الرئيس اللبناني السابق ميشيل عون.
الرئيس اللبناني السابق ميشيل عون.

اشترط الفقهاء المسلمون القدامى اعتناق الإسلام للوصول لتولي منصب رئاسة الدولة (منصب الخليفة حينها). واعتمدوا في ذلك على عدد كبير من النصوص المتواترة والآثار المرفوعة إلى النبي والصحابة. في العصر الحديث، اختلف الوضع كثيرا بعد أن تم تأسيس الدول الوطنية الحديثة، وبعد أن تم اعتماد مبدأ المواطنة. نظمت دساتير تلك الدول الإجراءات الواجب اتباعها للترشح لمنصب رئيس الجمهورية. رغم ذلك، بقي شرط الإسلام قائماً في العديد من الدساتير المعمول بها في الدول العربية.

 

العراق

 

يشهد العراق تنوعاً دينياً كبيراً على أرضه. تعيش في بلاد الرافدين أغلبية مسلمة، شيعة وسنة- بالإضافة إلى أقليات مثل المسيحيين بكافة طوائفهم، والمندائيين، والأيزيديين، والبهائيين، وغيرهم.

عمل العراقيون بعد سقوط نظام صدام حسين في سنة 2003م على تقسيم السلطة في بلاد الرافدين بشكل يسمح بتمثيل كل مكون من المكونات الثلاثة الكبرى، وهي الأكراد، والسنة، والشيعة على الترتيب. بناء على ذلك، نص العرف السياسي المتبع منذ إجراء أول انتخابات برلمانية في 2005 على أن منصب رئاسة الجمهورية من حصة المكون الكردي بالبلاد، ورئاسة البرلمان من حصة السنة، ورئاسة الحكومة من حصة الشيعة.

من العراق إلى السودان.. عربيات ترشحن لمنصب الرئاسة
العديد من النساء العربيات أعلنّ عن ترشحهن في الانتخابات الرئاسية في بلادهن في السنوات السابقة. تمكن بعض منهن من استكمال متطلبات الترشيح. وادرجت أسماؤهن في القوائم الانتخابية النهائية. بينما فشل بعضهن الآخر في الوصول لتلك المرحلة.

لم يحدد الدستور العراقي ديناً معيناً للمرشحين للمنصب الرئاسي، بينما نصت المادة 68 من الدستور على بعض الشروط الإجرائية المُتعارف عليها مثل الحصول على الجنسية العراقية، وبلوغ 40 سنة، وأن يكون المُرشح معروفاً بالسمعة الحسنة. بناء على ذلك، فلا يوجد أي مانع قانوني لترشيح أي شخص يعتنق دينا غير الدين الإسلامي. الأمر الذي قد يتم تنفيذه على أرض الواقع إذا ما حصل أي كردي أيزيدي أو زرادشتي أو مسيحي على دعم مستقبلي للترشح لمنصب رئيس الجمهورية.

 

سوريا

 

تتعدد المكونات الدينية والمذهبية في المجتمع السوري. ويمكن تقسيمها إلى مكونين رئيسين وهما المكون الإسلامي، مثل السنة والعلويين والدروز والإسماعيليين والشيعة الاثني عشرية والمرشيديين، والمكون المسيحي الذي يتوزع على إحدى عشرة كنيسة مختلفة، فضلاً عن بعض المكونات الفرعية مثل اليهود والأيزيديين.

على الصعيد القانوني، نصت المادة الثالثة من الدستور السوري الصادر سنة 2012م على أن "دين رئيس الجمهورية الإسلام". في المقابل، تجاهل المُشرّع السوري شرط اعتناق الإسلام بشكل كامل في نص قانون الانتخابات العامة لسنة 2014م. والذي جاء فيه في المادة 30 أن المرشح لرئاسة الجمهورية يجب أن يكون في "الأربعين من عمره في بداية العام الذي يجري فيه الانتخاب، ومتمتعاً بالجنسية السورية بالولادة من أبوين متمتعين بتلك الجنسية بالولادة، وألا يحمل جنسية أخرى أو يكون متزوجاً من غير سورية، وكذلك مقيماً لمدة عشر سنوات متواصلة في البلاد".

