افتتح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، مؤخراً، مسجد "السيدة نفيسة" عقب الانتهاء من أعمال تطويره بدعمٍ من مفضل سيف الدين، وهو سُلطان طائفة البهرة في الهند.
وحرص السيسي على اصطحاب السلطان معه خلال افتتاح المسجد، ثم كرّمه عبر منحه "وشاح النيل"، بسبب جهوده المتتالية في دعم مصر وتجديد مساجد القاهرة التاريخية.
كلمة سلطان البهرة خلال افتتاح أعمال التطوير بـ #مسجد_السيدة_نفيسة بحضور الرئيس #السيسي #ON pic.twitter.com/99g06GdKKt
— ON (@ONTVEgy) August 8, 2023
هذه الزيارة لسلطان البهرة، أعادت التذكير بالعلاقات التاريخية بين مصر وهذه الطائفة. وفي المقال، نستعيد أبعاد هذه العلاقة وبداياتها حتى اليوم.
أتباع المستعلي
عقب وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر بالله عام 1094، نشب صراع بين ولديه نزار والمستعلي على الحُكم، ما أحدث صدعاً كبيراً في البيت الفاطمي لم يلتئم أبداً.
مال فاطميو مصر إلى المستعلي وتلقّبوا بِاسمه وحكموا البلاد حتى ظهر صلاح الدين وقضى على الدولة الفاطمية.
هرب المستعليون إلى اليمن وعاشوا بعض الوقت، ومنها خرجوا إلى الهند حيث برعوا في أعمال التجارة وكوّنوا ثروات كبيرة رسّخت وجودهم في التربة الهندية، وتغير اسمهم إلى "البهرة"، التي تعني "تاجر" باللغة الغوجارتية الهندية.
من مقرهم الرئيسي في الهند، انتشر أتباعهم في عددٍ مختلف من دول العالم، لكن عينهم بقيت على مصر باعتبارها آخر مقر للخلافة الفاطمية ولاحتواء أرضها عددا كبيرا من الأماكن المقدسة بالنسبة لهم، مثل المساجد الفاطمية والمنسوبة لآل البيت.
العودة إلى مصر
منذ ولادتهم، يستمع أطفال البهرة إلى قصص نفيهم من أوطانهم وتعرضهم للقمع واضطرار الطائفة إلى التشتت حول العالم، الأمر الذي جعلهم مجتمعا شديد التماسك، وحريصين على التمركز حول قادتهم من رجال الدين الذين يُنظر لهم بنظرة شبه مقدّسة أشبه بالوتد الذي تُقام حوله الخيمة.
الاستدعاء المستمر للماضي أكسب البهرة حنيناً دائماً له، وتحديداً إلى مصر التي حكمها الفاطميون وأحالوها إلى إمبراطورية شهيرة كادت أن تُسقط الخلافة العباسية ذات يوم وتمتلك أمر المسلمين جميعا حول العالم.
تقول الباحثة أولي أكرمان في أطروحتها"البُهرة كفاطميين جُدد"، إن "تركيز الجماعة المفرط على تاريخ أجدادهم في القاهرة فاق بكثير الحديث عن تاريخهم الغني في الهند الممتد لأكثر من خمسة قرون".
وفي عهد الملكية المصرية نظّم البهرة أول رحلة لهم إلى مصر، عام 1938، حيث التقى طاهر سيف الدين، سُلطان البهرة آنذاك، بعددٍ كبير من باشوات مصر على رأسهم طلعت حرب مؤسّس بنك مصر.
وفترة تولي جمال عبدالناصر للسلطة، لم يقم البهرة بنشاطٍ كبير إلا مرتين؛ الأولى عام 1965 حين تبرّعوا لبناء ضريح جديد لـ"مسجد الحسين"، والثانية بعدها بعام حين التقى السُلطان طاهر سيف الدين بعبدالناصر في اجتماعٍ بروتوكولي لم تنتج عنه المزيد من خطوات التعاون.
تغير الأمر نسبيا في عهد أنور السادات، إذ نشط البهرة على أرض مصر، عبر تجديد مسجد "السيدة زينب" في 1978، ما دفع الرئيس المصري إلى منح السُلطان برهان الدين "وشاح النيل"، وهو أرفع وسام مصري.
وحدثت انفراجة كُبرى في زمن حسني مبارك، إذ رعوا مشروعاً ضخماً بالتعاون مع الأمم المتحدة لترميم الآثار الفاطمية في شارع المعز، وكذلك تجديد ثلاثة مساجد فاطمية، هي: "الجيوشي"، "الأقمر"، "اللؤلؤة".
