نساء يحضرن صلاة لليهود القرائين في كنيس داخل إسرائيل، من صفحة اليهود القرائين في أميركا على فيسبوك
نساء يحضرن صلاة لليهود القرائين في كنيس داخل إسرائيل، من صفحة اليهود القرائين في أميركا على فيسبوك

عاش اليهود في بلاد الرافدين منذ آلاف السنين، وحظيت تلك الأرض بمكانة مهمة في المُتخيل اليهودي الجمعي باعتبارها الموطن الأول للنبي إبراهيم، ولكونها المكان الذي شهد سبي أسباط بني إسرائيل في زمن الإمبراطوريتين الأشورية والبابلية.

في القرن الثامن الميلادي ظهرت فرقة القرائين، وهي من أهم الفرق الدينية اليهودية، في مدينة بغداد، وتأثرت بالعقائد الإسلامية، وتمكنت من الحفاظ على وجودها لقرون طويلة. فكيف ظهرت الفرقة؟ وما أهم عقائدها وأفكارها؟ وكيف يعيش أفراد الطائفة في دولة إسرائيل اليوم؟ 

 

من سجن بغداد

ظهرت طائفة اليهود القرائين في بغداد، عاصمة الخلافة العباسية في القرن الثامن الميلادي. في تلك الفترة، كان العراق مركزاً لأهم المدارس الدينية اليهودية، وكان من المعتاد، أن يترأس الجاؤون (الجالوت) الطائفة اليهودية في العراق، وأن يكون ممثلاً لليهود أمام الدولة العباسية.

في ستينيات القرن الثامن الميلادي، توفي الجاؤون داود، وطُرح اسم ابنه عنان ليحل محله، لكن الأغلبية الغالبة من الأحبار رفضت التصديق على قرار تعيينه، واختاروا إسحاق الإسكافي ليشغل منصب الجاؤون الجديد.

يذكر المفكر المصري عبد الوهاب المسيري في موسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية" أن عنان بن داود رفض تعيين الإسكافي وأعلن أنه الأحق بالمنصب. على أثر ذلك، اتهم الأحبار عنان بالهرطقة والخروج عن التعاليم اليهودية القويمة، فقُبض عليه بأمر من الخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور وزُج به في السجن.

يذكر الباحث السويسري فريدريش دورينمات في كتابه "أبو حنيفة وأنان بن داوود" أن فترة السجن أثرت بشكل كبير على توجهات عنان الفكرية. وتزامن حبس الحبر اليهودي مع حبس الفقيه أبي حنيفة النعمان.

بعد فترة من التعارف بين الفقيهين، نصح أبو حنيفة صاحبه بأن يعرض آراءه على الخليفة المنصور، بحيث يوضح له أفكاره العقلانية التي عارضه الأحبار بسببها. نجحت خطة أبي حنيفة، وأُفرج عن عنان بن داود فخرج من السجن وعمل على تأسيس طائفة دينية يهودية جديدة منفصلة عن طائفة "الربانيين" التي ينتمي لها الشطر الأكبر من اليهود.

عُرفت الفرقة الجديدة باسم "العنانية" نسبةً لمؤسسها عنان بن داود، قبل أن تُعرف باسمها الأشهر "القرائين" في منتصف القرن التاسع الميلادي على يد الحبر بنيامين بن موسى النهاوندي.

 

أثر الفقه الحنفي

يرفض القراؤون الرواية التاريخية التقليدية التي ترجع ظهورهم الأول إلى عنان بن داود، ويتمسكون بالرأي الذي يقول إن بدايتهم وقعت عقب وفاة الملك سليمان بن داود، بالتحديد عند انقسام المملكة العبرانية المتحدة إلى مملكتين (الشمالية والجنوبية).

وفق هذا الرأي فإن القرائين كانوا هم اليهود التُقاة الذين حافظوا على تطبيق الشريعة والتعاليم في تلك المرحلة التاريخية الحرجة، واستمروا في تناقل العلوم الصحيحة من جيل إلى آخر، حتى تمايزت طائفتهم بشكل رسمي عن باقي طوائف اليهودية الحاخامية على يد عنان بن داود.

