Members of the Sabean Mandaeans, a pre-Christian sect that follows the teachings of John the Baptist, take part in a bathing…
صابئة مندائيون يمارسون طقوسهم الدينية في أربيل عاصمة اقليم كردستان- أرشيف

نجح المسلمون في السيطرة على مصر وسوريا وفارس والعراق في القرن السابع الهجري. وجد المنتصرون أنفسهم وجهاً لوجه مع طوائف وجماعات شتى، بينها اتباع الطائفة المندائية التي عاش أتباعها في العراق منذ عشرات القرون.

يؤمن المندائيون بأن ديانتهم هي أول الديانات التوحيدية على الإطلاق. ويؤمنون بآدم أبي البشر، الذي كان أول من اصطبغ/ تم تعميده على يد الملائكة في "عالم الأنوار". يعتقد المندائيون كذلك بمجموعة من الشخصيات المقدسة التي تحظى بمكانة رفيعة. ويُعدّ كل من آدم، وشيث، ونوح، وسام بن نوح، وإدريس/دنانوخت، أهم هذه الشخصيات. ويعتقد المندائيون بأن يحيى بن زكريا هو آخر الأنبياء. فيما يخص العقيدة، توجد خمسة أركان رئيسية في الديانة المندائية. وهي الإيمان بإله واحد خالق لكل شيء، والصلاة، والصباغة/التعميد، والصدقة، والصوم. في السنوات الأخيرة هاجر الآلاف من الصابئة المندائيين العراق بعد اجتياح تنظيم داعش لمناطق واسعة في البلاد في سنة 2014م. ويعيش من بقي منهم في العراق الآن في مدن بغداد، وميسان، والناصرية، والديوانية. نلقي الضوء في هذا المقال على بعض الشخصيات المندائية المعاصرة البارزة. والتي لعبت أدواراً مهمة في تاريخ العراق الحديث.

 

عبد الجبار عبد الله

ولد العالم العراقي المندائي عبد الجبار عبد الله في سنة 1911م في قلعة صالح بمحافظ ميسان. درس المرحلة الابتدائية بإحدى المدارس في قلعة صالح. ثم درس المرحلة الإعدادية في بغداد في سنة 1930م. بعدها حصل على منحة للدراسة الجامعية في الجامعة الأمريكية ببيروت بسبب درجاته المرتفعة في مادتي الفيزياء والرياضيات. وفي سنة 1934م حصل عبد الجبار عبد الله على شهادة البكالوريوس في العلوم من الجامعة الأمريكية في بيروت. سافر بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليتابع دراساته العليا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في بوسطن. وحصل على شهادة الدكتوراه في الفيزياء.

يذكر الموقع الرسمي لجامعة بغداد أن العالم المندائي عمل مدرساً لمادة الفيزياء في دار المعلمين الابتدائية عقب رجوعه إلى العراق. وفي فترة الأربعينيات وبداية الخمسينيات من القرن العشرين، سافر عبد الجبار عبد الله لأكثر من مرة إلى الولايات المتحدة. وأجرى العديد من الأبحاث المهمة حول حركة الأمواج وتكون الاعاصير في كل من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة نيويورك. عقب رجوعه، عين رئيساً لقسم الفيزياء في دار المعلمين العالية في سنة 1958م. وبعد سنة واحدة، تم اختياره ليشغل منصب رئيس جامعة بغداد.

يذكر الباحث خالد ميران دفتر في كتابه "شخصيات مندائية في التاريخ المعاصر" أن الأحداث السياسية المتسارعة في العراق في تلك الفترة ألقت بظلالها على حياة عالم الفيزياء المندائي. تم إلقاء القبض عليه بعد وقوع انقلاب سنة 1963م. وزج به في المعتقل لمدة ثمانية أشهر بسبب الشك في حقيقة انتمائه السياسي. كما تمت إحالته للتقاعد. وتعرض للفصل من جميع الوظائف التي شغلها من قبل. أمام تلك الظروف العصيبة، اضطر عبد الجبار عبد الله للهجرة للولايات المتحدة الأمريكية، والتحق بالعمل في جامعة نيويورك حيث عُين أستاذاً في قسم علوم الأنواء الجوية. في يوليو سنة 1969م توفي عبد الجبار عبد الله عن عمر ناهز 58 سنة بعد صراع مع المرض. ودُفن في المقبرة المندائية في بغداد بحسب وصيته. فيما بعد، كتب الشاعر المندائي عبد الرزاق عبد الواحد في رثائه قصيدة شهيرة جاء في مطلعها