في مايو سنة 2014م، أعلن محمد جهاد اللحام، رئيس مجلس الشعب السوري، عن تلقي المجلس إشعاراً من المحكمة الدستورية العليا بتقديم سميح ميخائيل موسى طلباً للترشح لمنصب رئيس الجمهورية في الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في يونيو من السنة نفسها. وبذلك أضحى موسى أول مرشح مسيحي في الانتخابات الرئاسية السورية.

 

مصر

 

تعيش في مصر أغلبية مسلمة بالإضافة إلى أقلية مسيحية كبيرة، وعدد قليل من البهائيين واليهود. بشكل عام، أكدت المادة الثانية من الدستور المصري الصادر في سنة 2014م على أهمية البعد الديني الإسلامي للدولة. جاء فيها: "الإسلام دين الدولة... ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع". على الرغم من ذلك، لم ينص الدستور على دين المُرشح لمنصب رئيس الجمهورية. الأمر الذي سمح -نظرياً على الأقل- بترشح بعض الشخصيات القبطية.

على سبيل المثال، في سنة 2009م، أعلن المحامي القبطي ممدوح رمزي عزمه على الترشح للانتخابات الرئاسية التي كان من المُفترض أن تجري في سنة 2011. وقال رمزي وقتها إن "الدستور المصري لم يمنع الأقباط من الترشح لرئاسة الجمهورية، وأنا سأترشح لهذا المنصب لتحريك الملف القبطي، والحصول على حقوقهم المشروعة، لأن حقوق الأقباط لن تأتي عبر الإضرابات والصدامات، بل عبر التفاوض".

في أكتوبر سنة 2011، وبعد اندلاع ثورة يناير، أعلن عادل فخري دانيال، وكيل مؤسسي حزب الاستقامة، أن المجلس الأعلى للحزب اختاره للترشح في انتخابات رئاسة الجمهورية. وأكد دانيال وقتها أن ترشحه للرئاسة "ينبع من إحساسه بالمعاناة اليومية التي بات المواطن المصري غارقاً فيها. وأوضح أنّ برنامجه يعتمد على محورين أساسيين، هما القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم، وبذل كل الجهود لتحقيق العدالة الاجتماعية". بعدها، أعلن دانيال تراجعه عن خطوة الترشح.

 

لبنان

 

تتعدد الطوائف الدينية والمذهبية في لبنان. ويمكن القول إن اللبنانيين بشكل عام مقسمون بين كتلتين رئيستين. الكتلة الأولى وهي كتلة الإسلامية، شيعة كانوا أم سنة، والكتلة الثانية، وهي الكتلة المسيحية التي يتوزع أتباعها على مجموعة من الكنائس المختلفة.

يُعدّ لبنان البلد الوحيد بين الدول العربية الذي يتولى رئاسته مسيحيون بحكم عرف  دستوري غير مكتوب، منذ "الميثاق الوطني" عام 1943 الذي نظم صيغة تقاسم السلطة في البلاد. ورغم أن اتفاق الطائف، عام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، وضع إلغاء الطائفیة السیاسیة "هدفا وطنيا"، إلا أنه لم يستطع تجاوز نظام المحاصصة في تقاسم السلطة. وما تزال هذه المحاصصة تحكم البلاد إلى اليوم.

 

الدول المغاربية

 

تعتنق الأغلبية الغالبة من الشعب الجزائري الدين الإسلامي وفق المذهب السني. ينص الدستور الجزائري بوضوح على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة. وفي هذا السياق، تم التنصيص بوضوح على شرط اعتناق الدين الإسلامي لكل فرد يرغب في الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية. جاء في المادة رقم 87 من الدستور أنه "لا يحقّ أن يُنتخَب لرئاسة الجمهوريّة إلاّ المترشّح الّذي: لم يتجنس بجنسية أجنبية، ويتمتع بالجنسية الجزائرية الأصلية فقط...ويدين بالإسلام".

