تمكنت شخصيات قبطية في مختلف الميادين (التاريخ، الطب، العمران..إلخ) من التأثير في الحضارة الإسلامية والمساهمة في ازدهارها.
تمكنت شخصيات قبطية في مختلف الميادين (التاريخ، الطب، العمران..إلخ) من التأثير في الحضارة الإسلامية والمساهمة في ازدهارها.

تمكن المسلمون في القرن السابع الميلادي من التوسع في بلاد الشام والعراق ومصر. كان الكثير من أهل تلك البلاد ينتمون إلى الدين المسيحي. ولم يمر وقت طويل حتى اندمج العديد منهم في المجتمع الجديد. وأسهموا بحظ وافر في إثراء الحضارة العربية الإسلامية على مر القرون.

كان أقباط مصر من الشعوب التي اندمجت في المجتمع الإسلامي في العصور الوسطى. يقول المؤرخ السوري الأصل جاك تاجر في كتابه "أقباط ومسلمون: منذ الفتح العربي إلى عام 1922م" واصفاً مشاركة الأقباط في إدارة مصر عقب دخول العرب: "لم يقتصر الأقباط على شغلهم معظم الوظائف الإدارية فحسب، بل كان لهم الأمر والنهي في بعض الأحيان، وبقي نظام الضرائب والحسابات بين أيديهم مما أتاح لهم الفرصة لتحقيق مكاسب كبيرة".

نلقي الضوء في هذا المقال على بعض الشخصيات القبطية التي لعبت أدواراً مهمة في نهضة الحضارة العربية الإسلامية.

 

أقباط مسلمون

 

يمكن أن نقسم التأثير القبطي في الحضارة العربية الإسلامية إلى قسمين متمايزين. القسم الأول، ويضم الشخصيات الإسلامية التي تعود إلى أصول قبطية. والقسم الثاني، ويضم الشخصيات المسيحية، التي حافظت على دين آبائها وأجدادها. ولم يمنعها ذلك من المشاركة في بناء المجتمع الإسلامي.

تُعدّ شخصية غيلان الدمشقي من أهم الشخصيات المعبرة عن القسم الأول. اسمه هو غيلان بن يونس. ويذكر ابن قتيبة الدينوري في كتاب "المعارف" أن أصوله تعود إلى أقباط مصر. وأن أباه أسلم عقب دخول العرب إلى مصر. وأضحى من موالي الخليفة الثالث عثمان بن عفان.

أسهمت العديد من الشخصيات المسيحية بحظ وافر في إثراء الحضارة العربية الإسلامية على مر القرون.
من سرجون الكاتب إلى يوحنا الترجمان.. مسيحيون أثْرَوا الحضارة الإسلامية
تمكن المسلمون في القرن السابع الميلادي من التوسع في بلاد الشام والعراق ومصر وبلاد فارس. كان الكثير من أهل تلك البلاد مسيحيين. ولم يمر وقت طويل حتى اندمج العديد منهم في المجتمع الجديد. وأسهموا بحظ وافر في إثراء الحضارة العربية الإسلامية على مر القرون.

عاش غيلان الفترة الأكبر من حياته في دمشق. ونُسب إليها. ودرس على يد العديد من العلماء، كما تتلمذ على يد معبد الجهني. عُرف غيلان في المصادر التاريخية الإسلامية باعتباره أحد الآباء المؤسسين لعلم الكلام الإسلامي. يذكر الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل" موجزاً للأفكار التي نادى بها غيلان، فقال: "كان غيلان يقول بالقدر خيره وشره من العبد، وفي الإمامة إنها تصلح في غير قريش، وكل من كان قائماً بالكتاب والسنة كان مستحقاً لها، وإنها لا تثبت إلا بإجماع الأمة". قُتل غيلان على يد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بن مروان في سنة 106ه، وأُعيد إحياء الكثير من أفكاره على يد علماء المعتزلة.

