أسهمت العديد من الشخصيات المسيحية بحظ وافر في إثراء الحضارة العربية الإسلامية على مر القرون.
أسهمت العديد من الشخصيات المسيحية بحظ وافر في إثراء الحضارة العربية الإسلامية على مر القرون.

تمكن المسلمون في القرن السابع الميلادي من التوسع في بلاد الشام والعراق ومصر وبلاد فارس. كان الكثير من أهل تلك البلاد ينتمون إلى الدين المسيحي. ولم يمر وقت طويل حتى اندمج العديد منهم في المجتمع الجديد. وأسهموا بحظ وافر في إثراء الحضارة العربية الإسلامية على مر القرون.

لاقى الكثير من هؤلاء المسيحيين التقدير والاحترام من قِبل السلطات الحاكمة. في ذلك المعنى يقول الجاحظ في إحدى رسائله: "إن النصارى متكلمون وأطباء ومنجمون وعندهم عقلاء وفلاسفة وحكماء... وإن منهم كتّاب السلاطين وفرّاشي الملوك وأطباء الأشراف والعطّارين والصيارفة... وإنهم اتخذوا البراذين والخيل واتخذوا الشاكرية والخدم والمستخدمين وامتنع كثير من كبرائهم من عطاء الجزية".

نلقي الضوء في هذا المقال على بعض الشخصيات المسيحية التي لعبت دوراً مهماً في نهضة الحضارة العربية الإسلامية.

 

الكاتب سرجون بن منصور

 

يذكر الأب سهيل قاشا في كتابه "النصارى في خلافة بني أمية" أن الخلفاء الأمويين تسامحوا -إلى حد بعيد- مع المسيحيين، وأنهم لم يجدوا بأساً في تعيين بعض المسيحيين في وظائف الدولة المهمة. في هذا السياق، يظهر اسم سرجون بن منصور كواحد من أهم الموظفين الذين لعبوا أدواراً مهمة في سياسة الدولة الإسلامية وتنظيم أمورها في القرن الأول الميلادي.

عُرف سرجون بن منصور باسم سرجون الرومي. وكان أبوه يتولى جباية الأموال لحساب البيزنطيين في دمشق قبل استيلاء المسلمين عليها. أثناء حصار العرب لدمشق، ساعد سرجون في صياغة بنود الاتفاق بين الجيش الإسلامي وأهل المدينة، وأدار المفاوضات بنجاح مع قائد المسلمين أبي عبيدة بن الجراح.

يوحنا الدمشقي والهرطقة المئة.. الإسلام المبكر بعيون قس مسيحي
في دير القديس سابا بفلسطين، ناقش يوحنا الدمشقي الإسلام المبكر في كتابه المعروف باسم "الهرطقات". هذا الكتاب تم تأليفه باليونانية، ما ضمن للدمشقي الحماية الكافية من الغضب الذي كان من الممكن أن يوجهه إليه المسلمون لو اطلعوا على ما دونه في كتابه.

ظهر دور سرجون بالتزامن مع قيام الدولة الأموية في سنة 41ه. كان سرجون من المساعدين الذين اعتمد عليهم الخليفة معاوية بن أبي سفيان في إدارة دولته. وتولى منصب متولي الخراج والجزية، والمشرف على شؤون المسيحيين الموجودين بدمشق. وبقي في هذا المنصب حتى توفى سنة 86ه تقريباً.

تذكر بعض المصادر التاريخية أن سرجون لعب دوراً مؤثراً في بعض الأحداث السياسية الخطيرة زمن خلافة يزيد بن معاوية. على سبيل المثال، يذكر مسكويه في كتابه "تجارب الأمم وتعاقب الهمم" أن سرجون أشار على يزيد بأن يولي الكوفة لعُبيد الله بن زياد، وذلك خوفاً من أن تخضع للحسين بن علي. كما هو معروف، في عهد تولي الحجاج للكوفة وقعت معركة كربلاء سنة 61ه، وتم قتل الحسين.

من الجدير بالذكر أن ابن سرجون هو يوحنا الدمشقي. وهو واحد من أشهر اللاهوتيين المسيحيين في العصور الوسطى. ومن أشهر كتبه "ينبوع المعرفة"، و"الهرطقات"، و"الإيمان الأرثوذكسي"، و"مقدمة في العقائد المسيحية".

 

الشاعر الأخطل

 

هو غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة التغلبي. ولد في منطقة الحيرة بالعراق في خلافة عمر بن الخطاب. ونشأ في دمشق، وعاش متنقلاً بين الشام والجزيرة الفراتية التي سكنها قومه التغلبيون.