آمن القراؤون بالعهد القديم فقط واعتبروه النص الوحيد المُنزل من عند الله (يهواه). وعلى النقيض من باقي الطوائف اليهودية لم يعترف القراؤون بالتوراة الشفوية التي يعتقد البعض أنها أُنزلت على النبي موسى فوق جبل سيناء.

لذلك؛ عُرفت هذه الطائفة بالعديد من الأسماء المشتقة من العهد القديم مثل "التناخيون"، و"أبناء المقرا" و"أصحاب المقرا" و"القراؤون"، كما يقول الباحث جعفر هادي حسن في كتابه "تاريخ اليهود القرائين منذ ظهورهم حتى العصر الحاضر".

بشكل عام، لا يؤمن القراؤون إلا بالفرائض اليهودية التي تلقّاها النبي موسى على جبل سيناء. ويمارسون العديد من الطقوس المختلفة عن التقاليد اليهودية المعروفة. على سبيل المثال، يتبعون تقويماً خاصا بهم يختلف عن التقويم اليهودي التقليدي، ولا يحتفلون بأي عيد لم يُذكر بشكل واضح في التناخ (العهد القديم)، كما يقدسون يوم السبت بطريقة أكثر تشدداً من باقي الطوائف اليهودية، حيث لا يشعلون  الشموع ولا يستخدمون أي جهاز إلكتروني أو ميكانيكي.

في ما يخص أعمال الطهارة، لا يؤمن القراؤون بالاعتقاد الحاخامي الذي يقصر التطهر بالنزول في حوض الطهارة (ميكفاه)، ويرون أنه يمكن التطهر من النجاسة بأي ماء متدفق حتى ولو في الحمام العادي.

يرى الكثير من الباحثين أن أفكار طائفة القرائين قد تأثرت بالعقائد الإسلامية، لا سيما في مبحثي الفقه وعلم الكلام. على سبيل المثال، يقول المسيري في موسوعته "من الواضح أن اليهودية كانت تواجه تحدياً فكرياً ضخماً بعد انتشار الإسلام، وكان عليها أن تستجيب له. وكان عنان بن داود يمثل أولى هذه الاستجابات...".

يعتقد البعض أن العلاقة الوطيدة التي نشأت بين الإمام أبي حنيفة النعمان وعنان بن داود في سجن بغداد ألقت بظلالها على المعتقدات التي اتبعها القراؤون لاحقاً،  ويظهر ذلك في الاعتماد الكامل على التوراة المكتوبة وفي اللجوء إلى آلية القياس لاستنباط الأحكام الفقهية، وفي التشجيع على الاجتهاد الفردي، وغير ذلك من الأحكام التي تشابهت مع الفقه الحنفي المُصطبغ بالصبغة المعتزلية.

وظهر التأثر بالطقوس الإسلامية أيضاً في الهيئة التي يؤدي بعا القراؤون صلواتهم، إذ تحتوي العديد من الحركات المشابهة للصلاة الإسلامية مثل الركوع والسجود والجلوس القرفصاء والانحناء يميناً ويساراً والوقوف.

من جهة أخرى، تمنح الأعراف القرائية مكانة متميزة للمرأة، بعكس التقاليد الحاخامية الصارمة التي تقضي بالفصل بين الجنسين في الصلاة، حيث يصلي الرجال إلى جانب النساء في الكنيس القرائي، ولا توجد أي موانع دينية لتوظيف المرأة في السلك الكهنوتي، فبوسعها أن تتقلد الحاخامية أو منصب القاضي الأعلى.

تظهر المساواة بين الجنسين في الطائفة القرائية كذلك في التنظيمات المتعلقة بالزواج والطلاق، تقول نائبة رئيس منظمة القرائين اليهودية العالمية "جميع عهود الزواج لدينا مكتوبة باللغة العبرية، وهي في الواقع اتفاقية متساوية بين الرجل والمرأة. ولهما نفس الحقوق. وإذا لم يتم الوفاء بالاتفاق لأي سبب من الأسباب، يمكنهما (رجلاً امرأة) طلب الطلاق".

