امرأة من غجر العراق المقيمين في الديوانية- فرانس برس
امرأة من غجر العراق المقيمين في الديوانية- فرانس برس

ما هو أصل الغجر؟ قصص ودراسات وأبحاث عديدة، حاولت العودة لجذور هذه الأقلية المنتشرة حول العالم، وتُدعى كل منها باسم مختلف، سواء هي تطلقه على نفسها، أو ينعته بها مواطنو البلاد التي تقيم بها، وعادة ما تعاني من التهميش والعنصرية، أو عدم شمولها بالخدمات التي تقدمها الدولة.

في دراسة "الغجر المهمشون في المجتمعات العربية: التاريخ والهوية"، يتطرق الباحث أشرف صالح محمد، لأسطورة أصل الغجر، وهي أن "البشرية انحدرت من نسل ثلاث إخوة. الأول جاء من نسله العنصر الأبيض، والثاني ولد سود البشرة، أما الثالث، ويُسمى كين، فقد انحدر منه الغجر. قام كين بقتل أحد أخويه، ثم حُكم على نسله بالشتات والترحال في شتى بقاع الأرض".

.على الرغم من الطابع الأسطوري الظاهر في تلك القصة، يقول محمد، إلا أنها "تفسر لنا طبيعة الغجر الجوالة على مدى التاريخ، وكذلك العاطفة الجياشة تجاه بعضهم البعض".

وهناك أسطورة أخرى شهيرة تفسر الموقف العدائي الذي تُبديه العديد من الشعوب تجاه الغجر، إذ تقول إن أحد الأجداد القدامى للغجر كان الحداد الذي صنع المسمار الذي صُلب به المسيح، لذلك "استحقوا اللعن على مدار القرون".

وبسبب ما يتعرضون له، خصصت الأمم المتحدة يوماً دولياً لتسليط الضوء على معاناتهم والتوعية بحقوقهم، يُدعى "اليوم الدولي للروما"، الذي يوافق الثامن من أبريل كل عام.

والروما، هي تسمية أطلقت على جماعات فرعية من الغجر مثل "سنتي وكالي وجيتانو"، عاشت في دول أوروبية واستقرّت فيها، بحسب موقع الأمم المتحدة.

وجاء على الصفحة التي تعرّف باليوم الدولي للروما، بأنها "أكبر مجموعة سكانية مهمّشة وتعرّضت للاضطهاد لمئات السنين".

 

البلد الأم

يذهب أغلب الباحثين إلى أن الهند هي الموطن الأصلي للغجر، تفرقوا منها لبقية دول العالم لظروف وأسباب متنوعة. يقول الباحث حميد الهاشمي في كتابه "تكيّف الغجر"، إن "الغجر من الشعوب الهندو أوروبية التي اضطرت إلى الهجرة من شبه القارة الهندية لشرقي أوروبا في القرنين الرابع والخامس الميلاديين. لا نعرف الأسباب التي دعت لوقوع تلك الهجرات على وجه الدقة. من المُحتمل أن شعوباً أخرى قامت بغزو الأراضي الغجرية، أو أن تلك الأراضي تعرضت للجدب والقحط في تلك الفترات".

وبعد وصولهم شرقي أوروبا، رحل الغجر في شكل جماعات صغيرة العدد إلى أنحاء متفرقة من العالم، وكثرت أعدادهم في كل من إسبانيا ودول عربية وإيران، كما انتقل بعضهم إلى القارتين الأميركيتين (الشمالية والجنوبية).

حالياً، تُقدر أعدادهم بعشرة ملايين نسمة. يتوزعون على مجموعتين رئيسيتين: الرومن والدومر، تتشعب منهما مجموعات صغيرة،  تعيش فيد دول مثل مصر وأرمينيا وإيران وأفغانستان وسوريا والأردن ولبنان وفلسطين وليبيا وتونس والجزائر والمغرب والعراق وإيران والهند وتركيا وروسيا وجورجيا وأذربيجان.

يقدر عدد الغجر في العراق بـ 60 ألفاً.
غجر العراق.. كيف أصبحت "الكاولية" شتيمة؟
" كاولي يا ابن الكاولي"، واحدة من اقسى الشتائم التي يمكن أن تقال لشخص في العراق في معرض التحقير والإذلال والطعن بالأخلاق والشرف، إلا أن الإهانة المتحقّقة من الشتيمة تتجاوز الشخص الذي تقع على مسامعة، فهي قبل ذلك تُهين مجموعة عرقية كاملة وتحولها إلى سُبَّة.

