من أحد احتفالات الأيزيديين في العراق قرب معبد لالش المقدس- تعبيرية
من أحد احتفالات الأيزيديين في العراق قرب معبد لالش المقدس- تعبيرية

وافق مجلس الوزراء العراقي على أن يكون عيد "جما" الأيزيدي إجازة جماعية في عموم العراق.

وبمناسبة هذه الذكرى، حرص الرئيس العراقي عبداللطيف رشيد، على تهنئة الإيزيديين بمناسبة عيدهم مؤكداً على ضرورة "إنصافهم وتوفير الحياة الكريمة لهم بعد الهجمة الإرهابية الظلامية التي طالتهم".

فيما كتب قوباد طالباني، نائب رئيس حكومة إقليم كردستان: "أرجو أن يبعث هذا العيد على السلام والازدهار وترسيخ روح التسامح والتعايش السلمي واحترام جميع المكونات".

كما وجّه نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كردستان التهنئة للأيزيديين بمناسبة عيدهم، متعهداً بدعمه الكامل لـ"حقوقهم ومطالبهم". 

وكان مسعود برزاني استبق بغداد ومنذ 2009، معتبرا أن أيام الأعياد الأيزيدية الرئيسية عطلة رسمية في المناطق الكردية الخاضعة لسيطرته.

 

ما هو عيد جما؟

يُعدُّ هذا الاحتفال أحد أعرق الاحتفالات الدينية عند الأيزيديين، ويُحتفل به رسمياً في 6 أكتوبر من كل عام حتى 13 من االشهر نفسه، عبر زيارة "معبد لالش" في قضاء شيخان شرقي محافظة دهوك والصلاة فيه وإقامة مجموعة من المراسم الدينية التي يحضرها الأيزيديون من جميع أنحاء العالم، طيلة الأسبوع.

و معبد "لالش" موقع مقدّس يقع في منطقة جبلبة شمال غرب مدينة الموصل، تستضيف المنطفة قبر الشيخ "آدي" ومقر المجلس الروحاني العام للديانة الأيزيدية.

توقّف الأيزيديون عن الاحتفال بهذا العيد منذ سنوات؛ أولاً بسبب انتشار مسلحي داعش الذين أثاروا الرعب في المنطقة وارتكبوا إبادة جماعية ضد الأيزديين، وثانياً بسبب فيروس كورونا الذي أوقع العديد من الوفيات بالعراق.

تكرّر هذا التوقف من قبل حين قرر المجلس الأعلى الأيزيدي في 2003 إيقاف الاحتفال بالعيد لـ"اسباب أمنية"، آخرها تفجيرات القطحانية في 2007 التي أسفرت عن مقتل 796 قتيلاً كواحدة من أكثر الهجمات التي استهدفت الأيزديين بشاعة ودموية.

وقبل ظهور تنظيم داعش كان هذا الاحتفال يجذب ما بين 60 إلى 70 ألف زائر، ولكن هذا العام، من المتوقع أن يصل عدد زائري معبد لالش إلى 200 ألف في ظِل التحسّن الكبير في الحالة الأمنية.

معبد لالش المقدس

تقول سناء خضر في بحثها "رؤية أنثروبولوجية لمعبد لالش الأيزيدي"، إن هذا المعبد يقع بعيداً عن ضجيج المدينة وبين أحضان القرى على بُعد قرابة 45 كم من شما لمحافظة نينوى. وادي لالش الكبير تحيط به ثلاثة جبال هي: "حزرت"، و"عرفات" و"مشت".

وفقاً للمعتقد الأيزيدي فإن "لالش" مرادف للجنة وبابها الشمس وأن الله أنزلها إلى الأرض حتى تتصلّب وتستقر، وهو ما يتّضح في أبيات الشعر الكردي التي تقول أصفي قلبي من الألم.. ربي بنا لالشا في العلى.. ووضع لها الشمس بابها.

يستضيف المعبد عدداً من الأماكن الهامة مثل مزار "كانيا سبي" (أي العين البيضاء)، ويعتقد الأيزيديون أنها حافظت على نقاء مائها خلال طوفان نوح، ولهذا فإن على كل زائر أن يشرب من مائها ويغسل وجهه على سبيل التطهر، وتجري أيضاً فيه عمليات "التعميد" للأطفال والكبار اعتقاداً أن هذا الإجراء ينجّيهم في الآخرة.

