من داخل إحدى كنائس العاصمة العراقية بغداد- تعبيرية
من داخل إحدى كنائس العاصمة العراقية بغداد- تعبيرية

مرت شهور عديدة ولا تزال المهاجرة العراقية المسيحية ساهرة متى، تحاول استعادة ملكية بيتها الذي تركته عندما هاجرت إلى الولايات المتحدة الأميركية قبل سنوات.

وكانت ساهرة (اسم مستعار) عادت إلى العراق لبيع البيت، لتفاجأ باختفائه وتحوّل المكان الذي كان فيه، إلى مبنى تجاري ضخم وسط العاصمة بغداد، إذ تم بيعه في غيابها بعقد بيع مزوّر.

تبين لـ "ارفع صوتك": "سافرت خلال فترة الحرب الطائفية من منطقتي للحفاظ على حياتي وحياة أبنائي، وعدت بعد استقراري في المهجر إلى العراق بهدف بيع المنزل والاستفادة من الأموال بعد الارتفاع الكبير بأسعار العقارات".

وتضيف ساهرة: "فوجئت بتغيّر المنطقة وتحولها إلى شارع تجاري مزدهر بالبنايات، ولم أتمكن من التعرف على تفاصيل المنطقة ولم أعثر على المنزل. وبعد البحث وجدت أن هناك من قام ببيع المنزل عبر تزوير هويتي الشخصية بجواز بريطاني، وتحويله إلى مبنى تجاري ضخم".

"قدمي لم تطأ أرض بريطانيا على الإطلاق منذ تركت العراق، فقد هاجرت إلى الولايات المتحدة وأسكن منذ ذلك الوقت في مدينة سان دييغو (ولاية كاليفورنيا) ولا أعرف كيف تمت العملية"، تتابع ساهرة.

وقضيتها واحدة من القضايا المعروضة أمام القضاء العراقي اليوم بانتظار البت بشأنها. وهناك عشرات القضايا لمسيحيين تم الاستيلاء على عقاراتهم بعد تركهم العراق.

بداية الحكاية

بدأ التلاعب بأملاك المسيحيين والاستيلاء عليها كما يقول سكرتير عام الحركة الديمقراطية الآشورية، يونادم كنا "منذ تسعينيات القرن الماضي حين هاجر الكثير منهم بسبب الظرف الاقتصادي في العراق".

وتزايد استهداف أملاكهم بعد سقوط النظام البعثي عام 2003، وحين ألقت الحرب الطائفية بظلالها على بغداد لتقود إلى نزوحهم إلى إقليم كردستان أو إلى خارج البلد، بحسب كنا.

ويوضح لـ"ارفع صوتك"، أن الاستحواذ على أملاك المسيحيين اتخذ أشكالا عديدة منها "ما يتعلق بالتهديد لبيع العقارات بأثمان بخسة، أو التزوير وبيع العقارات بوكالات وهمية لمن هاجر منهم داخل وخارج العراق، أو الاستحواذ على الأملاك عبر السكن فيها ورفض إخلائها".

ويؤكد كنا أن أكثر الحالات تمت "بشكل خاص بين (2004-2011)، وكانت الأقليات بشكل عام مستهدفة. وشمل ذلك مناطق في سهل نينوى عندما كان لتنظيم القاعدة سطوة في تلك الأماكن، خصوصاً الموصل التي شهدت تهجيراً للشيعة وللأقليات وكل من لم يبايعهم أو لم يحمل فكرهم".

يضيف: "ومن تم تهجيرهم أو هربوا إلى مناطق خارج سطوة تنظيم القاعدة، قاموا بالاستقرار في أماكن أخرى وأحيانا في مناطق زراعية، وتسبب ذلك بمشاكل لاحقا".

أما من تم الاستحواذ على عقاراتهم  عام 2014 أي بعد سيطرة تنظيم داعش على مناطق واسعة من سهل نينوى، التي يتركز فيها مسيحيو العراق "فكانت مشكلتهم أسهل، لأن الحكومة العراقية اعتبرت كل عمليات البيع باطلة بلا استثناء"، كما يقول كنا، مستدركاً "مع ذلك، كانت هناك خسائر كبيرة في البنى التحتية وسرقة للمشاريع وحرق أو تهديم للمساكن".

