الرئيس اللبناني السابق ميشيل عون.
الرئيس اللبناني السابق ميشيل عون.

اشترط الفقهاء المسلمون القدامى اعتناق الإسلام للوصول لتولي منصب رئاسة الدولة (منصب الخليفة حينها). واعتمدوا في ذلك على عدد كبير من النصوص المتواترة والآثار المرفوعة إلى النبي والصحابة. في العصر الحديث، اختلف الوضع كثيرا بعد أن تم تأسيس الدول الوطنية الحديثة، وبعد أن تم اعتماد مبدأ المواطنة. نظمت دساتير تلك الدول الإجراءات الواجب اتباعها للترشح لمنصب رئيس الجمهورية. رغم ذلك، بقي شرط الإسلام قائماً في العديد من الدساتير المعمول بها في الدول العربية.

 

العراق

 

يشهد العراق تنوعاً دينياً كبيراً على أرضه. تعيش في بلاد الرافدين أغلبية مسلمة، شيعة وسنة- بالإضافة إلى أقليات مثل المسيحيين بكافة طوائفهم، والمندائيين، والأيزيديين، والبهائيين، وغيرهم.

عمل العراقيون بعد سقوط نظام صدام حسين في سنة 2003م على تقسيم السلطة في بلاد الرافدين بشكل يسمح بتمثيل كل مكون من المكونات الثلاثة الكبرى، وهي الأكراد، والسنة، والشيعة على الترتيب. بناء على ذلك، نص العرف السياسي المتبع منذ إجراء أول انتخابات برلمانية في 2005 على أن منصب رئاسة الجمهورية من حصة المكون الكردي بالبلاد، ورئاسة البرلمان من حصة السنة، ورئاسة الحكومة من حصة الشيعة.

سيدة كردية عراقية تظهر تصوت في الانتخابات البرلمانية بمدينة السليمانية في 30 سبتمبر 2018.
من العراق إلى السودان.. عربيات ترشحن لمنصب الرئاسة
العديد من النساء العربيات أعلنّ عن ترشحهن في الانتخابات الرئاسية في بلادهن في السنوات السابقة. تمكن بعض منهن من استكمال متطلبات الترشيح. وادرجت أسماؤهن في القوائم الانتخابية النهائية. بينما فشل بعضهن الآخر في الوصول لتلك المرحلة.

لم يحدد الدستور العراقي ديناً معيناً للمرشحين للمنصب الرئاسي، بينما نصت المادة 68 من الدستور على بعض الشروط الإجرائية المُتعارف عليها مثل الحصول على الجنسية العراقية، وبلوغ 40 سنة، وأن يكون المُرشح معروفاً بالسمعة الحسنة. بناء على ذلك، فلا يوجد أي مانع قانوني لترشيح أي شخص يعتنق دينا غير الدين الإسلامي. الأمر الذي قد يتم تنفيذه على أرض الواقع إذا ما حصل أي كردي أيزيدي أو زرادشتي أو مسيحي على دعم مستقبلي للترشح لمنصب رئيس الجمهورية.

 

سوريا

 

تتعدد المكونات الدينية والمذهبية في المجتمع السوري. ويمكن تقسيمها إلى مكونين رئيسين وهما المكون الإسلامي، مثل السنة والعلويين والدروز والإسماعيليين والشيعة الاثني عشرية والمرشيديين، والمكون المسيحي الذي يتوزع على إحدى عشرة كنيسة مختلفة، فضلاً عن بعض المكونات الفرعية مثل اليهود والأيزيديين.

على الصعيد القانوني، نصت المادة الثالثة من الدستور السوري الصادر سنة 2012م على أن "دين رئيس الجمهورية الإسلام". في المقابل، تجاهل المُشرّع السوري شرط اعتناق الإسلام بشكل كامل في نص قانون الانتخابات العامة لسنة 2014م. والذي جاء فيه في المادة 30 أن المرشح لرئاسة الجمهورية يجب أن يكون في "الأربعين من عمره في بداية العام الذي يجري فيه الانتخاب، ومتمتعاً بالجنسية السورية بالولادة من أبوين متمتعين بتلك الجنسية بالولادة، وألا يحمل جنسية أخرى أو يكون متزوجاً من غير سورية، وكذلك مقيماً لمدة عشر سنوات متواصلة في البلاد".

في مايو سنة 2014م، أعلن محمد جهاد اللحام، رئيس مجلس الشعب السوري، عن تلقي المجلس إشعاراً من المحكمة الدستورية العليا بتقديم سميح ميخائيل موسى طلباً للترشح لمنصب رئيس الجمهورية في الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في يونيو من السنة نفسها. وبذلك أضحى موسى أول مرشح مسيحي في الانتخابات الرئاسية السورية.

