من داخل إحدى كنائس العاصمة العراقية بغداد- تعبيرية
من داخل إحدى كنائس العاصمة العراقية بغداد- تعبيرية

مرت شهور عديدة ولا تزال المهاجرة العراقية المسيحية ساهرة متى، تحاول استعادة ملكية بيتها الذي تركته عندما هاجرت إلى الولايات المتحدة الأميركية قبل سنوات.

وكانت ساهرة (اسم مستعار) عادت إلى العراق لبيع البيت، لتفاجأ باختفائه وتحوّل المكان الذي كان فيه، إلى مبنى تجاري ضخم وسط العاصمة بغداد، إذ تم بيعه في غيابها بعقد بيع مزوّر.

تبين لـ "ارفع صوتك": "سافرت خلال فترة الحرب الطائفية من منطقتي للحفاظ على حياتي وحياة أبنائي، وعدت بعد استقراري في المهجر إلى العراق بهدف بيع المنزل والاستفادة من الأموال بعد الارتفاع الكبير بأسعار العقارات".

وتضيف ساهرة: "فوجئت بتغيّر المنطقة وتحولها إلى شارع تجاري مزدهر بالبنايات، ولم أتمكن من التعرف على تفاصيل المنطقة ولم أعثر على المنزل. وبعد البحث وجدت أن هناك من قام ببيع المنزل عبر تزوير هويتي الشخصية بجواز بريطاني، وتحويله إلى مبنى تجاري ضخم".

"قدمي لم تطأ أرض بريطانيا على الإطلاق منذ تركت العراق، فقد هاجرت إلى الولايات المتحدة وأسكن منذ ذلك الوقت في مدينة سان دييغو (ولاية كاليفورنيا) ولا أعرف كيف تمت العملية"، تتابع ساهرة.

وقضيتها واحدة من القضايا المعروضة أمام القضاء العراقي اليوم بانتظار البت بشأنها. وهناك عشرات القضايا لمسيحيين تم الاستيلاء على عقاراتهم بعد تركهم العراق.

بداية الحكاية

بدأ التلاعب بأملاك المسيحيين والاستيلاء عليها كما يقول سكرتير عام الحركة الديمقراطية الآشورية، يونادم كنا "منذ تسعينيات القرن الماضي حين هاجر الكثير منهم بسبب الظرف الاقتصادي في العراق".

وتزايد استهداف أملاكهم بعد سقوط النظام البعثي عام 2003، وحين ألقت الحرب الطائفية بظلالها على بغداد لتقود إلى نزوحهم إلى إقليم كردستان أو إلى خارج البلد، بحسب كنا.

ويوضح لـ"ارفع صوتك"، أن الاستحواذ على أملاك المسيحيين اتخذ أشكالا عديدة منها "ما يتعلق بالتهديد لبيع العقارات بأثمان بخسة، أو التزوير وبيع العقارات بوكالات وهمية لمن هاجر منهم داخل وخارج العراق، أو الاستحواذ على الأملاك عبر السكن فيها ورفض إخلائها".

ويؤكد كنا أن أكثر الحالات تمت "بشكل خاص بين (2004-2011)، وكانت الأقليات بشكل عام مستهدفة. وشمل ذلك مناطق في سهل نينوى عندما كان لتنظيم القاعدة سطوة في تلك الأماكن، خصوصاً الموصل التي شهدت تهجيراً للشيعة وللأقليات وكل من لم يبايعهم أو لم يحمل فكرهم".

يضيف: "ومن تم تهجيرهم أو هربوا إلى مناطق خارج سطوة تنظيم القاعدة، قاموا بالاستقرار في أماكن أخرى وأحيانا في مناطق زراعية، وتسبب ذلك بمشاكل لاحقا".

أما من تم الاستحواذ على عقاراتهم  عام 2014 أي بعد سيطرة تنظيم داعش على مناطق واسعة من سهل نينوى، التي يتركز فيها مسيحيو العراق "فكانت مشكلتهم أسهل، لأن الحكومة العراقية اعتبرت كل عمليات البيع باطلة بلا استثناء"، كما يقول كنا، مستدركاً "مع ذلك، كانت هناك خسائر كبيرة في البنى التحتية وسرقة للمشاريع وحرق أو تهديم للمساكن".

