رجل سوداني يسير في فناء كنيسة في مخيم أم كلجة السابق للاجئين في ولاية القضارف بشرق السودان في 15 ديسمبر 2023- تعبيرية
رجل سوداني يسير في فناء كنيسة في مخيم أم كلجة السابق للاجئين في ولاية القضارف بشرق السودان في 15 ديسمبر 2023- تعبيرية

في 14 مايو 2023، تحدّى العشرات من مسيحيي مدينة أم درمان السودانية مخاوفهم من الحرب التي مزّقت بلدهم، فتجمّعوا في كنيسة مارجرس لأداء قداس الأحد، لكنهم فوجئوا بوابل من الرصاص انهال عليهم، مما أسفر عن وقوع العشرات بين قتيل وجريح.

رغم فداحة الجريمة، فإن دماء الضحايا ضاعت بلا حساب بعد أن تبادل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع اتهامات المسؤولية عنه، ومرّت الأيام دون تحديد الجاني، لتكون شاهدة على حجم المعاناة التي يكابدها مسيحيو السودان وغيرهم من بقية الأقليات في الحرب المستمرة حتى الآن.

 

مسيحيو السودان

يشكّل المسيحيون نحو 5% من إجمالي عدد السودانيين البالغ 47.4 مليون نسمة، أي أن عددهم يصل إلى 2.3 مليون نسمة تقريبًا.

لا يمتلك المسيحيون في السودان أي قوة عسكرية، لذا فإنهم غير مؤثرين في معادلة الحرب السودانية، بل ربما يكونوا الحلقة الأضعف.

آثر المسيحيون الوقوف على الحياد وتجنّبوا إعلان دعمهم لأيٍّ من الأطراف المتصارعة، إلا أنهم لم ينجوا من نيران الحرب، خاصة بعدما شهدت العاصمة الخرطوم -معقل المسيحيين الأساسي- جولات مستمرة منها.

بحسب تقرير اللجنة الأميركية للحرية الدينية الدولية، فإن الصراع الحالي قلّص أي إمكانية لحرية الممارسة الدينية في السودان.

مع بدء الحرب الأهلية، تعطّلت الكثير من الأنشطة الدينية الرسمية للمسيحيين، ولم يعد الرهبان قادرين على مغادرة منازلهم أو ارتياد الكنائس بانتظام وأمان.

لاحقًا، بدأت عمليات استهداف مباشر للكنائس، وشهد الـ 17 من أبريل هجوماً على كنيسة "السيدة العذراء" مقر مطرانية الخرطوم، بعدما احتلها جنود الدعم السريع وحوّلوها إلى قاعدة عسكرية.

بعدها بأسبوع، سقط صاروخان على كاتدرائية للروم الكاثوليك جنوبي غرب الخرطوم، وفي أوائل مايو ٢٠٢٣ اشتعلت النيران في كنيسة إنجيلية داخل حي بحري تقطنه أغلبية مسيحية، وفي بداية نوفمبر الماضي، قُصفت دار إرسالية كاثوليكية فأصيبت راهبة وطفلين بجروح.

دُمرت 15 كنيسة، وأغلقت 165 أبوابها. ورغم ذلك، تمسّك أغلب القساوسة بعدم الرحيل عن السودان، وفضّل عدد كبير من المسيحيين الكاثوليك الهجرة نحو جنوب السودان، أو أماكن أكثر استقرارًا من الخرطوم، خوفاً من أن تعيد قوات الدعم السريع سياسات رئيس جمهورية السودان السابق عمر البشير، وتطبّق أحكام الشريعة على سكان المناطق الخاضعة لسيطرتها.

مقبرة جماعية في غرب دارفور.. اتهام أممي لـ"الدعم السريع" والأخيرة تنفي
أفاد مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الخميس، بأن 87 شخصا على الأقل بعضهم من عرقية "المساليت" وإثنيات أخرى، دفنوا في مقبرة جماعية، غرب دارفور بالسودان، مضيفا أن لديه معلومات جديرة بالثقة عن مسؤولية قوات الدعم السريع عن ذلك، وهي الاتهامات التي تنفيها هذه الأخيرة.

 

دارفور من جديد

منذ اشتعال الحرب في الخرطوم، تردّد صداها سريعا. دارفور، الإقليم الغني بمناجم الذهب، يعيش وضعا مضطربا هذه الأيام بسبب الاشتباكات المستمرة بين الميليشيات العربية المحسوبة على قوات الدعم السريع وبين قبائل "المساليت" التي تنحدر من أصول أفريقية.

مثل هكذا صراعات ليست غريبة على دارفور، فأحد أشكالها كان حديث العالم بعدما خاضت القبائل السودانية الأفريقية حربا ضروسا ضد ميليشيات الجنجويد العربية -النواة الأساسية لقوات الدعم السريع حاليا- أسفرت عن مقتل نحو 300 ألف في الفترة (2003 -2005).