 

مصر

 

تعيش في مصر أغلبية مسلمة بالإضافة إلى أقلية مسيحية كبيرة، وعدد قليل من البهائيين واليهود. بشكل عام، أكدت المادة الثانية من الدستور المصري الصادر في سنة 2014م على أهمية البعد الديني الإسلامي للدولة. جاء فيها: "الإسلام دين الدولة... ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع". على الرغم من ذلك، لم ينص الدستور على دين المُرشح لمنصب رئيس الجمهورية. الأمر الذي سمح -نظرياً على الأقل- بترشح بعض الشخصيات القبطية.

على سبيل المثال، في سنة 2009م، أعلن المحامي القبطي ممدوح رمزي عزمه على الترشح للانتخابات الرئاسية التي كان من المُفترض أن تجري في سنة 2011. وقال رمزي وقتها إن "الدستور المصري لم يمنع الأقباط من الترشح لرئاسة الجمهورية، وأنا سأترشح لهذا المنصب لتحريك الملف القبطي، والحصول على حقوقهم المشروعة، لأن حقوق الأقباط لن تأتي عبر الإضرابات والصدامات، بل عبر التفاوض".

في أكتوبر سنة 2011، وبعد اندلاع ثورة يناير، أعلن عادل فخري دانيال، وكيل مؤسسي حزب الاستقامة، أن المجلس الأعلى للحزب اختاره للترشح في انتخابات رئاسة الجمهورية. وأكد دانيال وقتها أن ترشحه للرئاسة "ينبع من إحساسه بالمعاناة اليومية التي بات المواطن المصري غارقاً فيها. وأوضح أنّ برنامجه يعتمد على محورين أساسيين، هما القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم، وبذل كل الجهود لتحقيق العدالة الاجتماعية". بعدها، أعلن دانيال تراجعه عن خطوة الترشح.

 

لبنان

 

تتعدد الطوائف الدينية والمذهبية في لبنان. ويمكن القول إن اللبنانيين بشكل عام مقسمون بين كتلتين رئيستين. الكتلة الأولى وهي كتلة الإسلامية، شيعة كانوا أم سنة، والكتلة الثانية، وهي الكتلة المسيحية التي يتوزع أتباعها على مجموعة من الكنائس المختلفة.

يُعدّ لبنان البلد الوحيد بين الدول العربية الذي يتولى رئاسته مسيحيون بحكم عرف  دستوري غير مكتوب، منذ "الميثاق الوطني" عام 1943 الذي نظم صيغة تقاسم السلطة في البلاد. ورغم أن اتفاق الطائف، عام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، وضع إلغاء الطائفیة السیاسیة "هدفا وطنيا"، إلا أنه لم يستطع تجاوز نظام المحاصصة في تقاسم السلطة. وما تزال هذه المحاصصة تحكم البلاد إلى اليوم.

 

الدول المغاربية

 

تعتنق الأغلبية الغالبة من الشعب الجزائري الدين الإسلامي وفق المذهب السني. ينص الدستور الجزائري بوضوح على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة. وفي هذا السياق، تم التنصيص بوضوح على شرط اعتناق الدين الإسلامي لكل فرد يرغب في الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية. جاء في المادة رقم 87 من الدستور أنه "لا يحقّ أن يُنتخَب لرئاسة الجمهوريّة إلاّ المترشّح الّذي: لم يتجنس بجنسية أجنبية، ويتمتع بالجنسية الجزائرية الأصلية فقط...ويدين بالإسلام".

نلاحظ التوجه نفسه في ليبيا. نص الدستور الليبي الصادر في سنة 2016م على الهوية الإسلامية للدولة. وعلى أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع. اتساقاً مع ذلك نصت المادة 111 من الدستور على أن اعتناق الدين الإسلامي شرط لازم لصحة الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية. لم يكتف المشرع الليبي بذلك فحسب، بل نص كذلك على ضرورة أن يكون المُرشح مولوداً لأبوين مسلمين.

الأمر نفسه يظهر في المدونات القانونية التونسية. جاء في الفصل الثاني من الدستور التونسي الصادر سنة 2014م أن تونس دولة مدنية تقوم على أساس المواطنة. رغم ذلك أكد الفصل رقم 74 من الدستور على أن اعتناق الدين الإسلامي شرط يجب أن يتوافر في كل تونسي يريد أن يترشح لمنصب رئاسة الجمهورية.