يتابع: "بعد التحرير (من داعش) جاءت جماعات متنفذة مسلحة بدأت بتغيير صنوف العقارات وملكيتها. لكن، لا أحد يمتلك معلومات حقيقية بتفاصيل ما حدث للفترة التالية أي ما بعد داعش، وهناك امتعاض في تلك المناطق ولا نمتلك سوى شكاوى لم يتم التحري عنها بعد".

مسيحون العراق فرنس برس
تحقيق: عقارات المسيحيين في العراق.. استيلاء منظم بالتزوير وقوة السلاح
هاجرت بيرونيا، وهي عراقية مسيحية، العراق في سبعينيات القرن الماضي، وتركت منزلها في العاصمة بغداد مستأجرا. عندما عادت في عام 2019، اكتشفت أن المنزل بيع في 2012 بتزوير توقيعها وتوقيع إخوتها العشرة، علما أن أحدهم توفي.

أملاك المهاجرين

أغلب حالات التلاعب بملكية العقارات حصلت "في أملاك المسيحيين الذي هاجروا من بغداد إلى إقليم كردستان، أو ممن تركوا العراق إلى دول أخرى، وعددهم كبير جدا"، يقول يونادم كنا.

ويشير إلى حالات عديدة "تم فيها التمليك بقرار حكمي من المحكمة"، مؤكداً: "تمكنا خلال السنوات السابقة عبر التعاون مع مجلس القضاء الأعلى من إيقاف تلك الحالات".

والتمليك الحكمي يتعلق برفع دعوى قضائية ضد صاحب العقار بدعوى استدانة مبلغ من المال دون تسديده، والمطالبة بتمليك العقار كبدل عن الأموال غير المسددة. ومع عدم حضور المشتكى عليه يتم تمليك المشتكي للدار في النهاية.

هذه الحالات، بحسب كنا، "تراجعت بنسبة كبيرة جداً بعد عام 2011 إثر التعاون مع مكتب رئيس الوزراء آنذاك، وتم إخلاء مئات الدور التي تم التجاوز عليها".

ويوضح: "في ذلك الوقت لم يكن التجاوز يحصل على الأملاك لأسباب دينية فقط، بل على مستوى طائفي أيضا، فقد أجابت عمليات بغداد على إحدى مخاطباتنا الرسمية بأن هناك 36 ألف عقار تم التجاوز عليها بين الطائفتين المسلمتين (السنية والشيعية)".

وكان مجلس القضاء الأعلى أعلن عام 2021 عن إلقاء القبض على عصابة تخصصت ببيع أملاك المسيحيين في منطقة الكرادة وسط بغداد، عبر ترتيب لقاء مع أصحاب تلك العقارات ‏المقيمين خارج البلد، بعد أن يتم التواصل مع تلك العوائل وتنظيم عقد بيع أولى دون دفع الأموال ثم يتم تزوير المعاملة والاستيلاء على العقارات دون علم صاحبها.

في حينه، حُكم على أفراد العصابة بالسجن سبع سنوات ومنع أي عملية بيع لأملاك المسيحيين ‏في منطقة الكرادة.

 

تورط موظفي الدولة

يتفق النائب السابق في البرلمان العراقي، عمانويل خوشابا،  مع ما ذهب إليه يونادم كنا، من حيث التسلسل التاريخي لحالات الاستحواذ على عقارات المسيحيين في العراق.

ويؤكد لـ "ارفع صوتك"، أن كثيرا من تلك الحالات "تمت بسبب التواطؤ والفساد الإداري في مؤسسات الدولة المختلفة، عبر الشراكة مع عصابات منظمة أو مسلحين للبحث عن عقارات المسيحيين عن طريق اسم المالك ثم الاستيلاء عليها بالتهديد وشرائها بأثمان بخسة، أو عبر التزوير ونقل الملكية".

