيداً التي يمكن لأي دولة القيام بها. وبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن التعداد السكاني يحتاج إلى أن تكون البلدان التي تقوم به في حالة سلم، إذ يتطلب التخطيط الدقيق وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة.

قلق في صفوف الأقليات

على الرغم من إدراج الديانة للسكان كما تقول وزارة التخطيط، إلا أن هناك أقليات تعتبر نفسها قومية منفصلة مثل الشبك والكرد الفيلين وبعض الأيزيديين.

يوضح نائب رئيس مجلس الأقليات العراقي محمد الشبكي لـ"ارفع صوتك": "بحسب المناقشات التي سبقت التعداد السكاني في الأعوام السابقة، فقد تم تقديم مقترح لوضع سؤال يتعلق بالقومية، على أن تُترك الخانة فارغة ليقوم المواطن بكتابتها بنفسه إذا رغب".

ويقول إن التعداد السكاني في النسخ السابقة كان يتم فيه ذكر القوميات الأساسية العرب والأكراد والتركمان ثم يتم كتابة كلمة "أخرى"، لذلك فإن "أقليات قومية مثل الشبك والكرد الفيلين لم يتم تعدادهم بشكل صحيح، وكنا نعتبر الإحصاء الحالي يمكن أن ينصفهم"، وفق تعبيره.

يتركز وجود الشبك في المناطق المتنازع عليها بين الإقليم والمركز وهي مناطق صراع، يتابع الشبكي "من جهة، ترغب الحكومة المركزية بالسيطرة عليها، ومن جهة أخرى يرغب الإقليم باعتبار سكانها أكراداً. وبهذا تصبح مناطقهم تابعة للإقليم".

ويعرب الشبكي عن قلقه من "استخدام البيانات (من التعداد) لمسائل سياسية أو لتثبيت واقع حال أو تلاعب بحدود المحافظات".

في المقابل،  يرى رئيس ائتلاف الرافدين يونادم كنا أن إلغاء القومية من التعداد السكاني "أمر إيجابي لأنه يخدم النهج الوطني".

ويبين لـ"ارفع صوتك" أن كوتا الأقليات في البرلمان العراقي "لن تتأثر بإحصاء السكان، كونها أقرت بقانون وزعت فيه المقاعد بموجب اتفاق سياسي لم يؤخذ فيه بنظر الاعتبار عدد السكان".

 ولو كان تم الأخذ بنظر الاعتبار عدد السكان "لكنّا رأينا عدد مقاعد مختلف الأقليات خصوصاً أتباع الديانة المسيحية، إذا أخذنا التعداد التقديري السابق الذي تحدث عن وجود مليون ونصف المليون مسيحي في البلد ولهم 15 مقعداً في البرلمان"، يضيف كنا.

وبحسب نظام كوتا الأقليات في البرلمان العراقي، فإن هناك خمسة مقاعد للمسيحيين موزعة على محافظات بغداد ونينوى وكركوك ودهوك وأربيل، ومقعد واحد لكل من الأيزيدين والصابئة والشبك والكرد الفيلية.

الحالة الوحيدة المثيرة للقلق، كما يقول كنا "إذا رأينا بعد التعداد وظهور النتائج نفساً قومياً عنصرياً أو دينياً متشدداً يمكن أن يؤثر سلباً إذا ما طالب بإعادة النظر بالقانون، وهو أمر إذا ساد فأقرأ السلام على الوطن" على حدّ تعبيره.


"تذويب الهويات"

يرى المحلل السياسي أحمد الشريفي أن عدم إدراج خيارات القومية والمذهب في التعداد السكاني، "يعني تذويب الهويات الفرعية إلى هوية وطنية واحدة، وهو خيار إيجابي يؤدي إلى جمع العراقيين تحت مظلة العنوان الوطني الواحد".

يقول لـ"ارفع صوتك": "في السابق كانت المذهبية غير موجودة في الإحصاء السكاني، لكن القومية كانت حاضرة منذ تسلّم حزب البعث للسلطة الذي ذهب باتجاه تعزيزها بعد تبنيه مبدأ القومية العربية فوق باقي المكونات، فضلاً عن ترسيخه للعشائرية والقبلية في نظام الحكم".

ويرجّح الشريفي أن الغاء القومية "سيكون ورقياً فقط" بينما في الواقع، بحسب كلامه "ستكون الأزمة حاضرة في الظاهرة السياسية، وأقرب مصداق لها قضية كركوك التي تتجاذبها ثلاث قوميات (الكرد والعرب والتركمان) وكل منهم يدعي أنه يمثل الأغلبية".

لكن مشكلة كركوك، يستدرك الشريفي "لم تبدأ بعد عام 2003 بل منذ عقود، عندما قرر حزب البعث تغيير الحدود الإدارية لعدد من المحافظات ومنها كركوك التي كانت تضم 36 وحدة إدارية ليتبقى منها 16 فقط".

يتابع: "لا يزال النزاع قائماً وكامناً وفاعلاً، وبسبب وجوده، فإن المحافظة الغنية بالنفط عاجزة عن اختيار محافظ لها اليوم، رغم مرور أشهر على انتخابات مجالس المحافظات".

