الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع سلطان طائفة البُهرة مفضل سيف الدين- ا ف ب
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع سلطان طائفة البُهرة مفضل سيف الدين- ا ف ب

افتتح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، مؤخراً، مسجد "السيدة نفيسة" عقب الانتهاء من أعمال تطويره بدعمٍ من مفضل سيف الدين، وهو سُلطان طائفة البهرة في الهند.

وحرص السيسي على اصطحاب السلطان معه خلال افتتاح المسجد، ثم كرّمه عبر منحه "وشاح النيل"، بسبب جهوده المتتالية في دعم مصر وتجديد مساجد القاهرة التاريخية.

هذه الزيارة لسلطان البهرة، أعادت التذكير بالعلاقات التاريخية بين مصر وهذه الطائفة. وفي المقال، نستعيد أبعاد هذه العلاقة وبداياتها حتى اليوم.

 

أتباع المستعلي

عقب وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر بالله عام 1094، نشب صراع بين ولديه نزار والمستعلي على الحُكم، ما أحدث صدعاً كبيراً في البيت الفاطمي لم يلتئم أبداً.

مال فاطميو مصر إلى المستعلي وتلقّبوا بِاسمه وحكموا البلاد حتى ظهر صلاح الدين وقضى على الدولة الفاطمية.

هرب المستعليون إلى اليمن وعاشوا بعض الوقت، ومنها خرجوا إلى الهند حيث برعوا في أعمال التجارة وكوّنوا ثروات كبيرة رسّخت وجودهم في التربة الهندية، وتغير اسمهم إلى "البهرة"، التي  تعني "تاجر" باللغة الغوجارتية الهندية.

من مقرهم الرئيسي في الهند، انتشر أتباعهم في عددٍ مختلف من دول العالم، لكن عينهم بقيت على مصر باعتبارها آخر مقر للخلافة الفاطمية ولاحتواء أرضها عددا كبيرا من الأماكن المقدسة بالنسبة لهم، مثل المساجد الفاطمية والمنسوبة لآل البيت.

 

العودة إلى مصر

منذ ولادتهم، يستمع أطفال البهرة إلى قصص نفيهم من أوطانهم وتعرضهم للقمع واضطرار الطائفة إلى التشتت حول العالم، الأمر الذي جعلهم مجتمعا شديد التماسك، وحريصين على التمركز حول قادتهم من رجال الدين الذين يُنظر لهم بنظرة شبه مقدّسة أشبه بالوتد الذي تُقام حوله الخيمة.

الاستدعاء المستمر للماضي أكسب البهرة حنيناً دائماً له، وتحديداً إلى مصر التي حكمها الفاطميون وأحالوها إلى إمبراطورية شهيرة كادت أن تُسقط الخلافة العباسية ذات يوم وتمتلك أمر المسلمين جميعا حول العالم.

تقول الباحثة أولي أكرمان في أطروحتها"البُهرة كفاطميين جُدد"، إن "تركيز الجماعة المفرط على تاريخ أجدادهم في القاهرة فاق بكثير الحديث عن تاريخهم الغني في الهند الممتد لأكثر من خمسة قرون".

وفي عهد الملكية المصرية نظّم البهرة أول رحلة لهم إلى مصر، عام 1938، حيث التقى طاهر سيف الدين، سُلطان البهرة آنذاك، بعددٍ كبير من باشوات مصر على رأسهم طلعت حرب مؤسّس بنك مصر.

وفترة تولي جمال عبدالناصر للسلطة، لم يقم البهرة بنشاطٍ كبير إلا مرتين؛ الأولى عام 1965 حين تبرّعوا لبناء ضريح جديد لـ"مسجد الحسين"، والثانية بعدها بعام حين التقى السُلطان طاهر سيف الدين بعبدالناصر في اجتماعٍ بروتوكولي لم تنتج عنه المزيد من خطوات التعاون.

تغير الأمر نسبيا في عهد أنور السادات، إذ نشط البهرة على أرض مصر، عبر تجديد مسجد "السيدة زينب" في 1978، ما دفع الرئيس المصري إلى منح السُلطان برهان الدين "وشاح النيل"، وهو أرفع وسام مصري.