الدليل على ذلك، بحسب خوشابا "عمليات إغلاق المكاتب العقارية لبعض المناطق التي كانت تتضمن نسبة عالية من وجود المسيحيين في بغداد مثل الكرادة، وفي مدينة الموصل بمحافظة نينوى".

يضيف: "عمل هؤلاء الموظفون على جرد تلك العقارات وإبلاغ الخارجين عن القانون أو العصابات بمواقعها، التي تقوم بدورها بتهديد أصحابها وشرائها بثمن بخس أو الاستيلاء عليها بالقوة".

ويعتبر خوشابا أن كل ما يقال حالياً عن استعادة العقارات "محاولات فردية نجحت بمعرفة بعض الحالات عبر شكوى المواطن نفسه، وليست تحركا رسمياً واسعاً".

ويشير إلى أن "الكثير من أصحاب تلك العقارات لم يقم بتقديم شكوى، ورضي بالأمر الواقع وباع بأسعار بخسة تجنباً للمشاكل".

ولا يخفي المتحدث باسم وزارة العدل، كامل أمين، تورط بعض الموظفين بهذه المخالفات. يوضح لـ"ارفع صوتك": "تورط موظفون في الوزارة ودائرة التسجيل العقاري وتم إلقاء القبض عليهم واتخذت بحقهم إجراءات قانونية في المحاكم المختصة، كما جرى عزلهم من وظائفهم. وإبطال تلك البيوعات، وإعادة العقارات إلى أصحابها الشرعيين من العوائل المسيحية المهاجرة داخل وخارج العراق".

ويشير إلى وجود آلية جديدة للتأكد من هوية البائع والمشتري في عمليات بيع العقارات، بالإضافة الإجراءات الأخرى فيها.

ويلفت أمين إلى حدوث "خلط فيما يتعلق بمسؤوليات دائرة العقارات ومسؤوليات الدوائر الأخرى. فما يتم استغلاله أو الاستيلاء عليه أو استخدامه لأغراض تجارية أو غيرها ليس من مسؤولية وزارة العدل"، مردفاً "عملنا يتعلق بتزويد الجهة المشتكية بمعلومات العقار".

 

لا إحصاءات

جميع من التقت بهم مراسلة "ارفع صوتك" لا تتوفر لديهم إحصاءات دقيقة أو تقريبية سواء لعدد العقارات التي يمتلكها مسيحيو العراق، أو التي تم الاستيلاء عليها، أو التي أُعيدت إلى أصحابها.

يعود السبب في ذلك كما يقولون إلى "تعدد الجهات المسؤولة عن المواضيع المتعلقة بالعقارات سواء كانت الدينية، كالوقف المسيحي والكنائس، أو الحكومية كمجلس القضاء الأعلى ووزارة العدل والداخلية والدفاع والأمانة العامة لمجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية".

ويؤكد كامل أمين أن عملية إعادة الممتلكات "إذا كانت في المراحل الأولى يتم كشفها من قبل دائرة التسجيل من ثم إبطالها ضمن صلاحيات الوزير".

"لكن، إذا كان البيع تم ضمن سلسلة عمليات بيع فيتم البت فيها عبر القضاء، وبدورها، تلتزم وزارة العدل بتنفيذ هذه الأحكام دون إحصائها"، يضيف أمين.

وتتعاون مؤسسات عدة في تنفيذ الأحكام القضائية، وفق أمين، "بدءاً من دائرة التنفيذ في الوزارة والأجهزة الأمنية، وأحيانا يتم توقيف بعض الأشخاص الذين يرفضون تنفيذ الأحكام بموجب قرارات المحاكم".

في السياق ذاته، يعتقد رئيس منظمة مجلس الأقليات في العراق، رعد أرتميسي،  أن عدد العقارات التي تم الاستيلاء عليها "بالعشرات، وهو ليس عددا كبيرا جداً، إذ تم تدارك الأمر عبر اللجان المختصة بالموضوع وكانت ذات نتائج إيجابية".