 

40 ألفاً في إسرائيل

مثّل القراؤون نسبة كبيرة من مجموع الشعب اليهودي في القرون الوسطى، وانتشروا في العديد من الأماكن في أوروبا وآسيا وأفريقيا.

في العصر الحديث، تسبب صدامهم مع اليهودية الحاخامية التقليدية في إنقاذ القرائين من الكثير من حملات الاضطهاد التي شنتها أوروبا ضد اليهود. ففي القرن التاسع عشر الميلادي، حافظ القراؤون على مراكزهم المتميزة في روسيا القيصرية بعدما رفع بعضهم مذكرات رسمية إلى القيصر تفيد باختلافهم الكامل عن الحاخاميين الذين تم تهجيرهم وعزلهم من مناصبهم، وتكرر الأمر بالتزامن مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، إذ نجا الكثير منهم من محارق النازية بسبب التشكيك في انتمائهم للدين اليهودي.

حالياً، يصل تعداد القرائين قرابة 50 ألفاً، يعيش عشرة آلاف منهم في الولايات المتحدة الأميركية وشبه جزيرة القرم وتركيا وأستراليا وفرنسا، بينما يعيش 40 ألفاً في إسرائيل، متمركزين في مدينة الرملة حيث "مركز اليهودية القرائية العالمي"، وفي كل من أشدود وبئر السبع والقدس، وتتوزع البقية بين مجموعة من المستوطنات.

تختلف آراء أفراد الطائفة القرائية فيما يخص وضعهم الحالي داخل إسرائيل، فيرى البعض أنهم مواطنون إسرائيليون ويهود أولاً قبل أن يكونوا قرائين. في المقابل، يعتقد آخرون أنهم مواطنون من الدرجة الثانية.

بحسب التقرير الذي نشرته صحيفة "ماكوريشون" العبرية، فإن القرائين يتلقون كل عام ميزانية قدرها حوالي مليون و800 ألف شيكل من وزارة الخدمات الدينية الإسرائيلية، لكن ذلك لاقى اعتراضاً من ماور دباش، عضو الطائفة القرائية، إذ يقول "لا يتم تخصيص ميزانيتنا بشكل عادل، لأن أولئك الذين يقفون على قمة هرم وزارة الخدمات الدينية ليسوا دائماً أشخاصاً يحبون القرائين... الدولة لا تفهم أننا رغم أننا طائفة واحدة، إلا أننا منتشرون في ثلاثة عشر مركزاً في جميع أنحاء البلاد، وكل منطقة تحتاج إلى رسل عموميين ومرتلين وجزارين لتوفير الخدمات الدينية الكافية لأفراد المجتمع".

"لذلك، لا ينبغي أن تكون الميزانية وفقاً لعدد الأشخاص فحسب، بل وفقاً للوظائف المطلوبة في هذا المجال"، يضيف دباش.

في السياق نفسه، يشتكي أفراد الطائفة القرائية من تهميشهم في الكتب والمناهج التي يتم تدريسها في مراحل التعليم المختلفة داخل إسرائيل.

وأفاد تقرير لجنة "بيتون" الصادر في فبراير 2016 تحت عنوان "تأصيل هوية يهود إسبانيا والشرق في منظومة التعليم الإسرائيلية"، أن "هناك إشارات قليلة جداً إلى اليهودية القرائية في نظام التعليم. في التاريخ في الفصول الدراسية لا يتم التركيز على هذا الموضوع، وفي دروس الكتاب المقدس لا توجد مناقشة للتفسير القرائي...".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.
يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.

بعد اتفاق سياسي تأخر لسنوات، سينطلق التعداد العام للسكان في العراق نوفمبر المقبل دون ذكر الانتماء القومي للسكان.

اعتبر محللون عراقيون أن ذلك سيجنب البلد "المزيد من الجدل". ورغم عدم تقديم اعتراضات رسمية، إلا أن ممثلين عن الأقليات أعربوا عن قلق من استغلال النتائج.