نلاحظ التوجه نفسه في ليبيا. نص الدستور الليبي الصادر في سنة 2016م على الهوية الإسلامية للدولة. وعلى أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع. اتساقاً مع ذلك نصت المادة 111 من الدستور على أن اعتناق الدين الإسلامي شرط لازم لصحة الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية. لم يكتف المشرع الليبي بذلك فحسب، بل نص كذلك على ضرورة أن يكون المُرشح مولوداً لأبوين مسلمين.

الأمر نفسه يظهر في المدونات القانونية التونسية. جاء في الفصل الثاني من الدستور التونسي الصادر سنة 2014م أن تونس دولة مدنية تقوم على أساس المواطنة. رغم ذلك أكد الفصل رقم 74 من الدستور على أن اعتناق الدين الإسلامي شرط يجب أن يتوافر في كل تونسي يريد أن يترشح لمنصب رئاسة الجمهورية.

 

السودان

 

يعتنق 96% من السودانيين الدين الإسلامي، في حين تعتنق أقلية الدين المسيحي. وتتوزع على مجموعة كبيرة من الكنائس. منها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والإثيوبية والأرمنية، فضلاً عن الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية والإنجيلية.

على الصعيد القانوني، حددت المادة رقم 53 من الدستور السوداني الصادر في سنة 2005 الشروط الواجب توافرها في أي مرشح لمنصب رئاسة الجمهورية. لم يتم النص على الدين. وتم الاكتفاء بالشروط الإجرائية المُتعارف عليها كالجنسية السودانية، والإلمام بالقراءة والكتابة، فضلاً عن بلوغ السن القانونية للترشح. بناء على ذلك، لا يوجد أي مانع قانوني لترشح غير المسلم لهذا المنصب. الأمر الذي أشار له حسن الترابي، الأمين العام السابق لحزب المؤتمر الشعبي السوداني عندما قال: "إذا كان هناك مرشح مسيحي نزيه وقادر على مقاومة التأثير الفاسد للمنصب الحكومي، وكان نزيهاً ولن يستخدم نفوذه ضد الآخرين، سأنتخبه".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يتراوح عدد الأكراد وفقاً لعديد المصادر بين 25 و35 مليون نسمة.
رسمت اتفاقيات عديدة تاريخ الأكراد الحديث وساهمت في تحديد مستقبلهم- تعبيرية

منذ عقود سبّبت "المسألة الكردية" صداعاً كبيراً في رؤوس الكثير من حكام بلاد الشرق الأوسط بسبب تعقد حلّها، ورفض كثيرين منهم حقّ الشعب الكردي في تقرير مصيره، في ظل إصرار الأكراد على إقامة دولةٍ مستقلة، تكون وطناً قومياً لهم. وهو مطلب ظلّ يواجه برفض من معظم الدول التي تتقاطع مع "المسألة الكردية".

بين التعهد بإيجاد وطن قومي لهم وبين تعاون دول عدة، رغم تناقضاتها، لمنع الأكراد من إقامة هذا الوطن مهما كان الثمن، تعددت الاتفاقيات الدولية التي أبرمتها الدول المعنية بـ"المسألة الكردية"، ورسمت هذه الاتفاقات جزءاً كبيراً من تاريخ الأكراد، الذي لعب دوراً أساسياً في تشكيل الحاضر الذي يعيشونه في هذه الأيام.

 

سيفر (أغسطس 1920)

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى كانت الفرصة تبدو مؤاتية تماماً لإعادة تشكيل العالم من جديد وفق هوى القوى المنتصرة التي وقّعت مع أنقرة اتفاقية هدنة "مودروس" في أكتوبر 1918 التي أخضعت مساحات كبيرة من الأراضي التركية لسيطرة بريطانيا وفرنسا وإيطاليا كما سُمح لليونان باحتلال إزمير وضواحيها.