ويشير إلى محدودية انتشار الأقلية المسيحية في أنحاء العراق، حيث "يتركز في بغداد وإقليم كردستان ومحافظة نينوى. فيما تعيش عائلتان في محافظة بابل ومثلها في ميسان وفي البصرة 60 عائلة مسيحية" وفق إحصاء لمجلس الأقليات عام 2018.

 

حلول "بيروقراطية"

على خلفية تلك الحالات ولتجاوز المحنة التي مرت بها أملاك المهاجرين المسيحيين "وضعت الحكومة العراقية العديد من الفلاتر التي تمر بها المعاملات الرسمية لبيع وشراء العقارات العائدة إلى أبناء الديانة المسيحية"، يقول سكرتير عام الحركة الديمقراطية الآشوري، يونادم كنا.

ويضيف: "بالنسبة للمهاجرين ولديهم عقارات في العراق لا يكفي فقط توكيل شخص لبيع العقار، بل يتم تمرير الإجراءات عبر ديوان الوقف المسيحي ويتم جلب تسجيل صوت وصورة لصاحب العقار، وبعد استكمال عملية البيع يتم التأكيد من قبل الأوقاف على صحة العملية".

هذه الإجراءات، بحسب كامل أمين "لا يُقصد منها إضافة إجراءات بيروقراطية جديدة. إنما تهدف  للحفاظ على أملاك المسيحيين المهاجرين وإيقاف عمليات التزوير والاستحواذ، عبر التحقق من صحة صدور تلك الوثائق ومخاطبة الجهات الدينية للتأكد من أن هذه العائلة ترغب فعلاً بالبيع مع وجود أشخاص معرفين للتنفيذ".

ويؤكد أن "الحل النهائي سيكون بعد انتهاء عملية أتمتة إجراءات بيع وشراء العقارات، التي ستوفر الكثير من الجهد والوقت، وتقضي على الفساد والرشوة والمحسوبية، ولا يستطيع الموظف أن يتدخل أو يبتز المواطن أو المراجع".

من جهته، يعتبر رعد أرتميسي أن هذا الإجراءات الجديدة في عمليات البيع "خلقت حالة من التذمر لدى الراغبين ببيع عقاراتهم من الموجودين خارج العراق"، مستدركاً "في الوقت ذاته، تُمكّن من حماية الكثير من العقارات، لأن فيها تدقيقاً قوياً، بحيث لم نعد نسمع بوجود مثل هذه الحالات (الاستيلاء) إلا نادراً".

ويلفت إلى أن "هذه الإجراءات لا يتم تطبيقها على المسيحيين الموجودين داخل العراق، بل على المهاجرين منهم فقط، حفاظاً على أملاكهم، كونهم الأكثر تضرراً".

في السياق، يقول كنا، إن أحدث الحلول التي وصلت إليها الحكومة العراقية كانت في أبريل الماضي، بالإعلان عن تشكيل لجنة تضم 11 شخصية، لجرد أملاك المسيحيين وباقي المكونات".

ويعرب عن خيبة أمله، لأن "اللجنة لم تجتمع منذ ذلك التاريخ ولم ينطلق الموقع الإلكتروني الخاص بتلقي الشكاوى".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

رجل عربي من البدون في منطقة صحراوية غرب منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية.
رجل عربي من البدون في منطقة صحراوية غرب منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية.

بحسب تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن هناك 10 ملايين شخص على الأقل بدون جنسية حول العالم. تبدو تلك المشكلة حاضرة بشكل لافت للنظر في منطقة الخليج العربي، حيث يعيش عشرات الآلاف من عديمي الجنسية/ البدون في كل من السعودية والكويت والإمارات وقطر والعراق.

بشكل عام، تُطلق تسمية البدون على مجموعة من القبائل العربية البدوية التي عاشت في مناطق صحراوية على أطراف السعودية والكويت والعراق. وترجع أصول غالبيتهم إلى بادية الشام. بعد تأسيس الدول الخليجية الحديثة، لم يحصل هؤلاء على الجنسية لأسباب مختلفة، وبقيت مشكلتهم قائمة على مدار السنوات المتعاقبة.

