شيخ أيزيدي خلال عملية دفن جماعية لرفات بعض من ضحايا قرية كوجو في قضاء سنجار، في 6 فبراير 2021. وأعيدت حينها بقايا 104 من سكان كوجو الذين قتلهم تنظيم داعش لدفنهم في القرية.
شيخ أيزيدي خلال عملية دفن جماعية لرفات بعض من ضحايا قرية كوجو في قضاء سنجار- تعبيرية

يُعدّ الأيزيديون في منطقة سنجار ونينوى من بين الطوائف الدينية الأكثر قدماً في بلاد الرافدين. تعرضت تلك الطائفة للعديد من المحن والمصائب. على الرغم من ذلك حافظ الأيزيديون على وجودهم جيلاً بعد جيل. من هم الأيزيديون؟ وما هي أشهر الحملات العسكرية التي تعرضوا لها؟ وكيف نفسر قدرتهم الفريدة على البقاء والصمود عبر السنين؟

 

من هم الأيزيديون؟

 

يعتقد الأيزيديون أن دينهم ظهر منذ فترة موغلة في القدم، وأن عمره يزيد عن أربعة آلاف سنة. ينتشر الأيزيديون الآن -بنسب متفاوتة- في كل من سوريا ولبنان وتركيا وإيران. يوجد اختلاف حول سبب تسمية الدين الأيزيدي بهذا الاسم. يزعم البعض، دون تقديم دليل، أن التسمية اُشتقت من اسم الخليفة الأموي الثاني يزيد بن معاوية بن أبي سفيان أو من شخص آخر اسمه يزيد. ويرى آخرون، دون دليل أيضاً، أنها جاءت من اسم مدينة يزد الإيرانية. يرفض الأيزيديون تلك الآراء ويقولون إن اسم دينهم مُشتق من الكلمة الفارسية "أيزيد" والتي تعني الملاك أو الإله.

يقع معبد الأيزيديين الأهم (معبد لالش) بالقرب من مدينة الموصل، في محافظة نينوى بالعراق. ويؤمن الأيزيديون بإله واحد، ويعتقدون بوجود سبعة ملائكة، أهمهم الملك طاووس. وينقسم المجتمع الأيزيدي إلى ثلاث طبقات متمايزة، وهي الشيوخ، والدعاة، والمريدون. ومن المعروف أن الدين الأيزيدي دين منغلق، وغير تبشيري.

من جهة أخرى، يربط كثيرون بين الديانة الأيزيدية وبعض الديانات الفارسية القديمة مثل الزرادشتية والمانوية. ويرى العديد من الباحثين أن الأيزيدية تأثرت بالديانات الأخرى المعروفة في سوريا والعراق، ومنها الإسلام والمسيحية والمندائية.

 

الفرمانات وحملات الإبادة الجماعية

 

يذكر الكاتب أمين فرحان جيجو في كتابه "القومية الإيزيدية" أن الشعب الأيزيدي تعرض للعديد من حملات الإبادة عبر التاريخ. بدأت تلك الحملات بسقوط الإمبراطورية البابلية في سنة 539ق.م وتوالت تباعاً حتى تم تأسيس الدولة العراقية الحديثة في سنة 1921م. عُرفت تلك الحملات في الثقافة الأيزيدية باسم الفرمانات. والفرمان كلمة تركية تعني القرار. ومن المُرجح أن تلك الكلمة ارتبطت بحملات الإبادة الأيزيدية بسبب أن معظم تلك الحملات وقعت في عصر الدولة العثمانية على وجه التحديد. بشكل عام يرى الأيزيديون أنهم تعرضوا لـ 72 إبادة جماعية عبر التاريخ.

وقعت أولى حملات الإبادة التي تعرض لها الأيزيديون في العصر الإسلامي في القرن الثالث عشر الميلادي. في سنة 1254م، فرض بدر الدين لؤلؤ حاكم الموصل الكثير من الضرائب على الأيزيديين في منطقة سنجار. وأضطرهم للقتال في بعض المعارك. فهزمهم وأسر الكثير منهم ونقلهم إلى الموصل. ثم قام جيشه بمداهمة القرى الإيزيدية وسبي الكثير من النساء والأطفال. وهدم المعبد الأيزيدي المقدس في لالش، كما قام بنبش قبر الشيخ عدي بن مسافر، وهو واحد من أهم الشخصيات المقدسة في التقاليد الأيزيدية.