 

السودان

 

يعتنق 96% من السودانيين الدين الإسلامي، في حين تعتنق أقلية الدين المسيحي. وتتوزع على مجموعة كبيرة من الكنائس. منها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والإثيوبية والأرمنية، فضلاً عن الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية والإنجيلية.

على الصعيد القانوني، حددت المادة رقم 53 من الدستور السوداني الصادر في سنة 2005 الشروط الواجب توافرها في أي مرشح لمنصب رئاسة الجمهورية. لم يتم النص على الدين. وتم الاكتفاء بالشروط الإجرائية المُتعارف عليها كالجنسية السودانية، والإلمام بالقراءة والكتابة، فضلاً عن بلوغ السن القانونية للترشح. بناء على ذلك، لا يوجد أي مانع قانوني لترشح غير المسلم لهذا المنصب. الأمر الذي أشار له حسن الترابي، الأمين العام السابق لحزب المؤتمر الشعبي السوداني عندما قال: "إذا كان هناك مرشح مسيحي نزيه وقادر على مقاومة التأثير الفاسد للمنصب الحكومي، وكان نزيهاً ولن يستخدم نفوذه ضد الآخرين، سأنتخبه".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لتشييع رفات العشرات من الأيزيديين الذين قتلوا على يد داعش- تعبيرية
صورة أرشيفية لتشييع رفات العشرات من الأيزيديين الذين قتلوا على يد داعش- تعبيرية

قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير، الثلاثاء، إن جثث مئات الآلاف من ضحايا القتل غير القانوني لا تزال مدفونة في مقابر جماعية في جميع أنحاء العراق. وتضم جثث ضحايا النزاعات المتعاقبة، بما في ذلك الإبادة الجماعية التي ارتكبها صدام حسين ضد الأكراد عام 1988 وعمليات القتل الجماعي التي ارتكبها تنظيم داعش بين 2014 و2017.

"فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب داعش" (يونيتاد) الذي أنشأه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 2017 لتوثيق الجرائم الخطيرة التي ارتكبها داعش في العراق، دعم "دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية" و"دائرة الطب العدلي" التابعتين للحكومة العراقية في فتح 67 مقبرة جماعية مرتبطة بداعش خلال فترة ولايته.

 لكن، في أواخر 2023 وبناء على طلب الحكومة العراقية، اختار مجلس الأمن تمديد ولاية "يونيتاد" لمدة عام إضافي واحد فقط، ما يعني أنه سيوقف عمله في سبتمبر المقبل.

قالت سارة صنبر، باحثة العراق في هيومن رايتس ووتش: "المقابر الجماعية هي تذكير مؤلم بأكثر فصول التاريخ العراقي عنفاً، وفتحها أمر بالغ الأهمية للسماح لأسر الضحايا، والبلاد بأكملها، بالحصول على أي أمل في العدالة والتعافي من هذه الجروح. يحق للناس معرفة مصير أحبائهم ومنحهم دفنا لائقا وكريما".

يقدر "المركز الإستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص، كما أن عدد المفقودين بين 250 ألف ومليون شخص، ويُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.

فراغ بعد "يونيتاد"

وأضافت المنظمة الحقوقية ومقرها نيويورك الأميركية، أنه ومن أجل تعزيز العدالة والمساءلة للضحايا وأسرهم "ينبغي للحكومة العراقية تكثيف الجهود لاستخراج الجثث من القبور وتحديد هوية الضحايا وإعادة الرفات إلى الأسر لدفنها بشكل لائق وإصدار شهادات الوفاة وتعويض الأسر، كما يقتضي القانون العراقي".

من جهته، قال ضياء كريم طعمة، وهو مدير عام دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية التابعة للحكومة الاتحادية العراقية، إن "المسؤولين فتحوا 288 مقبرة جماعية منذ عام 2003" مضيفا "ما دمنا لا نملك سجلا وطنيا موحدا، لا وسيلة لنا لمعرفة عدد المدفونين في المقابر الجماعية".

بين 2017 و2023، ساعد "يونيتاد" السلطات العراقية في استخراج 1,237 جثة لضحايا مجزرة سبايكر، حيث قتل تنظيم داعش 1,700 جندي وطالب عسكري ومتطوع فرّوا من أكاديمية تكريت الجوية بين 12 و14 يونيو 2014، من 14 قبرا ومسرحَيْن للجريمة على ضفاف النهر. 

