سامية شنكالي خلال أحد الأعياد الأيزيدية
سامية شنكالي: "الإبادة الجماعية التي تعرضنا لها ونجاتنا منها أعطتنا القوة للمضيّ قدماً"

قبل تسع سنوات كانت سامية شنكالي هاربة تنشد الخلاص على جبل سنجار من مطارديها الدواعش لتنجو من الجوع والعطش، وهي تدير اليوم منصة إعلامية ومركزاً للتدريب في قضاء سنجار، رافضة أن ينظر العالم لهم على أنهم ضحايا، بل "ناجون قادرون على المضي قدماً في الحياة"، وفق تعبيرها.

تقول لـ"ارفع صوتك": "يجب ألا نقف أمام قسوة الحياة مكتوفي الأيدي، فالإبادة الجماعية التي تعرضنا لها ونجاتنا منها أعطتنا القوة للمضيّ قدماً، رغم صعوبة الأوضاع التي وجدنا أنفسنا جزءاً منها دون ذنب".

سامية كانت واحدة من 250 ألف أيزيدي عاش في القرى والبلدات التي تحيط بجبل سنجار، وتعرضوا للإبادة الجماعية والتشريد على يد تنظيم داعش الإرهابي، في الثالث من أغسطس 2014، قبل أن تستقر في أحد المخيمات التي خُصصت للنازحين في مناطق متفرقة من إقليم كردستان شمال العراق.

عاشت سامية حياة صعبة في المخيمات، تبين: "كان الأطفال يعانون من نقص الرعاية في ذلك الوقت، لذلك قررت مساعدتهم بتعلم القراءة والكتابة حتى لا يتخلفون عن أقرانهم خارج المخيمات، ولذلك قمت بحملة بالتعاون مع متطوعات من العوائل في المخيم". 

نتيجة لتلك الحملة "خصصنا خيمة خاصة لتعليم الأطفال القراءة والكتابة، ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلة حياة جديدة لم يكن الكثير منا يتوقعها في ظل تلك الظروف القاسية"، تتابع سامية.

سامية شنكالي خلال أحد الأعياد الأيزيدية

وقضت أكثر من عامين في تعليم الأطفال ثم قررت العودة إلى سنجار لتقديم خدمات أكبر للمجتمع خصوصاً المرأة الإيزيدية، حتى أن عملها التطوعي لفت نظر الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وحصلت على التمويل.

تشرح سامية: "تمكنت من البدء بمشروع جديد  مع مجموعة من فتيات سنجار من مختلف القوميات، وأنشأنا قناة خاصة بنا على وسائل التواصل الاجتماعي أطلقنا عليها اسم (وارجين) الذي يعني الأرض التي ننتمي لها".

وتؤكد: "قدمنا عبرها محتوى هادفاً لتشجيع المرأة ودعمها ورصد إنجازاتها وقصصها، لتحقيق الهدف الأبرز، وهو تقديم الدعم المعنوي لفتيات سنجار اللواتي كن الأكثر تضرراً من الإبادة الجماعية".

تطورت المؤسسة اليوم لتنشط في تمكين المرأة من خلال تدريبها على العمل الإعلامي في مجال الكتابة والتصوير والمونتاج والتقديم، بهدف تسليط الضوء على قصص نجاحها بعد توفير الموقع والأدوات.

تختم سامية حديثها، قائلة: "نحن نرفض النظر إلينا على أننا ضحايا، ونفضل أن نكون من الناجين الذين يمتلكون قدرات علمية يمكننا أن نظهرها للعالم".

مجموعة الشابات اللواتي يعملن في منصة "وارجين"- ارفع صوتك
شابات من سنجار يطلقن منصة إعلامية: لسنا ضحايا نحن قادرات
قصص متنوعة تروي التطورات الإيجابية في مدينة سنجار غرب الموصل، وأخرى توثق إنجازات النساء وتعرف العالم بالتراث السنجاري، هذه مضامين منصة "وارجين" الإعلامية التي تعمل من خلالها خمس نساء من مختلف المكونات على ترسيخ السلم المجتمعي.

من الجبهة إلى مقاعد الدراسة

يقول الأيزيدي راشد داود، إن الإبادة الجماعية التي تعرض لها أبناء ديانته "تحولت إلى مصدر قوة وعناد لإثبات الوجود بالنسبة للكثير منهم"، مؤكداً "الدول تُبنى على أساس الكفاءات العلمية لأبنائها وهو ما نسعى إليه اليوم من خلال التركيز على التحصّن بالعلم".