 

"كاولية" العراق

يُعرف الغجر في العراق باسم "الكاولية". يذكر حميد الهاشمي في كتابه، أن الغجر وصلوا العراق -للمرة الأولى- في القرن السابع الميلادي، وربما كانت لهم صلة بجماعة "الزط"، الذين سكنوا العراق في عصر الدولة العباسية، وقاموا بثورة كبرى ضد دولة الخلافة في النصف الأول من القرن التاسع الميلادي.

حالياً، يعيش الغجر العراقيون في تجمعات سكنية على أطراف مدن بغداد والبصرة والديوانية ونينوى والمثنى، ويعانون -بشكل كبير- من التهميش المجتمعي وإهمال الدولة لهم. على سبيل المثال ذكرت بعض التقارير أن القوانين العراقية حرمت الأقلية الغجرية من حق التملك، فقانون التسجيل العقاري (رقم 43 لسنة 1971)، استثناهم من تملك العقار أو الأرض الزراعية باعتبارهم أجانب.

في مارس 2020، نقل ممثلو الغجر العراقيين شكواهم لبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق والمفوضية العليا لحقوق الإنسان، وحددوا التحديات الأكثر إلحاحاً التي يواجهها شعبهم في عدة نقاط، أهمها "عدم اعتراف الدولة بحصولهم على الجنسية العراقية الكاملة، ومصادرة جزء كبير من ممتلكاتهم التي قدمتها لهم الحكومة قبل سنة 2003، وحرمانهم من فرص العمل والتعليم، فضلاً عن عدم تمثيلهم سياسياً في جميع المستويات الحكومية".

في السنوات الأخيرة، تعالت بعض الأصوات العراقية التي طالبت بالاهتمام بالغجر. ففي سنة 2016، أطلقت الصحافية والناشطة العراقية منار الزبيدي حملة بعنوان "الغجر بشر" لكشف حجم المعاناة التي تلاقيها هذه الفئة المهمّشة من ازدراء وتعدٍّ وإجحاف بحقّها، ولاقت الحملة نجاحاً كبيراً في العديد من المناطق، كما نجحت في مساعدة الكثير من الغجر في الاندماج.

من جهة أخرى، يعيش الآلاف من الغجر في كردستان العراق، يُطلق عليهم اسم "القرج" أو "دوم"، وتبدو أوضاعهم أفضل بكثير من أوضاع البقية الذين يقيمون في محافظات عراقية أخرى.

 

"دوم" سوريا

يعيش في سوريا الآلاف من الغجر دون إحصاءات دقيقة عن أعدادهم في السجلات الرسمية. يسمون أنفسهم "دوم" أو "ضوم"، فيما ينعتهم الآخرون بأسماء متعددة منها "النَّور، واللور، والقرباط".

عاش غجر سوريا لسنوات طويلة في أرياف حمص وحلب واللاذقية وأطراف دمشق وعفرين، وامتهنوا حرفة الرعي وعاشوا في الخيام.

في بدايات القرن العشرين، اضطر الكثير منهم لتغيير حرفته بعد أن هطلت الثلوج بغزارة لأيام متواصلة، ما تسبب في نفوق أعداد كبيرة من المواشي والأبقار.

في دراسة "المهمشون في سورية أواخر القرن العشرين: شهادات شفوية"، يذكر الباحث عبد الله حنا، أن أغلبية غجر سوريا تعاني التهميش والفقر، وعلى الرغم من ذلك يوجد بعض الغجر الذين تمكنوا من تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة بسبب عملهم في مجال الترفيه والحفلات.

في السنوات التي تلت 2011، أثرت الحرب الأهلية بشكل واضح على أحوالهم، رغم أنهم لم يبدوا أي موقف معاد للنظام السوري. تضررت مساكن الغجر بشكل كبير، فقد تم تدمير حي "جورة العرايس" غرب مدينة حمص، الذي عُرف بكونه يضم الكثير من الغجر، كما استهدف القصف مناطق سكن الغجر على هامش المدن، الأمر الذي تسبب في نقل خيامهم إلى ساحات العاصمة دمشق.

