شيخ أيزيدي خلال عملية دفن جماعية لرفات بعض من ضحايا قرية كوجو في قضاء سنجار، في 6 فبراير 2021. وأعيدت حينها بقايا 104 من سكان كوجو الذين قتلهم تنظيم داعش لدفنهم في القرية.
شيخ أيزيدي خلال عملية دفن جماعية لرفات بعض من ضحايا قرية كوجو في قضاء سنجار- تعبيرية

لم يكن الأسبوع الماضي في سنجار وناحية بعشيقة شرق الموصل في شمال العراق، طبيعيا بالنسبة للعائدين من سكانها؛ لأن المدينتين شهدتا أحداثا ساخنة، اعتبرها مراقبون سياسيون وأمنيون "شرارة" قد تؤجج الصراع وتهجّر الأهالي مجدداً.

يقول الناشط المسيحي في مجال حقوق الإنسان والأقليات، كامل زومايا، إن "الصراعات في أي دولة في العالم طاردة للأمن العائلي وللمجتمع وبهذا يتقلص دور الحياة المدنية، فكيف إذا حصل للأقليات التي تعرضت إلى إبادة جماعية كالأيزيدين والمسيحيين وغيرهم في سهل نينوى وسنجار؟!".

ويرى أن "فكر تنظيم داعش ما زال موجودا ولم ينته بعد التحرير، وما حدث من خطاب كراهية وفبركة أخبار ضد الأيزيدين الأسبوع الماضي يؤكد الحاجة إلى العمل الكثير من أجل استئصال الفكر الداعشي من المنطقة".

ويوضح زومايا لـ"ارفع صوتك": "من المفترض أن تكون هناك سياسة واقعية لترسيخ التعايش السلمي ونبذ الكراهية ومحاولة زرع الثقة في نفوس أبناء الأقليات، خاصة في سنجار، وضرورة نزع السلاح وإعادة النازحين بعد استقرار المنطقة سياسياً وأمنياً، ومن بعدها تكون هناك عودة آمنة لسكانها".

وبعد ما شهدته سنجار من تدهور في 27 أبريل الماضي عقب إعادة أكثر من 50 عائلة عربية نازحة إليها دون إجراء تدقيق أمني لأفرادها، الامر الذي أغضب الأيزيديين، حيث طالبوا بالتدقيق الأمني في ملفات العائدين "لحماية المدينة من تسلل عناصر تنظيم داعش بينهم".

أما سهل نينوى فشهد هو الآخر توترا وتصعيدا سياسيا من قبل قوى تابعة للإطار التنسيقي والحشد الشعبي في مقدمتها فصيلا "حشد الشبك" و"بابليون"، اللذان يسيطران عسكريا على سهل نينوى منذ تحريره من داعش نهاية عام 2016.

ويرفض الفصيلان تولّي غزوان الداودي مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني، منصب مدير ناحية بعشيقة، الذي كُلف به رسمياً منتصف أبريل، من قبل إدارة محافظة نينوى. 

ولوّح كل من "حشد الشبك" و"بابليون"، بتنظيم تظاهرات والتحرك لمنع شروع الداودي في مهامه، ليعلنا لاحقاً عن تأجيل التظاهرات، منتظرين نتائج اللجنة الوزارية التي شكلتها الحكومة العراقية للتحقيق في أوضاع بعشيقة.

صورة أرشيفية لأحد عناصر الحشد الشعبي
في مخالفة لاتفاقية سنجار.. الحشد الشعبي يشكل لواءً "بأكثر من 3600 عنصر"
توشك هيئة الحشد الشعبي، على الانتهاء من تشكيل لواء جديد تابع لها، يضم الآلاف أهالي قضاء سنجار غرب، للمباشرة بمهام قتالية وأخرى أمنية، ضمن خطة لتوسيع رقعة انتشار ناصر الحشد في القضاء التابع لمحافظة نينوى شمال العراق.

"مستقبل أكثر قلقا"

من جهته، يقول رئيس منظمة "ميثرا للتنمية والثقافة اليارسانية"، رجب عاصي كاكيي، إن "مستقبل الأقليات في العراق أصبح أكثر قلقا، بعد ما حصل في سنجار. وازدياد خطاب الكراهية والعنف من قبل جهات متطرفة وعدم وجود جهة بإمكانها محاسبتهم وانعدام دور الادعاء العام في المحاكم العراقية، أمور تدفع الأقليات للهجرة خارج البلاد".