 

الكويت

تعود أصول البدون في الكويت إلى بادية سوريا والأردن والعراق. وينتمون في الأساس إلى مجموعة من القبائل العربية الكبيرة مثل شمر وعنزة. بدأت مشكلتهم في خمسينيات القرن العشرين، عندما صدر قانون الجنسية الكويتي في سنة 1959م. والذي فرّق بين المواطنين الكويتيين الأصل والمنشأ، والوافدين القادمين من مناطق مجاورة.

بشكل عام، تمتع "البدون" بالمساواة مع المواطنين الكويتيين منذ سنة 1961م وحتى سنة 1991م. بعد الغزو العراقي للكويت، وجهت أصابع الاتهام للبدون العراقيين الأصل، وتم اتهامهم بالخيانة ومساندة نظام صدام حسين. بعد تحرير الكويت، تم عزل العديد من البدون، وفقدوا الكثير من المميزات الاجتماعية والاقتصادية. 

حالياً، تذكر البيانات الحكومية الرسمية إن 85 ألفاً على الأقل من البدون يعيشون في الكويت، لكن النشطاء يقولون إن العدد يزيد عن ذلك بكثير.

في سنة 2000م، ومع تفاقم أزمة البدون، أصدر مجلس الأمة الكويتي قانوناً ينص على تجنيس ألفي شخص من "البدون" سنوياً، ممن يقيمون في الكويت منذ 1965 على الأقل. لكن لم تُفلح تلك المحاولة في القضاء على الأزمة. اعتاد البدون الكويتيون على تنظيم المظاهرات المطالبة بالحصول على حقوقهم في الجنسية الكويتية من حين إلى آخر.

في السنوات الأخيرة، تصاعد زخم الاحتجاجات من جانب البدون الكويتيين بالتزامن مع دعمهم من قِبل العديد من النشطاء والمنظمات الحقوقية. في ديسمبر 2021م، تجمع نحو مئتي متظاهر في ساحة الإرادة مقابل مبنى مجلس الأمة الكويتي في وقفة احتجاجية سلمية دعماً لمطالب البدون. في مارس 2022م، أُعلن عن بدء إضراب مفتوح عن الطعام للمطالبة بـ "الحقوق الإنسانية الأساسية" للبدون في الكويت. وأثار الإضراب موجة تعاطف واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. في أغسطس 2023م، نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً عن معاناة بدون الكويت.  جاء فيه إن الحكومة الكويتية تمارس التمييز ضد أطفال البدون "وذلك من خلال تقاعسها في توفير التعليم المجاني". وبيّن التقرير كيف أن الحكومة تُجبر أطفال البدون على دفع رسوم التعليم الخاص الذي يعدّه الآباء والأمهات والأطفال دون مستوى التعليم في المدارس الحكومية المجانية التي يلتحق بها المواطنون الكويتيون. في الشهر الماضي، سلطت الأضواء على قضية "البدون" في الكويت من جديد، وذلك بعدما أعلنت وزارة الداخلية الكويتية عن "وقف جواز سفر رقم (17) "الخاص بالمقيمين بصورة غير قانونية" وهم عديمو الجنسية "البدون" باستثناء الحالات الإنسانية مثل العلاج والدراسة.

 

السعودية

تشكّل البدون في السعودية من القبائل البدوية التي عاشت حياة الترحال في شمال وجنوب المملكة العربية السعودية، ومن الجاليات الإسلامية التي هاجرت من آسيا إلى شبه الجزيرة العربية في بدايات القرن العشرين، واستوطنت فيما بعد في غرب السعودية.

في سبعينيات القرن العشرين، أُتيحت الفرصة لإعطاء هؤلاء الجنسية السعودية. غير أن أغلب البدون تجاهلوا الأمر بسبب انشغالهم بالحياة البدوية، أو لعدم معرفتهم بفتح باب الحصول على الجنسية. تسبب ذلك في عدم حصول أبناء وأحفاد تلك الفئات على الجنسية السعودية حتى الآن.

