في 14 مايو 2023، تحدّى العشرات من مسيحيي مدينة أم درمان السودانية مخاوفهم من الحرب التي مزّقت بلدهم، فتجمّعوا في كنيسة مارجرس لأداء قداس الأحد، لكنهم فوجئوا بوابل من الرصاص انهال عليهم، مما أسفر عن وقوع العشرات بين قتيل وجريح.
رغم فداحة الجريمة، فإن دماء الضحايا ضاعت بلا حساب بعد أن تبادل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع اتهامات المسؤولية عنه، ومرّت الأيام دون تحديد الجاني، لتكون شاهدة على حجم المعاناة التي يكابدها مسيحيو السودان وغيرهم من بقية الأقليات في الحرب المستمرة حتى الآن.
مسيحيو السودان
يشكّل المسيحيون نحو 5% من إجمالي عدد السودانيين البالغ 47.4 مليون نسمة، أي أن عددهم يصل إلى 2.3 مليون نسمة تقريبًا.
لا يمتلك المسيحيون في السودان أي قوة عسكرية، لذا فإنهم غير مؤثرين في معادلة الحرب السودانية، بل ربما يكونوا الحلقة الأضعف.
آثر المسيحيون الوقوف على الحياد وتجنّبوا إعلان دعمهم لأيٍّ من الأطراف المتصارعة، إلا أنهم لم ينجوا من نيران الحرب، خاصة بعدما شهدت العاصمة الخرطوم -معقل المسيحيين الأساسي- جولات مستمرة منها.
بحسب تقرير اللجنة الأميركية للحرية الدينية الدولية، فإن الصراع الحالي قلّص أي إمكانية لحرية الممارسة الدينية في السودان.
مع بدء الحرب الأهلية، تعطّلت الكثير من الأنشطة الدينية الرسمية للمسيحيين، ولم يعد الرهبان قادرين على مغادرة منازلهم أو ارتياد الكنائس بانتظام وأمان.
لاحقًا، بدأت عمليات استهداف مباشر للكنائس، وشهد الـ 17 من أبريل هجوماً على كنيسة "السيدة العذراء" مقر مطرانية الخرطوم، بعدما احتلها جنود الدعم السريع وحوّلوها إلى قاعدة عسكرية.
بعدها بأسبوع، سقط صاروخان على كاتدرائية للروم الكاثوليك جنوبي غرب الخرطوم، وفي أوائل مايو ٢٠٢٣ اشتعلت النيران في كنيسة إنجيلية داخل حي بحري تقطنه أغلبية مسيحية، وفي بداية نوفمبر الماضي، قُصفت دار إرسالية كاثوليكية فأصيبت راهبة وطفلين بجروح.
دُمرت 15 كنيسة، وأغلقت 165 أبوابها. ورغم ذلك، تمسّك أغلب القساوسة بعدم الرحيل عن السودان، وفضّل عدد كبير من المسيحيين الكاثوليك الهجرة نحو جنوب السودان، أو أماكن أكثر استقرارًا من الخرطوم، خوفاً من أن تعيد قوات الدعم السريع سياسات رئيس جمهورية السودان السابق عمر البشير، وتطبّق أحكام الشريعة على سكان المناطق الخاضعة لسيطرتها.
دارفور من جديد
منذ اشتعال الحرب في الخرطوم، تردّد صداها سريعا. دارفور، الإقليم الغني بمناجم الذهب، يعيش وضعا مضطربا هذه الأيام بسبب الاشتباكات المستمرة بين الميليشيات العربية المحسوبة على قوات الدعم السريع وبين قبائل "المساليت" التي تنحدر من أصول أفريقية.
مثل هكذا صراعات ليست غريبة على دارفور، فأحد أشكالها كان حديث العالم بعدما خاضت القبائل السودانية الأفريقية حربا ضروسا ضد ميليشيات الجنجويد العربية -النواة الأساسية لقوات الدعم السريع حاليا- أسفرت عن مقتل نحو 300 ألف في الفترة (2003 -2005).
