خلّفت الحرب المشتعلة منذ عام 2015 آثارًا جسيمة على المجتمع اليمني بعد تصاعد نفوذ جماعة الحوثي المدعومة من إيران، التي تتبنّى سياسات دينية متشددة، ضد كل من يخالفها، ليس من الملسمين فقط، إنما من الأقليات الدينية والعرقية في اليمن.
فماذا نعرف عن هذه الأقليات، من تاريخ وحقوق وأحداث بارزة مرت فيها؟
"المهمشّون".. أفارقة اليمن
شريحة من اليمنيين أصحاب البشرة السمراء حيث أصولهم الأفريقية. لوحق هؤلاء بنظرة دونية وضعتهم في قاع طبقات المجتمع اليمني.
اختلف الباحثون حول تأصيل "المهمشين"، لكنهم وعلى مر السنين وُصموا بأنهم "ناقصو الأصل" ولا يتمتّعون بنسبٍ عربي راقٍ مثل طبقة "السادة" التي يزعم أصحابها الانتماء لسلالة الرسول محمد.
حمل "المهمشون" لقباً آخر أقدم هو "الأخدام" (جمع خادم)، وظلّ استخدام هذا المصطلح شائعًا في اليمن حتى ألغاه سالم ربيع علي، خلال فترة رئاسته المجلس الرئاسي لجمهورية اليمن الديمقراطية.
بحسب إحصاء سكاني أجري عام 2004، كان عددهم أكثر من 153 ألف نسمة، بينما تفاوتت التقديرات بشأن تعدادهم الحالي، الذي يُقدّر بـ500 ألف فرد (قرابة 2.6% من إجمالي السكان)، ووصلت تقديرات أخرى بأن عددهم 3.3 مليون نسمة.
عانى "المهمشون" بسبب التمييز ضدهم، من قلة فرص التعليم والعمل، وعزلة اجتماعية تمثّلت في السكن داخل بيوت من صفيح في أماكن منعزلة عن المناطق الحضرية، عادةً ما شهدت هذه الأماكن العشوائية اكتظاظا سكانيا كبيرا رغم عدم تمتعها بخدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي.
لسوء حظهم، تركزت أعمال العنف في المناطق التي تحتضن تجمعاتهم، مثل تعز وعدن وصعدة، وبعدما تكرّر قصف طائرات التحالف العربي لأحيائهم، اضطر "المهمشون" إلى النزوح بعيدًا، فأقاموا داخل مبان متهدمة وأحياء مهجورة، فعانوا أزمات إضافية في خضّم الصراع القائم.
#Yemen 's Muhamasheen community - the invisible victims of a war in which they have no side http://t.co/hbLYm12trK pic.twitter.com/Gc2gY69zyK
— Donatella Rovera (@DRovera) October 13, 2015
بسبب هذه الانتقالات المفاجئة، خسر الكثير من "المهمشين" فرص عملهم، فاضطروا لدفع أبنائهم الصغار إلى سوق العمل. بحسب تقديرات "اليونسيف"، شهد عام 2020 عمل 49% من أطفال "المهمشين" في صنعاء بمهن متواضعة، مثل جمع الصناديق والزجاجات الفارغة وإصلاح الأحذية.
وفي أحيانٍ كثيرة، استغلت جميع الأطراف المتصارعة حالة العوز الجماعية التي يعيشها أغلب "المهمشين"، لتجنيد الذكور في صفوف الميليشيات المتقاتلة بما فيهم الأطفال، وفي أماكن متفرقة من صنعاء عُلقت صور لأطفال كُتب عليها "شهداء أحفاد بلال" في إشارة لقتلى صغار "المهمشين" الذين أُجبروا على الانخراط في المعارك تحت راية الحوثيين.
#Yemen IDP camp for about 200 Muhamasheen families, Amran Governorate
— Brendan McDonald (@7piliers) August 27, 2015
by @UNOCHA http://t.co/mtPWscDPTH pic.twitter.com/EjPz9gvRfp
في ظِل النظرة المستمرة لهم على أنهم أقل شأناً من غيرهم، تكررت الاعتداءات عليهم، كما حدث عام 2020 حين اغتصب ستة فتيان طفلاً من "المهمشين" عُمره 7 سنوات في عدن، وفي أبين وظّف مزارع أطفالاً منهم للعمل في أرضه كذريعة لاستغلالهم جنسياً على مدار سنوات، وفي نفس العام اغتصب ذات المزارع طفلاً وقتله، في حادثة أثارت الرأي العام.
المدينة ذاتها كانت شاهدة على حادث مؤسف حينما ضاق رجلٌ من "المهمشين" بعجزه عن إطعام أسرته المكونة من 10 أطفال، فأشعل جسده في الشارع ومات متأثرًا بجروحه.
البهائيون.. "المغضوب عليهم"
منذ نجاح الحوثيين في بسط سيطرتهم على صنعاء أواخر عام 2014، تعرضت الأقلية البهائية في اليمن إلى ضغوطات متزايدة، إذ تراجع الحوثيون عن الاعتراف الحكومي السابق بالبهائية ورفضوا تسجيلها في خانة الديانة بالوثائق الرسمية، ليبدأوا بعد ذلك بملاحقة أفرادها أمنيا.
سيراً على النهج الإيراني في قمعهم للطائفة البهائية، لُوحق بهائيو اليمن قضائياً بتهم خطيرة كالتجسس والعمالة للدول الأخرى، بعضهم سُجنوا لسنوات وآخرون صدرت ضدهم أحكام بالإعدام، وفقاً لأحمد شهيد، المقرر الخاص للأمم المتحدة بحرية المعتقد، الذي قال إن "النمط المستمر لاضطهاد الطائفة البهائية في صنعاء يعكس الاضطهاد الذي يعاني منه البهائيون في إيران".