تضمّنت بنود الاتفاقية السماح بتأسيس دولة أرمينية في أرضروم وأردهان وإقامة منطقة حُكم ذاتي للأكراد في تركيا في مناطق شرق الفرات جنوب الدولة الأرمينية الموعودة.

بحسب بحث "الدبلوماسية الكمالية ودورها في إلغاء معاهدة سيفر" لهزبر شالوخ، أحدثت هذه المعاهدة دوياً كبيراً في تركيا بعدما اعتُبرت بنودها إهانة للشعب التركي فاندلعت حركة معارضة عسكرية بقيادة مصطفى أتاتورك الذي خاض اشتباكات عسكرية مع القوى الأوروبية انتهت بإقرار اتفاقيات ثنائية أسقطت معاهدة سيفر، وأفسحت المجال لكتابة اتفاقية أخرى أكثر قبولاً للأتراك.

 

لوزان (يوليو 1923)

في 1932 أعادت تركيا التفاوض مع بريطانيا وفرنسا واجتمعتا في لوزان بسويسرا حتى تم التوصل إلى اتفاقية اعتنت بتنظيم الأوضاع في الأناضول خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وتعتبر هذه الاتفاقية بمثابة وثيقة تأسيسية للجمهورية الجديدة.

خلال هذا الاتفاق تنازلت تركيا عن "السيادة العثمانية" على مصر والسودان وتعهدت باحترام حقوق الأقليات في منطقة الأناضول مع إسقاط أحقية أيٍّ منهم في الاستقلال وإقامة دولة منفصلة عنها.

وفقاً لما ذكرته شيماء صبحي في دراستها "التحدي الكردي للعراق"، فإن هذه المعاهدة قضت على طموحات الأكراد بإقامة دولة بعدما ألغت نصوص معاهدة سيفر، وبسببها بقيت مشكلة الأكراد دون حل طيلة فترة الانتداب البريطاني على العراق.

بحسب البحث فإن ثورة العشرين شهدت تلاحماً بين الثوار الأكراد في الشمال بالعرب في الوسط والجنوب ضد المحتل الإنجليزي. بعد نهاية فترة الانتداب أصبحت عقيدة الأكراد هي العمل المسلح ضد النظام الملكي العراقي، ومع الإطاحة به إثر انقلاب يوليو 1958 على يدي عبدالكريم قاسم، اعتقدوا أن حُكمه سيكون بداية لنشأة الدولة الكردية المستقلة، وعندما لم يتحقق ذلك، اشتعلت ضده ثورة كردية في العام 1961.

سعد آباد (يوليو 1937)

في 1937 وُقعت اتفاقية "سعد آباد" بين إيران وتركيا والعراق وأفغانستان في ظل أجواء ساخنة اجتاحت العالم في ظِل تنامي دور ألمانيا النازية في أوروبا وإيطاليا الفاشية في أفريقيا عقب احتلال الحبشة فضلاً عن تزايد النفوذ السوفياتي في المنطقة.

سعت هذه الدول إلى توقيع ما عُرف بـ"الميثاق الشرقي" لتكوين كتلة قوية من الدول المتجاورة في هذه المنطقة الساخنة من العالم لتعميق أشكال العلاقات والتعاون بينها حتى تتمكن من مواجهة التحديات المفروضة عليها.

تضّمنت بنود هذه الاتفاقية ترسيماً للحدود بين الدول الموقّعة عليها وإخضاعها لرقابة مُحكمة، وفيها وافقت إيران على إخضاع أغلب مساحة "شط العرب" للسيادة العراقية.

ألقت هذه الاتفاقية بظلالٍ سلبية على الحركة الكردية بعدما تعهّدت المادة الثانية منها بحماية "الحدود المشتركة" والتصدي لأي ترتيب غايته "الإخلال بالنظام والأمن العامين"، وهو ما يعني رغبة واضحة من الدول الموقّعة في الحفاظ على الأوضاع كما هي، وعدم السماح للأكراد بتأسيس دولتهم القومية.

