ملصق إعلان فيلم "حسن ومرقص" الذي أنتج عام 2008، وجسد بطولته كل من عادل إمام وعمر الشريف.
ملصق إعلان فيلم "حسن ومرقص" الذي أنتج عام 2008، وجسد بطولته كل من عادل إمام وعمر الشريف.

اهتم صنّاع الدراما المصرية بإلقاء الضوء على العديد من الأقليات الدينية المتواجدة في المجتمع المصري. تناولت الكثير من الأفلام والمسلسلات كلا من المسيحيين واليهود، فيما ظهرت شخصية الملحد في عدد قليل من الأعمال. ما هي أبرز الأعمال الدرامية التي تناولت الأقليات الدينية في مصر؟ وكيف أسهمت تلك الأعمال في خلق صور نمطية لتلك الأقليات؟ وما هو الدور الذي لعبته الظروف السياسية في تشكيل تلك الصور؟

 

المسيحي.. الجار، والصاحب، وشريك الوطن

 

دخلت المسيحية إلى مصر في القرن الأول الميلادي على يد مار مرقس الرسول. وسرعان ما انتشرت في شتى أنحاء المدن المصرية. وأصبحت الدين الذي تتبعه الأغلبية الغالبة من المصريين لفترة زمنية طويلة.

في الوقت الحالي، لا توجد تقديرات دقيقة لأعداد المسيحيين في مصر. وبحسب التصريحات الأخيرة للبابا توضراوس، بطريرك الكنيسة القبطية، فإن عدد المسيحيين المصريين يقترب حالياً من خمسة عشر مليونا.

ظهرت شخصية المسيحي المصري في عشرات الأعمال السينمائية والتلفزيونية. في أغلب تلك الأعمال تم إظهار المسيحي بصورة جيدة عموما، باعتباره الجار الطيب، والصديق الوفي، والشريك الذي يشاطر شريكه المسلم في حب الوطن والدفاع عنه ضد الأعداء. في هذا السياق، اهتمت الأفلام التاريخية بترديد بعض الجمل النمطية ومنها "الدين لله والوطن للجميع"، و"يحيا الهلال مع الصليب".

من جهة أخرى، تمكنت القليل من الأعمال الدرامية من تجاوز تلك الصورة النمطية لتقدم تجسيداً أكثر تعقيدا للحضور المسيحي في المجتمع المصري. على سبيل المثال، في سنة 1952م، عُرض فيلم "ليلة القدر" من بطولة وإخراج حسين صدقي. دارت أحداث الفيلم حول شيخ أزهري مسلم يحب فتاة مسيحية، ويقنعها بالتحول إلى الإسلام. أثار الفيلم الجدل، واعترضت عليه الكنائس المسيحية في مصر فتم إصدار قرار بإيقاف عرضه. في سنة 1954، تم السماح بإعادة عرض الفيلم بعد تغيير اسمه إلى "الشيخ حسن"، وبعدما حُذفت منه بعض المشاهد التي اعترض عليها المسيحيون.

في سنة 1994، وبالتزامن مع زيادة وتيرة العمليات الإرهابية في مصر، عُرض فيلم "الإرهابي" من بطولة عادل إمام وإخراج نادر جلال. ألقى الفيلم الضوء على المجتمع المسيحي بشكل عابر من خلال إظهاره لأسرة قبطية تعيش بجوار الأسرة المسلمة التي تستضيف الإرهابي. حاول الفيلم أن يعقد حالة من حالات التوازن بين الأسرتين، وأن يوضح أن التسامح والتعصب موجودان بين المسيحيين والمسلمين معا. للوصول إلى هذا الهدف ظهرت الزوجة المسيحية كمتشددة، بينما ظهر زوجها بوصفه شخصاً طيباً متسامحاً، لدرجة أنه أقدم على معالجة الإرهابي ووفر له الحماية أثناء مطاردته من قِبل الشرطة!

في سنة 2003، عُرض فيلم "فيلم هندي" من إخراج منير راضي. دارت أحداث الفيلم في حي شبرا الشعبي الذي يعيش فيه عدد كبير من المسيحيين. سلط الفيلم الضوء على العلاقة بين المسلمين والمسيحيين من خلال استعراض رابطة الصداقة التي جمعت بين "سيد" المسلم و"عاطف" المسيحي.

