قداس عيد الميلاد في كاتدرائية سيدة الزهور في بغداد.
قداس عيد الميلاد في كاتدرائية سيدة الزهور في بغداد.

"هاجر أكثر من مليون مسيحي، ومعظمهم من النُخَب العلمية والاقتصادية والمهارات، لكن من يكترث؟ حالة عدم الاستقرار وغياب الإنصاف جدّدا نزيف الهجرة"، يشكو الكاردينال لويس روفائيل ساكو، بطريرك الكلدان في العراق والعالم.

في مقال له نشر على الموقع الرسمي للبطريريكية الكلدانية في 9 يناير الحالي، أشار ساكو إلى "استمرار تعرض المسيحيين لاعتداءات على مقدراتهم ووظائفهم والاستحواذ على ممتلكاتهم، ووجود حالات تغيير ديانتهم بالإكراه من قبل داعش أو غيرها، بالإضافة إلى أسلمة القاصرين".

تشير احصائيات رسمية صادرة عن الكنائس في العراق عن تراجع مستمر لأعداد المسيحيين في البلاد منذ سقوط نظام صدام حسين عام ٢٠٠٣.

كانت أعدادهم في العراق نحو مليون و300 ألف نسمة قبل عقدين، لكنها تراجعت بسبب موجات الهجرة المتواصلة إلى الخارج، وتتراوح اليوم بين 300 -250 ألف نسمة تتوزع بين إقليم كردستان وسهل نينوى وبغداد وأعداد قليلة في البصرة وكركوك.

رحلة الهجرة طويلة وشاقّة

عصام شابا، مسيحي عراقي من بلدة تللسقف (تل أسقف) شمال شرق الموصل، ينتظر منذ نحو 3 أعوام في لبنان الانتقال إلى أستراليا والعيش فيها مع عائلته.

يقول لـ"ارفع صوتك": "الأوضاع المعيشية في لبنان صعبة جداً بسبب غلاء الأسعار وقلة المردود المالي. تحتاج العائلة شهريا نحو ألف دولار على الأقل لتتمكن من العيش، عدا الحالات الطارئة. لسنا مشمولين بالتأمين الصحي، فتَصَوّر حجم المأساة التي نعيشها منتظرين الفرج من الرب والأمم المتحدة لتوطيننا في البلد المنشود أستراليا".

مقارنة بالأوضاع في العراق، يرى مسيحي من سهل نينوى، فضّل عدم ذكر اسمه، أن "أوضاع المسيحيين المعيشية في بلاد النهرين، أصعب بكثير مما يعيشه شابا في لبنان".

"نهاجر لأننا لا نرى أي مستقبل لنا ولأولادنا في بلدنا. بلد خاضع لسيطرة الميليشيات الموالية لإيران، والتعصب الديني يزداد يوما بعد يوم، وبمرور الوقت نشعر أننا غرباء فيه، ونشكل عبئاً ثقيلاً عليه ونشعر أن علينا المغادرة"، يقول الرجل معبّراً عن أسفه لما آلت إليه الأمور.

على العكس من غيره، ما  يزال المدرّس المسيحي المتقاعد باسم عطالله، متمسّكاً بالبقاء في العراق ويرفض الهجرة منه، ويرى أن "هجرة المسيحيين خسارة للعراق وللشرق بشكل عام، وليست الحل لمعاناتهم".

يقول لـ"ارفع صوتك"، إن "بقاء المسيحيين في العراق مرهون بأن يكونوا مواطنين من الدرجة الأولى، والحقوق التي يحصلون عليها ليست منّة من أحد، إنما هي استحقاق لمكون أصيل في وطنه. ضعف القانون في أي بلد يجعله معرضاً للصدمات ويدفع بغالبية الناس إلى التفكير بالهجرة".

الولايات المتحدة الأميركية وكندا وأستراليا وأوروبا أبرز الوجهات التي يهاجر إليها المسيحيون العراقيون منذ سنوات، بحثا عن "الأمان والاستقرار".

 

الاحصائيات مرشّحة للارتفاع

وفق احصائيات "مؤسسة الجالية الكلدانية" في ولاية مشيغين الأميركية، تعيش أكثر من 1500 عائلة مسيحية عراقية في لبنان وأكثر من 1000 أخرى في الأردن، تنتظر جميعها الانتقال إلى بلدان المهجر.

يعمل غزوان الياس، مدير مكتب العراق في "مؤسسة الجالية الكلدانية"، منذ سنوات على ملف هجرة المسيحيين من العراق، وأسبابها والتحديات التي تواجههم في بلدهم.

وبالاعتماد على ما توصل إليه، يرى الياس أن المسيحيين "ليسوا بحاجة إلى تعيينات أو وظائف أو مشاريع هنا وهناك".

ويقول لـ"ارفع صوتك: "المسيحيون بحاجة إلى تفعيل قرارات تخصهم، ومنها تفعيل المادة (125) من الدستور العراقي التي تنص على ضمان الحقوق الإدارية والسياسية والثقافية والتعليمية للقوميات المختلفة كالتركمان، والكلدان والآشوريين، وسائر المكونات الأخرى، على أن ينظّم ذلك بقانون".