يجد تقرير يونيتاد الصادر في يونيو 2024 أسبابا معقولة للاعتقاد بأن المجزرة ارتُكبت بقصد الإبادة الجماعية، ما يرقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

مؤخرا، في 28 مايو 2024، أعلنت السلطات العراقية و"يونيتاد" أنهما بدأتا في فتح حفرة "علو عنتر"، وهي مقبرة جماعية في قضاء تلعفر، تقع على بعد حوالي 60 كيلومتر غرب الموصل، يُعتقد أنها تحتوي على جثث أكثر من ألف شخص، حيث استخدمها التنظيم الإرهابي بين 2014 و2017، لإلقاء جثث ضحاياه بعد عمليات إعدام جماعية قربها.

مع اقتراب إنهاء "يونيتاد" عملياتها في العراق المرتقب سبتمبر المقبل، هناك مخاوف من ألا تسدّ السلطات العراقية الفجوة التي سيخلفها الفريق الأُممي.

علّق ضياء طعمة على ذلك قائلاً "بالطبع، سيكون هناك فراغ عندما يغادرون (يونيتاد)، لكن الحكومة العراقية أصدرت قرارها بأن ولاية الفريق قد انتهت، لذلك يجب أن تكون لدينا خطة بديلة".

صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس
"علو عنتر".. حفرة في الأرض ونَدبة في الذاكرة العراقية
من على علو مرتفع يبدو منظر الشق الجيولوجي "علو عنتر" قرب تلعفر شمال غرب العراق فريدا ومثيرا لفضول الاستكشاف، ويضفي على المكان مهابة وسحرا.
كان ذلك قبل أن يحوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية ضمت رفات مئات الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، ليتحول بذلك إلى واحدة من أسوء وأعمق الندوب التي خلفها التنظيم الإرهابي في جسد العراق.

أهالي الضحايا

العبء الضخم الناجم عن تراكم الحالات إلى جانب محدودية قدرة الحكومة العراقية يعني أن العملية بطيئة للغاية بالنسبة لأسر الضحايا.

عُثر على رفات والد أحد الرجال وشقيقه واثنين من أعمامه في مقبرة جماعية اكتشفها أحد الرعاة في الصباحية بقضاء سنجار في أكتوبر 2017. بعد عامين، استُخرجت الرفات وأرسلت إلى بغداد لتحديد هوياتها. قال الرجل لمنظمة هيومن رايتس ووتش "مرت خمس سنوات وحتى الآن لم نتلق أي أخبار من دائرة الطب العدلي. لا نعرف السبب".

وأضاف الرجل (لم تذكر اسمه) أنه "غير قادر على الحصول على شهادات وفاة لأقاربه حتى يتم التعرف على رفاتهم" مردفاً "دون شهادات الوفاة، لا تستطيع أسرتي التقدم بطلب للحصول على تعويضات تُدفع لأسر ضحايا الإرهاب بموجب القانون (رقم 20 لسنة 2009).

أوضح طعمة "العراق يمتلك مختبرا واحدا فقط مرخصا له بإجراء التعرف على الحمض النووي للرفات المستخرجة من المقابر الجماعية، وهو مختبر تحليل الحمض النووي التابع لدائرة الطب العدلي في بغداد".

استعدادا للمغادرة، دعم "يونيتاد" مختبر تحليل الحمض النووي التابع لدائرة الطب العدلي للحصول على اعتماد من "المنظمة الدولية لتوحيد المقاييس" (أيزو). 

يعني الاعتماد أن النتائج التي يتوصل إليها المختبر في بغداد ستنال الاعتراف الدولي، مما يسمح بقبول نتائجه كدليل في المحاكم على مستوى العالم.

في السياق، قال خبات عبد الله، المستشار في وزارة "شؤون الشهداء والمؤنفلين" في حكومة إقليم كردستان،  إن إدارة الطب الشرعي الجنائي التابعة لوزارة داخلية إقليم كردستان تُدير مختبراً لديه القدرة على التعرّف على الحمض النووي لرفات 5 إلى 7 جثث يومياً، لكن بموجب "قانون شؤون المقابر الجماعية رقم 5 لسنة 2006"، فإن المختبر الموجود في بغداد فقط هو المخوّل بتحليل عينات الحمض النووي المأخوذة من المقابر الجماعية.

قال صباح صبري، الذي قُتل والده وعمه على يد داعش في 2014 وألقيا في مقبرة جماعية في خانصور، لـ "هيومن رايتس ووتش: "تعرفت على والدي من ملابسه. كما تعرف جاري على والده لأنه كان يحمل أدويته ومفاتيح المنزل معه".