ركز العمل على بعض المشكلات الاجتماعية التي يعاني منها المسيحيون المصريون ومنها مشكلات الزواج و”العنوسة". ظهر المسيحيون كمحور للأحداث، بشكل نادر، في الدراما المصرية في سنة 2004م عندما عُرض فيلم "بحب السينما" من إخراج أسامة فوزي. تحدث الفيلم عن أسرة مسيحية يعيش فيها الزوج المتشدد دينياً، والزوجة الرسامة الحالمة التي تعاني الحرمان العاطفي، وابنهما الصغير الذي يحب مشاهدة الأفلام السينمائية. ناقش الفيلم مشكلة الزواج بين الطوائف المسيحية المختلفة، كما سلط الضوء على قضية التشدد والتزمت في المجتمع المسيحي.

بعد أربع سنوات، عُرض فيلم "حسن ومرقص" من بطولة عادل إمام وعمر الشريف، ومن إخراج رامي إمام. تحدث الفيلم عن قضية العنف الطائفي من خلال استعراض نموذجين متوازيين، وهما شيخ مسلم ومدرس لاهوت مسيحي. يضطر الاثنان إلى تغيير هويتهما والتخفي بسبب ملاحقتهما من قِبل عناصر متطرفة. وتجمعهما الظروف ليصبحا جارين في بناية سكنية واحدة. ويتعرضان للكثير من المواقف الكوميدية طوال أحداث الفيلم.

في سنة 2009م، عادت السينما مرة أخرى لمناقشة المشكلات القانونية التي يعاني منها الأقباط في فيلم "واحد صفر" من إخراج كاملة أبو ذكري. سلط الفيلم الضوء على الصعوبات التي يمر بها الكثير من المسيحيين المصريين في رحلة سعيهم للحصول على الطلاق، وبيّن الفيلم أن الكثير من الأقباط يضطرون لتغيير ملتهم للحصول على هذا الحكم.

في سنة 2014، عُرض فيلم "لا مؤاخذة" من إخراج عمرو سلامة، وهو واحد من أهم الأعمال السينمائية التي ناقشت أوضاع المسيحيين في مصر. دارت أحداث الفيلم حول طفل مسيحي تضطر أمه لتحويله من المدرسة الخاصة إلى مدرسة حكومية بعد وفاة زوجها. ألقى الفيلم الضوء على المعاناة التي يمر بها بعض الأطفال المسيحيين بسبب اختلافهم عن الأغلبية المسلمة المحيطة بهم. أقدم صنّاع العمل على استعراض بعض الشتائم التي يتعرض لها المسيحيون في الأوساط الشعبية المصرية، ومنها "كوفتس"، "4 ريشة"، "عضمة زرقاء"، وذلك للمرة الأولى على شاشات السينما.

 

اليهودي.. "جشع" و"صهيوني"!

 

اضطر عشرات الآلاف من اليهود المصريين للهجرة إلى خارج البلاد في خمسينات القرن العشرين. وذلك بسبب الظروف السياسية التي تزامنت مع تأسيس الدولة الإسرائيلية واندلاع حرب فلسطين.

بشكل عام، ظهر اليهودي في الدراما المصرية بوصفه جشعاً، بخيلاً، يمتلك الكثير من الدهاء، ويعمل بخبث للوصول إلى أهدافه وغاياته. تتفق تلك الصورة إلى حد بعيد مع الصورة النمطية التي شاعت في أوروبا عن اليهود في بدايات القرن العشرين، وهي الصورة التي ستوجه لها فيما بعد تهمة معاداة السامية.

ظهر اليهود في الأعمال السينمائية التي قُدمت في أربعينات القرن العشرين بوصفهم أحد المكونات الاعتيادية للمجتمع المصري. ظهر ذلك بشكل واضح في فيلم "فاطمة وماريكا وراشيل" في سنة 1949م، من إخراج حلمي رفلة. وتدور أحداثه عن شاب مسلم يحب ثلاث فتيات، مسلمة، ومسيحية، ويهودية. ظهر ذلك أيضاً في فيلم "حسن ومرقص وكوهين" في سنة 1954م، من إخراج فؤاد الجزايرلي، والذي حكى قصة اتفاق ثلاثة أصدقاء من ديانات مختلفة على استغلال موظف ساذج وخداعه.