افتتح السادات مع سلطان البهرة مسجد السيدة زينب قبل أشهر من اغتياله .. pic.twitter.com/GVXmgzbknQ
— عبدالحميد قطب (@AbdAlhamed_kotb) August 17, 2023
عاد البهرة مجددا إلى الواجهة، منذ 2014، حينما جدّد سلطان الطائفة الدفء في علاقته بالرئيس السيسي عقب فترة توقف إجبارية بسبب الظروف التي مرّت بها مصر إبان "ثورة 25 يناير"، واستكملوا مشاريعهم لرعاية مساجد آل البيت، كما تبرّع السُلطان مفضل سيف الدين عدة مرات لصندوق "تحيا مصر" بقرابة 30 مليون جنيه.
أوضاع البهرة في مصر
في غياب الأرقام الرسمية من الجانبين، من الصعب تحديد إحصائية دقيقة لأعداد البهرة المقيمين في مصر، لكن تقارير بحثية قدّرت عددهم بنحو 15 ألف شخص.
لا تتفق هذه الأرقام التقديرية مع الموقع الرسمي لسفارة الهند في مصر، الذي أكّد أن إجمالي عدد الطائفة الهندية قرابة 3600 شخص، يمثّل مجتمع البهرة منهم 600 شخص فقط، لكن هذا الرقم لا يشمل البهرة الذين يحملون جنسيات دول أخرى مثل باكستان وبنغلاديش.
وبحسب تقرير "الحرية الدينية" الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية في 2021، فإن إجمالي نسبة الشيعة من سكان مصر قرابة 1%، يمثّل البهرة "عددا صغيرة جداً" منهم، وهي نفس التقديرات التي حافظ عليها التقرير في نسخته الصادرة 2022.
يعيش أغلب أفراد هذه الطائفة في حي "المهندسين" الذي يتواجد به المقر الرئيسي للبهرة، وكثيراً ما يزورون أماكنهم المقدسة في شارع "المعز لدين الله الفاطمي"، خاصة مسجد "الحاكم بأمر الله"، إذ يعتقدون أن "المهدي المنتظر" سيخرج من أسفل أحد آباره.
وتتبنّى المؤسسة الدينية الرسمية موقفاً محافظاً من طائفة البهرة، إذ نصّت فتوى صدرت عن مجمع البحوث الإسلامية حول تفكيرهم، وهو الموقف الذي أكّده الأزهر في فتوى صدرت 2014 اعتبرت البهرة "فرقة خارجة عن الإسلام".
لم يظهر للفتوى أي أثر على سياسة الدولة المصرية التي تتسامح بشدة مع البهرة وتبيح لهم ممارسة طقوسهم بحُرية داخل المساجد التي يختارونها، ولم تسجّل أي حوادث اعتداء عليهم أو تعرّضهم للاضطهاد، وربما يرجع ذلك إلى اختلافهم كثيراً عن الشيعة الإسماعيليين المتهمين دائماً بـ"الرغبة في نشر مذهبهم على حساب أهل السنة وتلقي التمويلات من إيران".
ولعب البهرةدوراً غير مباشراً في توطيد العلاقات المصرية الهندية. في يونيو الماضي وخلال زيارة قام بها رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي من أجل تعميق العلاقات الإستراتيجية بين البلدين، حرص على زيارة مسجد "الحاكم بأمر الله" الذي جدّده البهرة، ولقاء بعض أعضاء الطائفة، مشيداً بالعلاقات "الشعبية القوية" التي تربط البلدين ونتج عنها تجديد هذا المسجد التاريخي.
وكان لهذه الزيارة أثر طيب داخل طائفة البهرة في الهند وزادت من عُمق العلاقة التي تجمع بين مودي بالبهرة منذ أن كان حاكماً لولاية غوجارات التي يتمركزون فيها. وبفضل هذه العلاقة، منحه البُهرة دعماً سياسياً دائماً ليس داخل الهند وحدها بل خارجها أيضاً، فحضروا خطاباته العامة بـ"ماديسون سكوير بارك" في نيويورك وداخل "أولمبيك بارك أرينا" في سيدني تأكيداً على تأييدهم التام لسياساته.
The Hon'ble Prime Minister of India @narendramodi today visited the historic Al-Hakim Masjid in Cairo, Egypt.
— The Dawoodi Bohras (@Dawoodi_Bohras) June 25, 2023
Shahzada Husain Burhanuddin, son of Sultan al-Bohra Syedna Mufaddal Saifuddin, was present at the occasion to warmly receive the @PMOIndia.@AlsisiOfficial… pic.twitter.com/MwXaZwSttV