وحدثت انفراجة كُبرى في زمن حسني مبارك، إذ رعوا مشروعاً ضخماً بالتعاون مع الأمم المتحدة لترميم الآثار الفاطمية في شارع المعز، وكذلك تجديد ثلاثة مساجد فاطمية، هي: "الجيوشي"، "الأقمر"، "اللؤلؤة".

 

عاد البهرة مجددا إلى الواجهة، منذ 2014، حينما جدّد سلطان الطائفة الدفء في علاقته بالرئيس السيسي عقب فترة توقف إجبارية بسبب الظروف التي مرّت بها مصر إبان "ثورة 25 يناير"، واستكملوا مشاريعهم لرعاية مساجد آل البيت، كما تبرّع السُلطان مفضل سيف الدين عدة مرات لصندوق "تحيا مصر" بقرابة 30 مليون جنيه.

 

أوضاع البهرة في مصر

في غياب الأرقام الرسمية من الجانبين، من الصعب تحديد إحصائية دقيقة لأعداد البهرة المقيمين في مصر، لكن تقارير بحثية قدّرت عددهم بنحو 15 ألف شخص.

لا تتفق هذه الأرقام التقديرية مع الموقع الرسمي لسفارة الهند في مصر، الذي أكّد أن إجمالي عدد الطائفة الهندية قرابة 3600 شخص، يمثّل مجتمع البهرة منهم 600 شخص فقط، لكن هذا الرقم لا يشمل البهرة الذين يحملون جنسيات دول أخرى مثل باكستان وبنغلاديش.

وبحسب تقرير "الحرية الدينية" الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية في 2021، فإن إجمالي نسبة الشيعة من سكان مصر قرابة 1%، يمثّل البهرة "عددا صغيرة جداً" منهم، وهي نفس التقديرات التي حافظ عليها التقرير في نسخته الصادرة 2022.

يعيش أغلب أفراد هذه الطائفة في حي "المهندسين" الذي يتواجد به المقر الرئيسي للبهرة، وكثيراً ما يزورون أماكنهم المقدسة في شارع "المعز لدين الله الفاطمي"، خاصة مسجد "الحاكم بأمر الله"، إذ يعتقدون أن "المهدي المنتظر" سيخرج من أسفل أحد آباره.

وتتبنّى المؤسسة الدينية الرسمية موقفاً محافظاً من طائفة البهرة، إذ نصّت فتوى صدرت عن مجمع البحوث الإسلامية حول تفكيرهم، وهو الموقف الذي أكّده الأزهر في فتوى صدرت 2014 اعتبرت البهرة "فرقة خارجة عن الإسلام".

لم يظهر للفتوى أي أثر على سياسة الدولة المصرية التي تتسامح بشدة مع البهرة وتبيح لهم ممارسة طقوسهم بحُرية داخل المساجد التي يختارونها، ولم تسجّل أي حوادث اعتداء عليهم أو تعرّضهم للاضطهاد، وربما يرجع ذلك إلى اختلافهم كثيراً عن الشيعة الإسماعيليين المتهمين دائماً بـ"الرغبة في نشر مذهبهم على حساب أهل السنة وتلقي التمويلات من إيران".

ولعب البهرةدوراً غير مباشراً في توطيد العلاقات المصرية الهندية. في يونيو الماضي وخلال زيارة قام بها رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي من أجل تعميق العلاقات الإستراتيجية بين البلدين، حرص على زيارة مسجد "الحاكم بأمر الله" الذي جدّده البهرة، ولقاء بعض أعضاء الطائفة، مشيداً بالعلاقات "الشعبية القوية" التي تربط البلدين ونتج عنها تجديد هذا المسجد التاريخي.