 

في العصر العثماني

 

حظي الأيزيديون ببعض الحرية في بدايات الحكم العثماني للعراق في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي. تحالف الأمير الأيزيدي حسين بك مع العثمانيين ضد الصفويين الذين اجتاحوا العراق في بعض الفترات. ولكن سرعان ما تغيرت الأوضاع في بدايات القرن السادس عشر الميلادي عندما تم استدعاء الأمير الأيزيدي إلى إسطنبول وحُكم عليه بالموت ليصبح هذا الحدث فاتحة لعصر طويل من الاستهداف العثماني للأيزيديين.

يذكر المفكر العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" أن العثمانيين عملوا على استصدار بعض الفتاوى الدينية التي تمكنهم من استهداف المكون الأيزيدي في العراق. في هذا السياق نجح السلطان العثماني سليمان القانوني في الحصول على فتوى من شيخ الإسلام أبي السعود أفندي. جاء في تلك الفتوى أن الأيزيديين "...أشد كفراً من الكفار الأصليين، وقتلهم حلال في المذاهب الأربعة، وجهادهم أصوب وأثوب من العبادات الدينية، والمباشرة في قتلهم وقتل رؤسائهم من الواجبات الدينية، وحكام الوقت والولاة الذين يرخصون في قتلهم، ويحرصون على قتالهم ويرغبون في سبيهم شكر الله سعيهم وأعانهم وساعدهم على مقاصدهم وأيدهم عليهم بنصره العزيز. فلهم أن يقتلوا رجالهم ويستأسروا ذريتهم ونساءهم ويبيعونهم في أسواق المسلمين كأسارى سائر الكفار، ويحل لهم أيضاً التصرف في أبكارهم وزوجاتهم...".

بموجب تلك الفتوى قام العثمانيون بالعديد من الحملات العسكرية على الأراضي الأيزيدية في شمالي العراق. من أشهر تلك الحملات حملة أحمد باشا والي ديار بكر في سنة 1630م والتي قُتل فيها ما يزيد عن عشر آلاف أيزيدي. وحملة حسن باشا والي بغداد في سنة 1714م والتي راح الآلاف من الأطفال والنساء الأيزيديين ضحية لها في جبال سنجار. وحملة والي بغداد سليمان باشا أبي ليلى في سنة 1752م والتي قُتل فيها المئات من الأيزيديين بعد أن حصلوا على وعد بالأمان.

كذلك قام حكام إيران الإفشاريون بقيادة بعض الحملات على الأراضي الأيزيدية في القرن الثامن عشر في الأوقات التي وصل فيها نفوذهم إلى شمالي العراق. على سبيل المثال شن نادر شاه في سنة 1743م هجوماً كاسحاً على معاقل ومستوطنات الأيزيديين في منطقة الزاب الكبير وبعشيقة.

أما أبشع حملات الإبادة الجماعية التي استهدفت الأيزيديين في العصر العثماني فكانت حملة محمد باشا المعروف بميركوه في سنة 1831م. في تلك الحملة قُتل عدد كبير جداً من الأيزيديين في أرض المعركة. فأضطر الناجون إلى الهروب إلى قمم الجبال للاعتصام بها والالتجاء لكهوفها. ولكن الجند العثماني تتبع الفارين ولحق بهم في الكهوف وقتل أغلبهم بالرصاص وبقنابل الدخان التي أصابتهم بالاختناق داخل الكهوف. يذكر أمين فرحان جيجو في كتابه أن ثلاثة أرباع الشعب الإيزيدي فقدوا حياتهم في هذه الحملة. في الفترة الأخيرة من عمر الدولة العثمانية، حاول العثمانيون إخضاع الأيزيديين للتجنيد الإلزامي لينضموا إلى قوات الجيش العثماني. رُفض هذا القرار من جانب الأغلبية الساحقة من الإيزيديين. وتسبب ذلك في شن الحملات المتتابعة على سنجار في أعوام 1910م، 1913م، 1917م.