في حينه، تعرض نظام البشير لانتقادات دولية حادة، ما اضطره للموافقة على نشر قوات حفظ سلام أممية أفريقية (يوناميد)، أسهمت كثيراً في فرض الهدوء داخل إقليم دارفور، لكن مهمتها انتهت في ديسمبر 2020.

في ظل الغياب الأمني الأممي، نجح جنود الدعم السريع في تحقيق انتصاراتٍ متتالية على الجيش، فاستولى جنوده على مقر القوات المسلحة في مدينة نيالا، ومنها اكتسحوا بقية دارفور، فانتزعوا زالنجي عاصمة الوسط والجنينة في الغرب والضعين عاصمة الشرق، لتفرض سيطرة شبه كاملة على الإقليم وتكشّر عن أنيابها لسكانه.

 

منذ بداية عام ٢٠٢٤، اتهم المتحدث باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين السودانيين، آدم رجال، ميليشيات الدعم السريع بفرض حصار اقتصادي على القرى غير العربية، وملاحقة أهلها بالتهديد وعمليات النهب المستمرة.

كما وثقت الأمم المتحدة شهادات تفيد بأن قوات الدعم السريع نفّذت العشرات من عمليات الإعدام في أنحاء دارفور وسط أجواءٍ ساخنة تعالت فيها خطابات الكراهية التي تدعو لمقاتلة "المساليت" وطردهم من السودان.

وفقاً لروايات الضحايا، فإن مسلحي الدعم السريع اقتحموا مدينة الجنينة، التي تحتضن أغلبية من أصلٍ أفريقي، وقتلوا رجالها واغتصبوا نساءها ونهبوا المنازل وسرقوا الممتلكات.

نساء هذه القرى اختطفن من بيوتهن وقُيدن بالسلاسل ثم نُقلن إلى أماكن مجهولة بالشاحنات، وفقاً لتقرير للأمم المتحدة.

الصحة العالمية: أمراض تتفشى وأوضاع تنهار في ولاية الجزيرة السودانية
اتسعت رقعة الصراع في السودان بشكل كبير، ليمتد إلى ولاية الجزيرة التي كانت ملجأ لنحو نصف مليون نازح من الخرطوم مع اندلاع الصراع قبل نحو 8 أشهر، ووصفت منظمة الصحة العالمية النظام الصحي في البلاد بأنه كان "ضعيفا" وحاليا "ينهار" بسبب ضغط الحرب.

قبور جماعية

بحسب تقرير لصحيفة "الغارديان البريطانية"، قال نائب رئيس نقابة أطباء السودان، الدكتور أحمد عباس، إن "مدينة الجنينة وحدها شهدت مقتل خمسة آلاف وجرح 8 آلاف آخرين خلال شهري مايو ويونيو 2023".

وكشفت هيئة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عن وجود نحو 13 مقبرة جماعية في الجنينة لمدنيين من قبيلة "المساليت" لقوا مصرعهم خلال هجوم قوات الدعم السريع عليهم، وفقاً للتقرير.

أحد أبرز هؤلاء الضحايا، هو خميس أبكر، والي غرب دارفور، الذي أعلن انحيازه للقوات المسلحة فقُتل بعد أن قُبض عليه.

بدوره، وصف مبعوث الأمم المتحدة في السودان فولكر بيرتيس، ما يجري في دارفور بأنه "جرائم ضد الإنسانية"، كما حذر في بيان له، من إعادة تكرار السيناريو القاتم الذي شهدته دارفور منذ نحو عقدين حينما قُتل الآلاف إثر الصراع المشتعل بين ميليشيات "الجنجويد" والجماعات المتمردة.

وخلال جلسة حضرها سيف نمير، أحد موظفي الأمم المتحدة في السودان، أمام مجموعة برلمانية بريطانية، اعتبر أن هذه الحرب امتداد لما وقع عام 2003، بقوله: "في الماضي كانوا يمتطون الخيول، اليوم يأتون عبر شاحنات صغيرة".

هذه المعارك لم تقتصر على المدن الإستراتيجية فقط وفقاً "هيومن رايتس ووتش" التي تقول إن "الميليشيات العربية هاجمت بلدة مسيتري التي تقطنها أغلبية من (المساليت)، فدمرت البلدة وقتلت 28 فردا منهم وجرح عشرات المدنيين".

العنف المتلاحق دفع آلاف العائلات غير العربية إلى الهرب من ميليشيات الدعم السريع نحو تشاد.