أخذ المسؤولون الأكراد عينات من الحمض النووي من صباح وأفراد آخرين من المجتمع لتأكيد هويات أولئك الموجودين في القبر، وتلقى صباح في وقت لاحق تأكيدا رسميا بأن والده كان من بين من عُثر عليهم في القبر.

رغم ذلك، قال صباح إن عائلته لم تتلق أي شهادة وفاة لوالده حتى يوليو الماضي، مؤكداً "ترفض الحكومة الاتحادية العراقية الاعتراف باختبارات الحمض النووي التي تُجريها السلطات الكردية، لذا فهي لا تمنحنا شهادة وفاة. أخبرتنا حكومة إقليم كردستان أنها ستُصدر لنا شهادة وفاة، لكن السلطات الاتحادية أخبرتنا أنها لن تعترف بذلك أيضا".

لا تستطيع الأسرة المطالبة بمزايا التقاعد أو أي دعم حكومي آخر دون تقديم شهادة الوفاة. قال صباح "أنفقت أكثر من ثلاثة آلاف دولار وقضيت سبع سنوات في محاولة الحصول على شهادة وفاته".

بالنسبة إلى أسر الضحايا المدفونين في مقابر جماعية، فإن وتيرة عمليات استخراج الجثث والعقبات البيروقراطية تمنعهم من الانتهاء من الأمر وتزيد الطين بلة. قالت شيرين خيرو، التي قُتل والدها على يد داعش وعُثر عليه في مقبرة جماعية في حردان، قضاء سنجار "تم التعرف على رفات والدي مؤخرا. لكننا لم نتلق سوى نصف هيكله العظمي لدفنه. لا أستطيع وصف مدى الألم والعذاب الذي سببته هذه العملية لي".

كان ريبوار رمضان يبلغ من العمر عاما واحدا عندما أُخِذ والده وجده وستة من أعمامه و105 رجال آخرين من عائلته وقُتلوا ووضعت جثثهم في مقبرة جماعية غير معروفة في جنوب العراق.

وكان أفراد عائلة ريبوار جزءا من ثمانية آلاف رجل من منطقة برزان قُتلوا سنة 1983 على يد حكومة صدام حسين، فيما حكمت المحكمة الجنائية العراقية العليا بأنه "عمل من أعمال الإبادة الجماعية وجريمة ضد الإنسانية".

في 2019، ذهب رمضان إلى السماوة، جنوب العراق، لحضور فتح مقبرة جماعية تم اكتشافها مؤخرا من تلك الحقبة. قال رمضان "أخبرتني والدتي أن والدي كان يرتدي جوربا واحدا فقط عندما أخذوه، لذلك كنت أبحث وسط كل الرفات عن عظمة مرتديا جوربا واحدا معتقدا أنني ربما أجده".

وأكد خبات عبد الله لـ هيومن رايتس ووتش أنه حتى الآن، تم انتشال رفات نحو 2,500 كردي قُتلوا بين الأعوام 1980 و1988 من مقابر جماعية وإعادتها إلى إقليم كردستان.

"أمر بالغ الأهمية"

بحسب هيومن رايتس ووتش، فإن استخراج الجثث من المقابر الجماعية أمر بالغ الأهمية لضمان الحق في معرفة الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وضمان قدرة العراق على الوفاء بواجبه في ضمان سبل الانتصاف والتعويضات الفعّالة، وإجراء تحقيقات فعّالة. 

وشددت على أنه أيضاً ينبغي استخدام الأدلة التي تُجمَع من المقابر الجماعية في الإجراءات الجنائية لضمان محاسبة مرتكبي الجرائم، وأن تزيد السلطات جهود استخراج الجثث من المقابر الجماعية في العراق عبر نهج محايد بصرف النظر عن هوية الضحايا أو الجناة المزعومين. 

كما ينبغي للحكومة زيادة التمويل دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية ودائرة الطب العدلي، وتحسين قدرتهما على جمع الأدلة، بما في ذلك من خلال المسح الرقمي وإعادة بناء مسارح الجريمة، ومرافق تخزين المواد البيولوجية، وعمليات تحديد هوية الضحايا.

الباحثة في المنظمة الحقوقية، سارة صنبر، قالت في ختام حديثها، إن "فتح جميع المقابر الجماعية في العراق سيتطلب التزاما جادا ومستمرا من السلطات العراقية، وهو التزام لا بد من القيام به؛ فالتئام جراح الماضي ليس ممكناً دون ذلك".