هذا أوانُكَ لا أواني... وَرِهانُ مَجدِكَ لا رِهاني

وَصَداكَ أنتَ الماليءُ الـدُنيا... فَما جَدوى بَياني؟

مَرماكَ أوسَعُ مِن يَدي... وَثَراكَ أبلَغُ مِن لِساني

وَسناكَ أبعَدُ في المروءَةِ... أن أراهُ، وأن يَراني

وحضورُكَ الباقي، وكُلُّ... حضورِ مَن وَلَدوكَ فاني!

يا مَن لَهُ كلُّ المَكان... وليسَ يَملِكُ مِن مَكانِ!

 

عبد الرزاق عبد الواحد

ولد الشاعر العراقي المندائي عبد الرزاق عبد الواحد في بغداد في سنة 1930م. في طفولته، رحل مع أسرته إلى محافظة ميسان جنوبي العراق. وعاش فيها الفترة المبكرة من حياته وصباه.

درس عبد الرزاق في دار المعلمين العالية في بغداد. وزامل العديد من الشعراء العراقيين المعروفين ومنهم بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ولميعة عباس عمارة. تخرج من الدار في سنة 1952م. وعمل بعدها مدرساً للغة العربية في المدارس الثانوية، وفي معهد الفنون الجميلة في بغداد. اشتغل عبد الرزاق كذلك بالعمل الصحفي. فترأس تحرير مجلة الأقلام. وتولى منصب مدير عام المكتبة الوطنية العراقية.

نشر عبد الرزاق العديد من الدواوين والمسرحيات الشعرية. ومنها "لعنة الشيطان"، "أوراق على رصيف الذاكرة"، "الخيمة الثانية"، "في لهيب القادسية". ولُقب بالعديد من الألقاب التي عبرت عن مكانته السامية بين شعراء العراق. ومنها "شاعر أم المعارك"، و"شاعر القادسية"، و"شاعر القرنين"، و"المتنبي الأخير". واشتهر بقصائده الحماسية التي نظمها في فترة حرب الخليج الأولى التي اندلعت بين العراق وإيران في ثمانينيات القرن العشرين. من جهة أخرى، أسهم عبد الرزاق -بشكل كبير- في تعريف المجتمع العراقي بالطائفة المندائية وذلك عندما قام بتعريب كتاب "الكنز ربا" -وهو الكتاب المقدس عند المندائيين- إلى اللغة العربية في سنة 2000م.

من الجدير بالذكر أن اعتناق عبد الرزاق عبد الواحد للديانة المندائية لم يمنعه من مشاركة العراقيين الشيعة الاحتفاء بالذكرى الأليمة لمقتل الإمام الحسين في كربلاء. ألف الشاعر المندائي بعض القصائد في هذا الموضوع. ومنها معلقته الشهيرة التي جاء فيها

قدمت وعفوك عن مقدمي... أسيراً كسيراً حسيراً ضمي

قدمت لأحرم في رحبتيك... سلاماً لمثواك من محرم

فمذ كنت طفلاً رأيت الحسين... مناراً إلى ضوئه أنتمي

ومذ كنت طفلاً وجدت الحسين... ملاذاً بأسواره أحتمي

سلام عليك فأنت السلام... وإن كنت مختضباً بالدم

توفي عبد الرزاق عبد الواحد في باريس في نوفمبر من العام 2015م عن عمر ناهز 85 عاماً. ونعاه العديد من الساسة والمثقفين العراقيين.

 

زهرون الملا خضر

هو زهرون الملا خضر بن بدران بن قاجار آل زهرون. فنان ورسام ونحات وصائغ فضة عراقي مندائي. ولد وعاش في مدينة العمارة في جنوبي العراق. ذاع صيته في العراق ودول الخليج وتركيا وإيران. واشتهر بلقب سلطان الصاغة. ورث زهرون مهنة الصياغة عن أسرته التي عُرفت بعملها الطويل في صناعة المشغولات الفضية. وأجاد في تلك المهنة حتى "وصل إلى درجة عالية في فن الصياغة والنقش، والتطعيم بالمينا السوداء"، وذلك بحسب ما يذكر خالد ميران دفتر في كتابه.