تغيرت تلك الصورة بشكل كامل بالتزامن مع اندلاع حربي سنة 1967م، وسنة 1973م. قُدمت شخصية اليهودي بصفته عدواً. وتم الخلط -في معظم الأحيان- بين اليهودية كدين والصهيونية كأيديولوجيا سياسية. في هذا السياق، تم إنتاج العديد من الأفلام التي تصور أعمالا مخابراتية تظهر تفوق الأجهزة الأمنية المصرية على مثيلاتها الإسرائيلية. لاقت تلك الاعمال نجاحاً جماهيرياً كبيراً. ورسخت الصورة السلبية التقليدية لليهودي في الذهنية العربية. من أهم تلك الأعمال مسلسل "دموع في عيون وقحة" في سنة 1980م، وفيلم "إعدام ميت" في سنة 1985م، ومسلسل "رأفت الهجان" في سنة 1988م، ومسلسل "السقوط في بئر سبع" في سنة 1994م، ومسلسل "العميل 1001" في سنة 2005م، بالإضافة إلى فيلم "ولاد العم" في سنة 2009م.

من الجدير بالملاحظة أن ربط الصورة التقليدية السلبية لليهود بإسرائيل ظل قائماً ومسيطراً على الدراما التلفزيونية والسينمائية في مصر حتى في الأفلام الكوميدية التي اُنتجت في السنوات الأخيرة من القرن العشرين. على سبيل المثال في فيلم "همام في أمستردام" الذي عُرض في سنة 1999م، ظهر البطل المصري الذي هاجر إلى هولندا وهو يحقق النجاح في عمله بعدما أفشل مساعي غريمه اليهودي المترصد له.

في سنة 2002م، أُثير النقاش حول تجسيد اليهود في الدراما المصرية بالتزامن مع عرض مسلسل "فارس بلا جواد"، من بطولة محمد صبحي، ومن إخراج أحمد بدر الدين. دارت أحداث المسلسل حول شخصية حافظ نجيب الذي يناضل ضد القوات البريطانية المحتلة، وأعوانها من الصهاينة والماسونيين. واعتمد العمل على الكتاب المعروف باسم "بروتوكولات حكماء صهيون". أثار المسلسل عاصفة من الجدل بعدما اعترضت وزارة الخارجية الإسرائيلية على قيام مصر بعرض المسلسل، وقالت الناطقة باسم الوزارة وقتها إن: "اسرائيل تنظر بقلق الى بث هذا المسلسل المعادي للسامية والذي ينكر على دولتنا أي حق في الوجود".

يُعدّ مسلسل "حارة اليهود" الذي عُرض في سنة 2015م، من إخراج محمد العدل من آخر الاعمال الدرامية المصرية التي تناولت اليهود. تعرض المسلسل للأحداث التي وقعت سنة 1948م، ولأصداء تأسيس إسرائيل وحرب فلسطين على نظرة المجتمع المصري لليهود الذين يعيشون في مصر. وذلك من خلال قصة فتاة يهودية تعيش في حارة اليهود في القاهرة، وتقع في حب ضابط جيش مصري مسلم. تأثر صنّاع المسلسل بالظروف السياسية التي مرت بها مصر وقت إنتاج المسلسل، وظهرت جماعة الإخوان المسلمين في العمل بصفتها المسؤول الرئيس عن زرع بذور الفتنة والشقاق بين المسلمين واليهود.

من جهة أخرى، تمكنت القليل من الأعمال الدرامية المصرية من تجاوز الصورة النمطية السلبية لليهودي. من أهم تلك الاعمال فيلم "إسكندرية ليه" من إنتاج سنة 1978م، ومن إخراج يوسف شاهين. لم يظهر اليهود في الفيلم في القالب السلبي المعتاد، بل ظهروا بصفتهم أحد العناصر البشرية المكونة للطابع المتعدد المميز لمدينة الإسكندرية، وذلك من خلال قصة حب بين شاب مصري وفتاة يهودية.

 

الملحد.. "ضال يصل إلى الهداية"

 

لا توجد تقديرات دقيقة لأعداد الملحدين في مصر، فيما سبق أن قال وزير الثقافة المصري الأسبق حلمي النمنم إلى أن أعداد الملحدين/اللادينيين في مصر تقدر بالملايين، وأن أغلبيتهم من الشباب الذين تقل أعمارهم عن الأربعين عاماً.