على الصعيد الثقافي، حافظ الغجر السوريون على سماتهم الفلكلورية التي أبقت على هويتهم كأقلية متمايزة داخل الأراضي السورية. يذكرالباحث خليل أقطيني في دراسته "غجر سوريا: تاريخ طويل وحياة هامشية"، أنهم اعتادوا على ممارسة أعمال التنجيم وقراءة الكف، وإحياء الأفراح والمناسبات، وصباغة الأسنان، وصناعة الغرابيل، وغير ذلك من الممارسات التي اختصوا بها دوناً عن غيرهم من الأقليات السورية.

 

"بنو عداس" في الجزائر

يُعرف الغجر في الجزائر بأسماء عدة، من أبرزها "بنو عداس، وبنو هجرس، والعمريون، والجواطنة، الجيطانو"، ومن المُحتمل أن تكون تسميتهم الأشهر "بنو عداس"، اُشتقت من الفعل العربي "عدس" بمعنى رحل وانتقل، وهو المعنى الذي يتوافق مع تقاليد الغجر المتوارثة عبر القرون.

لا يوجد إحصاء دقيق بأعداد الغجر الجزائرين، فآخر إحصاء رسمي لهم تم سنة 1939 (تحت الاحتلال الفرنسي)، حيث قُدر عددهم بنحو 40 ألفاً.

يعيشون حالياً في بعض المدن الساحلية وفي البادية في شكل تجمعات سكنية صغيرة العدد.

يُعاني غجر الجزائر الكثير من المشكلات الاجتماعية، إذ يُنظر لهم بشكل سلبي. في هذا السياق يمكن فهم المثل الشعبي الجزائري المشهور "ترخصي يالزرقا -يُقصد به الحصان الجميل- ويركبوك بني عداس".

يفسر البعض تلك النظرة بما وقع في النصف الأول من القرن العشرين، عندما استعان الفرنسيون المحتلون ببعض أفراد بني عداس لتعقب الوطنيين والثوار الجزائريين الذين ناضلوا لتحرير بلادهم. خرج الفرنسيون من الجزائر في الستينيات بينما ظل الوسم بالخيانة والعمالة يلاحق أغلب الغجر.

على الصعيد الاقتصادي، يعتاشون من بعض المهن البسيطة والمتواضعة، كما يمتهن الكثير منهم التسوّل.

ويواجه غجر الجزائر مشكلة في الاندماج المجتمعي، إذ لا يُعترف بهم في المؤسسات المدنية، ولا يسجلون مواليدهم في السجلات الرسمية للدولة، كما يشيع أنهم يتركون موتاهم من كبار السن أمام المساجد ليدفنها الناس، بسبب صعوبة استخراج رخص للدفن لعدم توفر وثائق هوية خاصة بهم.

في 2018، فتحت الرواية الجزائرية أبوابها أمام عالم الغجر، عندما نشر الروائي الجزائري عبد الوهاب عيساوي روايته "الدوائر والأبواب"، حيث ألقى الضوء على أحوال الغجر الجزائريين، وبين المشكلات الكثيرة التي يعانونها.

 

"النَور" في مصر

يُعرف الغجر في مصر بأسماء متعددة. يُطلق اسم "الحلب" على الغجر الذين يسكنون في الصعيد، في حين يُعرف غجر الوجه البحري باسم "النَور".

تذكر الباحثة علا الطوخي إسماعيل، في دراستها "التراث الشعبي الغجري في مصر: المهن والحرف نموذجاً"، أن بداية وجود الغجر في مصر ترجع إلى القرن السادس عشر الميلادي، وأنهم اُعتبروا من ذلك الوقت "غرباء" في أرض مصر.

بشكل عام، تعيش جماعات الغجر في مصر في شكل تجمعات صغيرة منغلقة على نفسها، ولا يتزوجون من خارج جماعتهم، كما يعانون من الاستبعاد الاجتماعي.

في كتابها "الغجر في مصر المعاصرة على هوامش المجتمع"، أشارت الباحثة ألكساندرا بارس، إلى النظرة المجتمعية السلبية الشائعة في مصر حول الغجر، وبيّنت أن أغلبية المصريين ينظرون إليهم بصفتهم مكونا اجتماعيا غير مرغوب فيه "لدرجة يبدو أن الفارق بين كونك غجرياً أو مجرماً لا يزيد ببساطة عن قدر شعرة".