صنع زهرون العديد من المشغولات الفضية للرؤساء والحكام والملوك المعروفين في عصره. على سبيل المثال صاغ "أركيلة"(نرجيلة) من الفضة للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني. كما صاغ تحفاً عدة لملوك الأسرة العلوية في مصر، وكذلك أهدى مجموعة من الهدايا القيمة للملك جورج الخامس ملك بريطانيا. من جهة أخرى، أجاد زهرون التحدث بالعربية والانكليزية والتركية والفارسية بالإضافة إلى اللغة المندائية. وكان ممثلاً للطائفة المندائية في مدينة العمارة. وعُرف بسعيه المستمر لحل جميع المشكلات التي يواجهها المندائيون مع السلطة الحكومية. وتوفي في سنة 1929م.

 

لميعة عباس عمارة

ولدت لميعة عباس عمارة في بغداد في سنة 1929م. عُرفت بنبوغها المبكر في تأليف الشعر. وقيل إنها كتبت أولى قصائدها في سن الخامسة عشر. وإن تلك القصيدة نالت استحسان الشاعر اللبناني الشهير إيليا أبو ماضي.

في خمسينيات القرن العشرين، زاملت لميعة بعض شعراء الحداثة الشعرية العراقية في دار المعلمين العالية في بغداد، ومنهم على سبيل المثال بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وعبد الرزاق عبد الواحد. وشاركت بعدها في العديد من الهيئات الأدبية العراقية. فكانت عضوة الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء العراقيين في بغداد. كما شغلت عضوية الهيئة الإدارية للمجمع السرياني في بغداد.

نشرت لميعة العديد من الدواوين الشعرية. ومنها "الزاوية الخالية" في سنة 1960م، "عودة الربيع" في سنة 1963م، "أغاني عشتار" في سنة 1969م، "يسمونه الحب" في سنة 1972م، "لو أنبأني العراف" في سنة 1980م، "البعد الأخير" في سنة 1988م، "عراقية" في سنة 1990م.

هاجرت عمارة من العراق في سنة 1978م وتنقلت بين عدد من الدول. واستقرت في نهاية المطاف في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي تلك ال نجاحها وشهرتها حظوظافترة الأخيرة من حياتها عكفت لميعة على دراسة جذور الصابئة المندائية ولغتهم، وأصدرت مجلة "المندائي". وعلى الرغم من تشبّثها بجذورها المندائية، إلا أن المؤثرات الشيعية تسللت إلى نفسها منذ الطفولة، عبر مجالس العزاء العاشورائية. وتقول في هذا السياق: "كنت أذهب من مجلس إلى آخر، وكنت أكثر الناس بكاء، تعلمت على هذا الوزن وهذه اللمسة الإنسانية، إن الرثاء الحسيني يعلّم رقّة القلب".

في يونيو سنة 2021م توفيت لميعة عباس عن عمر ناهز 92 عاماً. نعاها الرئيس العراقي السابق برهم صالح بقوله: "...نودّع الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة، في منفاها، ونودّع معها أكثر من خمسة عقود من صناعة الجمال، فالراحلة زرعت ذاكرتنا قصائد وإبداع أدبي ومواقف وطنية، حيث شكّلت عمارة علامة فارقة في الثقافة العراقية". كما نعاها رئيس الوزراء العراقي الأسبق مصطفى الكاظمي قائلاً: "...بهذا الرحيل المؤلم، تكون نخلة عراقية باسقة قد غادرت دنيانا لكنها تركت ظلالاً وارفة من بديع الشعر، وإسهاما لا ينسى في الثقافة العراقية ستذكره الأجيال المتعاقبة بفخر واعتزاز وتبجيل".

لميعة عباس عمارة، المولودة في بغداد عام 1929، عرفت بجرأتها في كتابة الشعر | Source: social media
عشقها السياب ونشر قصائدها أبو ماضي.. من تكون الشاعرة العراقية لميعة عباس؟
بحُكم زمالتهما الدراسية، ربطت لميعة علاقة صداقة ببدر شاكر السياب، وكثيراً ما كان كل واحدٍ يقرأ قصيدة الآخر. لاحقاً تطوّرت علاقتهما إلى علاقة حب، فكتب فيها السياب قصيدة "أحبيني لأن جميع مَن أحببت قبلك ما أحبوني".

