صورة أرشيفية ترصد دماراً في مقبرة يهودية داخل لبنان بفعل الظروف الجوية والمطر- فرانس برس 2019
صورة أرشيفية ترصد دماراً في مقبرة يهودية داخل لبنان بفعل الظروف الجوية والمطر- فرانس برس 2019

في زقاق بمدينة صيدا جنوبي لبنان، هناك بناء يحمل رمزية خاصة، يؤكد الوجود اليهودي في لبنان، حيث ترتفع القناطر مكسوة بالرسومات الدينية في الكنيس الذي تحوّل إلى بيت.

في طرابلس عاصمة الشمال، يوجد كنيس آخر قرب ما كان يعرف بخان العسكر، أخفى الزمن والإهمال معالمه، وغطت مداخله النفايات. أما في بيروت، أسهمت بعض أعمال الترميم بإبراز الكتابات باللغة العبرية والنقوش ونجمة داوود البادية على القناطر وإنقاذ القرميد المضعضع. 

يعود الوجود اليهودي في لبنان إلى الفترة التي هرب فيها يهود الأندلس من إسبانيا بدايات القرن السابع عشر، وفقا للمؤرخ الدكتور عيسى دياب.

يقول لـ"ارفع صوتك"، إن "الأرشيف وكتب التاريخ تحفظ هذا الوجود الذي اندثر، وبلغ ذروته بالتزامن ونشوء لبنان الكبير عام 1920، وكفله الدستور ومنحت الطائفة حقوقها كسِواها على الرغم من أنها لم تتمتع بتمثيل في مجلس النواب". 

 

الأرشيف المنسي

في كتابه "يهود لبنان: من أبراهام حتى اليوم، حكاية طائفة مختفية" (Juifs du Liban: D'Abraham à nos jours, histoire d'une communauté disparue)، يجمع المفكر اللبناني المتخصص في الشؤون اليهودية ناجي جرجي زيدان، معلومات عن دورها في تنمية لبنان، ثم الانخفاض الدراماتيكي في عددها من 3500 إلى 29 فرداً فقط".

ويقول دياب في مقابلة مع "ارفع صوتك": "تواجد اليهود في مناطق لبنانية مختلفة، واندثر تواجدهم تدريجياً، حيث أغلق الكنيس اليهودي في مدينة طرابلس الذي يعود لبدايات العصر الإسلامي. ومع الزمن لحق إهمال كبير بمقبرتهم في المدينة، واستعيض عنها بمقبرتهم في بيروت لدفن شحادة ابن ايليا صفدي، آخر حاخام يهودي في طرابلس".

"أما في مدينة صيدا، فاليهود هناك منذ نحو ألف عام. في حارتهم كنيس وحيد وفرن وعقارات ومقامات ومدرسة ومقبرة ومطربة لبنانية يهودية كانت تعرف باسم أمل شوقي، نقل عنها في الإعلام مغادرتها إلى إسرائيل. لكن مفترق الطرق كان بعد حرب عام 1967 ومن بعدها مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975. من المحطات الرمزية، مغادرة آخر حاخام يهودي بلاد الأرز في عام 1978"، يتابع.

يقول الباحث طارق كوى صاحب مشروع "ذكريات بيروت": "في محيط بيروت، لا يخفى الوجود اليهودي على أحد. يعيدنا البحث عن تاريخهم القديم إلى شارع فوش (Foch) حيث جامع الدباغة الذي استوحى اسمه من أحد أبواب بيروت وسورها، حين كان اليهود يمتهنون مصلحة دباغة الجلود".

وعرف عن يهود لبنان، بحسب كوى حتى ستينيات القرن الماضي، امتهانهم مصالح عدة في عالم المال والتسليف والخياطة وتجارة الذهب والأقمشة والتنجيد والأعمال والتجارة.

ويتحدث عن بنك صفرا الذي أخذ اسمه من عائلة صفرا اليهودية ويقع في شارع اللمبي ببيروت.