في السنوات الأخيرة، أشارت بعض التقارير الصحفية إلى المعاناة الشديدة التي يلاقيها البدون السعوديون في شتى مناحي الحياة، وخصوصاً فيما يخص المسكن، والاوضاع الاجتماعية، والتعليم، والزواج. في هذا السياق، بُذلت بعض المجهودات لحل مشكلتهم. ومن ذلك، صدور مرسوم ملكي في العام 2000م يقضي بمنح الجنسية لقبائل شمر وعنزة وبني خالد والأساعدة. وفي سنة 2012م، كشفت وزارة الداخلية عن خطة حكومية لقرب إصدار نظام لتجنيس البدون، الأمر الذي تحقق بشكل جزئي في سنة 2014م، عندما أصدرت المديرية العامة للجوازات السعودية بطاقات خاصة للبدون لتسهيل إجراءاتهم.

على الرغم من تلك المجهودات، لم تنته أزمة البدون السعوديين. في سنة 2015م، اعترفت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بأن إجراءات تصحيح وثائق البدون بطيئة جداً وأن الإشكالات ستتوسع إذا ما تأخر حسم هذا الملف. بعدها بسنتين، نشرت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان تقريراً حول "الحرمان من الجنسية في السعودية"، خلص إلى أن "معاناة البدون في السعودية انطوت على العديد من التجاوزات والانتهاكات والتمييز العنصري".

الإمارات

تعود أصول العديد من البدون في الإمارات إلى مجتمعات البدو أو المهاجرين الذين سكنوا البلاد قبل تشكيل الدولة في سنة 1971م، ولم يجرِ تسجيلهم وقتها لنيل الجنسية. 

بشكل عام، يجد البدون الإماراتيون صعوبات عدة في استخراج شهادات الميلاد والوفاة، وفي توثيق عقود الزواج والطلاق، كما أنه لا يحق لأبنائهم الالتحاق بالمدارس الحكومية.

في 2006م، كشفت وزارة الداخلية الإماراتية عن قرب حل قضية البدون. وفي سنة 2008م، عملت الإمارات على إيجاد حل بديل لأزمة البدون الذين يعيشون على أراضيها. عقدت إمارة أبوظبي اتفاقاً مع دولة جزر القمر الواقعة شرقي أفريقيا. بموجب هذا الاتفاق قامت الحكومة الإمارتية بشراء وثائق هوية وجوازات سفر للبدون، ووزعتها عليهم. مع إعطائهم الحق في الإقامة على الأراضي الإمارتية، ووعدهم بمنح العديد من التسهيلات والامتيازات. ذكرت بعض التقارير الصحفية أن جواز السفر القمري الواحد بلغت كلفته 4 آلاف يورو، وأن الحكومة الإمارتية دفعت ما لا يقل عن 200 مليون يورو كتكلفة إجمالية.

 

قطر

تختلف مشكلة البدون في قطر عنها في باقي الدول الخليجية. تعود تلك المشكلة إلى سنة 1995م، عندما تمت الإطاحة بأمير قطر آنذاك، خليفة بن حمد آل ثاني، في انقلاب قام به نجله حمد بن خليفة آل ثاني. حاول خليفة بن حمد وقتها ان يسترد السلطة بمساعدة قبائل آل مرّة. فشلت المحاولة، وتحمل الطرف الخاسر ضريبة الهزيمة. في سنة 2005م جرّدت الحكومة القطرية الآلاف من أبناء قبائل آل مرّة، من جنسياتهم، وأصبح وضعهم القانوني مشابهاً لأوضاع البدون في السعودية والكويت والإمارات.

منذ ذلك الوقت، حُرم العديد من آل مرّة من الحصول على الوظائف، ومن تلقي الرعاية الصحية المجانية، كما فُرضت الكثير من القيود على التعليم والزواج وفتح الحسابات المصرفية. في أغسطس 2021م، زادت معاناة آل مرّة بعدما أقرت الدوحة قانون الانتخابات البرلمانية الجديد. بموجبه حُرم الآلاف من آل مرة من الاقتراع أو الترشح. بعدما اقتصر حق المشاركة في الانتخابات على القطريين "الأصليين" فحسب.