باب المعبد خشبي كبير مقوّس من الأعلي ويحوي صوراً مجسمة منحوتة لطائر الطاووس الذي يعتبره الأيزيديون كبير ملائكتهم، ولا يجوز للزائر أن يطأ عتبة الباب إنما عليه أن يعبر فوقها لأن وضع القدم على أبواب المزارات "حرام" باعتبار أنها الحد الفاصل بين الحياة الدينية والدنيوية.

يُجاور المعبد عدداً من المزارات مثل مزار "الشيخ عُدي" و"الشيخ شمس" وغيرها. ووفقاً لكتاب "اليزيديون: واقعهم، تاريخهم، معتقداتهم"، فإنه خلال حكم السُلطان العثماني عبدالحميد الثاني، تحوّلت زاوية الشيخ عُدي إلى مدرسة إسلامية بالقوة العسكرية لمدة 12 عاماً ثم أعيدت لأصحابها الأيزديين مرة أخرى.

تؤرخ الذاكرة الجمعية للأيزيديين لـ 74 حالة قتل جماعي.
"الإبادة الجماعة" وتأسيس الهوية الأيزيدية المعاصرة
تشكل "الإبادة الجماعية حدثاً تأسيساً للهوية الأيزيدية المعاصرة"، بشكل يطابق وصف الهولوكوست بـ "الماضي التأسيس للهوية اليهودية"، هذا ما يقوله كتاب جديد صدر بالتزامن مع الذكرى الثامنة على الإبادة الجماعية التي ارتكبتها تنظيم داعش ضد الأقلية الأيزيدية، تعرض أكثر على ما ورد في الكتاب.

كيف يحتفل الأيزيديون؟

حسبما ذكر سهيل قاشا في كتابه "مذهب اليزيدية"، فإن الزائر إلى منطrة لالش محظور عليه اصطياد الطيور أو قطع الأشجار أو إيذاء أي مخلوق في هذا المكان المقدس، إذ يتعيّن على الزائر التفرّغ فقط لمتابعة الطقوس والمشاركة فيها.

يتضمّن عيد جما (أي الجماعية باللغة الكردية) طقوساً شديدة القدم تتضمّن ذبح ثور وطبخ طعامه وتوزيعه على المحتفلين، ثم يبدأ الكرديون في إلقاء الأناشيد والتراتيل داخل معبد لالش.

وأيضاً تشمل الطقوس بعض رقصات الدبكة ويردّدون نصوصهم المقدّسة خلف رجال الدين متزامنة مع عزف موسيقى الناي والدفّ، ثم يتوجّهون بالزيارة إلى ضريح عدي بن مسافر أحد أبرز الشخصيات في التاريخ الأيزيدي.

وللأيزيديين 7 احتفالات رئيسية سنوياً، هي: سرسال، وروژين ئێزي، وجما، وچلێ هافين، وچلێ زستان، وبيلنده، وخضر إلياس.

بعض هذه الأعياد عكست شغفهم العميق بالطبيعة، فعيد "سري سال" يعني (الأربعاء الأحمر) ويُحتفل خلاله بخصوبة الأرض وتجدّد الطبيعة والأشجار، أما عيدهم المقدس الأكبر فهو "جما" أو "جمايا شيخادي" ويحتفلون فيه ببداية الخريف والاستعداد للانتقال إلى الشتاء وأمطاره الغزيرة التي تُنبت الأشجار والنباتات.

جانب من جبل سنجار الذي كان ملجأ آلاف الأيزديين بعد هروبهم من تنظيم داعش عام 2014- ارفع صوتك
ملجأ الأيزيدي ورفيق روحه على مرّ الزمان.. هذه حكاية جبل سنجار
يعتبر اتباع الديانة الأيزيدية جبل سنجار، الذي يقع شمال مركز مدينة سنجار غرب الموصل، رمزا للقوة في مواجهة أعدائهم وملجأ يلجؤون له أثناء تعرضهم لحملات الإبادة الجماعية عبر التاريخ، ومركزا دينيا واجتماعيا مهماً، في أوقات الشدة والفرج.