لم يظهر الملحدون في الكثير من الأعمال الدرامية المصرية. الأمر الذي يتوافق مع طبيعة المجتمع المصري المتدين والمحافظ. على الرغم من ذلك، تم تجسيد شخصية الملحد في بعض الأفلام السينمائية التي أثارت الكثير من الجدل وقت عرضها. على سبيل المثال، في سنة 1973م، عُرض فيلم "الشحاذ"، عن رواية لنجيب محفوظ، ومن بطولة محمود مرسي، ومن إخراج حسام الدين مصطفى. دارت أحداث الفيلم حول شخصية المحامي عمر الحمزاوي الذي تساوره العديد من الأسئلة الوجودية، وتدفعه دفعاً للتفكير في مسألة وجود الله، لينغمس في الملذات الجسدية لفترة قبل أن يعود إلى حظيرة الإيمان مرة أخرى من بوابة التصوف الروحاني.

لعب الممثل الراحل نور الشريف دور الملحد في مجموعة من التجارب السينمائية المهمة. في سنة 1973، جسد دور المثقف المتشكك في الدين في فيلم "السكرية". وفي فيلم "الإخوة الأعداء" في سنة 1974م قام بدور المثقف الملحد الذي يعلن آراءه في عدم وجود الإله. بعدها بسنتين، قام الشريف ببطولة فيلم "لقاء هناك" والذي يظهر فيه كملحد متمرد على السلطتين الأبوية والإلهية. أما في سنة 1993، فأدى شخصية أستاذ جامعي لا يؤمن إلا بالعلم وحده، وذلك في فيلم "الرقص مع الشيطان".

في سنة 2014م، تم عرض فيلم "الملحد" من تأليف وإخراج نادر سيف الدين. دارت أحداث الفيلم حول ابن لأحد الدعاة الإسلاميين المشهورين. يتجه الابن نحو الإلحاد، الأمر الذي يثير حفيظة أسرته ويعرضه لسخطها. أخفق الفيلم في تحقيق أى نجاح تجاري يُذكر في دور العرض السينمائي، ولم تتجاوز إجمالي إيراداته 130 ألف جنيه.

من الملاحظات الجديرة بالذكر أن تلك الأعمال جميعاً تنتهي بوقوع تحول مهم في شخصية البطل، بحيث يتراجع عن إلحاده ويعود مرة أخرى إلى الإيمان بالله. الأمر الذي يفسر اجتياز تلك الأفلام للرقابة، والسماح بعرضها في دور العرض السينمائية.

من أوضح الأمثلة المعبرة عن تلك السمة ما وقع في نهاية فيلم "الإخوة الأعداء" المقتبس عن رواية "الإخوة كارامازوف" للروائي الروسي الأشهر دوستويفسكي. في نهاية الفيلم يعترف شوقي الأرماني -الذي جسد نور الشريف شخصيته- بوجود الله ويعلن إيمانه بشكل واضح. يتعارض ذلك مع شخصية إيفان كرامازوف في الرواية، والتي تبقى على تشككها وإلحادها حتى النهاية.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة من جزيرة سقطرى اليمنية حيث يتكلم أهلها اللغة السقطرية- تعبيرية
صورة من جزيرة سقطرى اليمنية حيث يتكلم أهلها اللغة السقطرية- تعبيرية

في بدايات القرن السابع الميلادي، فتح المسلمون جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية. بعدها، وبشكل متدرج، استطاعت اللغة العربية الحجازية الشمالية -المُستخدمة في قبيلة قريش- أن تفرض نفسها في المناطق العربية الجنوبية.

 بعد قرون، انعزلت اللهجات اليمنية الجنوبية واقتصر استعمالها على بعض الشعوب. وصارت هناك فوارق واسعة بينها وبين اللغة العربية التقليدية، حتى اعتبرها بعض علماء اللغة مستقلة عن العربية. وفي ذلك شاع قول بعض اللغوين "ما لسان حِمير -اللهجة اليمنية- بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا".

رغم ذلك، بقيت بعض اللغات اليمنية القديمة حاضرة في جنوبي شبه الجزيرة العربية حتى الآن، لكنها مهددة بالاندثار، فيما تحاول العديد من المؤسسات المعنية بإنقاذها. فماذا نعرف عن هذه اللغات؟

اللغة المهرية

تُنسب إلى قبيلة المهرة التي سكنت شرقي اليمن منذ قرون طويلة، واعتاد النسابون أن يرجعوا أصلها إلى مهرة بن حيدان بن عمرو بن لحاف بن قضاعة. 

