يُعدّ الدين المسيحي ثاني  أكبر الأديان في إيران من حيث عدد الأتباع، بعد الإسلام.
يُعدّ الدين المسيحي ثاني  أكبر الأديان في إيران من حيث عدد الأتباع، بعد الإسلام.

يُعدّ الدين المسيحي ثاني  أكبر الأديان في إيران من حيث عدد الأتباع، بعد الإسلام. ويعترف الدستور الإيراني في مادته الثالثة عشرة بالمسيحية باعتبارها أحد الأديان التي يُضمن لأفرادها حرية العقيدة والممارسة الدينية.

رغم ذلك، تتباين آراء المسيحيين الإيرانيين فيما يخص موقف الدولة منهم بعد انتصار "الثورة الإسلامية" سنة 1979، إذ يرى البعض أن النظام الحاكم أتاح للمسيحيين الفرصة للحصول على حريتهم الدينية الكاملة، فيما يرى آخرون أن النظام يتعمد تهميشهم وإقصاءهم.

كيف انتشرت المسيحية في إيران؟ وما هي أهم الطوائف المسيحية الإيرانية؟ وما هي وجهات النظر المختلفة حول موقف النظام الحاكم من المسيحيين الإيرانيين؟

 

كيف انتشرت المسيحية في إيران؟

عرفت إيران الدين المسيحي منذ فترة مبكرة. وبحسب التقاليد المسيحية، فإن القديس توما الرسول كان أول من بشر بالإنجيل في بلاد فارس وبلاد ما بين النهرين، ثم تبعه في مهمته تلميذه عداي أو مار آدي، ومن بعدهما تولى نبيل فارسي -اسمه ماري- رعاية الجماعات المسيحية الناشئة في المنطقة، ثم توالى سبعة أساقفة على التبشير في منطقة بلاد فارس حتى نهاية القرن الثالث الميلادي، ونجحوا في تلك الفترة في بناء ما يزيد على ٣٠٠ كنيسة في أماكن متفرقة من إيران.

يذكر الباحث سركيس أبو زيد في كتابه "المسيحية في إيران: دراسة في النشأة والواقع" أن معاملة السلطات الفارسية للمسيحيين تغيرت بشكل جذري تبعاً للظروف السياسية التي مرت بالمنطقة في القرون الوسطى. وعلى الرغم من أن معظم الحكومات الإيرانية اعتادت أن تعامل المسيحيين بروح من التسامح، إلا أن ثمة بعض الفترات التي عانى المسيحيون الإيرانيون خلالها من الاضطهاد والتضييق.

من جهة أخرى، لعب المسيحيون الإيرانيون دوراً مهماً في تاريخ الحضارة الفارسية في العصور القديمة. فمن ناحية، كانت إيران هي النقطة الأساس التي انتشرت منها المسيحية عبر قارة آسيا. فالمبشرون الأوائل الذين نقلوا دينهم إلى الصين في القرن السابع عشر الميلادي كانوا من إيران، حتى إن المصادر الصينية استمرت بالإشارة إلى المسيحية بكونها الدين الفارسي. ومن ناحية أخرى، اشتهر المسيحيون الإيرانيون بعلومهم المثيرة للإعجاب.

يقول أبو زيد في كتابه: "كانت مدرستهم -أي المسيحيين الإيرانيين- الطبية في جنديسابور، التي تقع جنوب غرب مقاطعة خوزستان الإيرانية، مركز التعليم النسطوري... قدمت تلك المدرسة أجيالاً عدة من الأطباء إلى البلاط الملكي الساساني واستمرت حتى الحقبة الإسلامية؛ حيث درب المعلمون المسيحيون العديد من العائلات العربية الرفيعة المستوى".

 

الآشوريون والأرمن والبروتستانت

حالياً، تتواجد العديد من الطوائف الدينية المسيحية داخل إيران، ويمكن أن نحدد 3 طوائف رئيسية تمثل الأغلبية الغالبة من المسيحيين الإيرانيين.

تُعدّ "كنيسة المشرق الأشورية" أقدم الطوائف المسيحية المنتشرة داخل إيران على الإطلاق. يعود تاريخ تأسيس تلك الكنيسة إلى القرن الخامس الميلادي. في تلك الفترة، تم عقد مجمع أفسس  سنة 431م، ورُفضت فيه أفكار نسطوريوس، بطريرك القسطنطينية بخصوص طبيعة المسيح. وعلى إثر ذلك، انتقلت أفكار نسطوريوس إلى العراق وبلاد فارس. وتأسست كنيسة المشرق أو كنيسة فارس.