وثقت منظمة "أطباء بلا حدود" نحو 20 ألف لاجئ فروا إلى تشاد في منتصف يونيو ٢٠٢٣ بعد اشتعال القتال  في الجنينة، لينضموا إلى قرابة 450 ألف سوداني فرّوا إليها على مدار السنوات الماضية بسبب اضطراب الأوضاع في البلد.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

An ethnic Rohingya woman weeps after being removed from their temporary shelter at the basement of a community hall during a…
امرأة من الروهينغا تبكي بعد ترحيلها مع لاجئين آخرين وصلوا إندونيسيا هرباً من سوء الأوضاع في بنغلادش

في عام 2017 نفذت حكومة ميانمار عملية عسكرية موسعة ضد أقلية الروهينغا المسلمة، ردًا على غارات نفذها مسلحون في عدة مراكز شرطة، فهدمت الحكومة 55 قرية وقتلت 6700 شخص، بوفق أرقام منظمة "أطباء بلا حدود".

ولا تعتبر ميانمار، أقلية الروهينغا العرقية، من مواطنيها، إذ تصنف أبناءها بأنهم "عديمو الجنسية"، وهي الحجة التي برّرت بها عدوانها عليهم وتشريد عشرات الآلاف منهم، الأمر الذي أثار استياء دوليا، خصوصاً بعد حركة اللجوء الكبيرة للروهينغا خارج بلدهم.

حالياً تبدو عودة هؤلاء المهجرين مستحيلة في ظِل الاضطرابات السياسية التي تعيشها ميانمار عقب الانقلاب العسكري الذي أطاح الجيش بموجبه بالمستشارة أونغ سو تشي وسياسيين آخرين في نوفمبر 2021، رغم نجاح حزبها "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" في اكتساح الانتخابات البرلمانية.

على أثر هذا الانقلاب، تبنّت بعض أقليات ميانمار الخيار العسكري فشكّلت ميليشيات عرقية رفعت السلاح في وجه الحكم العسكري مُطالبة بتطبيق الفيدرالية في البلاد، كان من أبرزها  "جيش تحرير تانغ الوطني" و"جيش استقلال كاشين" و"جيش إنقاذ روهينغا أراكان".

تحت لواء حماية الروهينغا من بطش السُلطة، أجرى "جيش أراكان" عمليات تجنيد واسعة لشباب الروهينغا ودفعهم لتنفيذ عدة عمليات عسكرية ضد جنود جيش ميانمار، ما أجج العداء بين الطرفين وعقد المشهد أكثر.

وإثر هذه الصراعات المتنامية، ارتفع عدد الأشخاص الذين يحتاجون للمساعدة من مليون فردٍ إلى أكثر من 18 مليوناً.

اتفاق لإعادة النازحين الروهينغا إلى بورما 'في غضون عامين'
أعلنت حكومة بنغلادش الثلاثاء التوصل إلى اتفاق مع بورما ينص على إعادة النازحين الروهينغا الذين فروا من عمليات عسكرية نفذها الجيش البورمي "في غضون سنتين"، وذلك في أول جدول زمني واضح لإعادة مئات آلاف الأفراد من هذه الأقلية المسلمة رغم عدم اتضاح ظروف عودتهم بعد.

 

بنغلادش: أكبر مخيم في العالم

كانت بنغلادش أول وجهة لجوء، فرّ إليها الآلاف من الروهينغا، وزاد العدد مع الوقت، لتستضيف البلد أكثر من 700 ألف لاجئ، ما وضعها أمام تحدٍّ ضخم حاولت الحكومة إخفاءه عبر تسكين اللاجئيين في مخيمات عديدة، أهمها "كوكس بازار" المُصنّف كأكبر مخيم للاجئين في العالم، وهي خطوة نالت إشادات دولية عِدة في ذلك الوقت.

رغم الجهود الكبيرة لتحسين الأوضاع في "كوكس بازار"، فقد عانى سكانه طيلة السنوات الفائتة من الفيضانات وسوء التغذية وانتشار الأمراض بسبب نقص الرعاية الصحية.

إلى جانب هذه المشكلات، زادت عقبات إدارية من متاعب الروهينغا؛ فلم يُسمح لهم بإقامة منازل من الطوب، ولم يتلقَ أطفالهم تعليماً منتظماً ولم توفّر للرجال فرص عمل لائقة.

في 2018 أبرمت بنغلاديش اتفاقاً مع ميانمار لإعادة اللاجئين إلى قراهم، وهي خطوة لم تتم حتى اليوم في ظل اشتعال الموقف داخل ولاية راخين -كانت الموطن الرئيس لأغلبية الروهينغا- بسبب الاشتباكات المستمرة مع "جيش أراكان".