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "حملت السلاح عام 2014 عندما تعرضت سنجار للعدوان، وقتل وجرح العديد منا خلال تأمين الطريق للفارّين حتى عبرنا الحدود إلى سوريا، ثم عدنا إلى العراق وسكنّا في إقليم كردستان".

ويصف راشد نفسه بأنه شخص "لا يفضل حمل السلاح"، مردفاً "لكن ما واجهته في ذلك اليوم اضطرني إلى ذلك، ولهذا ما إن وصلنا الإقليم بعد بضعة أشهر فقط، حتى عدت إلى مقاعد الدراسة، فقد كنت حينها طالباً في كلية الآداب بالمرحلة الثالثة".

راشد داود مقاتلا ضد تنظيم داعش
راشد داود طالباً في الماجستير

ورغم الألم الذي كان يعيشه راشد بعد فقدان عدد من أفراد أسرته وأصدقائه، "إلا أنني أكملت المرحلة الرابعة بتفوق وقررت المضي قدماً والتقديم إلى الماجستير بتخصص اللغة المسمارية"، كما يقول.

ويوضح أن سبب اختياره هذا التخصص، هو "محاولات داعش الكثيرة لتدمير المئات من المواقع الأثرية في العراق، بالتالي فإن دراسة التاريخ جزء من المحافظة على التراث الذي حاولت داعش طمسه دون أن تكون لمحاولاتها أي جدوى".

"فعمر الحضارة العراقية أكبر من داعش، وربما نكون فقدنا الكثير من القطع الأثرية، إلا أن الباحث يمكنه إحياؤها من جديد عبر دراسته للقى وإعادة ترميمها من جديد"، يتابع راشد.

ويزيد: "هذه بالضبط الرسالة التي نقدمها اليوم للعالم، فالتنظيم كان واجهة لفئات محددة جداً في المجتمع الشرقي بالمنطقة، والعراق وتاريخه باق وهم في زوال".

ويلحظ راشد "عودة كبيرة للأيزيدين إلى مقاعد الدراسة، وهناك أكثر من ألف أيزيدي في جامعة الموصل يدرسون في شتى التخصصات".

يختم حديثه بالقول: "نسعى اليوم لتطوير التعليم في سنجار من خلال مطالبتنا بإنشاء جامعة في المنطقة، لنبني وطناً خالياً من التطرف وبعيداً عن الحساسية الدينية أو المذهبية".

 

متجر الخبز

لم تكن وفاء خدر سوى طفلة بعمر 12 عاماً حين اجتاح داعش البلدة التي تعيش فيها "سنوني" وتسبب بفقد والدها وشقيقها الأكبر، اللذين كانا يعملان في حقل خارج القرية دون أي أخبار عنهما حتى الآن. 

تقول لـ"ارفع صوتك" : "نجاتنا من الموت كانت أعجوبة في تلك الأيام الحارة من أغسطس، ومع كل المصاعب التي مررنا بها إلا أننا قررنا العودة إلى القرية والعمل لكسب العيش، ساعدتنا في ذلك منظمات أممية تعمل على تمكين المرأة وتدريبها لإيجاد فرص عمل".

وتضيف وفاء: "في البداية كنت وعائلتي في قلق من عدم قدرتنا على العمل وتدبر أمور الحياة كما كان أبي وأخي يفعلان قبل اجتياح داعش لمناطقنا، لكنني وجدت في من تبقى من الناجين في العائلة هدفاً أكبر للعمل والاستمرار، فأنا أصبحت ربّ العائلة وأسعى إلى تقديم أفضل ما يمكن لهم".

ورغم كثرة إغراءات الهجرة "فلا رغبة لنا بترك سنجار أو القرية التي عشت فيها في كنف والدي. فهنا وطننا وما فعله داعش حفزنا للتمسك أكثر بالأرض وعدم السماح للتطرف والكراهية بإيقاف عجلة الحياة"، تؤكد وفاء.

وتمتلك اليوم متجراً صغيراً لصناعة المعجنات والخبز لأبناء القرية، وتبدو فخورة بإنجازها. تقول وفاء "لم أكن أظن أن لدي القوة لتحقيق هذا الإنجاز وربما هو شيء بسيط لكنه بالنسبة لي شريان الأمل لي ولعائلتي، من أجل مستقبل أفضل".

