يقدر عدد الغجر في العراق بـ 60 ألفاً.

" كاولي يا ابن الكاولي"، واحدة من أقسى الشتائم التي يمكن أن تقال لشخص في العراق في معرض التحقير والإذلال والطعن بالأخلاق والشرف، إلا أن الإهانة المتحقّقة من الشتيمة تتجاوز الشخص الذي تقع على مسامعة، فهي قبل ذلك تُهين مجموعة عرقية كاملة وتحولها إلى سُبَّة.

الكاولية هي التسمية المحلية للغجر في العراق، ويعود وجودهم الموثّق إلى أوائل القرن السابع الميلادي، إبان حكم الوالي الحجاج بن يوسف الثقفي، وفقاً لـ حميد الهاشمي، في كتابه "تكيّف الغجر"، حيث توالت هجراتهم  منذ ذلك التاريخ حتى منتصف القرن التاسع عشر.

سنوات البقاء الطويلة، ونشوء الدولة الوطنية الحديثة عام 1921، عوامل لم تنصف الغجر الذين عوملوا كغرباء وأجانب،  وعاشوا على هوامش المجتمعات أو في ترحال دائم، وأحيطت حياتهم بالكثير من القصص والافتراضات والاحكام المسبقة، قبل أن يصبحوا بعد العام 2003، هدفاً للمليشيات الدينية المسلحة والعناصر الإرهابية بدافع انحرافهم السلوكي وممارساتهم المتقاطعة مع الثقافة العراقية .

 

الأصل والتسمية

يوجد اتفاق على أن أصول الغجر تعود إلى شبة الجزيرة الهندية وآسيا الصغرى، قبل أن يهاجروا إلى كلّ أصقاع الأرض، ومنها بلاد الرافدين.

وفي كلّ بلد وصلوا إليها حصلوا على تسمية مختلفة، فأطلق عليهم في لبنان وفلسطين وسوريا والأردن تسمية "النَّور"، و"اللور" أو "الجنكية" في إيران، وغيرها من التسميات التي حملت في مجملها دلالات سلبية بمعاني اللصوصية والاحتيال، أو التشرد والترحال.

تتعدّد الفرضيات حول تسميتهم في العراق، ومن الفرضيات الواردة في كتاب "تكيّف الغجر"، أن التسمية متأتية من مدينة كابل (عاصمة أفغانستان) أي أن أصلها كابولي، حيث نسبوا إلى كابول لمرورهم منها خلال رحلتهم من السند إلى إيران.

رأي ثانٍ يقول إنها نسبة إلى قوم من الأشرار الكفار كانوا يقيمون في ناحية مولتان في الهند، وقد تكون مشتقة من التكول بمعنى التجمع. وهناك من يرجعها إلى الكلمة التركية (كوول) وتعني "مهجوماً، خرباً"، أي من خرب بيته فأصبح جوّالاً.

أما الرأي الغالب، فيُرجع أصل التسمية إلى قبائل هندية كانت بعض النساء فيها تقدم خدمات جنسية ورقصات، لرجال الدين وبالأجر إلى طالبي المتعة، ومنهم من كان في معبد الملك الكولي (كاول)، وقد انتسبوا إلى الملك بعد هجرتهم تشرفاً وتعظيماً  لأنفسهم.

 

حياة على الهامش

يجمع الباحثون على جملة من الصفات والخصائص المشتركة بين الغجر ومنها، حبهم للموسيقى والغناء والرقص والمسرح الجوال، إضافة إلى العرافة، لاسيما نساؤهم، وممارسة مهنة السحر، علاوة على كونهم أميين، ويكرهون الماء ولا يطيقون الاستحمام.

ومن أشهر سمات الغجر الترحال الدائم، ووفقاً لذلك، فإنهم لا يحبذون العمل في مهنة ثابتة أو تلك التي تتطلب الاستقرار المكاني، فضلاً عن قلة نصيبهم من التعليم والمهارات، كما أن سمة الترحال تضعف الالتزام الأخلاقي، بسبب المجهولية، كما يقول حميد الهاشمي.

تلك السمات يتقاسمها الكاولية في العراق مع عموم الغجر في مختلف دول العالم، وعليه فإنها كانت سبباً في الظلم والتمييز الواقع عليهم منذ وصولهم إلى العراق حتى الوقت الحاضر.

ولا توجد إحصاءات رسمية لعدد الغجر الكلّي في العراق، وفق تقرير الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية. لكن زعماء العشائر الغجرية يحصون عددهم بـ 60 ألفا.