يتابع: "بعد التحرير (من داعش) جاءت جماعات متنفذة مسلحة بدأت بتغيير صنوف العقارات وملكيتها. لكن، لا أحد يمتلك معلومات حقيقية بتفاصيل ما حدث للفترة التالية أي ما بعد داعش، وهناك امتعاض في تلك المناطق ولا نمتلك سوى شكاوى لم يتم التحري عنها بعد".

مسيحون العراق فرنس برس
تحقيق: عقارات المسيحيين في العراق.. استيلاء منظم بالتزوير وقوة السلاح
هاجرت بيرونيا، وهي عراقية مسيحية، العراق في سبعينيات القرن الماضي، وتركت منزلها في العاصمة بغداد مستأجرا. عندما عادت في عام 2019، اكتشفت أن المنزل بيع في 2012 بتزوير توقيعها وتوقيع إخوتها العشرة، علما أن أحدهم توفي.

أملاك المهاجرين

أغلب حالات التلاعب بملكية العقارات حصلت "في أملاك المسيحيين الذي هاجروا من بغداد إلى إقليم كردستان، أو ممن تركوا العراق إلى دول أخرى، وعددهم كبير جدا"، يقول يونادم كنا.

ويشير إلى حالات عديدة "تم فيها التمليك بقرار حكمي من المحكمة"، مؤكداً: "تمكنا خلال السنوات السابقة عبر التعاون مع مجلس القضاء الأعلى من إيقاف تلك الحالات".

والتمليك الحكمي يتعلق برفع دعوى قضائية ضد صاحب العقار بدعوى استدانة مبلغ من المال دون تسديده، والمطالبة بتمليك العقار كبدل عن الأموال غير المسددة. ومع عدم حضور المشتكى عليه يتم تمليك المشتكي للدار في النهاية.

هذه الحالات، بحسب كنا، "تراجعت بنسبة كبيرة جداً بعد عام 2011 إثر التعاون مع مكتب رئيس الوزراء آنذاك، وتم إخلاء مئات الدور التي تم التجاوز عليها".

ويوضح: "في ذلك الوقت لم يكن التجاوز يحصل على الأملاك لأسباب دينية فقط، بل على مستوى طائفي أيضا، فقد أجابت عمليات بغداد على إحدى مخاطباتنا الرسمية بأن هناك 36 ألف عقار تم التجاوز عليها بين الطائفتين المسلمتين (السنية والشيعية)".

وكان مجلس القضاء الأعلى أعلن عام 2021 عن إلقاء القبض على عصابة تخصصت ببيع أملاك المسيحيين في منطقة الكرادة وسط بغداد، عبر ترتيب لقاء مع أصحاب تلك العقارات ‏المقيمين خارج البلد، بعد أن يتم التواصل مع تلك العوائل وتنظيم عقد بيع أولى دون دفع الأموال ثم يتم تزوير المعاملة والاستيلاء على العقارات دون علم صاحبها.

في حينه، حُكم على أفراد العصابة بالسجن سبع سنوات ومنع أي عملية بيع لأملاك المسيحيين ‏في منطقة الكرادة.

 

تورط موظفي الدولة

يتفق النائب السابق في البرلمان العراقي، عمانويل خوشابا،  مع ما ذهب إليه يونادم كنا، من حيث التسلسل التاريخي لحالات الاستحواذ على عقارات المسيحيين في العراق.

ويؤكد لـ "ارفع صوتك"، أن كثيرا من تلك الحالات "تمت بسبب التواطؤ والفساد الإداري في مؤسسات الدولة المختلفة، عبر الشراكة مع عصابات منظمة أو مسلحين للبحث عن عقارات المسيحيين عن طريق اسم المالك ثم الاستيلاء عليها بالتهديد وشرائها بأثمان بخسة، أو عبر التزوير ونقل الملكية".

الدليل على ذلك، بحسب خوشابا "عمليات إغلاق المكاتب العقارية لبعض المناطق التي كانت تتضمن نسبة عالية من وجود المسيحيين في بغداد مثل الكرادة، وفي مدينة الموصل بمحافظة نينوى".

يضيف: "عمل هؤلاء الموظفون على جرد تلك العقارات وإبلاغ الخارجين عن القانون أو العصابات بمواقعها، التي تقوم بدورها بتهديد أصحابها وشرائها بثمن بخس أو الاستيلاء عليها بالقوة".