تمتعت الكنيسة بنفوذ كبير في العصر العباسي، وظهر منها العديد من العلماء والمترجمين والأطباء ومنهم آل بختيشوع، وإسحاق بن حنين، ويوحنا بن ماسويه. حالياً، يتركز الوجود الأشوري في مدينة أرومية في محافظة أذربيجان، شمالي غربي إيران.

أيضاً، يتواجد أتباع كُثر للكنيسة الأرمينية داخل إيران، وقد تنامى نفوذ الكنيسة في بلاد فارس بالتزامن مع وصول الصفويين للحكم في بدايات القرن السادس عشر الميلادي.

وفي القرن السابع عشر، ازدادت أعداد المسيحيين الأرمن بعدما تم توطين مئات الآلاف منهم في مدينة أصفهان، كما أن الآلاف منهم قدموا إلى إيران في أثناء المذابح العثمانية في أرمينيا.

بشكل عام، تمكن المسيحيون المنحدرون من أصول أرمينية من الحصول على قدر كبير من الحرية في موطنهم الجديد. وساعدتهم الدولة في بناء العديد من الكنائس في مركزهم الرئيسي بحي جلفا بمدينة أصفهان، ومنها "كنيسة فانك" الشهيرة، والتي تُعتبر واحدة من أهم المزارات الدينية التي يقصدها السياح من داخل وخارج إيران.

يوجد كذلك حضور مهم للكنائس البروتستانتية المختلفة في إيران. وترجع بدايات هذا الحضور إلى بدايات القرن العشرين، في تلك الفترة، وقد نجحت الحملات التبشيرية البروتستانتية القادمة من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية في تحويل العديد من الأكراد في شمالي إيران إلى المسيحية.

 

وجهة النظر الرسمية: تسامح وحرية

يؤكد النظام الحاكم في إيران  احترامه للأقليات الدينية المتواجدة داخل حدود الدولة الإيرانية. وتأتي الأقلية المسيحية على رأس تلك الأقليات. وقد نصت المادة الثالثة عشرة من الدستور الإيراني على أن "الإيرانيين الزرادشت، واليهود، والمسيحيون هم وحدهم الأقليات الدينية المُعترف بها، وتتمتع بالحرية في أداء مراسمها الدينية ضمن نطاق القانون،  ولها أن تعمل وفق قواعدها في الأحوال الشخصية والتعاليم الدينية".

تبرهن الحكومة الإيرانية على تسامحها مع المكون المسيحي من خلال مجموعة من الشواهد والأدلة، ومن أهمها مشاركة المسيحيين في الحياة السياسية من خلال حصولهم على بعض المقاعد في "مجلس الشورى" و"البرلمان"، وإتاحة الفرصة لهم للإسهام في الأنشطة الاقتصادية بالدولة، ووجود ما يقرب من 600 كنيسة تتوزع في مناطق مختلفة من الجمهورية الإيرانية، بالإضافة إلى الحرية التي يتمتع بها المسيحيون فيما يخص قوانين الإرث والأحوال الشخصية، وإتاحة الفرصة لهم للاحتفال بالمناسبات الرسمية دون تضييق من الحكومة.

كذلك، تؤكد وجه النظر الإيرانية الرسمية وجود العديد من المدارس الخاصة التي تهتم بنقل المعارف الدينية لدي الأقلية المسيحية، ومنها بعض المدارس التابعة لكنيسة المشرق الآشورية، والعديد من المدارس الأرمينية في طهران، والتي تقوم بتدريس اللغة الأرمينية وتاريخ الشعب الأرمني دون تدخل يُذكر من الدولة.

بشكل عام، يحرص الإعلام الإيراني الرسمي على إبراز مجموعة من التصريحات التي تؤكد  التسامح الذي تتمتع به الأقلية المسيحية في البلاد.

على سبيل المثال، في 2021م، أبرزت وكالة ABNA الإيرانية، المقربة من النظام تصريحات كبير أساقفة كنيسة المشرق الآشورية في إيران "مار نرساي بنيامين"، والتي أكد فيها أن المسيحيين الإيرانيين يحظون بالأمن والسلام في ظل الحكومة الإسلامية.

وأضاف: "إن أفكار الخميني قد أدّت إلى التضامن والتعاطف بين أتباع الديانات السماوية في إيران". في السياق نفسه، يقول مسؤول أبرشية الأرمن في أرومية: "لا أعتقد أن لدينا محدوديات خاصة للعيش في إيران من قِبل الحكومة، بل إنها رسمت لنا أُطر ا معينة ودقيقة وضحتها بصورة شفافة لنتمكن من ممارسة جميع شعائرنا في هذه الأطر".