يعتقد الياس أن "تفعيل هذه المادة الدستورية سيسهم في خلق إدارة محلية في سهل نينوى مرتبطة بالحكومة الاتحادية، قادرة على إسعاف المسيحيين ومن تبقى منهم في العراق".

ويتابع: "هناك محاولات تغيير ديموغرافي في عدة مناطق، وهناك زحف لعدة مكونات على مناطق المسيحيين بحجة التعايش. هذا كله ينقص أعدادنا ويتسبب بهجرة أبنائنا".

وتدفع العديد من العوامل السياسية والاقتصادية والأمنية المسيحيين في العراق إلى الهجرة، وبحسب احصائيات غير رسمية تهاجر شهرياً  5- 10 عائلات مسيحية، لكن هذا العدد مرشّح للارتفاع، وفقاً لمصادر مسيحية.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

An ethnic Rohingya woman weeps after being removed from their temporary shelter at the basement of a community hall during a…
امرأة من الروهينغا تبكي بعد ترحيلها مع لاجئين آخرين وصلوا إندونيسيا هرباً من سوء الأوضاع في بنغلادش

في عام 2017 نفذت حكومة ميانمار عملية عسكرية موسعة ضد أقلية الروهينغا المسلمة، ردًا على غارات نفذها مسلحون في عدة مراكز شرطة، فهدمت الحكومة 55 قرية وقتلت 6700 شخص، بوفق أرقام منظمة "أطباء بلا حدود".

ولا تعتبر ميانمار، أقلية الروهينغا العرقية، من مواطنيها، إذ تصنف أبناءها بأنهم "عديمو الجنسية"، وهي الحجة التي برّرت بها عدوانها عليهم وتشريد عشرات الآلاف منهم، الأمر الذي أثار استياء دوليا، خصوصاً بعد حركة اللجوء الكبيرة للروهينغا خارج بلدهم.

حالياً تبدو عودة هؤلاء المهجرين مستحيلة في ظِل الاضطرابات السياسية التي تعيشها ميانمار عقب الانقلاب العسكري الذي أطاح الجيش بموجبه بالمستشارة أونغ سو تشي وسياسيين آخرين في نوفمبر 2021، رغم نجاح حزبها "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" في اكتساح الانتخابات البرلمانية.

على أثر هذا الانقلاب، تبنّت بعض أقليات ميانمار الخيار العسكري فشكّلت ميليشيات عرقية رفعت السلاح في وجه الحكم العسكري مُطالبة بتطبيق الفيدرالية في البلاد، كان من أبرزها  "جيش تحرير تانغ الوطني" و"جيش استقلال كاشين" و"جيش إنقاذ روهينغا أراكان".

تحت لواء حماية الروهينغا من بطش السُلطة، أجرى "جيش أراكان" عمليات تجنيد واسعة لشباب الروهينغا ودفعهم لتنفيذ عدة عمليات عسكرية ضد جنود جيش ميانمار، ما أجج العداء بين الطرفين وعقد المشهد أكثر.

وإثر هذه الصراعات المتنامية، ارتفع عدد الأشخاص الذين يحتاجون للمساعدة من مليون فردٍ إلى أكثر من 18 مليوناً.

اتفاق لإعادة النازحين الروهينغا إلى بورما 'في غضون عامين'
أعلنت حكومة بنغلادش الثلاثاء التوصل إلى اتفاق مع بورما ينص على إعادة النازحين الروهينغا الذين فروا من عمليات عسكرية نفذها الجيش البورمي "في غضون سنتين"، وذلك في أول جدول زمني واضح لإعادة مئات آلاف الأفراد من هذه الأقلية المسلمة رغم عدم اتضاح ظروف عودتهم بعد.

 

بنغلادش: أكبر مخيم في العالم

كانت بنغلادش أول وجهة لجوء، فرّ إليها الآلاف من الروهينغا، وزاد العدد مع الوقت، لتستضيف البلد أكثر من 700 ألف لاجئ، ما وضعها أمام تحدٍّ ضخم حاولت الحكومة إخفاءه عبر تسكين اللاجئيين في مخيمات عديدة، أهمها "كوكس بازار" المُصنّف كأكبر مخيم للاجئين في العالم، وهي خطوة نالت إشادات دولية عِدة في ذلك الوقت.

رغم الجهود الكبيرة لتحسين الأوضاع في "كوكس بازار"، فقد عانى سكانه طيلة السنوات الفائتة من الفيضانات وسوء التغذية وانتشار الأمراض بسبب نقص الرعاية الصحية.

إلى جانب هذه المشكلات، زادت عقبات إدارية من متاعب الروهينغا؛ فلم يُسمح لهم بإقامة منازل من الطوب، ولم يتلقَ أطفالهم تعليماً منتظماً ولم توفّر للرجال فرص عمل لائقة.