في حينه، تعرض نظام البشير لانتقادات دولية حادة، ما اضطره للموافقة على نشر قوات حفظ سلام أممية أفريقية (يوناميد)، أسهمت كثيراً في فرض الهدوء داخل إقليم دارفور، لكن مهمتها انتهت في ديسمبر 2020.
في ظل الغياب الأمني الأممي، نجح جنود الدعم السريع في تحقيق انتصاراتٍ متتالية على الجيش، فاستولى جنوده على مقر القوات المسلحة في مدينة نيالا، ومنها اكتسحوا بقية دارفور، فانتزعوا زالنجي عاصمة الوسط والجنينة في الغرب والضعين عاصمة الشرق، لتفرض سيطرة شبه كاملة على الإقليم وتكشّر عن أنيابها لسكانه.
منذ بداية عام ٢٠٢٤، اتهم المتحدث باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين السودانيين، آدم رجال، ميليشيات الدعم السريع بفرض حصار اقتصادي على القرى غير العربية، وملاحقة أهلها بالتهديد وعمليات النهب المستمرة.
كما وثقت الأمم المتحدة شهادات تفيد بأن قوات الدعم السريع نفّذت العشرات من عمليات الإعدام في أنحاء دارفور وسط أجواءٍ ساخنة تعالت فيها خطابات الكراهية التي تدعو لمقاتلة "المساليت" وطردهم من السودان.
وفقاً لروايات الضحايا، فإن مسلحي الدعم السريع اقتحموا مدينة الجنينة، التي تحتضن أغلبية من أصلٍ أفريقي، وقتلوا رجالها واغتصبوا نساءها ونهبوا المنازل وسرقوا الممتلكات.
نساء هذه القرى اختطفن من بيوتهن وقُيدن بالسلاسل ثم نُقلن إلى أماكن مجهولة بالشاحنات، وفقاً لتقرير للأمم المتحدة.
قبور جماعية
بحسب تقرير لصحيفة "الغارديان البريطانية"، قال نائب رئيس نقابة أطباء السودان، الدكتور أحمد عباس، إن "مدينة الجنينة وحدها شهدت مقتل خمسة آلاف وجرح 8 آلاف آخرين خلال شهري مايو ويونيو 2023".
وكشفت هيئة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عن وجود نحو 13 مقبرة جماعية في الجنينة لمدنيين من قبيلة "المساليت" لقوا مصرعهم خلال هجوم قوات الدعم السريع عليهم، وفقاً للتقرير.
أحد أبرز هؤلاء الضحايا، هو خميس أبكر، والي غرب دارفور، الذي أعلن انحيازه للقوات المسلحة فقُتل بعد أن قُبض عليه.
بدوره، وصف مبعوث الأمم المتحدة في السودان فولكر بيرتيس، ما يجري في دارفور بأنه "جرائم ضد الإنسانية"، كما حذر في بيان له، من إعادة تكرار السيناريو القاتم الذي شهدته دارفور منذ نحو عقدين حينما قُتل الآلاف إثر الصراع المشتعل بين ميليشيات "الجنجويد" والجماعات المتمردة.
وخلال جلسة حضرها سيف نمير، أحد موظفي الأمم المتحدة في السودان، أمام مجموعة برلمانية بريطانية، اعتبر أن هذه الحرب امتداد لما وقع عام 2003، بقوله: "في الماضي كانوا يمتطون الخيول، اليوم يأتون عبر شاحنات صغيرة".
هذه المعارك لم تقتصر على المدن الإستراتيجية فقط وفقاً "هيومن رايتس ووتش" التي تقول إن "الميليشيات العربية هاجمت بلدة مسيتري التي تقطنها أغلبية من (المساليت)، فدمرت البلدة وقتلت 28 فردا منهم وجرح عشرات المدنيين".
العنف المتلاحق دفع آلاف العائلات غير العربية إلى الهرب من ميليشيات الدعم السريع نحو تشاد.
وثقت منظمة "أطباء بلا حدود" نحو 20 ألف لاجئ فروا إلى تشاد في منتصف يونيو ٢٠٢٣ بعد اشتعال القتال في الجنينة، لينضموا إلى قرابة 450 ألف سوداني فرّوا إليها على مدار السنوات الماضية بسبب اضطراب الأوضاع في البلد.