ويعتبر خوشابا أن كل ما يقال حالياً عن استعادة العقارات "محاولات فردية نجحت بمعرفة بعض الحالات عبر شكوى المواطن نفسه، وليست تحركا رسمياً واسعاً".

ويشير إلى أن "الكثير من أصحاب تلك العقارات لم يقم بتقديم شكوى، ورضي بالأمر الواقع وباع بأسعار بخسة تجنباً للمشاكل".

ولا يخفي المتحدث باسم وزارة العدل، كامل أمين، تورط بعض الموظفين بهذه المخالفات. يوضح لـ"ارفع صوتك": "تورط موظفون في الوزارة ودائرة التسجيل العقاري وتم إلقاء القبض عليهم واتخذت بحقهم إجراءات قانونية في المحاكم المختصة، كما جرى عزلهم من وظائفهم. وإبطال تلك البيوعات، وإعادة العقارات إلى أصحابها الشرعيين من العوائل المسيحية المهاجرة داخل وخارج العراق".

ويشير إلى وجود آلية جديدة للتأكد من هوية البائع والمشتري في عمليات بيع العقارات، بالإضافة الإجراءات الأخرى فيها.

ويلفت أمين إلى حدوث "خلط فيما يتعلق بمسؤوليات دائرة العقارات ومسؤوليات الدوائر الأخرى. فما يتم استغلاله أو الاستيلاء عليه أو استخدامه لأغراض تجارية أو غيرها ليس من مسؤولية وزارة العدل"، مردفاً "عملنا يتعلق بتزويد الجهة المشتكية بمعلومات العقار".

 

لا إحصاءات

جميع من التقت بهم مراسلة "ارفع صوتك" لا تتوفر لديهم إحصاءات دقيقة أو تقريبية سواء لعدد العقارات التي يمتلكها مسيحيو العراق، أو التي تم الاستيلاء عليها، أو التي أُعيدت إلى أصحابها.

يعود السبب في ذلك كما يقولون إلى "تعدد الجهات المسؤولة عن المواضيع المتعلقة بالعقارات سواء كانت الدينية، كالوقف المسيحي والكنائس، أو الحكومية كمجلس القضاء الأعلى ووزارة العدل والداخلية والدفاع والأمانة العامة لمجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية".

ويؤكد كامل أمين أن عملية إعادة الممتلكات "إذا كانت في المراحل الأولى يتم كشفها من قبل دائرة التسجيل من ثم إبطالها ضمن صلاحيات الوزير".

"لكن، إذا كان البيع تم ضمن سلسلة عمليات بيع فيتم البت فيها عبر القضاء، وبدورها، تلتزم وزارة العدل بتنفيذ هذه الأحكام دون إحصائها"، يضيف أمين.

وتتعاون مؤسسات عدة في تنفيذ الأحكام القضائية، وفق أمين، "بدءاً من دائرة التنفيذ في الوزارة والأجهزة الأمنية، وأحيانا يتم توقيف بعض الأشخاص الذين يرفضون تنفيذ الأحكام بموجب قرارات المحاكم".

في السياق ذاته، يعتقد رئيس منظمة مجلس الأقليات في العراق، رعد أرتميسي،  أن عدد العقارات التي تم الاستيلاء عليها "بالعشرات، وهو ليس عددا كبيرا جداً، إذ تم تدارك الأمر عبر اللجان المختصة بالموضوع وكانت ذات نتائج إيجابية".

ويشير إلى محدودية انتشار الأقلية المسيحية في أنحاء العراق، حيث "يتركز في بغداد وإقليم كردستان ومحافظة نينوى. فيما تعيش عائلتان في محافظة بابل ومثلها في ميسان وفي البصرة 60 عائلة مسيحية" وفق إحصاء لمجلس الأقليات عام 2018.

 

حلول "بيروقراطية"

على خلفية تلك الحالات ولتجاوز المحنة التي مرت بها أملاك المهاجرين المسيحيين "وضعت الحكومة العراقية العديد من الفلاتر التي تمر بها المعاملات الرسمية لبيع وشراء العقارات العائدة إلى أبناء الديانة المسيحية"، يقول سكرتير عام الحركة الديمقراطية الآشوري، يونادم كنا.