عمل الكثير من التجار اليهود في شارع اللمبي، وكان بعضهم من جذور إيرانية، وامتهنوا تجارة السجاد، لكن مع اندلاع حرب عام 1967، ودخول المزيد من اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان، بدأوا ببيع محالهم، وغادروا البلاد تدريجياً، فلم يبق إلا قلة تفضل العيش بصمت بعيداً عن الاتهامات بعلاقتها مع إسرائيل.

 

أملاك يهودية

حروب عدد من الجيوش العربية مع إسرائيل وتداعياتها على الفلسطينيين، خلقت نوعاً من المعاداة لوجود اليهود في أغلب الدول العربية، وكانت لبنان بينها.

يذكر المؤرخ طالب قرة أحمد، في كتاب "الطائفة اليهودية في صيدا: تاريخها وحضورها"، محاولة طمس وجودها من خلال تغيير اسم حارة اليهود في صيدا إلى حارة القدس، وإزالة الأعياد اليهودية من الرزنامة اللبنانية الرسمية، وإقفال المدرسة المخصصة لهم، حيث كانت جزءاً من سلسلة مدارس تعرف باسم (الإليانس).

توترت العلاقات مع يهود لبنان بعد أن عمد الجيش الإسرائيلي على التواصل مع بعضهم وتشجيعهم على مرافقتهم إلى إسرائيل، وخوِنوا واتهِموا بالعمالة، لكن هذا "لا يعني أن جميع اليهود اللبنانيين كانوا من الداعمين لإسرائيل" وفقاً لكتاب قرة أحمد.

في 26 أغسطس 1929، نظم يهود لبنان تظاهرة بالتوازي مع التظاهرات المنددة في القدس ضد وعد بلفور، ووقع الحاخام اليهودي في صيدا على عريضة التنديد، بحسب مؤلف كتاب "الطائفة اليهودية في صيدا: تاريخها وحضورها".

وتنوعت الهجرة اليهودية من لبنان في وجهتها، فذهب البعض إلى إسرائيل، وآخرون توزعوا بين دول أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.

مع ذلك، لم ينته وجودهم في السجل العقاري، إذ ما تزال الكثير من الممتلكات الخاصة مسجلة بأسمائهم، فكان لهم 17 كنيساً، وبعض مالكيها أوكل أشخاصاً لجمع الإيجارات ممن استفادوا من مبانيها بشكل أو بآخر.

في الوقت ذاته، تُركت أوقاف ثانية ككنيس صيدا لتسكنه عائلة مهاجرة، أو مُنح آخر اليهود الحق باحتكار أراضي الطائفة.

وبسبب منع لبنان دخول أي شخص أراضيه بجواز سفر إسرائيلي أو يحمل تأشيرة أو طابعاً إسرائيلياً، يبقى مصير آخر الشواهد على وجود اليهود معلقاً، وتبقى آثاره دليلاً على أن البلد الذي مزقته الحروب، عرف بعض فترات السلم والتعايش. 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

وصفت الأمم المتحدة ممارسات طالبان ضد النساء "جريمة ضد الإنسانية".

فور سيطرة حركة طالبان على العاصمة الأفغانية كابول في أغسطس 2021، أعادت الحركة تطبيق سياساتها القمعية بحقِّ نساء.

يوما بعد يومٍ خسرت الأفغانيات حقاً تلو الآخر حتى وصلن إلى وضعٍ يمثّل "جريمة ضد الإنسانية" و"فصل عنصري بين الجنسين"، على حد وصف ريتشارد بينيت، مقرر الأمم المتحدة المُكلف بمتابعة حقوق الإنسان في أفغانستان.