 

العودة إلى الأرض

عاد الفلاح ممتاز خزين إلى أرضه في قرية كرسي بسنجار بعد إعلان النصر على داعش عام 2017، ليبدأ برفقة جيرانه "مشوار حياة جديد من الصفر"، وفق تعبيره.

يقول لـ"ارفع صوتك": "حين اجتاح داعش مناطقنا استولى على الآلات الزراعية بالكامل، وأخذ جميع الحيوانات في المنطقة بعد تحميلها بسيارات كبيرة".

بقي سكان القرية كما يوضح ممتاز "لأكثر من ثلاث سنوات في مخيمات اللجوء، وحين بدا الوضع الأمني مستقراً قررنا العودة. ولكن، وجدنا الأرض خالية من كل ما كان فيها وتهدمت العديد من البيوت". 

"لم يثننا الوضع الذي وجدنا فيه الأرض عن العمل من جديد، فقمنا أولاً بحفر الآبار لتوفير المياه وشراء بعض الآلات الزراعية وبدأنا العمل فوراً"، يتابع ممتاز.

وخلال الأعوام الثلاث الماضية تمكنوا من إعادة زراعة أشجار التبغ التي تشتهر به المنطقة، وأعادوا الحياة لمزارع التين وزرعوا الحنطة والشعير، ويبدو على ممتاز الفخر وهو يقول "كنا من أوائل العائدين وما فعلناه شجع باقي أبناء القرية للعودة".

يشرح ممتاز: "كانت هناك مخاوف من العبوات الناسفة والمخلفات الحربية في الأراضي الزراعية وأراضي الرعي، وبعد أن تبين أنها خالية ورأى الجميع عملنا عاد من كان متردداً وأصبحت المنطقة عامرة بأهلها من جديد".

ويؤكد "أرض القرية غالية علينا فهي المنطقة التي ولدنا فيها، ولم يكسر داعش عزيمتنا ولا حبنا لها، ونحن بما نفعله نرسل رسالة إلى العالم أننا قادرون على العودة والعيش من جديد فداعش ومن انتمى له رحلوا والأرض باقية ونحن كذلك". 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

أطفال أيزيديون في مدرسة بمخيم شارية في محافظة دهوك بإقليم كردستان عام 2018.
أطفال أيزيديون في مدرسة بمخيم شارية في محافظة دهوك بإقليم كردستان عام 2018.

تتنوع اللهجات واللغات التي تتحدث بها المكونات الدينية في العراق، لكن العديد منها تجتمع في كونها في الأساس جزءاً من اللغة الآرامية، وهي فرع من فروع اللغات السامية كانت سائدة في بلاد ما بين النهرين وفي الشرق الأوسط القديم.

ويحتضن العراق الآن عددا من المكونات الدينية، بعضها معترف به رسميا في الدستور العراقي (الإسلام والمسيحية والمندائية والأيزيدية)، والبعض الآخر غير معترف به (الكاكائية والزرادشتية والبهائية).

 

الكاكائيون

يحافظ أتباع الديانة الكاكائية أو اليارسانية على التواصل في ما بينهم باللهجة الكورانية، وهي إحدى اللهجات الكردية. وكتبت نصوص الكتاب المقدس الكاكائي "سرنجام" بهذه اللهجة.

ورغم استمرار تعامل أتباع الديانة بها منذ آلاف السنين، إلا أن بعض المصطلحات المستخدمة في المحادثات اليومية متأثرة بلهجات كردية أخرى، مثل السورانية والهورامية.

 

الأيزيديون

يتحدث أتباع الديانة الأيزيدية اللهجة الكرمانجية، وهي واحدة من اللهجات الكردية الرئيسية. وينتشر الأيزيديون الذين يتحدثون بهذه اللهجة في سنجار، المعقل الرئيسي لأتباع الديانة، وفي قضاء شيخان الذي يحتضن معبد "لالش".

أما أيزيديو ناحية بعشيقة، شمال شرق الموصل، فيتحدثون العربية بلهجة قريبة من اللهجة الموصلية.