يقول عصام عبد الرضا في بحثه "ميثاق سعد آباد عام 1937 وموقف أكراد تركيا منه"، إن أكراد تركيا "اعتبروا توقيع هذا الميثاق مؤامرة موجهة ضدهم لأن حكومة عصمت إينونو، وبعدما فشلت في القضاء على حركتهم لجأت إلى هذه الاتفاقية لمنع انتقالهم من دولة إلى أخرى والتنسيق على محاربتهم مع دول المنطقة".

وبحسب البحث فإن المدن الكردية في تركيا شهدت تظاهرات عنيفة تنديداً بهذه الاتفاقية واعتبرها الأكراد مصممة خصيصاً للقضاء عليهم.

مع اتساع حركة الاحتجاجات تدخّل الجنرال التركي عبدالله ألب دوغان بقواته ونفذ حملاتٍ عسكرية متعددة لقمع التجمعات التركية المناهضة للاتفاقية.

كذلك أرسل الأكراد وفوداً إلى ألمانيا وبريطانيا ومصر والاتحاد السوفياتي لتسليم دبلوماسييها مذكرة احتجاج ضد هذه الاتفاقية، كما سافر بعض ممثلي الأكراد إلى جنيف حيث التقوا ببعض مسؤولي عصبة الأمم لشرح أبعاد الأزمة.

أما في العراق فلقد اعتبر الأكراد أن بكر صدقي، رئيس أركان الجيش والرجل الأقوى في البلاد وقتها إثر حركته التي أزاح بها حكومة ياسين الهاشمي من الحُكم، قد أضرّ بالقضية الكردية بتوقيعه هذه الاتفاقية، رغم أصول صدقي الكردية من ناحية والدته.

اشترك الضابطان الكرديان عبدالعزيز ياملكي ومحمد خورشيد في عملية اغتيال صدقي في مطار الموصل بسبب رغبتهما في إنهاء حُكمه الديكتاتوري.

قوات سوريا الديقراطية في مدرعات أميركية تبحث عن خلايا داعش في الحسكة بعد الهجوم الأخير على السجن
"روج آفا".. منطقة الحكم الذاتي الكردية يحاصرها صراع لا ينتهي
بعد فترة وجيزة من بدء الحرب الأهلية السورية قبل 10 سنوات، أعلنت الأقلية الكردية التي تهيمن على شمال شرق البلاد عن منطقة حكم ذاتي، لكن منذ ذلك الحين، غرق الأكراد في حرب لا نهاية لها، خاضعة لأهواء جيرانهم الأقوياء، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

من 1970 إلى 1975: "الحكم الذاتي" ثم الحرب

في 1968 تسلّم البعثيون السُلطة في العراق إثر انقلاب عسكري أطاحوا فيه بحُكم الرئيس عبدالرحمن عارف. كانت المشكلة الكردية واحدة من أبرز القضايا التي حاول حُكام بغداد الجُدد حلّها.

وفي 1970 جرى توقيع اتفاقية مع الملا مصطفى البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني وافقت فيه بغداد على منح الأكراد حُكماً ذاتياً، رغم ذلك  فإن هذه الاتفاقية لم تؤدِّ إلى تحسين العلاقة بين الطرفين بسبب احتدام الخلاف على مصير مدينة كركوك ذات الاحتياطيات النفطية الكبيرة.

إثر تعقّد المفاوضات بين الجانبين قررت بغداد إصدار قانون الحُكم الذاتي من جانبٍ واحد في 1974 الذي أبقى كثيراً من الهيئات الكردية خاضعة لسيطرة نظيراتها في بغداد. رفض مصطفى البارزاني هذا القانون وفي العام نفسه تجدّدت المعارك مع بغداد.