تتفق المصادر التاريخية على مكانة الأخطل السامية وسط شعراء العصر الأموي. على سبيل المثال وصفه أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني فقال: "محلّه في الشعر أكبر من أن يحتاج إلى وصف. وهو وجرير والفرزدق‌ طبقة واحدة".

ظهر المعنى نفسه فيما أورده شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء" عندما ذكر أن الفرزدق امتدح الأخطل (وإن احتمل مدحه شيئا من الهجاء) لمّا سُئل "من أشعر الناس؟" وأنه أجاب قائلاً: "كفاك بي إذا افتخرت، وبجرير إذا هجا، وبابن النصرانية -يقصد الأخطل- إذا امتدح".

اتصل الأخطل بخلفاء بني أمية. وكان من المقربين ليزيد بن معاوية على وجه الخصوص. ويذكر الأصفهاني أن الأخطل كان واحداً من ندماء يزيد في مجالس اللهو والخمر. ويفسر ذلك كثرة هجاء الشاعر التغلبي لأعداء الدولة الأموية سواء كانوا من الأنصار أو من بني عبد شمس.

توفى الأخطل في خلافة الوليد بن عبد الملك عن عمر ناهز السبعين عاماً، ولا تزال قصائده مشهورة بين قراء العربية حتى اليوم.

 

المترجم يوحنا بن البطريق

 

هو يوحنا بن البطريق، واشتهر باسم يوحنا الترجمان بسبب إجادته للغتين اليونانية واللاتينية. عاش في القرن الثاني الهجري. واتصل بخدمة الخلفاء العباسيين الأوائل. ويقال إنه كان مولى للخليفة عبد الله المأمون. وتوفى في سنة 200ه على وجه التقريب.

ذكره علي بن يوسف القفطي في كتابه "إخبار العلماء بأخبار الحكماء" باعتباره واحداً من المترجمين الكبار الذين قادوا حركة الترجمة إلى اللغة العربية في العصر العباسي المبكر. يقول القفطي واصفاً إياه: "كَانَ أميناً عَلَى الترجمة، حسن التأدية للمعاني، ألكن اللسان فِي العربية وَكَانَتْ الفلسفة أغلب عَلَيْهِ من الطب، وهو تولى ترجمة كتب أرسطوطاليس خاصة وترجم من كتب بقراط".

أيضاً، ذكر جورج طرابيشي في كتابه "معجم الفلاسفة" أن ابن البطريق ترجم العديد من الكتب المهمة إلى اللغة العربية. ومنها كل من "كتاب السياسة في تدبير الرئاسة" المنسوب إلى أرسطو. و"المقولات العشر" لأرسطو. وكتاب "الأربعة" لبطليموس. و"محاورة طيماوس" لأفلاطون.

 

الطبيب حنين بن إسحاق

 

ولد حنين بن إسحاق في سنة 194ه في الحيرة بالعراق. وهو مسيحي نسطوري أجاد السريانية واليونانية والعربية والفارسية، وعمل مترجماً في بيت الحكمة ببغداد في زمن الخليفة العباسي عبد الله المأمون.

بدأت علاقة حنين بن إسحاق بالطب منذ فترة مبكرة من حياته. كان والده يعمل في مجال صناعة العقاقير الطبية. يحكي ابن العبري في كتابه "تاريخ مختصر الدول" قصة دراسة حنين بن إسحاق للطب. يقول ابن العبري إن حنين ذهب إلى الطبيب الشهير يوحنا بن ماسويه ليتتلمذ على يديه، "وكان حنين صاحب سؤال، وكان يصعُبُ على يوحنا، فسأله حنين في بعض الأيام مسألةَ مستفهمٍ فرد يوحنا وقال: ما لأهل الحيرة والطب، عليكَ ببيع الفلوس على الطريق، وأمر به فأُخرِج من داره، فخرج باكياً". لم ييأس حنين مما جرى، فذهب وتعلم لفترة على يد الطبيب جبرائيل بن بختيشوع. ثم استغل بعدها إجادته للغات في تطوير علوم الطب في العراق. فقام بترجمة كتب الطب اليونانية. من أشهر تلك الكتب "كتاب التشريح" لجالينوس، وكتاب "الفصول الأبقراطية في الطب"، وكتاب "تدبير الأصحاء"، وكتاب "حيلة البرء". ازدادت شهرة حنين بن إسحاق مع الوقت. وفي أربعينات القرن الثالث الهجري صار الطبيب الخاص للخليفة العباسي المتوكل على الله. وظل متصلاً بالخلفاء من بعده حتى توفي في سامراء في سنة 260ه.