في ختام العام الماضي، تحوّل وجود الروهينغا إلى عبءٍ كبير بعدما تناقص الدعم المالي المقدم إلى بنغلادش لدعم جهودها في إيوائهم، ما دفعها لإطلاق نداءات متعددة للمساعدة، أبرزها خطاب رئيسة الوزراء شيخة حسينة واجد، في الأمم المتحدة.

بجانب التناقص المستمر في المعونات المقدمة، باتت الحياة داخل المخيمات أقل أمناً في ضوء تنامي دور عصابات تهريب المخدرات والاتجار بالبشر، التي بسطت سيطرتها على مساحات كبيرة من المخيم ودخلت في صراعات طاحنة مع بعضها، أسفرت عن مقتل العشرات من الروهينغا، وفي بعض الأحيان لجأت هذه العصابات إلى اختطاف العديد من سكان المخيم وابتزاز عائلاتهم من أجل الحصول على أموال نظير الإفراج عنهم.

في مطلع العام الحالي، تعرّض مخيم "كوكس بازار" لحريقٍ ضخم أدى إلى تدمير 800 خيمة وتشريد خمسة آلاف لاجئ بينهم 3500 طفل، لتتكرر نفس المأساة التي مرّ بها ذات المخيم في 2023 حين احترقت قرابة 2800 خيمة، متسببة في تشريد نحو 12 ألف لاجئ.

الحرائق المتتالية أكدت تدهور الوضع الأمني في المخيمات في ظل شكوكٍ قوية بكونها مُدبَّرة أو وقعت نتيجة اشتباكات بين الميليشيات المسلحة.

هذا المصير المؤسف سبق وأن تعرّض له أكثر من 21 ألف مواطن من الروهغينا فرّوا إلى الهند، ففي السنوات الفائتة استهدفَتْ معسكراتهم جماعات هندوسية متطرفة وأحرقت خيمهم المؤقتة وسط تصاعد لحملات كراهية ضدهم على مواقع التواصل الاجتماعي وصفتهم بـ"الإرهابيين" و"المهاجرين غير الشرعيين".

وفي مطلع هذا العام تزايدت شكاوى النازحات في بنغلادش من تعرضهن للاستغلال الجنسي داخل المخيمات على أيدي الضباط المكلفين بتأمين المنطقة التي يعيشون بها.

 

إندونيسيا: القفز نحو المجهول

بسبب صعوبة الأوضاع في بنغلادش، بدأ الروهينغا في استقلال مراكب تعبر بهم البحر نحو إندونيسيا.

تعيّن على هؤلاء المغامرين خوض رحلة بحرية شاقة في خليج البنغال على متن قوارب متهالكة كثيراً ما انقلبت بهم وأسفرت عن سقوط عديد الضحايا. في 2023 وحده توفي 569 لاجئاً في المياه، وهو رقم لافت للنظر لم تشهده تلك الحوادث منذ 10 سنوات.

من ناحيتها تبنّت إندونيسيا موقفا رحّب باستقبال اللاجئين، فأعلنت بذل جهودها في توفير الموارد اللازمة لاستضافتهم، رغم أنها لم توقّع على اتفاقية اللاجئين لعام 1951، بالتالي لا تُلزمها بنودها، لكنها في المقابل طالبت المجتمع الدولي بالعمل على حل المشكلة الرئيسة وهي الاقتتال العرقي في ميانمار، وأيضاً المساعدة في توفير احتياجات الفارين إلى أرضها، وهو أمر يبدو من الصعب تحقيقه في ضوء اقتطاع 40% من الميزانية الأممية المخصصة لدعم الروهينغا.

 

 

 

هذا الترحيب الحكومي لم يشمل جميع طوائف المجتمع الإندونيسي الذي شهد تنامياً في موجة العداء والرفض لاستقبال اللاجئين، رغم أنم جميعاً يشتركون في الانتماء للدين الإسلامي.

في نوفمبر من العام الماضي حاصر مجموعة من القرويين الإندونيسيين قارباً متهالكاً وصل إلى شاطئهم وهو محمول بمئات المهاجرين، رفض السكان السماح لهم بالنزول وأعادوهم من حيث أتوا.

ورفع آخرون لافتات فوق مبانٍ حكومية تعرب عن رفض السكان لاستقبال المزيد من المهاجرين، بعدها نظّمت الشرطة الإندونيسية بمساعدة الصيادين المحليين دوريات منتظمة لمنع القوارب القادمة من الرسو.

وبلغت موجة العداء ذروتها، حين اقتحم قرابة 100 إندونيسي مركزاً لإيواء الروهينغا في مدينة باندا آتشيه، ثم وضعوهم داخل شاحنات نقلتهم إلى دائرة الهجرة مطالبين بإعادتهم من حيث أتوا، وهو الهجوم الذي وصفته مفوضية اللاجئين بـ"المزعج للغاية".