يُعدّ ذو النون المصري أيضاً من بين الشخصيات الإسلامية التي تعود إلى أصول قبطية. يذكر المستشرق الإنجليزي رينولد نيكلسون في كتابه "في التصوف الإسلامي وتاريخه" أن ذا النون ينحدر من أصول قبطية من صعيد مصر أو النوبة. وأنه كان يعيش في مدينة أخميم في سوهاج الحالية. اشتهر ذو النون بمحاولاته لفك رموز الكتابة المصرية القديمة. وكتب في ذلك مؤلفاً سماه "حل الرموز وبرء الأرقام في كشف أصول اللغات والأرقام". يذكر جلال الدين السيوطي في كتابه "تاريخ الخلفاء" أن اهتمام ذي النون بتلك المسائل تسبب في اتهامه بالكفر والزندقة، وبأنه "أحدث علماً لم تتكلم به الصحابة". أمر الخليفة العباسي المتوكل على الله بمثول ذي النون بين يديه ليعرف منه حقيقة الأمر. ولما التقى به الخليفة وسمع منه، عرف قدره ومنزلته فرده عندها مكرماً إلى مصر.

يذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن ذا النون عُرف بتصوفه وزهده، وبشعره الصوفي الذي يعبر عن حالة التأمل والرغبة في البعد عن الناس. وذكر ابن النديم في كتابه "الفهرست" أنه أخذ علم الكيمياء عن جابر بن حيان. توفيى ذو النون في سنة 245ه عن عمر ناهز التسعين عاماً.

 

المؤرخون الأقباط والتاريخ الموازي

 

اشتهر الكثير من الأقباط الذين حافظوا على دينهم المسيحي ببراعتهم في علم التاريخ. دَوَّن هؤلاء العديد من الكتب المهمة، وقدموا تاريخاً موازياً للتاريخ الرسمي الذي عرفناه من المصادر الإسلامية المكتوبة باللغة العربية.

يُعدّ الأسقف يوحنا النقيوسي من أوائل المؤرخين الأقباط الذين وصلتنا مؤلفاتهم. لا نعرف الكثير عن شخصية يوحنا النقيوسي. وبحسب المعلومات القليلة التي نُقلت عنه في المصادر القبطية فإنه كان أسقفاً لنقيوس، وهي مدينة تقع بالقرب من مدينة منوف الحالية في دلتا مصر، كما أنه اشتغل ككاتب في الديوان المصري في العصر الأموي. تَمثَّل المُنجز الأهم للنقيوسي في تدوينه لكتابه المعروف باسم "تاريخ مصر والعالم القديم". اشتمل هذا الكتاب على الكثير من المعلومات المهمة عن الفترة التي عاصرت دخول العرب المسلمين إلى مصر في عشرينات القرن السابع الميلادي. من الجدير بالذكر أن هذا الكتاب وصل إلينا من خلال مخطوطة وحيدة مكتوبة باللغة الحبشية، وتمت ترجمتها فيما بعد للكثير من اللغات الحية.

كان ساويرس بن المقفع هو الآخر واحداً من المؤرخين الأقباط المعروفين كذلك. عاش ساويرس في القرن العاشر الميلادي. وكان أسقفاً لمدينة "الأشمونيين" في صعيد مصر. عمل ابن المقفع ككاتب في دواوين الدولة الفاطمية. وعُرف بإجادته التامة للغة العربية. ووضع قاموساً للترجمة بين اللغتين القبطية والعربية. الأمر الذي سهل تقبل الأقباط لاستخدام اللغة العربية في تلك المرحلة التاريخية المهمة. تمثل الإنجاز الأهم لابن المقفع في تصنيفه لكتاب "تاريخ بطاركة كنيسة الإسكندرية القبطية". دون هذا الكتاب باللغة العربية. واشتمل على سيّر بطاركة الكنيسة القبطية بدءاً من القديس مرقس وحتى البابا شنودة الأول، البطريرك رقم 55 للكنيسة القبطية. قدم الكتاب معلومات مهمة عن تاريخ الإسلام في مصر منذ الفتح وحتى الدولة الفاطمية. واحتوى على الكثير من القصص المعبرة عن كيفية التعامل بين العرب والأقباط.