بسبب الدعم الكبير الذي منحته إيران للقوات الكردية تكبّدت بغداد كثيراً من الخسائر في المعدات والأرواح وباتت أقرب ما تكون لخسارة المعركة، فلجأت إلى محاولة سدِّ هذه الثغرة فأبرم صدام حسين -حينها كان لا يزال نائباً للرئيس- اتفاقية الجزائر مع طهران التي وافق فيها على تقاسم السيادة على "شط العرب" مع إيران مقابل تعهدها بوضع حدٍّ لـ"أعمال التخريب"، في إشارة واضحة إلى الحركة الكردية المسلحة.

بحسب بحث "انعكاس اتفاقية الجزائر 1975 على الحركة الكردية المسلحة في إيران" للباحث ناظم معتوق، فإن الأكراد اعتبروا هذه الاتفاقية "خيانة" لهم بسبب إيقاف إيران دعمها العسكري للكرد ما وضعهم في موقفٍ حرج أمام استمرار هجمات القوات العراقية ضدهم. حتى أن البارزاني، بحسب معتوق، استنجد بالولايات المتحدة للتدخل وإنقاذ قواته من الانهيار إلا أن واشنطن اكتفت برسائل شفهية وعدت فيها الأكراد بالضغط على إيران لمنحهم بعض المساعدات.

بسبب هذا الوضع أدرك البارزاني استحالة مواصلة عملياته العسكرية فحاول عقد مفاوضات مباشرة مع الحكومة العراقية إلا أنه لم يلقَ ردوداً إيجابية فاضطر إلى المغادرة إلى إيران بصحبة عشرات الآلاف من جنوده الذين حلّت محلهم قوات عراقية بسطت سيطرتها على المناطق الكردية. البارزاني علّق على هذه التطورات بالقول: "ننتظر أياماً سوداء قاتمة".

 

واشنطن (أيلول 1998)

في 1992 تأسس المؤتمر الوطني العراقي الموحد ليكون جماعة معارضة لنظام صدام حسين. اختار المؤتمر مسعود البارزاني عضواً في المجلس الرئاسي، وهي خطوة أثارت غضب جلال الطالباني رئيس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني.

في هذا الوقت كان الخلاف على أشدّه بين البارزاني والطالباني بسبب قضايا عديدة مثل رسوم المعابر وتوزيع إيرادات النفط وأيضاً بسبب الصراع حول مدينة أربيل الاستراتيجية.

نتيجة لهذه الأسباب جميعاً اشتعلت الحرب الأهلية بين الطرفين ما بين عامي 1994 وحتى 1997 متسببة في تقسيم كردستان بين الحزبين الكبيرين.

سمحت هذه الأوضاع المضطربة لقوى خارجية بالتدخل فقدّمت إيران دعماً للطالباني مكّن قواته من احتلال مدينة أربيل، عندها طلب البرزاني مساعدة من بغداد مكّنته من طرد قوات الطالباني واستعادة أربيل. كانت هذه التطورات، فرصة ذهبية استغلها صدام حسين لإعادة نشر قواته في المنطقة والقضاء على أي تواجد لفصائل المعارضة التي كانت تعتبر الإقليم ملاذها الآمن من بطش النظام العراقي.

مع تفاقم الأمور إلى هذا الحد قرر الرئيس الأميركي بيل كلينتون التدخل ورعَى محادثات بين الطرفين انتهت بتوقيع اتفاقية 1998 التي أنهت الحرب الدائرة بين الطرفين منذ سنوات وحددت كيفية تقاسم الموارد المالية ومنعت بغداد من التدخل في الخلافات بين الفريقين لإعادة تمركزها في كردستان، بحسب دراسة أجراها سعد داخل بعنوان "اتفاقية 17 أيلول عام 1998 ونهاية الصراع الكردي".

لاحقاً وصف الطالباني هذه الاتفاقية بأنها "أغلقت فصلاً حزيناً من تاريخ الشعب الكردي"، أما البارزاني فقال بعد توقيعه عليها "لقد حقّقنا شيئاً مهماً".