من جهة أخرى، يعاني الغجر المصريون من العديد من المشكلات المرتبطة بالأماكن العشوائية التي يسكنون بها. على سبيل المثال أشار الباحث أحمد سعيد الهجرسي، في دراسته "المخاطر الاجتماعية والسياسية للمناطق العشوائية في مصر"، لعدم توافر الخدمات، وسوء حالة شبكة الصرف الصحي، وزيادة حالات التحرش، وانتشار الأمراض، فضلاً عن غياب الخدمات التعليمية.

رغم كل ذلك، تمكنت الثقافة الغجرية من إثبات نفسها داخل الوجدان المصري الجمعي، حتى أضحت أحد المكونات المهمة في تشكيله. في ذلك، يقول أستاذ الأدب الشعبي، خالد أبو الليل، أن الغجر لعبوا دوراً كبيراً في الحفاظ على الموروثات المصرية الفلكلورية.

"ارتبطت السيرة الهلالية في روايتها على فرقة موسيقية غجرية، ولولا الغجر لضاعت هذه السيرة وفقدت مصر جزءاً مهماً من هويتها الثقافية، إذ تخصصت هذه الجماعة في رواية السيرة الهلالية على نحو احترافي، واعتبرتها مصدر رزقها…"، بحسب أبو الليل.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

إيزيديين
عشرات الإيزيديين فروا من إقليم كردستان العراق إلى سنجار بعد "خطابات كراهية" ضدهم | Source: SM

دفعت "زوبعة منظمة" كما وصفها نشطاء حقوق إنسان وسياسي سابق، العشرات من العائلات الإيزيدية المقيمة في كردستان العراق للفرار إلى سنجار، وهي أرضهم الأم التي تعرضوا فيه للإبادة على يد تنظيم داعش في مثل هذا الشهر من عام 2014.

وقال الناشط الإيزيدي والمدافع عن حقوق الإنسان، فرهاد علي لموقع "الحرة" إنه ومنذ أمس الخميس غادرت أكثر من 700 عائلة إيزيدية كردستان العراق، "بسبب خطابات الكراهية التي صدرت من بعض رجال الدين في الإقليم".

وأوضح أن خطاب "رجال الدين" تسبب في حالة خوف وهلع بين الناس، مشيرا إلى "وضع صعب يشمل الإيزيديين المقيمين في المخيمات في إقليم كردستان وسنجار".

"العائلات لا تعرف ماذا تفعل ويريد أفرادها إيقاف (الزوبعة) الحاصلة وعدم بث خطاب الكراهية، والحفاظ على التآخي والتعايش بين جميع المكونات العراقية"، كما يتابع علي.

ونشر الناشط عدة تسجيلات مصورة عبر موقع التواصل "إكس" توثّق حركات الفرار باتجاه سنجار.  

ويضيف الناشط الإيزيدي مراد إسماعيل أن "خطابات الكراهية" التي دفعت العائلات الإيزيدية للفرار جاءت في أعقاب التصريحات الأخيرة لقائد قوات سنجار، قاسم ششو، والتي أطلقها في ذكرى الإبادة التي نفذها تنظيم داعش.  

 

 

وقال في تغريدة عبر "إكس": "من المقلق كيف أن أفعال أو تصريحات أي فرد إيزيدي تؤدي إلى لوم المجتمع الإيزيدي بأكمله وتجريده من الإنسانية وتكفيره".

من جانبها، نفت السلطات الأمنية والإدارية في محافظتي دهوك وزاخو الأنباء التي تحدثت عن هروب نازحين من مخيمات الإيزيديين خوفا من انتقام متطرفين إسلاميين عقب تصريحات ششو، وفقا لمصادر الحرة.

ما قصة التصريحات؟

"خطاب الكراهية" الذي انتشر ضد أبناء المجتمع الإيزيدي في العراق جاء بعد حديث مصّور تناقله مستخدمون عبر مواقع التواصل لقائد قوات سنجار، قاسم ششو، واتهم على إثره بالإساءة للنبي محمد والتحريض على الحرب بين الديانات.  

ونشروا تسجيلا مصورا مقتطعا عبر مواقع التواصل، ولم يتأكد موقع "الحرة" مما جاء فيه وما قاله ششو بالتحديد.