وتجلى تهميش الغجر باستثنائهم عند تأسيس الدولة الحديثة من الإحصاء السكاني، إذ شملهم التعداد السكاني لأول مّرة عام 1965، وكان عددهم خلاله 2531 نسمة، وفقاً لإحصاءات رسمية تضمنها كتاب "الغجر والقرج في العراق"، لـ طه الحديثي.

ومن نماذج الظلم التي يوردها الكتاب، اعتبارهم غرباء وأجانب منذ تأسيس الدولة حتى بداية ثمانينات القرن الماضي، عندما بدأت مشاريع توطينهم وتجنيسهم، والتي لم تشمل جميع الغجر، كما لم تتمكن من إلغاء النظرة الدونية التي لاحقتهم والتي ساهم النظام حينها بتعزيزها، من خلال الاستعانة بالغجر في الحفلات التي كان يقيمها مقربون منه لأغراض الرقص والغناء وغيرها من ممارسات المتعة.

كذلك حرمتهم القوانين من حق التملك، حيث استثناهم قانون التسجيل العقاري رقم 43 لسنة 1971، من تملك العقار أو الأرض الزراعية أو أميرية على أعتبارهم أجانباً.

 

استقرار هش

شكلت ثمانينيات القرن الماضي الفترة الذهبية في حياة الغجر، على صعيد الاستقرار، حيث تساووا (نظرياً) في الالتزامات القانونية والمدنية مع بقية العراقيين، بعد أن اكتسب العديد منهم الجنسية العراقية.

كذلك بدأت عمليات توطينهم من خلال مشاريع نفذتها الدولة في محافظات بغداد والموصل وكركوك وديالى والمثنى وبابل والناصرية، إضافة إلى تجمعات متفرقة في البصرة.

اصول الغجر ونشأتهم والمهن التي يمتهنونها واسمائهم في بعض الدول في فرنسا يطلق عليهم اسم ( جيتان ) وفي اسبانيا يطلق عليهم...

Posted by ‎تراث بغدادي‎ on Thursday, May 7, 2020

غير أن الاستقرار ومنح الجنسية لبعضهم لم يغير من نظرة العراقيين للغجر، حيث استمرت تجمعاتهم بؤراً للمتعة من رقص وغناء وبغاء، وكذلك مواقع للاستهداف من قبل المحافظين والمتدينين، وصولاً إلى تعرضهم للاعتداءات من قبل مجموعات إسلامية مُسلّحة بعد عام 2003، على غرار ما تعرضوا له في محافظة الديوانية عام 2004، بتهمة المشاركة في حفلات للبغاء.

زيادة حالات الاضطهاد والتهميش، كانت وراء الحملة التي أطلقتها عام 2016، الصحافية والناشطة الحقوقية، منار الزبيدي، للدفاع عن حقوقهم تحت شعار "الغجر بشر"، وهي الحملة التي دعت إلى منحهم جميع حقوق المواطنة.

ونجحت عام 2019، بحمل وزارة الداخلية على المباشرة بمنحهم الجنسية، قبل أن تعود عن قرارها، ليجد الغجر أنفسم من جديد "يراوحون مكانهم".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

نازحة أيزيدية في مخيم شاريا قرب دهوك شمال العراق- تعبيرية
نازحة أيزيدية في مخيم شاريا قرب دهوك شمال العراق- تعبيرية

غادرت 200 عائلة أيزيدية، أمس الجمعة، مخيمات النازحين في كردستان العراق باتجاه سنجار، خوفا من "خطابات كراهية" أطلقها متطرفون مسلمون على خلفية حديث مصور لقائد قوات سنجار قاسم ششو، فُسّر لاحقاً على أنه إساءة للرسول المسلم محمد.

وشهدت صفحات التواصل الاجتماعي انتشار "خطابات كراهية" ضد الأيزيديين شملت تهديدات بشن هجمات عليهم والثأر منهم عقب خطاب ششو الذي ألقاه في سنجار، بتاريخ الثالث من أغسطس الجاري، الموافق إحياء الذكرى العاشرة للإبادة الجماعية التي تعرضت لها الأقلية الدينية في شمال العراق على يد تنظيم داعش الإرهابي.

ورغم استباب الأوضاع الأمنية في مدن إقليم كردستان التي تحتضن 15 مخيما للنازحين الأيزيديين، إلا أن الأيزيديين عاشوا خلال اليومين الماضيين حالة من الخوف والهلع والارتباك، إثر التهديدات وخطابات الكراهية التي تعرضوا لها، الأمر الذي دفع بالكثيرين منهم إلى ترك المخيمات.

يقول عبد العزيز يونس، مدير جمعية "التحرير" للتنمية وهي منظمة محلية عراقية، إن "أعداداً كبيرة غادرت من مخيمات قاديا وباجد كندالا وجمشكو في محافظة دهوك وإدارة زاخو".