وكان لهذه الزيارة أثر طيب داخل طائفة البهرة في الهند وزادت من عُمق العلاقة التي تجمع بين مودي بالبهرة منذ أن كان حاكماً لولاية غوجارات التي يتمركزون فيها. وبفضل هذه العلاقة، منحه البُهرة دعماً سياسياً دائماً ليس داخل الهند وحدها بل خارجها أيضاً، فحضروا خطاباته العامة بـ"ماديسون سكوير بارك" في نيويورك وداخل "أولمبيك بارك أرينا" في سيدني تأكيداً على تأييدهم التام لسياساته.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

أيزيديون يحتفلون برأس السنة الأيزيدية في معبد لالش قرب مدينة دهوك العراقية/ وكالة الصحافة الفرنسية

الدمار يغطي معظم أجزائه، وقوات مختلفة المراجع العسكرية تتقاسم السيطرة عليه، ونقص حاد في الخدمات الرئيسية، هذا هو حال قضاء سنجار محافظة نينوى شمال العراق، بعد مرور عقد على الإبادة الجماعية بحق سكانه الأيزيديين.

اجتاح تنظيم داعش في 3 أغسطس 2014 قضاء سنجار الذي يضم أغلبية تتبع الديانة الأيزيدية، وارتكب التنظيم إبادة جماعية بحقهم أسفرت عن مقتل أكثر من 5000 أيزيدي، واختطاف 6417 أيزيديا غالبيتهم من النساء والأطفال، بحسب إحصائيات مكتب إنقاذ المختطفين الأيزيديين.

وبلغ عدد المقابر الجماعية المكتشفة في سنجار حتى الآن 83 مقبرة جماعية، فيما عدد المزارات والمراقد الدينية التي فجرها داعش في حدود سنجار إلى 68 مزارا.

فما حال سنجار اليوم، وهل باتت مؤهلة لاستيعاب أبنائها العائدين ممن نزحوا قبل عشر سنوات؟

قوى عسكرية متعددة

دلبر شنكالي، فتاة أيزيدية عادت منذ نحو 7 سنوات إلى سنجار مع عائلتها بعد رحلة نزوح شاقة، وتمكنت من التأقلم مع أوضاع المدينة المدمرة التي لم تكن أفضل من المخيم، بحسب كلامها.

تقول لـ"ارفع صوتك": "رغم ما نواجهه من نقص خدمات وانعدام فرص العمل، إلا أن أوضاع سنجار الأمنية، مع أنها مستتبة الآن، لا تبشر بالخير وسط هذه الأعداد من القوات العسكرية المتنوعة المختلفة في ما بينها. نحن نخشى أن تصطدم مع بعضها البعض بأية لحظة ونكون نحن الضحية مجدداً".

وتخضع رقعة قضاء سنجار الجغرافية لسيطرة مجموعة من القوى العسكرية المتعددة، تتمثل بمليشيا "عصائب أهل الحق" و"منظمة بدر" و"كتائب الإمام علي" و"كتائب حزب الله العراقي" و"كتائب سيد الشهداء" الموالية لإيران والمنضوية في هيئة الحشد الشعبي، إضافة إلى وحدات "مقاومة سنجار" الموالية لحزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا، وقوات قيادة البيشمركة و"حماية إزيدخان" التابعتين لوزارة البيشمركة في حكومة إقليم كردستان، إلى جانب الشرطة المحلية والشرطة الاتحادية وقطعات من الجيش العراقي.

وشهدت سنجار خلال السنوات الماضية التي أعقبت تحريرها من داعش، مناوشات وصلت حد الاشتباكات المسلحة بين هذه القوات، كان أبرزها الاشتباكات التي وقعت بين الجيش العراقي ووحدات حماية سنجار في مايو 2022، التي أدت الى مقتل عنصرين اثنين من الوحدات وجندي من الجيش، كما أدت لنزوح مئات الأيزيديين.

ولا يعتبر تعدد القوى الماسكة للأرض في القضاء التهديد الوحيد الذي يخشى منه الأهالي، إذ تشكل الغارات الجوية التركية التي تستهدف مسلحي حزب العمال وتهديدات أنقرة بتنفيذ عملية عسكرية في سنجار لإنهاء تواجدهم، مصدر قلق إضافي لهم.