في عهد صدام حسين

تواصلت معاناة الأيزيديين في عهد نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. في سنة 1988م، تم استهداف الإيزيديين كما اُستهدفت بقية عناصر المكون الكردي في العراق في العملية العسكرية التي شنتها الحكومة العراقية، والتي عُرفت وقتها باسم "حملة الأنفال". بحسب منظمة "هيومن رايتس ووتش" فإن ما يصل إلى 100 ألف كردي، معظمهم من المدنيين، لقوا حتفهم في عمليات تطهير عرقي ممنهجة، والتي تضمنت استخدام أسلحة كيميائية. في سنة 1995م، لجأ النظام إلى "القوة الناعمة" لفرض سطوته على المجتمع الأيزيدي. حاول صدام حسين أن يفرض نفوذه من خلال التدخل لتعيين بابا شيخ -وهو الزعيم الروحي الأكبر للإيزيديين- مقرب من السلطة. فشلت محاولة حسين ورُفض تدخله من قِبل شيوخ وعشائر الإيزيديين، فاضطر نظام صدام للخضوع لرغبة الجماهير الإيزيدية.

 

بعد سقوط حزب البعث

 

حظي الأيزيديون العراقيون باعتراف رسمي بوجودهم عقب سقوط النظام البعثي في سنة 2003م. ضمنت المادة الثانية من الدستور العراقي سنة 2005م حقوق الأيزيديين فنصت على أن الدستور  "يضمن الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والأيزيديين والصابئة المندائيين".

رغم ذلك، وقعت الكثير من التوترات بين المسلمين والأيزيديين في شمالي العراق. في سنة 2007م توترت العلاقات بين الطرفين على خلفية ما اُشيع عن إسلام فتاة إيزيدية تدعى دعاء خليل أسود. في السابع من إبريل من تلك السنة، أقدمت مجموعة من الإيزيديين من بلدة بعشيقة في محافظة نينوى على رجم الفتاة بعدما اتهموها بالزنا. تسببت تلك الحادثة في اندلاع بعض الأحداث الطائفية في المنطقة. كان أولها ما وقع في الثالث والعشرين من إبريل عندما قام مسلحون مسلمون ينتمون إلى إحدى التنظيمات السنية باختطاف حافلة تقل عمال مصنع للغزل والنسيج بالقرب من الموصل. واصطحبوا من فيها من العمال الأيزيديين -وعددهم ثلاث وعشرين- إلى منطقة مهجورة شرقي الموصل حيث تم إعدامهم رمياً بالرصاص.

في 14 أغسطس من العام نفسه. تعرض الأيزيديون في جنوب سنجار لواحدة من أكبر العمليات الإرهابية في العالم من حيث عدد الضحايا. اقتحم صهريج وقود وثلاث شاحنات محملة بمواد تفجيرية وقنابل مجمع القحطانية السكني. أسفرت تلك الانفجارات عن سقوط ما يزيد عن 800 قتيل بالإضافة إلى 2000 جريح. أُعلن فيما بعد عن مسؤولية تنظيم القاعدة في العراق عن تنفيذ تلك العملية. على إثر تلك العمليات الإرهابية تشكلت بعض الفصائل الأيزيدية المسلحة التي تولت مهمة الدفاع عن الشعب الإيزيدي. كانت القوات المعروفة باسم "وحدات مقاومة سنجار" هي أهم الفصائل التي ظهرت في هذا السياق.

 

مذابح داعش

 

في سنة 2014م تعرض الأيزيديون لعدد من المذابح المروعة على يد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). في يوليو من تلك السنة، انسحبت قوات البيشمركة التابعة للحزب الكردستاني الديموقراطي، بقيادة مسعود برزاني من جبال سنجار، وتركت الإيزيديين ليواجهوا مصيرهم الدامي. في الثالث من أغسطس فرضت عناصر داعش سيطرتها على الموصل ومنطقة سنجار وسهول نينوى. وقامت باستهداف المواطنين الأيزيديين في تلك النواحي باعتبارهم "كفاراً يستحقون القتل". بحسب المصادر، قُتل ما يزيد عن 1200 إيزيدي، واُختطف أكثر من 6 آلاف آخرين. فيما سُبيت المئات من الفتيات الإيزيديات وأخذهن كجواري وتم بيعهن في أسواق الموصل والرقة. بقي نفوذ داعش قائماً في تلك المنطقة حتى استعاد الجيش العراقي والحشد الشعبي السيطرة عليها في سنة 2017م.