وزارة التخطيط وعلى لسان متحدثها الرسمي عبد الزهرة الهنداوي أبلغت "ارفع صوتك" أن التعداد السكاني سينطلق بين 20 و21 نوفمبر المقبل، وسيكون تعداداً "تنموياً" لمعرفة الواقع المعيشي والاقتصادي والخدمي المقدم للعراقيين.

بموجب هذا التعداد، "سيتم وضع الخطط المستقبلية لتحقيق العدالة في توزيع الثروات"، يقول الهنداوي.

ويشير إلى أن التعداد في العراق سابقاً "كان يتضمن فقرة تتعلق بالقومية ولم يكن هناك أية أسئلة تتعلق بالمذهب". أما النسخة الحالية منه فستكون "خالية من السؤالين، كون هذه الأسئلة غير مجدية من الناحية التنموية".

ويؤكد الهنداوي أن ذكر القومية "كان أحد أسباب تأجيل الإحصاء في سنوات سابقة، نتيجة خلافات سياسية". لذلك فإن الأمم المتحدة رأت "إلغاء أي سؤال يمكن أن يعرقل التعداد".

وعن أهم الأسباب التي أدت إلى تأجيل التعداد أكثر من مرة منذ 2003، يشرح الهنداوي أنها كانت أحياناً تتعلق بالخلافات السياسية وفي أحيان أخرى بالأوضاع الأمنية أو عدم توفر التخصيصات المالية اللازمة، الإضافة إلى الأسباب الصحية التي رافقت انتشار فيروس كورونا سنة 2020.

وحالياً، تمت "معالجة الخلافات باتفاق سياسي، والوضع الأمني مستقر. بالتالي كل الظروف أصبحت مهيأة لإجراء أول تعداد سكاني في العراق منذ 27 عاماً"، بحسب الهنداوي.

لماذا تفشل دول عربية في إجراء التعداد السكاني بشكل دوري؟
يُعتبر تعداد السكان والمساكن من بين أكثر العمليات ضخامة وتعقيداً التي يمكن لأي دولة القيام بها. وبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن التعداد السكاني يحتاج إلى أن تكون البلدان التي تقوم به في حالة سلم، إذ يتطلب التخطيط الدقيق وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة.

قلق في صفوف الأقليات

على الرغم من إدراج الديانة للسكان كما تقول وزارة التخطيط، إلا أن هناك أقليات تعتبر نفسها قومية منفصلة مثل الشبك والكرد الفيلين وبعض الأيزيديين.

يوضح نائب رئيس مجلس الأقليات العراقي محمد الشبكي لـ"ارفع صوتك": "بحسب المناقشات التي سبقت التعداد السكاني في الأعوام السابقة، فقد تم تقديم مقترح لوضع سؤال يتعلق بالقومية، على أن تُترك الخانة فارغة ليقوم المواطن بكتابتها بنفسه إذا رغب".

ويقول إن التعداد السكاني في النسخ السابقة كان يتم فيه ذكر القوميات الأساسية العرب والأكراد والتركمان ثم يتم كتابة كلمة "أخرى"، لذلك فإن "أقليات قومية مثل الشبك والكرد الفيلين لم يتم تعدادهم بشكل صحيح، وكنا نعتبر الإحصاء الحالي يمكن أن ينصفهم"، وفق تعبيره.

يتركز وجود الشبك في المناطق المتنازع عليها بين الإقليم والمركز وهي مناطق صراع، يتابع الشبكي "من جهة، ترغب الحكومة المركزية بالسيطرة عليها، ومن جهة أخرى يرغب الإقليم باعتبار سكانها أكراداً. وبهذا تصبح مناطقهم تابعة للإقليم".

ويعرب الشبكي عن قلقه من "استخدام البيانات (من التعداد) لمسائل سياسية أو لتثبيت واقع حال أو تلاعب بحدود المحافظات".

في المقابل،  يرى رئيس ائتلاف الرافدين يونادم كنا أن إلغاء القومية من التعداد السكاني "أمر إيجابي لأنه يخدم النهج الوطني".