وبحسب تقرير أممي نُشر هذا العام فإن 3 سنوات من حُكم طالبان قضت على جميع الجهود التي بُذلت طيلة الـ20 عاماً الماضية لتحسين أوضاع الأفغانيات ومساواتهن بالرجال بعدما أقدمت حكومة طالبان على تصرفات تُخالف بنود اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي تلتزم أفغانستان بتطبيقها بحُكم توقيعها عليها في 1980 ، وتصديقها عليها منذ مارس 2003.

منظمتان تطالبان مصر بوقف عقوبة الإعدام
قالت جمعيتان حقوقيتان مصريتان في تقرير إنهما رصدتا عددا من الانتهاكات التي تعرض لها محكوم عليهم بالإعدام في مصر عام 2017.

وحسب التقرير المشترك الذي أصدرته الأربعاء المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومركز عدالة للحقوق والحريات عن أبرز الانتهاكات التي تعرض لها بعض المتهمين المحكوم عليهم بعقوبة الإعدام حضوريا أثناء سير القضايا في 2017، إن 32 متهما على الأقل في ثماني قضايا تعرضوا للاختفاء القسري

أصدرت الحركة أكثر من 70 مرسوماً منذ استيلائها على السُلطة صعّبت من حياة النساء بعدما فرضت بموجبها تضييقات واجبة الاتباع بشأن الملابس والوظائف والتعليم.

وبموجب هذه المراسيم المتتالية مُنعت النساء من المشاركة في البرامج الإذاعية والتلفزيونية بجانب الذكور، وبعدها بشهر أُغلقت صالونات التجميل النسائية، وفي الشهر التالي صدر قرار بمنع النساء من دخول منتزه باند أمير الوطني الذي يقع وسط أفغانستان، ثم تتالت مراسيم طالبان القمعية بشأن النساء التي حرمت الأفغانيات من إظهار وجوههن على شاشات التلفاز أو خلال زيارة الأماكن العامة مثل المتنزهات والصالات الرياضية وعدم القيام برحلات برية مالم تكن برفقة أحد أقاربها الذكور،

بل إن بعض الولايات الأفغانية تشددت أكثر في تنفيذ هذه التعليمات، فلم تعد تسمح للنساء بتنفيذ أي أنشطة حياتية خارج منزلها إلا بصحبة "محرم"، مثل زيارة الطبيب والذهاب للمصالح الحكومية.

لا وظائف

فور بسط طالبان سيطرتها على الجهاز الإداري للدولة اتبعت سياسة تمييزية بحقِّ عددٍ كبيرٍ من الموظفات الحكوميات بعدما خفّضت رواتب بعضهن بشكلٍ كبير، وأبلغت أخريات باستبعادهن تماماً حتى تتوفر "الظروف الملائمة" لعودتهن، هذه "الظروف" لم تتوفّر حتى اليوم رغم مرور 3 سنوات على اتخاذ هذا القرار. وفي ديسمبر 2022 مُنعت النساء من العمل في المنظمات الدولية.

وبحسب تقرير أممي فإن القيود الكثيرة المفروضة على حركة المرأة بمفردها داخل المدن أضرّت بالأسر التي تعتمد على النساء باعتبارهن مصدرا أساسيا للرزق، وبحسب التقرير فإن حصة النساء في سوق العمل انخفضت من 11% في 2022 إلى 6% فقط في 2023.

ووفق تقدير منظمة العمل الدولية في 2022 فإن 42% من الشركات المملوكة لنساءٍ أغلقت، كما إن حرمان النساء من العمل أدى إلى انخفاض حاد في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بقيمة تصل إلى مليار دولار (5% من الاقتصاد الأفغاني تقريباً).

لا تعليم

في منتصف الشهر الماضي سلّطت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) الضوء على مرور ألف يوم على قرار حركة طالبان بمنع الفتيات من التعليم بعد الصف السادس، الأمر الذي حرم جميع الفتيات بعمر ال 12 عاماً من مواصلة التعليم.