وأوفد رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، في 27 أبريل الماضي لجنة من مكتبه إلى ناحية بعشيقة للوقوف على المشاكل الإدارية فيها.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء في بيان إن "السوداني شدد على ضرورة ألا تنعكس المشاكل الحاصلة هناك على الاستقرار الأمني في المحافظة، أو تؤثر في تقديم الخدمات لمواطنيها"، مؤكدا على "ضرورة إشاعة روح الأخوة بين أبناء المكونات في نينوى، والابتعاد عن خطابات الكراهية والتفرقة، وتفويت الفرصة على من يحاول زعزعة الاستقرار".

وكشفت مصادر مطلعة في إدارة محافظة نينوى لـ"ارفع صوتك"، أن "اللجنة الوزارية أنهت عملها في بعشيقة ورفعت تقريرها عن مشكلة منصب مدير الناحية إلى رئاسة الوزراء، ومن المقرر أن تصدر قرارها النهائي بهذا الشأن خلال الأيام المقبلة".

ويصف مدير المنظمة الأيزيدية للتوثيق، حسام عبدالله، أوضاع الأقليات "بالتائهة التي لا تعرف أن تحكم نفسها بنفسها في مناطقها التي تشكل فيها غالبية السكان".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "نطالب منذ سنوات أن يكون للأقليات دور على أقل تقدير في إدارة مناطقهم، لكن على ما يبدو أن أطرافاً عديدة في العراق لا ترغب في وجود إدارات واضحة لأبناء الأقليات في مناطقهم".

"بالتالي، تعيش  الأقليات اليوم تائهة بين سلطتي بغداد وإقليم كردستان، وتائهة في مناطقها بسبب تعدد القوات التي تسيطر على تلك المناطق وعدم وجود تفاهم بين القوات المختلفة"، يضيف عبدالله.

ويتابع أن حالة "التيه" التي تعيشه مناطق الأقليات تنعكس على المطالبة بالحقوق الأساسية في مقدمتها الاعتراف بالإبادة الجماعية والاعتراف باستقلالية مناطقها وإدارتها بأنفسهم، وغيرها من المطالب والحقوق التي لا يطالبون فيها.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

إيزيدي عراقي بقرب توابيت لضحايا من أبناء شعبه وجدت جثامينهم في مقبرة جماعية
إيزيدي عراقي بقرب توابيت لضحايا من أبناء شعبه وجدت جثامينهم في مقبرة جماعية- أرشيفية

مازال ملف المقابر الجماعية التي تضم رفات ضحايا العنف المتعاقب في العراق أحد أكثر الملفات تعقيدا، إثر ما يشهده من تراكمات العقود الماضية وضعف الإمكانيات المحلية لفتح المقابر والتعرف على هويات الضحايا.

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش الدولية المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، الثلاثاء، إن جثث مئات الآلاف من ضحايا القتل غير القانوني لا تزال مدفونة في مقابر جماعية في جميع أنحاء العراق.

تضم هذه المقابر جثث ضحايا النزاعات المتعاقبة، بما في ذلك الإبادة الجماعية التي ارتكبها صدام حسين ضد الأكراد عام 1988 وعمليات القتل الجماعي التي ارتكبها تنظيم داعش بين 2014 و2017.

وقالت سارة صنبر، باحثة العراق في هيومن رايتس ووتش: "المقابر الجماعية هي تذكير مؤلم بأكثر فصول التاريخ العراقي عنفا، وفتحها أمر بالغ الأهمية للسماح لأُسر الضحايا، والبلاد بأكملها، بالحصول على أي أمل في العدالة والتعافي من هذه الجروح. يحق للناس معرفة مصير أحبائهم ومنحهم دفنا لائقا وكريما".

وأشار تقرير المنظمة الدولية الى أن فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب داعش (يونيتاد)، الذي أنشأه مجلس الأمن الدولي عام 2017 لتوثيق الجرائم الخطيرة التي ارتكبها التنظيم في العراق، قدم خلال السنوات الماضية الدعم لـ"دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية" و"دائرة الطب العدلي" التابعتين للحكومة العراقية في فتح 67 مقبرة جماعية مرتبطة بداعش.

لكن مع اقتراب انتهاء مهمة فريق "يونيتاد" في سبتمبر المقبل تزداد المخاوف من عدم تمكن العراق من سد الفجوة التي سيخلفها الفريق الدولي وسط وجود المئات من المقابر الجماعية في غالبية مناطق البلاد.