أما ثالث المؤرخين الأقباط المشهورين فهو شمس الرياسة أبو البركات بن كبر. عاش ابن كبر في أواخر القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر الميلاديين. وعمل كاتباً في دواوين الدولة المملوكية في بداية حياته. وترك هذا العمل لمّا أصدر السلطان الأشرف صلاح الدين خليل قراره بإبعاد المسيحيين عن الوظائف الحكومية. التحق ابن كبر بعدها بخدمة الأمير بيبرس ركن الدين المنصوري، وساعده بشكل كبير في تأليف كتاب "زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة"، وهو من الكتب التاريخية المهمة التي دونت في العصر المملوكي.

 

أطباء مهرة

 

اشتهر الاقباط بإجادتهم لعلوم الطب والصيدلة. ويذكر ابن أبي أصيبعة في كتابه "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" أسماء العديد من الأطباء الأقباط الذين اشتهروا في العصور الإسلامية. من هؤلاء البطريرك القبطي بليطيان الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري. واشتهر بقصة علاجه لإحدى الجواري المحببات لقلب الخليفة هارون الرشيد، وكيف أن الخليفة فرح فرحاً شديداً بشفائها حتى أنه "وهب لبليطيان البطريرك مالاً كثيراً وكتب له منشوراً في كل كنيسة في يد اليعقوبية مما أخذوها وتغلبوا عليها أن ترد إليه. فرجع بليطيان إلى مصر واسترد من اليعقوبية كنائس كثيرة". ومنهم إسحاق بن إبراهيم بن نسطاس و"كان في خدمة الحاكم بأمر الله، ويعتمد عليه في الطب". في السياق نفسه، يظهر اسم الطبيب أبو الفتح منصور بن سهلان بن مقشر.  وكان طبيبا مسيحياً مشهوراً "وله دراية وخبرة بصناعة الطب وكان طبيب الحاكم بأمر الله ومن الخواص عنده وكان العزيز أيضاً يستطبه ويرى له ويحترمه"، وذلك بحسب ما يذكر ابن أبي أصيبعة في كتابه.

 

 البناء والعمارة

 

عُرف الأقباط كذلك بالتفوق في مجال الهندسة، وبالمهارة في أعمال البناء والتشييد العمراني. يذكر المؤرخ العراقي جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" أن اتصال العرب بالبنائيين الأقباط بدأ قبل الإسلام. يقول: "وفي حديث الإخباريين عن بناء الكعبة أن قريشاً استعانت بعامل من الروم، أو من الأقباط، اسمه باقوم، كان نجاراً مقيماً بمكة، في تسقيف البيت...".

بعد دخول العرب لمصر، شارك البناؤون القبط في أعمال بناء وتوسعة العديد من المساجد. على سبيل المثال في تسعينات القرن الأول الهجري، تمت الاستعانة بالبنائين الأقباط في أعمال التوسعة التي تمت في مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط وذلك في عهد الوالي قرة بن شريك العبسي. وشارك القبط في أعمال توسعة المسجد النبوي في المدينة، وبنوا فيه أول محراب مجوف في الإسلام.

يظهر اسم المعماري القبطي سعيد بن كاتب الفرغاني كواحد من أهم البنائين الذين اشتهر أمرهم في القرن الثالث الهجري. يُنسب الفرغاني إلى قرية فرغان الواقعة في محافظة الشرقية حالياً. تولى بناء العديد من المشروعات المهمة في الدولة الطولونية. من أهمها عمارة مقياس النيل في جزيرة الروضة، وبناء القناطر لتوصيل المياه إلى مدينة القطائع. فضلاً عن بنائه لجامع أحمد بن طولون.