وبحسب الدراسة الأممية فإن عدد المتضررات من هذا القرار بلغ 1.1 مليون فتاة حُرّم عليهن ارتياد المدارس، وأكثر من 100 ألف فتاة مُنعن من استكمال دراستهن بالجامعة.

هذه القرار وصفته يونسيف بأنه "حزين ومثير للقلق"، مؤكدة أن ضياع ألف يوم بدون دراسة يعادل خسارة "3 مليارات ساعة تعليمية" كانت ستغيّر كثيراً من حياة الأفغانيات إلى الأفضل.

في هذه المناسبة علّقت كاثرين راسل المديرة التنفيذية ليونسيف قائلة "بالنسبة لـ1.5 مليون فتاة، فإن هذا الاستبعاد المنهجي لا يحرمهن من الحق في التعليم فقط، لكنه يؤدي إلى تدهور الصحة العقلية بشكلٍ عام".

قرار حركة طالبان لا يتعلّق فقط بالتعليم ولكنه يفتح الباب لمشكلات أخرى؛ فبحسب تقديرات الأمم المتحدة فإن حظر التعليم يؤدي إلى زيادة زواج الأطفال بنسبة 25% والإنجاب المبكر بنسبة 45%.

عودة الرجم والجَلد

وبحسب تصريح لنائب رئيس المحكمة العليا الأفغانية فإنه صدر 37 حُكماً بالرجم منذ عودة الحركة إلى السُلطة.

وفي مارس الماضي قضت إحدى محاكم الحركة بمعاقبة مجموعة من النساء بالرجم حتى الموت بسبب عقوبة الزنا وسط احتفاءٍ طالباني كبير بهذه الخطوة استدعى إصدار هيبة الله أخوند زاده رئيس الحركة تسجيلا صوتيا لتأييد هذه الخطوة عبر شبكات الإذاعة والتلفزيون الرسمية.

وجّه هيبة الله في كلمته التي أذاعها التلفزيون الرسمي جانباً من خطابه إلى الحكومات التي تنتقد هذه العقوبات قال فيه: "يمكنك أن تسمي ذلك انتهاكاً لحقوق المرأة عندما نرجمها أو نجلدها علناً لارتكابها الزنا لأنها تتعارض مع مبادئك الديمقراطية... لكن أنا أمثل الله، وأنت تمثل الشيطان".

الشهر الماضي أعلنت المحكمة العليا الأفغانية أن 63 شخصاً بنيهم 14 امرأة طُبقت عليهم عقوبة الجلد العلني داخل ملعب رياضي في ولاية سربل الواقعة شمال أفغانستان.

زيادة معدلات الانتحار

ووفق تقرير نشرته "الجارديان" منذ بضعة أشهر فإن حالة من اليأس سيطرت على عددٍ كبير من النساء الأفغانيات دفعت بعضهن الإقدام على الانتحار.

ورغم عدم نشر طالبان لأي إحصائيات عن الصحة العامة في البلاد فإنه وفق بيانات حصلت عليها "جارديان" فإن أفغانستان أصبحت واحدة من الدول القليلة حول العالم التي تزيد فيها معدلات انتحار النساء عن الرجال بعدما مثّلت النساء أكثر من 75% من حالات الانتحار المسجلة، بعضهن في أوائل سن المراهقة.

وبحسب دراسة أجرتها منظمة "بيشناو- واورا" المعنية بقضايا الأفغانيات فإن 68% من المشاركات في الدراسة يعانين من الاكتئاب، وأن 7% منهم يعرفن نساء قررن إيذاء أنفسهن للتخلّص من الحياة القاسية التي يعشن فيها.

وضعٌ استدعى تعليقاً من أليسون دافيديان المسؤولة في الأمم المتحدة عن نساء أفغانستان بأنهن يعشن "أزمة في الصحة العقلية"، وأن هناك تزايداً كبيراً في أعداد الفتيات اللائي "يفضلن الموت عن العيش في ظِل الظروف الحالية".