توحيدية انتشرت حسب بعض المصادر قبل حوالي ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد في بعض مناطق بلاد الشرق الأوسط.
الكاكائية.. قرون من الصمت والغموض تلف إحدى أقدم ديانات العراق
ينسب كثير من المؤرخين "الأخية"، وهي ترجمة الكاكائية من الكردية إلى العربية؛ إلى فرق إسلامية قديمة مثل الصوفية أو "أهل الفتوة"، وقد تطورت عبر الأزمان وأخذت مسارا مختلفا في أوقات لاحقة. فولدت تعاليم وطقوس يعتبرها البعض دخيلة على الإسلام، ويرى آخرون أنها أقرب إلى الفرق الشيعية، لا سيما "العلي الهية"
 

الصابئة المندائيون

يتحدث الصابئة المندائيون اللغة المندائية، وهي فرع من فروع اللغة الآرامية. يقول الكاتب العراقي قيس مغشغش السعدي، في كتابه "معجم المفردات المندائية في العامية العراقية"، إن "اللغة المندائية ظهرت في بلاد ما بين النهرين وتحدثت بها شعوب المنطقة إضافة إلى المندائيين، مما يشير إلى أهميتها وقدرتها على احتواء مفردات التفاهم والقدرة على التعبير".

ورغم انحسارها وقلة التداول بها ما بين المندائيين، إلا أن اللغة المندائية ما زالت مُستَخدمة بين رجال الدين المندائيين في أداء الطقوس الدينية وقراءة الكتب المقدسة والتراتيل الخاصة بالديانة. وهي مكتوبة جميعها بهذه اللغة.

 

التركمان

 التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. يتوزعون في المناطق الشمالية والوسطى من العراق، حيث ينتشرون في محافظات نينوى وأربيل وكركوك وديالى وصلاح الدين وفي بعض أحياء العاصمة بغداد. 

يتحدث أغلب التركمان في العراق اللهجة التركمانية وهي إحدى اللهجات التركية. ويعتنق أغلبهم الإسلام وفق المذهب السني أو المذهب الشيعي، بينما يعتنق القليل منهم المسيحية.

 

الزرادشتيون

يتحدث الزرادشتيون الذين يتركزون في إقليم كردستان اللغة الكردية. أما القاطنون في بغداد ومدن العراق الأخرى فيتحدثون اللغة العربية. لكن النصوص الدينية للديانة مكتوبة باللغة "الأفستية"، المتصلة باللغة السنسكريتية، إحدى لغات الهند القديمة.

 

المسيحيون

تعد المسيحية ثاني أكبر ديانة في العراق. ويتركز المسيحيون أساسا في مدن بغداد والبصرة، وفي سهل نينوى، ومدن إقليم كردستان. والمسيحية أحد الأديان المعترف بها دستوريا.

يتحدث الكثير من المسيحيين، إلى جانب العربية، اللغة السريانية، وهي لغة قديمة مشتقة من الآرامية. ويتوزع هؤلاء أساسا بين الكلدان (أكبر طائفة)، والسريان  والآشوريين. أما المسيحيون الأرمن فيتحدثون اللغة الأرمنية. وإلى جانب هؤلاء يوجد مسيحيون عرب يتحدثون العربية باعتبارها لغتهم الأصلية.

عراقيون من الصابئة المندائية خلال أحد طقوس التعميد في نهر دجلة قرب العاصمة العراقية بغداد.
عيد الخليقة وانبثاق "عالم الأنوار".. ما هو عيد البرونايا عند الصابئة المندائيين؟
تحتفل طائفة الصابئة المندائيين هذه الأيام بعيد البرونايا. يُعرف هذا العيد بأسماء مختلفة ومنها البنجة -والتي تعني الرقم خمسة باللغة الفارسية- وعيد الخليقة. يُعدّ هذا العيد واحداً من أربعة أعياد سنوية كبرى عند المندائيين.
 

البهائيون

يتحدث أتباع الديانة البهائية في العراق اللغتين العربية والكردية. فالمتواجدون منهم في بغداد ومدن العراق الأخرى يتحدثون العربية. أما من يسكن إقليم كردستان فيتحدث إلى جانب العربية اللغة الكردية أيضاً.

بالنسبة للكتب المقدسة للبهائيين، فهي مكتوبة أساساً باللغتين الفارسية والعربية.

 

الشبك

يتركز الشبك في منطقة سهل نينوى، ويتحدث أغلبهم اللهجة الكورانية وهي من اللهجات الكردية، وقد حافظوا على التواصل الشفوي في ما بينهم بهذه اللهجة منذ القدم وحتى الآن.