في مناسبةٍ أخرى، أكد شهيد أن "البهائيين تعرضوا إلى نمط مستمر من الاضطهاد يشمل المداهمات والاعتقالات التعسفية لفترات زمنية طويلة".
في أغسطس عام 2016، اعتقلت أجهزة الأمن 67 فرداً خلال حضورهم تجمّعاً بهائياً، بعضهم أُفرج عنه وآخرون قضوا شهوراً في السجن.
وفي أبريل 2017 نُفذت حملة مداهمات لمنازل بعض البهائيين انتهت باعتقال ستة أفراد منهم، تعرض بعضهم لتعذيب بشع خلال ثلاث سنوات قضوها بالسجن انتهت في يوليو 2020 بعد مفاوضات طويلة مع الأمم المتحدة.
BREAKING#Yemen: Armed #Houthi gunmen stormed a peaceful #Bahai annual general meeting in Sanaa today, after years of persecution, detaining at least 17 including 5 women. Other homes also raided.
— Bahá'í International Community - Human Rights (@BahaiBIC_Rights) May 25, 2023
Yemeni Baha’is on Zoom captured this video.
Details and our statement to follow. pic.twitter.com/CbMXsz3UY9
تزامنت هذه المحاكمات مع تصعيد إعلامي عنيف ضد البهائيين وأنهم جواسيس لإسرائيل بسبب وقوع المركز البهائي العالمي في مدينة حيفا. كما تنافَست شخصيات عامة مثل محمد المسوري، المستشار القانوني لعلي عبدالله صالح، والعالم السَلفي خالد الوصابي، والكاتبة الصحافية رشيدة القيلي، في إصدار تصريحات تحطُّ من قدر البهائيين وتعتبرهم "مرتدين عن الإسلام".
في عان 2018، أدرجت السلطات الحوثية كتاباً عن الصراع العربي الإسرائيلي ضمن المناهج الإلزامية لطلبة جامعة صنعاء، وصف الكتاب البهائية بأنها "حركة صهيونية" وكانت بداية لتعرض الطلاب البهائيين في المؤسسات التعليمية إلى موجة مستمرة من التنمر والإهانات من قِبَل الطلاب والمدرسين.
والعام الماضي، ألقى شمس الدين شرف الدين، المفتي العام للحوثيين، خطبة جمعة اعتبر فيها البهائية "خطراً" على المجتمع اليمني، وأنها تتلقى "دعماً سخياً من أميركا وبريطانيا"، كما تعرّض عبد الملك الحوثي، قائد جماعة الحوثيين، للبهائيين خلال ثلاث خطابات علنية اتهمهم فيها بـ"العمالة لأميركا وإسرائيل ومحاربة الإسلام".
أدّت هذه الخطوات إلى حالة من الرعب عاشها المجتمع البهائي، ما دفع الكثير من أفراده إلى ترك اليمن.
اليهود والمسيحيون
احتلَّ اليمن المركز الثالث من بين 50 دولة تمارس الاضطهاد الديني، بحسب قائمة المراقبة العالمية لمنظمة الأبواب المفتوحة عام 2023.
كان عدد اليهود في اليمن عام 1945 نحو 50 ألفاً، ليبدأ بالتناقص تدريجياً وبسرعة مع إعلان دولة إسرائيل، واحتدام الصراع الإسرائيلي- العربي، حتى وصل عام 2016 إلى 83 يهودياً فقط، والآن، لم يتبق أي منهم.
هذا العدد الضئيل لليهود في اليمن، لم يسلم من بطش جماعة الحوثي، ففي عام 2016 أمر زعيم الحوثيين، اليهود، بمغادرة محافظة صعدة إلى صنعاء. ليفي مرحبي وهو يهودي يمني تحد الأمر، وأصر على البقاء في منزله، فاعتقله الحوثيون لثماني سنوات، تعرض فيها لتعذيبٍ دامٍ انتهى إلى إصابته بالشلل.
طالَ المسيحيون نصيبهم من القمع، فتزايدت شكواهم من تلقيهم تهديدات من المتطرفين تصفهم بـ"المرتدين".
في فبراير 2015 داهم مسلحون يتشحون بالسواد مكتبة للأدب المسيحي في تعز، جمعوا كامل محتوياتها من الكتب ثم أحرقوها في السوق، وبحسب شهادة مدير المكتبة، فإن المسلحين قبل أن يرحلوا كتبوا على جدرانها "لعنة الله على النصارى واليهود".
في الشهر التالي، شنَّ مسلحون متطرفون هجوما على دارٍ لرعاية المسنين يديرها مسيحيون، دمّروا جميع الرموز المسيحية في الدار ثم قتلوا 16 فردًا بينهم 4 راهبات.
وفي سبتمبر 2015، هاجم مسلحون كنيسة "القديس يوسف" في مدينة عدن وأحرقوها ثم كُتبوا على جدرانها عبارات دينية إسلامية مثل "لكم دينكم ولي دين". والكتيسة حالياً عبارة عن مبنى مهجور يُحظر دخوله.
بعد ذلك بشهرين، نُسفت كنيسة "الحبل بلا دنس" في عدن. وفي مايو 2022 قدرت أعداد مسيحي اليمن بـ 40 ألفاً، لكنها مرشحة بشدة للنقص في ضوء عمليات الترهيب التي مُورست بِانتظام ضد المسيحيين.