أسفرت عمليات الإبادة التي ارتكبتها عناصر داعش عن حدوث العديد من التغيرات الديموغرافية في المنطقة. ولا سيما بعدما هاجر ما يقارب من مئة ألف إيزيدي من العراق إلى أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا وكندا. في السياق نفسه، صرحت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إنّ السلطات العراقية تقاعست عن دفع التعويضات المالية المستحقة بموجب القانون العراقي لآلاف الأيزيديين في منطقة سنجار. كما أن ما لا يقلّ عن 200 ألف سنجاري مازالوا يعانون في مخيّمات النازحين في شمال العراق. من الجدير بالذكر أن حكومات كل من بريطانيا وألمانيا وأستراليا وبلجيكا وهولندا  أقرت رسمياً بأن ممارسات تنظيم الدولة الإسلامية في حق الإيزيديين في سنة 2014م في العراق تشكل "إبادة جماعية".

تؤرخ الذاكرة الجمعية للأيزيديين لـ 74 حالة قتل جماعي.
"الإبادة الجماعة" وتأسيس الهوية الأيزيدية المعاصرة
تشكل "الإبادة الجماعية حدثاً تأسيساً للهوية الأيزيدية المعاصرة"، بشكل يطابق وصف الهولوكوست بـ "الماضي التأسيس للهوية اليهودية"، هذا ما يقوله كتاب جديد صدر بالتزامن مع الذكرى الثامنة على الإبادة الجماعية التي ارتكبتها تنظيم داعش ضد الأقلية الأيزيدية، تعرض أكثر على ما ورد في الكتاب.
 

كيف حافظ الأيزيديون على وجودهم عبر القرون؟

 

يبدو السؤال عن الكيفية التي حافظ بها المكون الأيزيدي على وجوده عبر القرون سؤالاً ملحاً، ولا سيما مع كثرة وتعدد الحملات العسكرية والعمليات الإرهابية التي تعرض لها الأيزيديون عبر القرون.

في الحقيقة لا توجد إجابة بسيطة على هذا السؤال. ولكن يمكن أن نلخص الإجابة عليه في نقطتين رئيستين، أولهما العامل الجغرافي، وثانيهما طبيعة الدين الأيزيدي نفسه.

فيما يخص النقطة الأولى، كانت جغرافية منطقة سنجار التي تعيش فيها غالبية الأيزيديين العراقيين سبباً في الحفاظ على بقاء هذا الشعب. تتميز تلك المنطقة بوعورتها وتضاريسها الجبلية الصعبة. استغل الأيزيديون ذلك في الاحتماء والفرار عقب الهزائم العسكرية التي تعرضوا لها في ميادين المعارك. وهكذا، اعتاد الأيزيديون على اللجوء إلى الكهوف البعيدة حتى تنسحب القوات المستهدفة لهم، ثم ينزلون بعدها إلى القرى المنبسطة لمواصلة حياتهم.

أما النقطة الثانية فتتعلق بطبيعة الدين الأيزيدي نفسه. يؤمن الأيزيديون بأن دينهم دين قديم سبق الإسلام وباقي الأديان التوحيدية الأخرى بقرون طويلة. رغم ذلك نلاحظ أن الأيزيديين تماهوا في الكثير من الأحيان مع بعض المذاهب الإسلامية الرائجة في العراق. على سبيل المثال يذكر عبد الكريم الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل" أن الأيزيدية فرقة من فرق الإباضية وتُنسب إلى رجل يُعرف بيزيد بن أبي أنيسة. كما ربط البعض بين الأيزيديين والأمويين الذين هُزموا على يد العباسيين واستقروا بالقرب من جبل سنجار في القرن الثاني الهجري. كذلك ذهب ابن تيمية في رسالته المسمّاة بـ"الوصيّة الكبرى" إلى أن الأيزيديين من أتباع الشيخ عدي بن مسافر من "أهل السنة والجماعة". تسبب ذلك الخلط في غموض معنى الأيزيدية. أُعتبرها البعض ديناً مستقلاً قائماً بذاته. فيما اُعتبرت في أحيان أخرى مذهباً منشقاً عن الإسلام. وسمح ذلك بحصول الأيزيديين على الاعتراف بوجودهم في مراحل متعددة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.