 

وجهة النظر المعارضة: اضطهاد وتضييق

على الجانب المقابل، تتصاعد شكوى العديد من المنظمات الحقوقية العالمية بخصوص الاضطهاد الذي يعاني منه المسيحيون داخل إيران وتحدد تلك المنظمات 3 تجليات واضحة لهذا الاضطهاد. أولها، إجبار النساء المسيحيات على ارتداء الحجاب/ الزي الإسلامي بعد انتصار "الثورة الإسلامية" في سنة 1979م، وثانيها، استهداف بعض القيادات المسيحية داخل إيران. أما التجلي الثالث فيتمثل في تجريم التحول العقائدي إلى المسيحية.

في تسعينيات القرن العشرين، أُثير النقاش حول استهداف المسيحيين الإيرانيين بعد اختفاء القس المسيحي هايك هوفسبيان. يعود هوسبيان إلى أصول أرمنية إيرانية، وكان أحد القادة المسيحيين القلائل الذين استمروا في التبشير بالمسيحية داخل إيران. ففي سنة 1994م، تعرض هوفسبيان للاختطاف من قِبل جهة غير معلومة. وتبادلت الحكومة الإيرانية مع حركة مجاهدي خلق المعارضة الاتهامات باختطافه، قبل أن يتم العثور عليه قتيلاً بعد 11 يوما من اختفائه.

في سنة 2012م، انتقدت منظمة هيومن رايتس وتش في تقريرها تجريم السلطات الإيرانية لتحول بعض المسلمين الإيرانيين للمسيحية. وفي هذا السياق، ألقى التقرير الضوء على محاكمة القس يوسف نادارخاني في سنة 2010م، والذي أدين بتهمة الارتداد وحُكم عليه بالإعدام، وتم تأييد الحكم من قِبل المحكمة العليا في إيران، قبل أن يتم تبرئة نادارخاني والإفراج عنه في سبتمبر 2012م بعد ضغط قوي من جانب العديد من المنظمات الحقوقية داخل إيران وخارجه.

في سنة 2016م، ألقت بعض المنظمات الحقوقية الإيرانية الضوء على الظلم الذي تعرضت لها جماعة رباني- وهي أكبر طائفة بروتستانتية في إيران- بعدما تم مصادرة أراضي وعقارات تابعة لها في مدينة الكرج الواقعة غربي طهران. وقالت الجماعة وقتها إن الاستيلاء على أملاكها تم من خلال منظمة تُدار -بشكل مباشر- من قِبل المرشد الأعلى علي خامنئي.

في أغسطس 2018م، تحدث تقرير شبكة فوكس نيوز الأميركية عن الحكم الذي أصدرته محكمة في بوشهر ضد 12 إيرانيا مسيحيا بتهمة "الدعاية ضد الإسلام".

وأشار التقرير إلى أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الإدارة الأميركية على إيران تسببت -عن غير قصد- في تصاعد حملة القمع ضد المسيحيين الإيرانيين.

في السياق نفسه، ذكر التقرير الصادر عن منظمة هيومن رايتس واتش أن المحاكم الإيرانية في 2018م أصدرت أحكاماً بالسجن على 37 مسلماً اعتنقوا المسيحية بتهمة ممارسة "أعمال تبشيرية".

وبحسب تلك الآراء، فإن التضييق الإيراني على المسيحيين وصل لمحاولة تغيير هوية بعض المباني المسيحية القديمة. على سبيل المثال، في مايو 2019م، تحدثت بعض التقارير أن عناصر من الاستخبارات الإيرانية أغلقوا إحدى الكنائس الآشورية القديمة في تبريز، كما قاموا بإزالة الصليب المُعلق أعلى الكنيسة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.
يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.

بعد اتفاق سياسي تأخر لسنوات، سينطلق التعداد العام للسكان في العراق نوفمبر المقبل دون ذكر الانتماء القومي للسكان.

اعتبر محللون عراقيون أن ذلك سيجنب البلد "المزيد من الجدل". ورغم عدم تقديم اعتراضات رسمية، إلا أن ممثلين عن الأقليات أعربوا عن قلق من استغلال النتائج.