ورغم التوضيح الذي نشره القيادي الإيزيدي وتداولته وسائل إعلام لم تتوقف الحالة الخاصة ببث خطاب الكراهية ضد الإيزيديين، كما قال نشطاء حقوق الإنسان الذين تحدث معهم موقع "الحرة".  

وجاء في بيان قائد قوات سنجار أنه لم يقصد الإساءة إلى الإسلام أو المسلمين أو النبي محمد، وأضاف أنه أراد التذكير بأنه "مادام المتطرفون موجودون فإن الاعتداءات ضد الإيزيديين سوف تستمر".

وفي غضون ذلك أصدر "المجتمع الإيزيدي" بيانا، الجمعة، أوضح فيه أنه "تم استخدام جملة من كلام (ششو) عن الإبادات دون أن يكون قاصدا النبي محمد ولا الإساءة إلى شخصه الكريم".

وأضاف البيان: "ولم تكن العبارة تعبر عن موقفه ولا موقف المجتمع الإيزيدي ولا الديانة الإيزيدية المبنية على احترام الشعوب والعقائد"، مؤكدا على التوضيح الذي نشره ششو، وأن "كلماته كانت تستهدف المجاميع الإرهابية التي قامت بالإساءة للدين الإسلامي الحنيف أكثر من الإساءة إلى غيره".

واعتبر "المجتمع الإيزيدي" أن ما وصفهم بـ"أطراف الإسلام السياسي ومنابرهم الإعلامية تقوم على وسائل التواصل بتأجيج المشاعر الدينية للإخوة المسلمين، متحججين بكلمات غير مقصودة تم تفسيرها بشكل غير صحيح لقائد قوات سنجار".

وأشار إلى "حملة منظمة عبر مواقع التواصل للتحريض على قتل الإيزيديين، وهم الذين يعانون منذ سنوات طويلة من التكفير ولا يوفر المتطرفون جهدا إلا ويستغلونه لتهديد أبناء شعبنا المسالم"، وفق البيان.

وتابع في الختام: "نوجه أنظار الحكومة العراقية وحكومة الإقليم والمجتمع الدولي إلى خطورة الوضع والمخاوف لدى المواطنين الإيزيديين العزل، وبشكل خاص المقيمين في مخيمات النزوح".

"مذكرة قبض وردود"

وذكرت وسائل إعلام عراقية أن محكمة استئناف نينوى أصدرت مذكرة قبض بحق قائد قوات سنجار، بتهمة الإساءة للنبي محمد و"التحريض على حرب بين الديانات".

المادة القانونية المنطبقة على التهمة هي رقم (195) من قانون العقوبات العراقي، كما جاء في المذكرة، التي لم تشر إلى صاحب الدعوى.

ونقل موقع قناة "روداو" عن  حيدر ششو، ابن شقيق قاسم ششو قوله إنه يعتقد بأن تصريحات عمه عن النبي محمد قد أسيء تفسيرها، مشيرا إلى أنه "تمت المبالغة في هذه المسألة رغم توضيحاتنا". 

وأضاف أن الهدف من تأجيج الموضوع هو يهدف "خلط الأمور"، لافتا إلى أن الموالين لداعش قاموا باستغلالها، كما حذّر من أنه وفي حال الاستمرار بذلك فسوف يتخذون موقفا، مردفا: "الذين يعارضوننا اليوم لم يقولوا شيئا عن كل الانتهاكات التي ارتكبت بحقنا".

لكن في المقابل صدّرت عدة إدانات للحديث الذي أطلقه ششو، والذي اعتبر "مسيئا للنبي محمد".

وكان أبرزها من جمال الضاري الأمين العام للمشروع الوطني في العراق، إذ قال عبر "إكس": "ندين بأشد العبارات قيام المدعو قاسم ششو بالإساءة لرسولنا الكريم محمد  وللدين الإسلامي الحنيف، مستغلا ذكرى جريمة الإبادة الايزيدية لتمرير أجندته الخبيثة".

وأضاف الضاري: "وفي الوقت الذي نؤكد فيه رفضنا وإدانتنا لجرائم تنظيم داعش الإرهابي والتي لا تمت لتعاليم الاسلام، نطالب الحكومة العراقية وجميع القوى السياسية بالتصدي بحزم لهذه الإساءات".

كما طالب بـ"تقديم المحرضين والمسيئين إلى العدالة ليكونوا عبرة، لكل من يحاول بث الفرقة والإساءة للأديان والرسل والرموز الدينية المقدسة".