سنجار: الحاضرة الغائبة

يأتي هذا العيد في ظل ظروف صعبة عاشها الأيزيدون خلال السنوات الفائتة أهمها ظهور تنظيم داعش الذي ارتكب إبادة جماعية بحق الأيزيديين، تضمنت القتل والخطف والاغتصاب والمتاجرة بالنساء وغيرها من انتهاكات إنسانية.

هذه المعاناة كانت حاضرة في خطاب نيجيرفان بارزاني، بعدما أكّد في تدوينة "التهنئة بالعيد" أن قوات بلاده الأمنية لا تزال تعمل "لتحرير المختطفين الأيزديين".

أيضاً حتى الآن لم يعد أغلب النازحين عن مدينة سنجار وقضائها، واستمرّوا بالعيش في المخيمات التي لا توفّر الحد الأدنى من سُبُل المعيشة الإنسانية.

وعلى الرغم من تعهُّد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بتخصيص 28 مليار دينار عراقي لإعادة إعمار المدينة، إلا أن خلافات حكومة بغداد مع نظيرتها في كردستان حول أحقية إدارة المدينة عطّلت تفعيل هذا التمويل وجمدت عمليات الإعمار.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

إيزيدي عراقي بقرب توابيت لضحايا من أبناء شعبه وجدت جثامينهم في مقبرة جماعية
إيزيدي عراقي بقرب توابيت لضحايا من أبناء شعبه وجدت جثامينهم في مقبرة جماعية- أرشيفية

مازال ملف المقابر الجماعية التي تضم رفات ضحايا العنف المتعاقب في العراق أحد أكثر الملفات تعقيدا، إثر ما يشهده من تراكمات العقود الماضية وضعف الإمكانيات المحلية لفتح المقابر والتعرف على هويات الضحايا.

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش الدولية المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، الثلاثاء، إن جثث مئات الآلاف من ضحايا القتل غير القانوني لا تزال مدفونة في مقابر جماعية في جميع أنحاء العراق.

تضم هذه المقابر جثث ضحايا النزاعات المتعاقبة، بما في ذلك الإبادة الجماعية التي ارتكبها صدام حسين ضد الأكراد عام 1988 وعمليات القتل الجماعي التي ارتكبها تنظيم داعش بين 2014 و2017.

وقالت سارة صنبر، باحثة العراق في هيومن رايتس ووتش: "المقابر الجماعية هي تذكير مؤلم بأكثر فصول التاريخ العراقي عنفا، وفتحها أمر بالغ الأهمية للسماح لأُسر الضحايا، والبلاد بأكملها، بالحصول على أي أمل في العدالة والتعافي من هذه الجروح. يحق للناس معرفة مصير أحبائهم ومنحهم دفنا لائقا وكريما".

وأشار تقرير المنظمة الدولية الى أن فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب داعش (يونيتاد)، الذي أنشأه مجلس الأمن الدولي عام 2017 لتوثيق الجرائم الخطيرة التي ارتكبها التنظيم في العراق، قدم خلال السنوات الماضية الدعم لـ"دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية" و"دائرة الطب العدلي" التابعتين للحكومة العراقية في فتح 67 مقبرة جماعية مرتبطة بداعش.

لكن مع اقتراب انتهاء مهمة فريق "يونيتاد" في سبتمبر المقبل تزداد المخاوف من عدم تمكن العراق من سد الفجوة التي سيخلفها الفريق الدولي وسط وجود المئات من المقابر الجماعية في غالبية مناطق البلاد.

وتشير إحصائيات المنظمة الأيزيدية للتوثيق إلى وجود 89 مقبرة جماعية في قضاء سنجار وحده خلفها تنظيم داعش، لم يفتح منها سوى 47 مقبرة حتى الآن، ولم يتم التعرف بعد على هويات غالبية الضحايا داخل المقابر المفتوحة.