يذكر تقي الدين المقريزي قصة بناء جامع ابن طولون في كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار". يقول إن سعيدا بن كاتب الفرغاني كان مسجوناً. فلما سمع أن ابن طولون يريد أن يبني جامعاً كبيراً بدون أن يأتي بالعواميد من الكنائس والأديرة بعث له وقال: "أنا أبنيه لك كما تحب وتختار بلا عمد إلّا عمودي القبلة". أحضره ابن طولون عندها من السجن وسأله عن كيفية بناء الجامع. فقال له الفرغاني: "أنا أصوّره للأمير حتى يراه عياناً بلا عمد إلّا عمودي القبلة. فأمر بأن تحضر له الجلود، فأحضرت، وصوّره له فأعجبه واستحسنه، وأطلقه وخلع عليه، وأطلق له للنفقة عليه مئة ألف دينار". بدأ الفرغاني في أعمال البناء في سنة 263ه، وانتهى منه بعد سنتين كاملتين. وصُمّم المسجد على طراز مسجد الرسول في المدينة المنوّرة. وبُني بلا أعمدة. بينما رُفع على دعامات من الآجر.

استمر تفوق البنائين الأقباط في كل من العصر الفاطمي والعصر الأيوبي. يذكر ساويرس بن المقفع في كتابه "تاريخ البطاركة" أن صلاح الدين الأيوبي اختار مهندسين قبطيين لبناء قلعة الجبل، وهما أبو منصور وأبو مشكور. لا نعرف الكثير عن هذين الاسمين. ومن المُرجح أنهما كانا من كبار المهندسين القبط في القرن السادس الهجري بدليل أن القلعة لا تزال صامدة حتى الآن رغم مرور قرون عديدة على بنائها.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 السعودية تتعرض لانتقادات متكررة لاستخدامها المفرط لعقوبة الإعدام
السعودية تتعرض لانتقادات متكررة لاستخدامها المفرط لعقوبة الإعدام

تسبب تنفيذ حكم الإعدام بحق المواطن السعودي، عبد المجيد النمر، بحالة من الصدمة لدى منظمات حقوقية وناشطين يقولون إن اتهام السلطات السعودية لرجل شيعي بـ "الارهاب والانتماء لتنظيم القاعدة" السني يطرح تساؤلات حول حيثيات ما جرى وعدالة الإجراءات القضائية في القضية.

ونددت المنظمة  الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، الاثنين، بإعدام النمر، واتهمت السلطات السعودية بـ "تزوير وثائق" تزعم انتماءه إلى تنظيم القاعدة.

وقال المحامي، طه الحاجي، المدير القانوني للمنظمة، غير الحكومية التي مقرها في برلين لموقع "الحرة": "المفارقة أن عبد المجيد النمر من الشيعة والقاعدة تنظيم سني، متطرف إقصائي يكفر الشيعة ولا يقبلهم".

والسبت، نفذت السلطات السعودية حكم الإعدام بحق عبد المجيد النمر (59 عاما)، وهو أب لأربعة أطفال متحدر من القطيف، وهي محافظة تسكنها غالبية شيعية تقع في شرق المملكة، بعدما دين بالانضمام إلى "خلية إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة"، على ما ذكرت وكالة الأنباء السعودية الرسمية.

وقال الحاجي لموقع "الحرة": "راجعنا صك الحكم الابتدائي، ووجدنا أن لائحة الدعوى لا يوجد ذكر فيها أبدا لكلمة 'القاعدة'، وأنه متهم ببعض الأمور منها المشاركة في مظاهرات، واتهامات من قبيل المشاركة في مجموعة واتساب وتأجيره جزءا من مزرعة أخيه كورشة لأحد المطلوبين أمنيا".