وزارة التخطيط وعلى لسان متحدثها الرسمي عبد الزهرة الهنداوي أبلغت "ارفع صوتك" أن التعداد السكاني سينطلق بين 20 و21 نوفمبر المقبل، وسيكون تعداداً "تنموياً" لمعرفة الواقع المعيشي والاقتصادي والخدمي المقدم للعراقيين.

بموجب هذا التعداد، "سيتم وضع الخطط المستقبلية لتحقيق العدالة في توزيع الثروات"، يقول الهنداوي.

ويشير إلى أن التعداد في العراق سابقاً "كان يتضمن فقرة تتعلق بالقومية ولم يكن هناك أية أسئلة تتعلق بالمذهب". أما النسخة الحالية منه فستكون "خالية من السؤالين، كون هذه الأسئلة غير مجدية من الناحية التنموية".

ويؤكد الهنداوي أن ذكر القومية "كان أحد أسباب تأجيل الإحصاء في سنوات سابقة، نتيجة خلافات سياسية". لذلك فإن الأمم المتحدة رأت "إلغاء أي سؤال يمكن أن يعرقل التعداد".

وعن أهم الأسباب التي أدت إلى تأجيل التعداد أكثر من مرة منذ 2003، يشرح الهنداوي أنها كانت أحياناً تتعلق بالخلافات السياسية وفي أحيان أخرى بالأوضاع الأمنية أو عدم توفر التخصيصات المالية اللازمة، الإضافة إلى الأسباب الصحية التي رافقت انتشار فيروس كورونا سنة 2020.

وحالياً، تمت "معالجة الخلافات باتفاق سياسي، والوضع الأمني مستقر. بالتالي كل الظروف أصبحت مهيأة لإجراء أول تعداد سكاني في العراق منذ 27 عاماً"، بحسب الهنداوي.

لماذا تفشل دول عربية في إجراء التعداد السكاني بشكل دوري؟
يُعتبر تعداد السكان والمساكن من بين أكثر العمليات ضخامة وتعقيداً التي يمكن لأي دولة القيام بها. وبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن التعداد السكاني يحتاج إلى أن تكون البلدان التي تقوم به في حالة سلم، إذ يتطلب التخطيط الدقيق وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة.

قلق في صفوف الأقليات

على الرغم من إدراج الديانة للسكان كما تقول وزارة التخطيط، إلا أن هناك أقليات تعتبر نفسها قومية منفصلة مثل الشبك والكرد الفيلين وبعض الأيزيديين.

يوضح نائب رئيس مجلس الأقليات العراقي محمد الشبكي لـ"ارفع صوتك": "بحسب المناقشات التي سبقت التعداد السكاني في الأعوام السابقة، فقد تم تقديم مقترح لوضع سؤال يتعلق بالقومية، على أن تُترك الخانة فارغة ليقوم المواطن بكتابتها بنفسه إذا رغب".

ويقول إن التعداد السكاني في النسخ السابقة كان يتم فيه ذكر القوميات الأساسية العرب والأكراد والتركمان ثم يتم كتابة كلمة "أخرى"، لذلك فإن "أقليات قومية مثل الشبك والكرد الفيلين لم يتم تعدادهم بشكل صحيح، وكنا نعتبر الإحصاء الحالي يمكن أن ينصفهم"، وفق تعبيره.

يتركز وجود الشبك في المناطق المتنازع عليها بين الإقليم والمركز وهي مناطق صراع، يتابع الشبكي "من جهة، ترغب الحكومة المركزية بالسيطرة عليها، ومن جهة أخرى يرغب الإقليم باعتبار سكانها أكراداً. وبهذا تصبح مناطقهم تابعة للإقليم".

ويعرب الشبكي عن قلقه من "استخدام البيانات (من التعداد) لمسائل سياسية أو لتثبيت واقع حال أو تلاعب بحدود المحافظات".

في المقابل،  يرى رئيس ائتلاف الرافدين يونادم كنا أن إلغاء القومية من التعداد السكاني "أمر إيجابي لأنه يخدم النهج الوطني".

ويبين لـ"ارفع صوتك" أن كوتا الأقليات في البرلمان العراقي "لن تتأثر بإحصاء السكان، كونها أقرت بقانون وزعت فيه المقاعد بموجب اتفاق سياسي لم يؤخذ فيه بنظر الاعتبار عدد السكان".

 ولو كان تم الأخذ بنظر الاعتبار عدد السكان "لكنّا رأينا عدد مقاعد مختلف الأقليات خصوصاً أتباع الديانة المسيحية، إذا أخذنا التعداد التقديري السابق الذي تحدث عن وجود مليون ونصف المليون مسيحي في البلد ولهم 15 مقعداً في البرلمان"، يضيف كنا.