ويقول مدير عام دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية ضياء كريم طعمة لـ"هيومن رايتس ووتش": "بالطبع، سيكون هناك فراغ عندما يغادر يونيتاد، لكن الحكومة العراقية أصدرت قرارها بأن ولاية الفريق قد انتهت، لذلك يجب أن يكون لدينا خطة بديلة".

ووفق طعمة، يعتبر مختبر تحليل الحمض النووي، التابع لدائرة الطب العدلي في بغداد، مختبر الحمض النووي الوحيد الذي يمتلكه العراق وهو المرخص فقط بإجراء التعرف على الحمض النووي للرفات المستخرجة من المقابر الجماعية.

وضمن استعدادات المغادرة، قدمت يونيتاد الدعم لمختبر تحليل الحمض النووي التابع لدائرة الطب العدلي للحصول على اعتماد ISO / IEC 17025 من "المنظمة الدولية لتوحيد المقاييس" (أيزو) كي تكون النتائج التي يتوصل إليها المختبر معترفا بها دوليا، مما يسمح بقبول نتائجه كدليل في المحاكم على مستوى العالم.

ورغم الوعود الحكومية بالإسراع بعمليات التنقيب وفتح المقابر الجماعية، مازال الانتظار سيد الموقف بالنسبة لذوي الضحايا الذين يسعون إلى معرفة مصير ذويهم منذ سنوات، معتبرين آليات التعامل مع المقابر الجماعية بطيئة.

أبو سعد، نازح ايزيدي من سنجار يعيش منذ 9 أعوام في أحد مخيمات النازحين في محافظة دهوك بإقليم كردستان العراق، تعرض أكثر من 77 فردا من عائلته للاختطاف من قبل داعش عند سيطرته على سنجار في أغسطس 2014، نجا منهم حتى الآن 37 فردا لكن 40 آخرين منهم ما زالوا مفقودين.

يترقب أبو سعد أخبار اكتشاف المقابر وفتحها بفارغ الصبر منذ سنوات، لكنه حتى الآن لم يجد رفات أي من ذويه المفقودين من بين الرفات التي انتشلت من المقابر الجماعية.

يقول أبو سعد لـ"ارفع صوتك": "الحكومة مقصرة جدا مع ملف المقابر الجماعية وفتحها والكشف عن هويات الضحايا، ومع الضحايا وذويهم. قدمتُ طلبا للقاء المسؤولين في الحكومة والجهات المعنية لإيصال معاناتنا لهم، لكن دون جدوى".

وبحسب إحصائيات حصل عليها "ارفع صوتك" من دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية، توجد ما يقارب 150 مقبرة جماعية غير مفتوحة في العراق، فيما بلغ عدد المقابر المفتوحة حتى الآن أكثر من 288 مقبرة، منها المقابر الجماعية التي ارتكبها تنظيم داعش والمقابر الجماعية التي ارتكبها نظام صدام حسين.

ويقدر المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق أن المقابر الجماعية تضم رفات 400 ألف شخص.

ووفقا المركز أيضا يمتلك العراقأحد إعلى معدلات المفقودين  في العالم، ويقدر عددهم ما بين 250 ألف ومليون شخص، ويُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.

ويرى الحقوقي والناشط التركماني، جعفر التلعفري، أن قلة المختصين في مجال التعامل مع المقابر الجماعية هي أبرز ما يعاني منه العراق.

ويضيف التلعفري لـ"ارفع صوتك":  "نأمل أن تكون إجراءات التعامل مع المقابر الجماعية أسرع، لأن ذوي الضحايا يشعرون بعدم الجدية والاهتمام من قبل الحكومة في هذا الملف، لا سيما الضحايا التركمان، فهناك 1200 مختطف تركماني من تلعفر ما زال مصيرهم مجهولا."

ولا تصدر الجهات الحكومية شهادة وفاة للضحية في المقابر الجماعية المكتشفة حتى إذا تعرف ذووه عليه سواء من ملابسه أو مقتنياته، الا بعد إثبات هويته من خلال اختبار الحمض النووي، وهو إجراء يتأخر كثيرا. ولا تستطيع أسرة الضحية المطالبة بمزايا التقاعد أو أي دعم حكومي آخر دون تقديمها شهادة الوفاة.