ويضيف: "بالنسبة للمهاجرين ولديهم عقارات في العراق لا يكفي فقط توكيل شخص لبيع العقار، بل يتم تمرير الإجراءات عبر ديوان الوقف المسيحي ويتم جلب تسجيل صوت وصورة لصاحب العقار، وبعد استكمال عملية البيع يتم التأكيد من قبل الأوقاف على صحة العملية".

هذه الإجراءات، بحسب كامل أمين "لا يُقصد منها إضافة إجراءات بيروقراطية جديدة. إنما تهدف  للحفاظ على أملاك المسيحيين المهاجرين وإيقاف عمليات التزوير والاستحواذ، عبر التحقق من صحة صدور تلك الوثائق ومخاطبة الجهات الدينية للتأكد من أن هذه العائلة ترغب فعلاً بالبيع مع وجود أشخاص معرفين للتنفيذ".

ويؤكد أن "الحل النهائي سيكون بعد انتهاء عملية أتمتة إجراءات بيع وشراء العقارات، التي ستوفر الكثير من الجهد والوقت، وتقضي على الفساد والرشوة والمحسوبية، ولا يستطيع الموظف أن يتدخل أو يبتز المواطن أو المراجع".

من جهته، يعتبر رعد أرتميسي أن هذا الإجراءات الجديدة في عمليات البيع "خلقت حالة من التذمر لدى الراغبين ببيع عقاراتهم من الموجودين خارج العراق"، مستدركاً "في الوقت ذاته، تُمكّن من حماية الكثير من العقارات، لأن فيها تدقيقاً قوياً، بحيث لم نعد نسمع بوجود مثل هذه الحالات (الاستيلاء) إلا نادراً".

ويلفت إلى أن "هذه الإجراءات لا يتم تطبيقها على المسيحيين الموجودين داخل العراق، بل على المهاجرين منهم فقط، حفاظاً على أملاكهم، كونهم الأكثر تضرراً".

في السياق، يقول كنا، إن أحدث الحلول التي وصلت إليها الحكومة العراقية كانت في أبريل الماضي، بالإعلان عن تشكيل لجنة تضم 11 شخصية، لجرد أملاك المسيحيين وباقي المكونات".

ويعرب عن خيبة أمله، لأن "اللجنة لم تجتمع منذ ذلك التاريخ ولم ينطلق الموقع الإلكتروني الخاص بتلقي الشكاوى".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة من جزيرة سقطرى اليمنية حيث يتكلم أهلها اللغة السقطرية- تعبيرية
صورة من جزيرة سقطرى اليمنية حيث يتكلم أهلها اللغة السقطرية- تعبيرية

في بدايات القرن السابع الميلادي، فتح المسلمون جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية. بعدها، وبشكل متدرج، استطاعت اللغة العربية الحجازية الشمالية -المُستخدمة في قبيلة قريش- أن تفرض نفسها في المناطق العربية الجنوبية.

 بعد قرون، انعزلت اللهجات اليمنية الجنوبية واقتصر استعمالها على بعض الشعوب. وصارت هناك فوارق واسعة بينها وبين اللغة العربية التقليدية، حتى اعتبرها بعض علماء اللغة مستقلة عن العربية. وفي ذلك شاع قول بعض اللغوين "ما لسان حِمير -اللهجة اليمنية- بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا".

رغم ذلك، بقيت بعض اللغات اليمنية القديمة حاضرة في جنوبي شبه الجزيرة العربية حتى الآن، لكنها مهددة بالاندثار، فيما تحاول العديد من المؤسسات المعنية بإنقاذها. فماذا نعرف عن هذه اللغات؟

اللغة المهرية

تُنسب إلى قبيلة المهرة التي سكنت شرقي اليمن منذ قرون طويلة، واعتاد النسابون أن يرجعوا أصلها إلى مهرة بن حيدان بن عمرو بن لحاف بن قضاعة. 

تُعدّ المهرية واحدة من أقسام اللغات العربية الجنوبية الشرقية الحديثة، ويعتبرها معظم الباحثين لغة سامية بدائية فيما يرى آخرون أنها امتداد للغة الأكدية العراقية القديمة.