أثرى بن إسحاق المكتبة الطبية العربية بالعديد من الكتب المهمة ومنها على سبيل المثال كل من "عشر مقالات في العين"، و"تركيب العين"، و"الألوان"، و"في حفظ الأسنان واللثة واستصلاحها"، و"في أسرار الأدوية المركّبة". ووصفه الذهبي في سيّر أعلام النبلاء بأنه "علامة وقته في الطب".

 

الفيلسوف يحيى بن عدي

 

هو أبو زكريا، يحيى بن عدي بن حميد بن زكريا. ولد في سنة 280ه في تكريت لأسرة مسيحية يعقوبية من أصول سريانية. رحل إلى بغداد في شبابه ودرس على يد كبار علماء عصره. ومن أشهرهم كل من متى بن يونس، وأبي نصر الفارابي. واشتهر أمره بعدها كواحد من أهم الفلاسفة الذين عرفتهم الحضارة العربية الإسلامية في القرن الرابع الهجري. وتوفي في سنة 364ه.

تحدث عنه ابن أبي أصيبعة في كتابه "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" فقال واصفاً مكانته بين علماء العراق: "...وإليه انتهت الرئاسة ومعرفة العلوم الحكمية في وقته". وفي السياق نفسه، امتدحه ابن النديم مراراً في كتابه "الفهرست" فوصفه "بالرئيس" في أحد المواضع. كما وصفه بأنه "أوحد دهره" في موضع آخر.

صنف يحيى بن عدي العديد من المؤلفات المهمة في فروع الفلسفة والمنطق وعلم الكلام واللاهوت، ومن أشهر كتبه التي وصلتنا "تفسير منطق أرسطو"، "تفسير المقالة الأولى"، "رسالة إلى أبي عمرو سعد بن الزيني". كذلك عُرف يحيى بكثرة كتابته ونسخه لمؤلفات المفكرين والعلماء المعاصرين له. مما يعبر عن ذلك قوله لابن النديم: "نسخت بخطِّي نسختين من التَّفسير للطبري وحملتهما إلى ملوك الأطراف. وقد كتبت من كتب المتكلمين ما لا يحصى، ولعهدي وأنا أكتب في اليوم والليل مئة ورقة وأقل".

 

المؤرخ ابن العبري

 

هو يوحنا بن هارون بن توما الملطي. ولد في مدينة ملطية الواقعة شرقي الأناضول في سنة 623ه. واضطر في شبابه للسفر إلى أنطاكية بسبب هجوم التتار على الأناضول. في أنطاكية تعلم ابن العبري اللغة العربية والطب، ودرس الفلسفة، واشتغل باللاهوت المسيحي. انقطع بعدها في أحد الأديرة. وسُمي بغريغوريوس، واُختير أسقفاً لليعاقبة في حلب. وترقى في المناصب الدينية حتى شغل منصب جاثليق كنيسة المشرق التي تضم كلاً من العراق وفارس. وتوفى في مراغة بأذربيجان في سنة 685ه. ونُقل جثمانه إلى العراق حيث دُفن في دير مار متى بالموصل.

يذكر الزركلي في كتابه أن ابن العبري صنف 36 مؤلفاً في اللاهوت والفلسفة والمنطق والفلك والأخلاق. أما أشهر كتبه فكان كتاب "تاريخ مختصر الدول". وهو كتاب في التاريخ، كتبه ابن العبري بالسريانية أولاً، ثم قام بترجمته إلى اللغة العربية تلبيةً لطلب العديد من تلاميذه وأتباعه. بدأ المؤلف الكتاب بالحديث عن آدم وأبنائه وأنهاه بالحديث عن دولة المغول المعاصرين له في القرن السابع الهجري. وتحدث فيه عن تاريخ بني إسرائيل، وتاريخ العراق القديم وبلاد فارس، كما تناول الكثير من الموضوعات المتعلقة بتاريخ اليونان والإمبراطورية البيزنطية والخلافة الإسلامية. ومن هنا تبرز أهمية الكتاب باعتباره عملاً تاريخياً موسوعيا.

يقول ابن العبري في مقدمة هذا الكتاب: "...هذا مختصر في الدول قصدت في اختصاره الاقتصار على بعض ما أوتي في ذكره اقتصاص إحدى فائدتي الترغيب والترهيب من أمور الحكام والحكماء، خيرها وشرها على سبيل الالتقاط من الكتب الموضوعة في هذا الفن بلغات مختلفة سريانية وعربية وغيرها مبتدئاً من أول الخليقة ومنتهياً إلى زماننا. وهو مرتب على عشر دول داولها الله تعالى بين الأمم فتداولها تداولاً بعد تداول...". مما تجدر الإشارة إليه أن الكتاب حظي بأهمية كبرى في الأوساط البحثية التاريخية. ويُعدّ من المصادر المهمة المعاصرة لفترة الغزو المغولي لإيران والعراق.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.