وبحسب "صك الدعوى" الذي حصل موقع "الحرة" على نسخة منه، فإن النمر خدم في سلك شرطة المرور لمدة 29 عاما، قبل أن يتقاعد من الخدمة.

وصدر الحكم الابتدائي بحق النمر من المحكمة الجزائية المتخصصة بسجنه تسع سنوات، لكن محكمة الاستئناف نقضت هذا القرار وحكمت عليه بالقتل تعزيرا).

يقول الحاجي إن من البديهي ألا تصدر المحكمة حكما إلا بما يطالب به أصحاب الدعوى، "ومن المفترض قانونا أن محكمة الاستئناف تنظر في القضية بطلب من المدعى عليه حتى يتم تخفيف الحكم عليه، والغريب والعجيب أن النيابة العامة لم تطلب أصلا قتله ومع ذلك قتل"، مضيفا "نحن نتحدث هنا عن منظومة قضاء ومحاكمة غير عادلة".

ويصف الحاجي إعدام النمر بأنه "كارثي"، مبني على اتهامات "بسيطة وسخيفة" لرجل كبير في السن، اعتقل بعد سنتين من خروجه على المعاش".

ويقول الحاجي إن قضية النمر بدأت نتيجة "خصومة شخصية"، إذ إن النمر كان مسؤلا عن مسجد في منطقته، وكانت هناك إلى جانب المسجد "أرض وقف"، ادعى المسؤول عنها بأن مبنى المسجد تعدى على الأرض، فاستدعت السلطات عبد المجيد النمر، وأوقف قبل أن يتم الإفراج عنه، ثم استدعي مرة أخرى، وبقي معتقلا حتى إعدامه.

لكن وزارة الداخلية السعودية أفادت بأن النمر اعتقل لارتكابه "أفعالا مجرمة تنطوي على خيانة وطنه، وانضمامه لخلية إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي، وتمويله للإرهاب والأعمال الإرهابية وتأييده للفكر الإرهابي".

وأضافت في بيان أن النيابة السعودية وجهت له الاتهام بارتكارب تلك "الأفعال المجرمة"، وهو ما أدانته به المحكمة الجزائية المتخصصة التي حكمت عليه بـ"القتل"، وهو ما أيدته محكمة الاستئناتف الجزائية المتخصصة، والمحكمة العليا. 

أوراق القضية تضمنت أيضا اتهامات بتأجير النمر  مزرعة أخيه لأحد الموقوفين "مع علمه بتحويلها إلى تصليح سيارات بطريقة غير نظامية ووكر لعدد من المطلوبين"، كما جاء في الدعوى.

ويقول الحاجي إن المؤجر لم يكن مطلوبا لكن "كان هناك بعض المطلوبين الذين تلاحقهم الحكومة كانوا يجتمعون أو يلتقون في هذه الورشة من فترة لفترة بحسب أوراق القضية".

ويقول حاجي إن النمر طلب من المستأجر المغادرة عندما علم بوجود مخالفات.

وتشمل الاتهامات التي وجهتها السلطات السعودية لعبد المجيد النمر أنه أيد مظاهرات احتجاجية ضد إعدام قريبه رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر، وأن مطلوبين حصلوا على طعام كان يشارك في إعداده في مأتم عاشوراء بمناسبة مقتل الإمام الحسين.

وحاول موقع "الحرة" الحصول على تعليق من السفارة السعودية في واشنطن بشأن انتقادات المنظمات الحقوقية، لكنه لم يتلق ردا حتى ساعة نشر هذه التقرير.

يقول الحاجي إن السلطات اعتبرت توفير الطعام في محرم، وهو من ضمن الطقوس الشيعية في هذا الشهر، بأنه "تمويل إرهاب".

وقال الحاجي إن عبد المجيد النمر "لم يحمل السلاح ولم يقتل أحدا ولم يشارك في أي عمليات عنف".