في 2018 أبرمت بنغلاديش اتفاقاً مع ميانمار لإعادة اللاجئين إلى قراهم، وهي خطوة لم تتم حتى اليوم في ظل اشتعال الموقف داخل ولاية راخين -كانت الموطن الرئيس لأغلبية الروهينغا- بسبب الاشتباكات المستمرة مع "جيش أراكان".

في ختام العام الماضي، تحوّل وجود الروهينغا إلى عبءٍ كبير بعدما تناقص الدعم المالي المقدم إلى بنغلادش لدعم جهودها في إيوائهم، ما دفعها لإطلاق نداءات متعددة للمساعدة، أبرزها خطاب رئيسة الوزراء شيخة حسينة واجد، في الأمم المتحدة.

بجانب التناقص المستمر في المعونات المقدمة، باتت الحياة داخل المخيمات أقل أمناً في ضوء تنامي دور عصابات تهريب المخدرات والاتجار بالبشر، التي بسطت سيطرتها على مساحات كبيرة من المخيم ودخلت في صراعات طاحنة مع بعضها، أسفرت عن مقتل العشرات من الروهينغا، وفي بعض الأحيان لجأت هذه العصابات إلى اختطاف العديد من سكان المخيم وابتزاز عائلاتهم من أجل الحصول على أموال نظير الإفراج عنهم.

في مطلع العام الحالي، تعرّض مخيم "كوكس بازار" لحريقٍ ضخم أدى إلى تدمير 800 خيمة وتشريد خمسة آلاف لاجئ بينهم 3500 طفل، لتتكرر نفس المأساة التي مرّ بها ذات المخيم في 2023 حين احترقت قرابة 2800 خيمة، متسببة في تشريد نحو 12 ألف لاجئ.

الحرائق المتتالية أكدت تدهور الوضع الأمني في المخيمات في ظل شكوكٍ قوية بكونها مُدبَّرة أو وقعت نتيجة اشتباكات بين الميليشيات المسلحة.

هذا المصير المؤسف سبق وأن تعرّض له أكثر من 21 ألف مواطن من الروهغينا فرّوا إلى الهند، ففي السنوات الفائتة استهدفَتْ معسكراتهم جماعات هندوسية متطرفة وأحرقت خيمهم المؤقتة وسط تصاعد لحملات كراهية ضدهم على مواقع التواصل الاجتماعي وصفتهم بـ"الإرهابيين" و"المهاجرين غير الشرعيين".

وفي مطلع هذا العام تزايدت شكاوى النازحات في بنغلادش من تعرضهن للاستغلال الجنسي داخل المخيمات على أيدي الضباط المكلفين بتأمين المنطقة التي يعيشون بها.

 

إندونيسيا: القفز نحو المجهول

بسبب صعوبة الأوضاع في بنغلادش، بدأ الروهينغا في استقلال مراكب تعبر بهم البحر نحو إندونيسيا.

تعيّن على هؤلاء المغامرين خوض رحلة بحرية شاقة في خليج البنغال على متن قوارب متهالكة كثيراً ما انقلبت بهم وأسفرت عن سقوط عديد الضحايا. في 2023 وحده توفي 569 لاجئاً في المياه، وهو رقم لافت للنظر لم تشهده تلك الحوادث منذ 10 سنوات.

من ناحيتها تبنّت إندونيسيا موقفا رحّب باستقبال اللاجئين، فأعلنت بذل جهودها في توفير الموارد اللازمة لاستضافتهم، رغم أنها لم توقّع على اتفاقية اللاجئين لعام 1951، بالتالي لا تُلزمها بنودها، لكنها في المقابل طالبت المجتمع الدولي بالعمل على حل المشكلة الرئيسة وهي الاقتتال العرقي في ميانمار، وأيضاً المساعدة في توفير احتياجات الفارين إلى أرضها، وهو أمر يبدو من الصعب تحقيقه في ضوء اقتطاع 40% من الميزانية الأممية المخصصة لدعم الروهينغا.

 

 

 

هذا الترحيب الحكومي لم يشمل جميع طوائف المجتمع الإندونيسي الذي شهد تنامياً في موجة العداء والرفض لاستقبال اللاجئين، رغم أنم جميعاً يشتركون في الانتماء للدين الإسلامي.

في نوفمبر من العام الماضي حاصر مجموعة من القرويين الإندونيسيين قارباً متهالكاً وصل إلى شاطئهم وهو محمول بمئات المهاجرين، رفض السكان السماح لهم بالنزول وأعادوهم من حيث أتوا.

ورفع آخرون لافتات فوق مبانٍ حكومية تعرب عن رفض السكان لاستقبال المزيد من المهاجرين، بعدها نظّمت الشرطة الإندونيسية بمساعدة الصيادين المحليين دوريات منتظمة لمنع القوارب القادمة من الرسو.

وبلغت موجة العداء ذروتها، حين اقتحم قرابة 100 إندونيسي مركزاً لإيواء الروهينغا في مدينة باندا آتشيه، ثم وضعوهم داخل شاحنات نقلتهم إلى دائرة الهجرة مطالبين بإعادتهم من حيث أتوا، وهو الهجوم الذي وصفته مفوضية اللاجئين بـ"المزعج للغاية".