ويبين لـ"ارفع صوتك" أن كوتا الأقليات في البرلمان العراقي "لن تتأثر بإحصاء السكان، كونها أقرت بقانون وزعت فيه المقاعد بموجب اتفاق سياسي لم يؤخذ فيه بنظر الاعتبار عدد السكان".

 ولو كان تم الأخذ بنظر الاعتبار عدد السكان "لكنّا رأينا عدد مقاعد مختلف الأقليات خصوصاً أتباع الديانة المسيحية، إذا أخذنا التعداد التقديري السابق الذي تحدث عن وجود مليون ونصف المليون مسيحي في البلد ولهم 15 مقعداً في البرلمان"، يضيف كنا.

وبحسب نظام كوتا الأقليات في البرلمان العراقي، فإن هناك خمسة مقاعد للمسيحيين موزعة على محافظات بغداد ونينوى وكركوك ودهوك وأربيل، ومقعد واحد لكل من الأيزيدين والصابئة والشبك والكرد الفيلية.

الحالة الوحيدة المثيرة للقلق، كما يقول كنا "إذا رأينا بعد التعداد وظهور النتائج نفساً قومياً عنصرياً أو دينياً متشدداً يمكن أن يؤثر سلباً إذا ما طالب بإعادة النظر بالقانون، وهو أمر إذا ساد فأقرأ السلام على الوطن" على حدّ تعبيره.


"تذويب الهويات"

يرى المحلل السياسي أحمد الشريفي أن عدم إدراج خيارات القومية والمذهب في التعداد السكاني، "يعني تذويب الهويات الفرعية إلى هوية وطنية واحدة، وهو خيار إيجابي يؤدي إلى جمع العراقيين تحت مظلة العنوان الوطني الواحد".

يقول لـ"ارفع صوتك": "في السابق كانت المذهبية غير موجودة في الإحصاء السكاني، لكن القومية كانت حاضرة منذ تسلّم حزب البعث للسلطة الذي ذهب باتجاه تعزيزها بعد تبنيه مبدأ القومية العربية فوق باقي المكونات، فضلاً عن ترسيخه للعشائرية والقبلية في نظام الحكم".

ويرجّح الشريفي أن الغاء القومية "سيكون ورقياً فقط" بينما في الواقع، بحسب كلامه "ستكون الأزمة حاضرة في الظاهرة السياسية، وأقرب مصداق لها قضية كركوك التي تتجاذبها ثلاث قوميات (الكرد والعرب والتركمان) وكل منهم يدعي أنه يمثل الأغلبية".

لكن مشكلة كركوك، يستدرك الشريفي "لم تبدأ بعد عام 2003 بل منذ عقود، عندما قرر حزب البعث تغيير الحدود الإدارية لعدد من المحافظات ومنها كركوك التي كانت تضم 36 وحدة إدارية ليتبقى منها 16 فقط".

يتابع: "لا يزال النزاع قائماً وكامناً وفاعلاً، وبسبب وجوده، فإن المحافظة الغنية بالنفط عاجزة عن اختيار محافظ لها اليوم، رغم مرور أشهر على انتخابات مجالس المحافظات".

يتفق المحلل السياسي إياد العنبر مع ما ذهب إليه الشريفي، بالقول "من الناحية السياسية نحن أمام قضيتين الأولى هي المناطق المتنازع عليها، والثانية هي كركوك. وهي من الخلافات المهمة بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان. وفي حال إجراء إحصاء يتضمن القومية فإنه يمكن أن يؤجج المشكلة أكثر من أن يقدم حلاً لها".

وتعتبر الخلافات على المناطق المتنازع عليها واحدة من أعقد المشكلات بين إقليم كردستان وبغداد، وهي تتضمن محافظات كركوك ونينوى وصلاح الدين وديالى. وكان الدستور أقر المادة 140 كحل لها، التي تتضمن ثلاث خطوات، إحداها تتعلق بإجراء إحصاء للسكان واستفتاء لتحديد المصير.