أعيد افتتاح آيا صوفيا كمسجد في الرابع والعشرين من يوليو سنة 2020. أقيمت صلاة الجمعة في هذا المكان التاريخي للمرة الأولى منذ 86 سنة كاملة.
من النظام الملّي إلى "الخط الهمايوني".. كيف عاشت الأقليات المسيحية تحت الحكم العثماني؟
اتسمت العلاقة بين النبي والمسيحيين بالود والتسامح في أغلب فتراتها. رغم من ذلك، لم تبق العلاقة بين الحكومات الإسلامية المتعاقبة وبين الرعايا المسيحيين هادئة دائماً، خاصة تحت حكم الدولة العثمانية.

العراق

تختلف مشكلة معدومي الجنسية في العراق عنها في منطقة الخليج. يُعدّ الأكراد الفيليون الذين قدموا إلى العراق من بعض أنحاء إيران في القرن السادس عشر الميلادي أبرز النماذج المعبرة عن تلك المشكلة.

خلال الحرب الصفوية- العثمانية، نزحت عوائل الكثير من الجند الفيليين -الذين كانوا يحاربون في صف الصفويين- إلى العراق في صورة هجرات بشرية متتابعة. استقرت تلك العوائل في العراق رغم استعادة العثمانيين السيطرة على المنطقة. وهكذا صار الفيلييون متواجدين بشكل كثيف في غربي إيران وشرقي العراق. 

عند تأسيس المملكة العراقية في عام 1921م وبموجب اتفاقية تخطيط الحدود العراقية - الإيرانية تم إلحاق مناطق واسعة من الأراضي الكردية الفيلية بالعراق، ليصبح الفيلييون عندها إحدى المكونات البشرية المهمة في التكوين الفسيفسائي للشعب العراقي. تمركز الفيلييون بشكل رئيس في خانقين، وجلولاء، وبعقوبة، والكوت، والكميت. هذا إلى جانب تواجد بعض تجمعاتهم في كل من بغداد، والسليمانية، وأربيل، وكركوك، والكوفة، والنجف، وكربلاء، والبصرة.

بدأت محنة الأكراد الفيلين في العراق في النصف الأول من القرن الماضي. فرّق قانون الجنسية العراقي بين المواطنين الذين يعودون إلى أصول إيرانية والمواطنين الذين يعودون إلى أصول عثمانية. بموجب هذا القانون أصبح الفيلييون مواطنين من الدرجة الثانية. وتم البدء في تهجيرهم إبان حكومتي رشيد الكيلاني ونوري السعيد. 

تصاعدت وتيرة التهجير في حكومتي عبد السلام عارف وأحمد حسن البكر. ووصلت تلك الوتيرة إلى ذروتها في زمن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في الفترة الواقعة بين سنتي 1970 و2003م. 

في سنة 1980م -وبالتزامن من اندلاع حرب الخليج الأولى ضد إيران- أصدر صدام حسين القرار رقم (666)، والذي نص على "إسقاط الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل أجنبي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة وتخويل وزير الداخلية صلاحية إبعاد كل من أسقطت عنه الجنسية العراقية ما لم يقتنع بناءً على أسباب كافية بأن بقاءه في العراق أمر تستدعيه ضرورة قضائية أو قانونية". 

بموجب هذا القانون جُرد الفيلييون من الجنسية العراقية وتمت مصادرة أموالهم وممتلكاتهم ووجهت لهم اتهامات بالخيانة والعمالة لإيران.

بحسب بعض المصادر الفيلية، وصل عدد المهجرين في تلك الفترة إلى ما يقرب من 600 ألف فيلي، وتم إرسالهم إلى الحدود مع إيران. رغم مرور عشرات الأعوام على وقوع تلك الحوادث المؤسفة، لا يزال الآلاف من الفيليين المُهجّرين يعيشون في أوضاع معيشية سيئة في الأماكن التي خصصتها لهم الحكومة الإيرانية في مخيّمي ازنا وجهرم في لرستان الواقعة في غربي إيران. لم تُحل مشكلة هؤلاء اللاجئين المُهجرين حتى الآن رغم مرور ما يقرب من عشرين عاماً على سقوط نظام صدام حسين.