تُعدّ المهرية واحدة من أقسام اللغات العربية الجنوبية الشرقية الحديثة، ويعتبرها معظم الباحثين لغة سامية بدائية فيما يرى آخرون أنها امتداد للغة الأكدية العراقية القديمة.

تنتشر حاليا في شرق اليمن وسلطنة عمان والكويت والإمارات والسعودية. كما تتواجد بشكل أقل في بعض بلدان شرق أفريقيا كتنزانيا وكينيا. ويزيد عدد المتحدثين بها عن 200 ألف شخص.

تُعدّ المهرية من اللغات غير المكتوبة، أي أن متحدثيها يتوارثونها شفوياً، وتتكون من حروف اللغة العربية الـ28، بالإضافة إلى خمسة حروف أخرى.

في كتابه "مهرة في مصادر اللغة والأدب"، يذكر الباحث عامر بلحاف العديد من الألفاظ المهرية التي وردت في المعاجم والقواميس اللغوية العربية التراثية.

 من تلك الألفاظ كلمة "الزفن" التي تحمل معنى الرقص، وجاءت تلك الكلمة بهذا المعنى في بعض الروايات والأحاديث المنسوبة للنبي. على سبيل المثال ذكر البخاري في "صحيحه" عن عائشة خبر قدوم وفد الحبشة إلى المدينة، وفيه: "فجعلوا يزفنون" أي يرقصون. 

من الأمثلة الأخرى كلمة "بربور" بمعنى ثرثار كثير الحديث، وكلمة "حوور" وهو اللون الأسود، وكلمة "كركر" بمعنى ضحك وقهقه.

 يشير بلحاف إلى أن الكثير من اللغوين العرب القدامى أوضحوا في كتاباتهم أن اللغة المهرية لغة خاصة، مختلفة عن اللغة العربية التقليدية. لكنهم ذكروا أن المهرية لغة متروكة و"مرغوب عنها"، الأمر الذي يشهد على غلبة اللهجات العربية الشمالية على شبه الجزيرة العربية بعد الإسلام.

السقطرية

تُنسب تلك اللغة إلى سقطرى، وهي أرخبيل يمني يتبع إقليم حضرموت ويتكون من ست جزر على المحيط الهندي قبالة سواحل القرن الأفريقي. يشيع استخدام السقطرية داخل الجزر التابعة للأرخبيل، وتتميز بوجود بعض الحروف المختلفة عن العديد من اللغات السامية، منها "الشين الجانبية"، و"اللام الجانبية". 

بشكل عام، هناك أربع مجموعات من اللهجات السقطرية، وهي اللهجات المحكية في الساحل الشمالي، واللهجات المحكية في الساحل الجنوبي، واللهجات التي يتحدث بها البدو في الجبال في وسط الجزيرة، واللهجة التي يتحدث بها أهالي جزيرة عبد الكوري.

في العقود الماضية، بُذلت العديد من المحاولات لدراسة السقطرية وتدوين نصوصها الأدبية بهدف الحفاظ عليها. 

بدأت تلك المحاولات في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، عندما زار المستشرق النمساوي دافيد هاينريش مُولَّر أرخبيل سقطرى، وعمل على تدوين وتسجيل بعض مفردات اللغة السقطرية. 

في سنة 2014، تم تطوير نظام كتابة اللغة السقطرية على يد فريق روسي بقيادة الدكتور فيتالي نومكين. عكف الفريق على دراسة هذه اللغة لمدة خمس سنوات كاملة، وبعدها نشر النظام الكتابي المُقترح في كتاب بعنوان "مجموعة الأدب الشفوي السقطري".

 في أكتوبر 2017، حاولت الحكومة اليمنية المشاركة في إحياء اللغة السقطرية، وذلك عندما وجه رئيس الوزراء اليمني السابق أحمد عبيد بن دغر، وزارة الثقافة، لإنشاء مركز اللغة المهرية والسقطرية للدراسات والبحوث، إلا أن تلك التوجيهات لم تطبق على أرض الواقع بسبب أحداث الحرب الأهلية اليمنية.

يُعدّ مشروع حماية الأدب الشعبي في سقطرى المدعوم من قِبل الحكومة الألمانية ومعهد "جوته"، آخر المحاولات الداعمة للغة السقطرية. استهدف المشروع حماية الأدب الشعبي في جزيرة سقطرى من خلال "جمعه ومراجعته وتوثيقه وإتاحته باللغة السقطرية ثم اللغة العربية والإنجليزية. ثم العمل على الترويج له من خلال منصات إعلامية وثقافية وأكاديمية متنوعة...". 