يتفق المحلل السياسي إياد العنبر مع ما ذهب إليه الشريفي، بالقول "من الناحية السياسية نحن أمام قضيتين الأولى هي المناطق المتنازع عليها، والثانية هي كركوك. وهي من الخلافات المهمة بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان. وفي حال إجراء إحصاء يتضمن القومية فإنه يمكن أن يؤجج المشكلة أكثر من أن يقدم حلاً لها".

وتعتبر الخلافات على المناطق المتنازع عليها واحدة من أعقد المشكلات بين إقليم كردستان وبغداد، وهي تتضمن محافظات كركوك ونينوى وصلاح الدين وديالى. وكان الدستور أقر المادة 140 كحل لها، التي تتضمن ثلاث خطوات، إحداها تتعلق بإجراء إحصاء للسكان واستفتاء لتحديد المصير.

وزارة التخطيط نأت بنفسها عن أن تكون جزءاً من تنفيذ المادة الدستورية من خلال تقديمها سؤالاً إلى المحكمة الاتحادية عام 2010، يتعلق بالإحصاء السكاني وإذا ما كان هو ذاته المقصود في الدستور. وحينها أشارت المحكمة إلى أنه لا يوجد أي ربط بين الإحصاء العام والإحصاء المذكور ضمن المادة 140.

مع ذلك يرى العنبر أن قضية الأرقام المتعلقة بالمذاهب والقوميات "واضحة في أغلب المناطق لأن أغلبها معروف من يسكنها، لكن البعض يحاول استثمار الموضوع للتجاذبات السياسية والدخول في جدل سياسي جديد. وربما يتم الطعن في بعض النتائج باعتبارها تغيير ديمغرافي إذا ما تم ذكر القومية والمذهب وهو أمر لسنا بحاجة له على الإطلاق".

لماذا عجز العراق عن إجراء تعداد سكاني منذ ربع قرن؟
عام 1997م أجرى العراق تعداده السكاني الأخير. عملية شابتها الكثير من المشاكل، فلم يُجرَ الاستطلاع إلا في 15 محافظة بعد استبعاد محافظات إقليم كردستان، الأمر الذي دفع بعض الباحثين لعدم الاعتراف بنتائجه والاكتفاء ببيانات الإحصاء الذي سبقه بعشر سنوات وشمل جميع محافظات العراق.

مقاعد

في السياق نفسه، يقول رئيس مركز "المورد" للدراسات والإعلام نجم القصاب، إن عدم ذكر القومية والمذهب في التعداد معناه أن "الحكومة تتعامل مع المواطن كونه عراقياً فقط، وليس على أساس المكونات". 

والمكون، برأيه "يقسم المجتمع أولاً، والدولة العراقية ثانياً" مردفاً "لهذا علينا أن نغادر هذه المسميات وهذه الأسماء".

ولكن، ما تأثير ذلك على التعداد السكاني؟ يقول القصّاب إنه "يتعلق بالفروقات السكانية التي يمكن أن تظهر بين محافظة وأخرى، وهو أمر من شأنه إحداث تغييرات في التمثيل البرلماني للمحافظات".

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "إذا ما حصل وكانت الأرقام الحقيقية خلال التعداد السكاني مختلفة عن التقديرات في المحافظات، فمن يظهر وجود نسبة سكان أعلى لن تتضرر بل ستستفيد لأن تمثيلها السكاني سيرتفع. أما المحافظات التي تتراجع بها النسبة السكانية بشكل ملحوظ ستتراجع نسبة تمثيلها البرلماني وتصبح مقاعدها أقل".

تغيير نسب السكان معناه كما يقول المحلل السياسي علي الحبيب لـ"ارفع صوتك" أن هناك إمكانية لـ"زيادة مقاعد بعض المحافظات التي سيرتفع عدد سكانها، كما سترتفع حصتها المالية التي تعتمد على عدد السكان وتتغير الخطط التنموية المتعلقة بها"، وإذا تراجع عدد السكان "سيحصل العكس، أي أن تتراجع أعداد المقاعد وتنخفض تخصيصاتها المالية".

هذه العوامل، بحسب الحبيب "تثير المخاوف لدى المراقبين من إمكانية حصول تدخلات لتحقيق مكاسب سياسية ومالية عبر التأثير على عملية التعداد، التي تؤدي إلى تحقيق نتائج غير دقيقة، خصوصاً أن لدينا تغيرات ديمغرافية قبل وبعد عام 2003، ووجود عدد كبير من النازحين في المخيمات".

جزء من هذه المخاوف تأتي "لعدم توفر البنية التحتية الضرورية مثل التقنية والموارد البشرية المدربة بشكل كافٍ، وعدم تنمية الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية ليُدلي ببياناته بشكل دقيق"، يتابع الحبيب، مضيفاً "كل هذه المعوقات من شأنها أن تؤثر سلبياً على نتائج الإحصاء".

والحل، أن يبذل العراق "جهوداً كبيرة لتطوير البنية التحتية، وحل أزمة الثقة بين المواطن والحكومة للوصول إلى نتائج حقيقية للإحصاء السكاني"، يقول الحبيب.