"نكتة العصر"

ويصف مدير قسم الاستبداد في مركز ديمقراطية الشرق الأوسط في العاصمة الأميركية واشنطن، عبدالله العودة، ما حدث في قضية عبد المجيد النمر بأنه "تناقض غريب" و"نكتة العصر".

وقال إن "السلطة تدعي أن الإرهاب انتهى وأن ولي العهد السابق كان يقتات ويحصل على الدعم الدولي بناء على ترويجه بأنه يحارب الإرهاب الداخلي وأنه تم القضاء على هذه الصفقة الفاسدة وبالتالي لا يوجد إرهاب منذ الإطاحة بولي العهد السابق"، في إشارة إلى محمد بن نايف الذي أعفي من منصبه بأمر ملكي عام 2017.

وفي عهد الأمير محمد بن سلمان، يقول العودة، إن السلطة في السعودية "كل يومين أو ثلاثة تعدم مجموعة جديدة بتهم الإرهاب في الوقت الذي تزعم فيه القضاء على الإرهاب، لذالك، هذا تناقض غريب".

ومنذ وصول الأمير محمد بن سلمان إلى منصب ولي العهد في 2017، تتبع السعودية أجندة إصلاحية طموحة تعرف باسم "رؤية 2030" تهدف إلى تحويل المملكة، التي كانت مغلقة سابقا، إلى وجهة سياحية وتجارية عالمية وتعتمد إصلاحات اجتماعية.

لكن ذلك يترافق مع استمرار قمع المعارضة، حيث تتعرض المملكة لانتقادات بسبب سجلها في مجال حقوق الإنسان والتضييق على الحق في التعبير على وجه الخصوص، وفقا لفرانس برس.

ويضيف العودة أن "السلطات تدعي الآن أن رجلا شيعيا من محافظة معروفة بالتدين الشيعي ينتمي إلى تنظيم القاعدة الذي يكفر الشيعة ويستهدف مجموعات بناء على الهوية الشيعية في مناطق مختلفة حول العالم، هذه نكتة العصر".

واعتبر أن "هذا الخلط الغريب للسلطة يكشف أولا عن استغلال مؤسسات الدولة من قضاء وإعلام لتبرير القتل والقمع، حيث أننا نشهد في عهد محمد بن سلمان أعلى معدل في تاريخ الإعدامات في الجزيرة العربية".

ولطالما تعرّضت المملكة لانتقادات حادة من منظمات حقوق الإنسان بسبب عمليات الإعدام ونظامها القضائي.

وأعدمت السعودية بالفعل أكثر من 140 شخصا في العام 2024، بحسب تعداد لوكالة فرانس برس، علما أن السلطات نفذت 170 إعداما في 2023، 33 مها بحق أشخاص إدانهم قضاء المملكة في قضايا مرتبطة بالإرهاب.

وأعدمت السعودية هذا العام 20 شخصا دينوا بتهم مرتبطة بالإرهاب.

وكانت المملكة الخليجية أعدمت 74 شخصاً خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وقال العودة: "هذه قضية صارخة وفاضحة لأن الملابسات التي عرضتها الدولة لا يقبلها المنطق فحسب بل لا تقبلها السردية الرسمية للأدوات الحكومية في الداخل".

"من أجل إخافة الآخرين"

واعتبر مؤسس منظمة "القسط" لحقوق الإنسان، العضو المؤسس لحزب التجمع الوطني، يحيى عسيري في حديثه مع موقع "الحرة" أنه "يبدو واضحا أن هناك تهورا بالحكم في قضية عبد المجيد النمر".

وقال: "المشكلة ليست مع عبد المجيد النمر، ولكن المشكلة أن كثيرا من الإعدامات تكون في حق الأقلية الشيعية ويبدو واضحا أنهم مستهدفون".

ويرى عسيري أن السلطة تسير على منهج إصدار أحكام كبيرة حتى لو كان هذا التصعيد للأحكام غير مبرر من أجل تخويف الناس".