ولم يصدر أي بيان رسمي حتى الآن من الحكومة العراقية أو حكومة إقليم كردستان العراق.  

ومن جهته أشار الناشط الحقوقي الإيزيدي مراد إسماعيل إلى "آلاف خطابات الكراهية والمنشورات والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، التي انتشرت خلال الأيام الماضية".

وقال إسماعيل إن ما سبق يحدث "في ظل صمت المؤسسات الأمنية والقضائية".

وأوضح أن "مئات العائلات الإيزيدية تسارع الآن إلى مغادرة مخيمات النازحين نتيجة لخطاب الكراهية والتهديدات من المتطرفين في أعقاب تصريحات ششو".  

كما أضاف أن "الحكومة العراقية وحكومة كردستان لديهما المسؤولية القانونية لملاحقة هؤلاء المتطرفين الذين ينشرون الكراهية ضد الإيزيديين في المنتديات العامة ويحرضون على العنف ضدهم".

"في ذكرى الإبادة"

وسنجار، وهي منطقة جبلية في شمال غرب العراق، موطن لخليط من السكان الأكراد والعرب، والإيزيديين هم أقلية إثنية ودينية يتحدثون الكردية.

وفي أغسطس 2014، اجتاح تنظيم "داعش" جبل سنجار وقتل عناصره أعدادا كبيرة من هذه الأقلية واحتجزوا آلافا من النساء الفتيات واتخذوهن سبايا.

وفيما خطف أكثر من 6400 منهم، أُنقذ حوالي نصفهم أو تمكنوا من الفرار، بينما لايزال مصير الآخرين مجهولا.

وبعد ثلاث سنوات من الاجتياح، أعلن العراق عام 2017 الانتصار على التنظيم الذي ترك خلفه أكثر من 200 مقبرة جماعية يرجح أنها تضم حوالي 12 ألف جثة، وفقا للأمم المتحدة.

وتقول منظمة "هيومن رايتس ووتش" إن 80 في المئة من البنية التحتية و70 في المئة من بلدة سنجار، أكبر مدينة في القضاء، دمر خلال النزاع ضد تنظيم "داعش" بين 2014 و2017.  

ووفقا للمنظمة الدولية للهجرة، لا يزال حوالي 183 ألف شخص من سنجار نازحين، وهذا يشمل 85 في المئة من السكان الأيزيديين في القضاء.  

في الوقت الحالي، تستضيف 65 في المئة من البلدات والمدن في سنجار نصف سكانها الأصليين أو أقل، بينما لم تشهد 13 بلدة أي عودة على الإطلاق منذ 2014.

وبعد 10 سنوات من اجتياح "داعش"، لاتزال سنجار غير آمنة وتفتقر إلى الخدمات.  

ووفقا لوزارة الداخلية في حكومة إقليم كردستان، تستضيف المخيمات الـ23 المنتشرة في الإقليم حاليا حوالي 157 ألف شخص، كثيرون منهم من سنجار.

"زوبعة منظّمة"

ويقول النائب السابق في البرلمان الكردستاني، عبدالسلام البرواري إنه "يوجد تشويه وتصعيد مقصود تجاه الإيزيديين في المخيمات، وخاصة بعد بدء خطوات تنفيذ قرار الحكومة العراقية بإغلاق المعسكرات وضرورة عودة النازحين لأماكنهم".

وتتزامن حالة التشويه أيضا مع "وجود رغبات في تنفيذ اتفاقية سنجار"، على حد اعتقاد البرواري.  

ويضيف لموقع "الحرة" أن "قاسم ششو صرّح بأنه لم يقل ذلك نصا (الإساءة للنبي محمد) وأن كلامه تم تشويهه، بينما تولت مجموعة من القنوات لفرض واضح الترويج للحديث المشوه ولخلق جو عدائي".

ومع ذلك أصدر الزعماء الحقوقيون من المجتمع الإيزيدي ووزارة الأوقاف والجهات الأخرى بيانات رسمية، وأكدت فيها على "ثقافة التعايش وقبول الآخر في كردستان العراق".

ويعتقد البرواري أن "الموضوع عبارة عن زوبعة منظّمة وستنتهي".

ويشير إلى أن كثير من العائلات التي تفر من المخيمات باتجاه سنجار "قد تتعرض للأذية".