تنتشر حاليا في شرق اليمن وسلطنة عمان والكويت والإمارات والسعودية. كما تتواجد بشكل أقل في بعض بلدان شرق أفريقيا كتنزانيا وكينيا. ويزيد عدد المتحدثين بها عن 200 ألف شخص.

تُعدّ المهرية من اللغات غير المكتوبة، أي أن متحدثيها يتوارثونها شفوياً، وتتكون من حروف اللغة العربية الـ28، بالإضافة إلى خمسة حروف أخرى.

في كتابه "مهرة في مصادر اللغة والأدب"، يذكر الباحث عامر بلحاف العديد من الألفاظ المهرية التي وردت في المعاجم والقواميس اللغوية العربية التراثية.

 من تلك الألفاظ كلمة "الزفن" التي تحمل معنى الرقص، وجاءت تلك الكلمة بهذا المعنى في بعض الروايات والأحاديث المنسوبة للنبي. على سبيل المثال ذكر البخاري في "صحيحه" عن عائشة خبر قدوم وفد الحبشة إلى المدينة، وفيه: "فجعلوا يزفنون" أي يرقصون. 

من الأمثلة الأخرى كلمة "بربور" بمعنى ثرثار كثير الحديث، وكلمة "حوور" وهو اللون الأسود، وكلمة "كركر" بمعنى ضحك وقهقه.

 يشير بلحاف إلى أن الكثير من اللغوين العرب القدامى أوضحوا في كتاباتهم أن اللغة المهرية لغة خاصة، مختلفة عن اللغة العربية التقليدية. لكنهم ذكروا أن المهرية لغة متروكة و"مرغوب عنها"، الأمر الذي يشهد على غلبة اللهجات العربية الشمالية على شبه الجزيرة العربية بعد الإسلام.

السقطرية

تُنسب تلك اللغة إلى سقطرى، وهي أرخبيل يمني يتبع إقليم حضرموت ويتكون من ست جزر على المحيط الهندي قبالة سواحل القرن الأفريقي. يشيع استخدام السقطرية داخل الجزر التابعة للأرخبيل، وتتميز بوجود بعض الحروف المختلفة عن العديد من اللغات السامية، منها "الشين الجانبية"، و"اللام الجانبية". 

بشكل عام، هناك أربع مجموعات من اللهجات السقطرية، وهي اللهجات المحكية في الساحل الشمالي، واللهجات المحكية في الساحل الجنوبي، واللهجات التي يتحدث بها البدو في الجبال في وسط الجزيرة، واللهجة التي يتحدث بها أهالي جزيرة عبد الكوري.

في العقود الماضية، بُذلت العديد من المحاولات لدراسة السقطرية وتدوين نصوصها الأدبية بهدف الحفاظ عليها. 

بدأت تلك المحاولات في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، عندما زار المستشرق النمساوي دافيد هاينريش مُولَّر أرخبيل سقطرى، وعمل على تدوين وتسجيل بعض مفردات اللغة السقطرية. 

في سنة 2014، تم تطوير نظام كتابة اللغة السقطرية على يد فريق روسي بقيادة الدكتور فيتالي نومكين. عكف الفريق على دراسة هذه اللغة لمدة خمس سنوات كاملة، وبعدها نشر النظام الكتابي المُقترح في كتاب بعنوان "مجموعة الأدب الشفوي السقطري".

 في أكتوبر 2017، حاولت الحكومة اليمنية المشاركة في إحياء اللغة السقطرية، وذلك عندما وجه رئيس الوزراء اليمني السابق أحمد عبيد بن دغر، وزارة الثقافة، لإنشاء مركز اللغة المهرية والسقطرية للدراسات والبحوث، إلا أن تلك التوجيهات لم تطبق على أرض الواقع بسبب أحداث الحرب الأهلية اليمنية.

يُعدّ مشروع حماية الأدب الشعبي في سقطرى المدعوم من قِبل الحكومة الألمانية ومعهد "جوته"، آخر المحاولات الداعمة للغة السقطرية. استهدف المشروع حماية الأدب الشعبي في جزيرة سقطرى من خلال "جمعه ومراجعته وتوثيقه وإتاحته باللغة السقطرية ثم اللغة العربية والإنجليزية. ثم العمل على الترويج له من خلال منصات إعلامية وثقافية وأكاديمية متنوعة...". 