يقول الشاب الأيزيدي مراد خيري، من سنجار أيضاً، إن الأوضاع الأمنية فيها حاليا "مستقرة" و"لا يوجد تهديد على المدنيين من أي جهة سوى القوات التركية وتدخلها الوشيك".

مخاوف من عودة داعش

تشير المنظمة الأيزيدية للتوثيق إلى أنه ورغم مرور 10 سنوات على الإبادة التي تعرضت لها سنجار، ما زالت هناك مخاوف من عودة تنظيم داعش إلى المدينة.

يقول مدير المنظمة حسام عبد الله لـ"ارفع صوتك": "لدينا مخاوف من عودة داعش، فهو لا يزال متواجدا في محيط قضاء سنجار رغم الانتشار الأمني فيه".

ويلفت إلى أن سنجار تواجه جملة من التحديات، منها "استمرار المشاكل المستعصية بين حكومتي بغداد وأربيل بشأن هذه المدينة، ولا توجد لحد الآن إدارة محلية ثابتة لقضاء سنجار في خضم الصراعات الداخلية التي يشهدها، وهذه الصراعات متفوقة على المجالات الأخرى نتيجة الصدمات التي تمخضت عن الإبادة".

بطء في آلية التعويضات

تشكل التعويضات التي خصصتها الحكومة العراقية لأهالي المدن المتضررة من داعش، أحد أبرز التحديات التي يواجها أهالي سنجار لإعادة بناء وإعمار بيوتهم المدمرة.

يبين مدير العلاقات العامة في منظمة "بتريكور" لحقوق الإنسان، سامي بشار عتو لـ"ارفع صوتك"،أن آلاف الأيزيديين "قدموا ملفاتهم وأنجزوا معاملات نيل التعويضات عن الأضرار التي لحقت ببيوتهم وممتلكاتهم في سنجار وأطرافها، إلا أن نسبة من نال هذه التعويضات لا يتعدى سوى 2%".

ويتيح القانون (رقم 20 لسنة 2009) للعراقيين تقديم طلب لنيل التعويضات على الأضرار التي لحقت بهم "جراء العمليات الحربية والأخطاء العسكرية والعمليات الإرهابية".

ويشمل القانون إلى جانب العسكريين جميع ضحايا الحرب من المدنيين وأفراد عائلاتهم في حالات الاستشهاد والفقدان والعجز والإصابات والأضرار التي تصيب الممتلكات والأضرار المتعلقة بالوظيفة والدراسة.

وأعلنت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في يونيو 2023، أن السلطات العراقية "تقاعست عن دفع التعويضات المالية المستحقة بموجب القانون لآلاف الأيزيديين وغيرهم من قضاء سنجار على الدمار والضرر الذي لحق بممتلكاتهم من قبل داعش وجراء المعارك العسكرية".

ويساهم غياب التعويضات وسير إجراءاتها ببطء في تأخر عودة النازحين. ووفق إحصائيات مكتب وزارة الهجرة والمهجرين في محافظة دهوك بإقليم كردستان، عاد إلى قضاء سنجار منذ بداية العام الحالي 10 آلاف نازح أيزيدي.

ويؤكد مسؤول في إدارة سنجار أن نسبة العائدين إلى سنجار لم تتعدّ 40% من مجمل الموجودين اليوم في العراق، إذ لا يزال هناك نحو 60% نازحون، يتوزعون بين المخيمات ومدن كردستان.

ويضيف المسؤول لـ"ارفع صوتك"، مفضلا عدم الكشف عن اسمه: "لا يختلف الوضع الخدمي في سنجار عن باقي الوحدات الإدارية في محافظة نينوى من حيث التخصيصات المالية، لكن حجم الدمار الذي لحق بسنجار كبير جدا يحتاج إلى مبالغ مالية كبيرة لإعادة البنية التحتية للمشاريع الخدمية".

ووفق المسؤول تختلف نسب الدمار الذي لحق بقضاء سنجار من منطقة لأخرى، حيث يصل في مركز القضاء مثلاً إلى 75% وفي ناحية القحطانية 85%، وناحية الشمال 40%، وناحية القيروان 65%.