وزارة التخطيط نأت بنفسها عن أن تكون جزءاً من تنفيذ المادة الدستورية من خلال تقديمها سؤالاً إلى المحكمة الاتحادية عام 2010، يتعلق بالإحصاء السكاني وإذا ما كان هو ذاته المقصود في الدستور. وحينها أشارت المحكمة إلى أنه لا يوجد أي ربط بين الإحصاء العام والإحصاء المذكور ضمن المادة 140.

مع ذلك يرى العنبر أن قضية الأرقام المتعلقة بالمذاهب والقوميات "واضحة في أغلب المناطق لأن أغلبها معروف من يسكنها، لكن البعض يحاول استثمار الموضوع للتجاذبات السياسية والدخول في جدل سياسي جديد. وربما يتم الطعن في بعض النتائج باعتبارها تغيير ديمغرافي إذا ما تم ذكر القومية والمذهب وهو أمر لسنا بحاجة له على الإطلاق".

لماذا عجز العراق عن إجراء تعداد سكاني منذ ربع قرن؟
عام 1997م أجرى العراق تعداده السكاني الأخير. عملية شابتها الكثير من المشاكل، فلم يُجرَ الاستطلاع إلا في 15 محافظة بعد استبعاد محافظات إقليم كردستان، الأمر الذي دفع بعض الباحثين لعدم الاعتراف بنتائجه والاكتفاء ببيانات الإحصاء الذي سبقه بعشر سنوات وشمل جميع محافظات العراق.

مقاعد

في السياق نفسه، يقول رئيس مركز "المورد" للدراسات والإعلام نجم القصاب، إن عدم ذكر القومية والمذهب في التعداد معناه أن "الحكومة تتعامل مع المواطن كونه عراقياً فقط، وليس على أساس المكونات". 

والمكون، برأيه "يقسم المجتمع أولاً، والدولة العراقية ثانياً" مردفاً "لهذا علينا أن نغادر هذه المسميات وهذه الأسماء".

ولكن، ما تأثير ذلك على التعداد السكاني؟ يقول القصّاب إنه "يتعلق بالفروقات السكانية التي يمكن أن تظهر بين محافظة وأخرى، وهو أمر من شأنه إحداث تغييرات في التمثيل البرلماني للمحافظات".

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "إذا ما حصل وكانت الأرقام الحقيقية خلال التعداد السكاني مختلفة عن التقديرات في المحافظات، فمن يظهر وجود نسبة سكان أعلى لن تتضرر بل ستستفيد لأن تمثيلها السكاني سيرتفع. أما المحافظات التي تتراجع بها النسبة السكانية بشكل ملحوظ ستتراجع نسبة تمثيلها البرلماني وتصبح مقاعدها أقل".

تغيير نسب السكان معناه كما يقول المحلل السياسي علي الحبيب لـ"ارفع صوتك" أن هناك إمكانية لـ"زيادة مقاعد بعض المحافظات التي سيرتفع عدد سكانها، كما سترتفع حصتها المالية التي تعتمد على عدد السكان وتتغير الخطط التنموية المتعلقة بها"، وإذا تراجع عدد السكان "سيحصل العكس، أي أن تتراجع أعداد المقاعد وتنخفض تخصيصاتها المالية".

هذه العوامل، بحسب الحبيب "تثير المخاوف لدى المراقبين من إمكانية حصول تدخلات لتحقيق مكاسب سياسية ومالية عبر التأثير على عملية التعداد، التي تؤدي إلى تحقيق نتائج غير دقيقة، خصوصاً أن لدينا تغيرات ديمغرافية قبل وبعد عام 2003، ووجود عدد كبير من النازحين في المخيمات".

جزء من هذه المخاوف تأتي "لعدم توفر البنية التحتية الضرورية مثل التقنية والموارد البشرية المدربة بشكل كافٍ، وعدم تنمية الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية ليُدلي ببياناته بشكل دقيق"، يتابع الحبيب، مضيفاً "كل هذه المعوقات من شأنها أن تؤثر سلبياً على نتائج الإحصاء".

والحل، أن يبذل العراق "جهوداً كبيرة لتطوير البنية التحتية، وحل أزمة الثقة بين المواطن والحكومة للوصول إلى نتائج حقيقية للإحصاء السكاني"، يقول الحبيب.