وتشير إحصائيات المنظمة الأيزيدية للتوثيق إلى وجود 89 مقبرة جماعية في قضاء سنجار وحده خلفها تنظيم داعش، لم يفتح منها سوى 47 مقبرة حتى الآن، ولم يتم التعرف بعد على هويات غالبية الضحايا داخل المقابر المفتوحة.

ويقول مدير عام دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية ضياء كريم طعمة لـ"هيومن رايتس ووتش": "بالطبع، سيكون هناك فراغ عندما يغادر يونيتاد، لكن الحكومة العراقية أصدرت قرارها بأن ولاية الفريق قد انتهت، لذلك يجب أن يكون لدينا خطة بديلة".

ووفق طعمة، يعتبر مختبر تحليل الحمض النووي، التابع لدائرة الطب العدلي في بغداد، مختبر الحمض النووي الوحيد الذي يمتلكه العراق وهو المرخص فقط بإجراء التعرف على الحمض النووي للرفات المستخرجة من المقابر الجماعية.

وضمن استعدادات المغادرة، قدمت يونيتاد الدعم لمختبر تحليل الحمض النووي التابع لدائرة الطب العدلي للحصول على اعتماد ISO / IEC 17025 من "المنظمة الدولية لتوحيد المقاييس" (أيزو) كي تكون النتائج التي يتوصل إليها المختبر معترفا بها دوليا، مما يسمح بقبول نتائجه كدليل في المحاكم على مستوى العالم.

ورغم الوعود الحكومية بالإسراع بعمليات التنقيب وفتح المقابر الجماعية، مازال الانتظار سيد الموقف بالنسبة لذوي الضحايا الذين يسعون إلى معرفة مصير ذويهم منذ سنوات، معتبرين آليات التعامل مع المقابر الجماعية بطيئة.

أبو سعد، نازح ايزيدي من سنجار يعيش منذ 9 أعوام في أحد مخيمات النازحين في محافظة دهوك بإقليم كردستان العراق، تعرض أكثر من 77 فردا من عائلته للاختطاف من قبل داعش عند سيطرته على سنجار في أغسطس 2014، نجا منهم حتى الآن 37 فردا لكن 40 آخرين منهم ما زالوا مفقودين.

يترقب أبو سعد أخبار اكتشاف المقابر وفتحها بفارغ الصبر منذ سنوات، لكنه حتى الآن لم يجد رفات أي من ذويه المفقودين من بين الرفات التي انتشلت من المقابر الجماعية.

يقول أبو سعد لـ"ارفع صوتك": "الحكومة مقصرة جدا مع ملف المقابر الجماعية وفتحها والكشف عن هويات الضحايا، ومع الضحايا وذويهم. قدمتُ طلبا للقاء المسؤولين في الحكومة والجهات المعنية لإيصال معاناتنا لهم، لكن دون جدوى".

وبحسب إحصائيات حصل عليها "ارفع صوتك" من دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية، توجد ما يقارب 150 مقبرة جماعية غير مفتوحة في العراق، فيما بلغ عدد المقابر المفتوحة حتى الآن أكثر من 288 مقبرة، منها المقابر الجماعية التي ارتكبها تنظيم داعش والمقابر الجماعية التي ارتكبها نظام صدام حسين.

ويقدر المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق أن المقابر الجماعية تضم رفات 400 ألف شخص.

ووفقا المركز أيضا يمتلك العراقأحد إعلى معدلات المفقودين  في العالم، ويقدر عددهم ما بين 250 ألف ومليون شخص، ويُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.

ويرى الحقوقي والناشط التركماني، جعفر التلعفري، أن قلة المختصين في مجال التعامل مع المقابر الجماعية هي أبرز ما يعاني منه العراق.

ويضيف التلعفري لـ"ارفع صوتك":  "نأمل أن تكون إجراءات التعامل مع المقابر الجماعية أسرع، لأن ذوي الضحايا يشعرون بعدم الجدية والاهتمام من قبل الحكومة في هذا الملف، لا سيما الضحايا التركمان، فهناك 1200 مختطف تركماني من تلعفر ما زال مصيرهم مجهولا."

ولا تصدر الجهات الحكومية شهادة وفاة للضحية في المقابر الجماعية المكتشفة حتى إذا تعرف ذووه عليه سواء من ملابسه أو مقتنياته، الا بعد إثبات هويته من خلال اختبار الحمض النووي، وهو إجراء يتأخر كثيرا. ولا تستطيع أسرة الضحية المطالبة بمزايا التقاعد أو أي دعم حكومي آخر دون تقديمها شهادة الوفاة.