تمكن فريق العمل من نشر كتاب "تُوْتِيَتَنْ دِ سَاقَطْرِيْ" أو "حكايات من التراث الشعبي في سقطرى"، كما طور المشروع أداة إلكترونية يمكن من خلالها تحويل اللغة السقطرية المكتوبة بالحروف العربية إلى حروف لاتينية.

A Kurdish woman dances with others during the Newroz celebrations marking the start of spring in Istanbul, Turkey, Sunday,…
منها الآرامية والأمازيغية والكردية.. جولة على لغات الأقليات في الدول العربية
"لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات اثنية أو دينية أو لغوية، أن يُحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم"، هذا ما تنص عليه المادة رقم 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ومن هنا، تبدو اللغات التي تتحدث بها الأقليات العرقية ، أساساً لحريتها وخصوصيتها. فما هي أبرز اللغات التي تتحدث بها الأقليات في الدول العربية؟

الشحرية

تُعدّ الشحرية واحدة من اللغات السامية القديمة، وتُنسب إلى قبائل الشحرى التي تسكن محافظة ظفار في سلطنة عمان. وتًعرف أيضاً باللغة الجبالية، بسبب انتشارها في بعض أنحاء الريف.

توجد العديد من اللهجات للغة الشحرية، وجميعها تُنطق ولا تُكتب. وعلى عكس العديد من اللغات الشفوية المعروفة، تستند الشحرية إلى مجموعة من القواعد والأسس اللغوية. من ذلك أن لها ضمائر منفصلة وأسماء إشارة مفصلة للذكر والأنثى والمفرد والمثنى والجمع. كما أن الشحرية تحتوي على كل حروف اللغة العربية ما عدا حروف "ص، ق، ض"، هذا بالإضافة إلى 8 حروف أخرى خاصة بها.

من الخصائص المميزة للشحرية أنه يتم عكس بعض الكلمات العربية لتعطي نفس المعنى باللغة الشحرية. على سبيل المثال، يتم قلب كلمة "قتل" باللغة العربية لتصبح كلمة "لتق" باللغة الشحرية. أيضاً تتميز اللغة الشحرية بظاهرة الشنشنة وهي قلب كاف الخطاب للأنثى شيناً.

من النقاط المثيرة للاهتمام، أن هناك تشابهاً واضحاً بين اللغة الشحرية واللغة الأمازيغية المنتشرة في شمالي غرب أفريقيا، حتى ذهب العديد من المؤرخين والباحثين إلى وجود أصل مشترك بين أهل ظفار والأمازيغ. من هؤلاء الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة الذي زار ظفار في القرن الثامن الهجري وأشار إلى الشبه بين الظفاريين وأهل المغرب.

في العقود الأخيرة، اهتم العديد من الباحثين بدراسة اللغة الشحرية الذين أصدروا مؤلفات عدة في المجال، مثل كتاب "لسان ظفار الحميري" لمحمد بن سالم المعشني، وكتاب "لهجة مهرة وآدابها" لعلي محسن آل حفيظ، وكتاب "لغة عاد" لعلي أحمد محاش الشحري.

 

الخولانية

هي إحدى اللغات السامية القديمة وأخذت اسمها من قبائل خولان، المنسوبة إلى خولان بن عامر. تنتشر تلك اللغة بين القاطنين في جنوبي غرب المملكة العربية السعودية وشمالي اليمن.

توجد العديد من اللهجات لتلك اللغة، ومنها لهجة بني مالك، ولهجة الريث، ولهجة العبادل. أما أشهر لهجات الخولانية فهي اللهجة الفيفية المنتشرة في محافظة فيفا السعودية الجبلية.

من جهة أخرى، توجد العديد من القواعد المعروفة للغة الخولانية. منها استخدام أداة التعريف "أم" بدلاً من أداة التعريف "أل" المُستخدمة بشكل اعتيادي في اللغة العربية.

 توجد بعض الروايات التي تذكر أن الرسول محمد استخدم "أم" عند حديثه مع بعض القبائل اليمنية القديمة. على سبيل المثال، جاء في مسند أحمد بن حنبل أن "النبي نهى بعض اليمنيين عن الصيام في السفر، فقال لهم (ليس من امبر امصيام في امسفر".