عزيز سباهي

هو المفكر العراقي المندائي عزيز سباهي خلف. ولد سباهي في سنة 1925م في قلعة صالح في محافظة ميسان. تلقى تعليمه الابتدائي في قلعة صالح. ثم رحل مع أبيه للرمادي ليتلقى تعليمه المتوسط. أكمل دراسته بعدها في دار المعلمين في الأعظمية. في سنة 1943م، تخرج عزيز سباهي من دار المعلمين. وعُين كمعلم في إحدى المدارس في منطقة العمارة. في تلك المرحلة، تعرف سباهي على أفكار الشيوعية وتأثر بها. وتم اعتقاله أكثر من مرة أثناء فترة القمع التي تعرض لها الحزب الشيوعي العراقي. وسجن في سجون الكوت، وبعقوبة. واضطر في نهاية المطاف للهجرة من العراق في سنة 1978م.

شغل سباهي العديد من الوظائف المهمة في الحزب الشيوعي العراقي. ومنها عضويته لهيئة ومجلس تحرير مجلة "الثقافة الجديدة". وعضوية اللجنة الاقتصادية المركزية للحزب الشيوعي العراقي. ألف سباهي العديد من الكتب التي عبرت عن الأفكار الشيوعية ومنها "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي"، و"الحزب الشيوعي والمسألة الزراعية"، و"تأريخ الحركة العمالية في العراق". كما أنه قام بترجمة بعض الكتب الشيوعية المهمة إلى اللغة العربية. مثل "الكومنترن والشرق الإستراتيجية والتاكتيكات"، و"في الفلسفة الماركسية"، و"سيرة حياة لينين". من جهة أخرى، كتب عزيز سباهي بعض الكتب التي أرخت لوجود الطائفة المندائية في العراق. ويُعدّ كتاب "أصول الصابئة المندائيين ومعتقداتهم الدينية" واحداً من أشهر الكتب التي ألفها المفكر المندائي في هذا المضمار.

توفى سباهي في كندا في يناير سنة 2016م. ونعاه رئيس الجمهورية الأسبق فؤاد معصوم في رسالة جاء فيها "تلقينا بأسىً عميق نبأ رحيل الشخصية الوطنية والباحث والمؤرخ المرموق الأستاذ عزيز سباهي. واذ ننظر باعتزاز الى مسيرته المديدة في العمل السياسي والفكري، وإلى انجازاته القيمة متجسدة في مؤلفاته التي أرخت لفترة هامة من تاريخ العراق المعاصر، وترجماته للعديد من الكتب والدراسات، فإننا نتقدم بأحر مشاعر العزاء إلى العائلة الكريمة وكل محبي الراحل وعارفي مكانته...".

إبراهيم البدري

هو المخرج العراقي المندائي إبراهيم فرحان عنيسي البدري. ولد في حي سوق الشيوخ بالناصرية في سنة 1945م. درس المرحلة الابتدائية والمرحلة المتوسطة في مدارس سوق الشيوخ. وبعدها سافر إلى بغداد ليتابع دراسته.  في سنة 1968م ألتحق بأكاديمية الفنون الجميلة. وتخرج من قسم الفنون المسرحية بعد أربع سنوات من الدراسة.

خطا البدري أولى الخطوات في مسيرته الوظيفية في سنة 1972م عندما عُين في وظيفة مخرج في تلفزيون بغداد. وكان أول عمل مسرحي له هو إخراجِه لمسرحية بعنوان "أشجار الطاعون" للكاتب العراقي نور الدين فارس. عمل البدري مع العديد من المخرجين المصريين المعروفين بينهم إبراهيم الصحن وكرم مطاوع. وأخرج الكثير من المسلسلات التلفزيونية التي تفاوتت نسبة نجاحها وشهرتها. ومنها برنامج "سيرة وذكريات" والذي تناول العشرات من الشخصيات العراقية البارزة. وبرنامج "العلم للجميع". وبرنامج "أحاديث في الأدب العربي". في السياق التثقيفي نفسه، أخرج البدري العديد من الأفلام الوثائقية عن حضارة العراق القديم، وعن الفلكلور العراقي. كما أخرج بعض البرامج الخاصة بتعليم اللغة المندائية. كُرم البدري في العديد من المحافل الفنية. وفي سنة 1974م حصل على جائزة "بطل إنتاج" من المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.