تمكن فريق العمل من نشر كتاب "تُوْتِيَتَنْ دِ سَاقَطْرِيْ" أو "حكايات من التراث الشعبي في سقطرى"، كما طور المشروع أداة إلكترونية يمكن من خلالها تحويل اللغة السقطرية المكتوبة بالحروف العربية إلى حروف لاتينية.

A Kurdish woman dances with others during the Newroz celebrations marking the start of spring in Istanbul, Turkey, Sunday,…
منها الآرامية والأمازيغية والكردية.. جولة على لغات الأقليات في الدول العربية
"لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات اثنية أو دينية أو لغوية، أن يُحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم"، هذا ما تنص عليه المادة رقم 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ومن هنا، تبدو اللغات التي تتحدث بها الأقليات العرقية ، أساساً لحريتها وخصوصيتها. فما هي أبرز اللغات التي تتحدث بها الأقليات في الدول العربية؟

الشحرية

تُعدّ الشحرية واحدة من اللغات السامية القديمة، وتُنسب إلى قبائل الشحرى التي تسكن محافظة ظفار في سلطنة عمان. وتًعرف أيضاً باللغة الجبالية، بسبب انتشارها في بعض أنحاء الريف.

توجد العديد من اللهجات للغة الشحرية، وجميعها تُنطق ولا تُكتب. وعلى عكس العديد من اللغات الشفوية المعروفة، تستند الشحرية إلى مجموعة من القواعد والأسس اللغوية. من ذلك أن لها ضمائر منفصلة وأسماء إشارة مفصلة للذكر والأنثى والمفرد والمثنى والجمع. كما أن الشحرية تحتوي على كل حروف اللغة العربية ما عدا حروف "ص، ق، ض"، هذا بالإضافة إلى 8 حروف أخرى خاصة بها.

من الخصائص المميزة للشحرية أنه يتم عكس بعض الكلمات العربية لتعطي نفس المعنى باللغة الشحرية. على سبيل المثال، يتم قلب كلمة "قتل" باللغة العربية لتصبح كلمة "لتق" باللغة الشحرية. أيضاً تتميز اللغة الشحرية بظاهرة الشنشنة وهي قلب كاف الخطاب للأنثى شيناً.

من النقاط المثيرة للاهتمام، أن هناك تشابهاً واضحاً بين اللغة الشحرية واللغة الأمازيغية المنتشرة في شمالي غرب أفريقيا، حتى ذهب العديد من المؤرخين والباحثين إلى وجود أصل مشترك بين أهل ظفار والأمازيغ. من هؤلاء الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة الذي زار ظفار في القرن الثامن الهجري وأشار إلى الشبه بين الظفاريين وأهل المغرب.

في العقود الأخيرة، اهتم العديد من الباحثين بدراسة اللغة الشحرية الذين أصدروا مؤلفات عدة في المجال، مثل كتاب "لسان ظفار الحميري" لمحمد بن سالم المعشني، وكتاب "لهجة مهرة وآدابها" لعلي محسن آل حفيظ، وكتاب "لغة عاد" لعلي أحمد محاش الشحري.

 

الخولانية

هي إحدى اللغات السامية القديمة وأخذت اسمها من قبائل خولان، المنسوبة إلى خولان بن عامر. تنتشر تلك اللغة بين القاطنين في جنوبي غرب المملكة العربية السعودية وشمالي اليمن.

توجد العديد من اللهجات لتلك اللغة، ومنها لهجة بني مالك، ولهجة الريث، ولهجة العبادل. أما أشهر لهجات الخولانية فهي اللهجة الفيفية المنتشرة في محافظة فيفا السعودية الجبلية.

من جهة أخرى، توجد العديد من القواعد المعروفة للغة الخولانية. منها استخدام أداة التعريف "أم" بدلاً من أداة التعريف "أل" المُستخدمة بشكل اعتيادي في اللغة العربية.

 توجد بعض الروايات التي تذكر أن الرسول محمد استخدم "أم" عند حديثه مع بعض القبائل اليمنية القديمة. على سبيل المثال، جاء في مسند أحمد بن حنبل أن "النبي نهى بعض اليمنيين عن الصيام في السفر، فقال لهم (ليس من امبر امصيام في امسفر".