ويبين لـ"ارفع صوتك": "وفق التقرير الذي تلقيناه من إحدى المنظمات الميدانية الشريكة لنا، ساد مناخ من الخوف والرعب بين الناس في المخيمات إثر خطابات الكراهية التي استهدفت المجتمع الأيزيدي، وأسفرت عن فرار أكثر من 700 عائلة من المخيمات باتجاه سنجار".

لكن مسؤولا في مكتب الهجرة والمهجرين في محافظة دهوك، الذي يشرف على إدارة مخيمات النزوح، نفى هروب 700 عائلة من المخيمات وعودتها الى سنجار.

وأوضح لـ"ارفع صوتك" مفضلا عدم الكشف عن اسمه، "تركت نحو 200 عائلة ايزيدية مخيمات النازحين في دهوك وزاخو وعادت الى سنجار، هذه العائلات كانت لديها تخوف من تعرض المخيمات للهجوم من قبل المسلمين بعد انتهاء صلاة الجمعة، وهذا لم يحدث، لكن اطراف سياسية كانت تقف خلف انتشار هذه الاخبار وتأجيج الاحداث"، لافتا الى أن موجة النزوح توقفت حاليا والأوضاع في المخيمات مستقرة.

من جانبه نفى المركز المشترك لتنسيق الأزمات التابع لوزارة الداخلية في حكومة اقليم كردستان عودة النازحين من المخيمات في زاخو إلى سنجار بداعي الخوف.

وقال المركز في بيان "رداً على الشائعات والأخبار الكاذبة التي تداولها عدد من وسائل الإعلام عن عودة النازحين من مخيم في إدارة زاخو المستقلة بدعوى الخوف إلى أماكنهم في سنجار، نؤكد أن هذه الشائعات لا أساس لها من الصحة".

وأضاف "نؤكد لجميع سكان المخيمات أن إقليم كردستان سيظل دائما مركزا للتعايش وقبول الآخر، وسيبقى حضنه مفتوحاً للنازحين دائماً، حتى يتمكنوا من العودة إلى ديارهم طوعاً وبكرامة".

واتخذت القوات الأمنية في محافظة دهوك وإدارة زاخو تدابير أمنية مشددة حول مخيمات الأيزيديين، الجمعة، ونشرت العديد من الدوريات بهدف توفير حماية مضاعفة لها، تجنباً لحدوث أي هجمات مسلحة قد تطالها.

تزامنت الإجراءات الأمنية مع إجراءات حكومية أخرى عبر توجيه أئمة المساجد وخطبائها رسائل تهدئة إلى المسلمين في الإقليم والعراق، والإعلان عن تحريم التحريض بحق الأيزديين.

جلال علي بركات، نازح أيزيدي يعيش في مخيم جمشكو الواقع في إدارة زاخو، يؤكد لـ"ارفع صوتك" أن ما عاشه النازحون خلال الأيام الماضية من حالة ارتباك كان سببه "كثافة التهديدات التي تعرضوا لها".

يوضح "حاولت تهدئة جيراني في المخيم وإقناعهم بعدم العودة، لكن الخوف من تنفيذ المتطرفين لتهديداتهم كان سيد الموقف والسبب الأبرز الذي دفع عددا من النازحين إلى ترك المخيم والعودة إلى سنجار".

ويشير بركات إلى أن مخاوف الأيزيديين أساسها "خطابات الكراهية والجماعات المتطرفة التي تتحدث باسم الدين والدين منها براء" بحسب تعبيره.

ويتابع أن "الأيزيديين يعتزون ويحترمون جميع الديانات لأن شريعتهم تؤكد على احترام الإنسانية".

ويمنع الدمار ونقص الخدمات الرئيسية والصراعات السياسية والاستقرار الهش في سنجار النازحين من العودة إليها، رغم مرور نحو 9 سنوات على تحريرها من داعش، ولا يزال 60% من سكانها نازحين في إقليم كردستان.

في السياق نفسه، يرى الناشط الأيزيدي فيصل علي، الذي يعيش في أحد مخيمات زاخو، أن "الدمار ونقص الخدمات وضعف الأحوال المعيشية كانت تمنع العائلات النازحة من العودة إلى سنجار في ما مضى، لكن الخوف الذي عاشته خلال اليومين الماضيين دفعها إلى ترك المخيم واختيار العودة رغم صعوبة ظروفها".

ويستدرك "لم نشهد أي خطوات ضدنا على الأرض ولم نرَ من أهالي قضاء زاخو الذي يحتضن عددا من مخيماتنا سوى الخير والمواقف الجيدة"، مشيرا الى أن عملية العودة الاضطرارية توقفت حالياً بشكل مؤقت.