وبحسب نظام كوتا الأقليات في البرلمان العراقي، فإن هناك خمسة مقاعد للمسيحيين موزعة على محافظات بغداد ونينوى وكركوك ودهوك وأربيل، ومقعد واحد لكل من الأيزيدين والصابئة والشبك والكرد الفيلية.

الحالة الوحيدة المثيرة للقلق، كما يقول كنا "إذا رأينا بعد التعداد وظهور النتائج نفساً قومياً عنصرياً أو دينياً متشدداً يمكن أن يؤثر سلباً إذا ما طالب بإعادة النظر بالقانون، وهو أمر إذا ساد فأقرأ السلام على الوطن" على حدّ تعبيره.


"تذويب الهويات"

يرى المحلل السياسي أحمد الشريفي أن عدم إدراج خيارات القومية والمذهب في التعداد السكاني، "يعني تذويب الهويات الفرعية إلى هوية وطنية واحدة، وهو خيار إيجابي يؤدي إلى جمع العراقيين تحت مظلة العنوان الوطني الواحد".

يقول لـ"ارفع صوتك": "في السابق كانت المذهبية غير موجودة في الإحصاء السكاني، لكن القومية كانت حاضرة منذ تسلّم حزب البعث للسلطة الذي ذهب باتجاه تعزيزها بعد تبنيه مبدأ القومية العربية فوق باقي المكونات، فضلاً عن ترسيخه للعشائرية والقبلية في نظام الحكم".

ويرجّح الشريفي أن الغاء القومية "سيكون ورقياً فقط" بينما في الواقع، بحسب كلامه "ستكون الأزمة حاضرة في الظاهرة السياسية، وأقرب مصداق لها قضية كركوك التي تتجاذبها ثلاث قوميات (الكرد والعرب والتركمان) وكل منهم يدعي أنه يمثل الأغلبية".

لكن مشكلة كركوك، يستدرك الشريفي "لم تبدأ بعد عام 2003 بل منذ عقود، عندما قرر حزب البعث تغيير الحدود الإدارية لعدد من المحافظات ومنها كركوك التي كانت تضم 36 وحدة إدارية ليتبقى منها 16 فقط".

يتابع: "لا يزال النزاع قائماً وكامناً وفاعلاً، وبسبب وجوده، فإن المحافظة الغنية بالنفط عاجزة عن اختيار محافظ لها اليوم، رغم مرور أشهر على انتخابات مجالس المحافظات".

يتفق المحلل السياسي إياد العنبر مع ما ذهب إليه الشريفي، بالقول "من الناحية السياسية نحن أمام قضيتين الأولى هي المناطق المتنازع عليها، والثانية هي كركوك. وهي من الخلافات المهمة بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان. وفي حال إجراء إحصاء يتضمن القومية فإنه يمكن أن يؤجج المشكلة أكثر من أن يقدم حلاً لها".

وتعتبر الخلافات على المناطق المتنازع عليها واحدة من أعقد المشكلات بين إقليم كردستان وبغداد، وهي تتضمن محافظات كركوك ونينوى وصلاح الدين وديالى. وكان الدستور أقر المادة 140 كحل لها، التي تتضمن ثلاث خطوات، إحداها تتعلق بإجراء إحصاء للسكان واستفتاء لتحديد المصير.

وزارة التخطيط نأت بنفسها عن أن تكون جزءاً من تنفيذ المادة الدستورية من خلال تقديمها سؤالاً إلى المحكمة الاتحادية عام 2010، يتعلق بالإحصاء السكاني وإذا ما كان هو ذاته المقصود في الدستور. وحينها أشارت المحكمة إلى أنه لا يوجد أي ربط بين الإحصاء العام والإحصاء المذكور ضمن المادة 140.

مع ذلك يرى العنبر أن قضية الأرقام المتعلقة بالمذاهب والقوميات "واضحة في أغلب المناطق لأن أغلبها معروف من يسكنها، لكن البعض يحاول استثمار الموضوع للتجاذبات السياسية والدخول في جدل سياسي جديد. وربما يتم الطعن في بعض النتائج باعتبارها تغيير ديمغرافي إذا ما تم ذكر القومية والمذهب وهو أمر لسنا بحاجة له على الإطلاق".

لماذا عجز العراق عن إجراء تعداد سكاني منذ ربع قرن؟
عام 1997م أجرى العراق تعداده السكاني الأخير. عملية شابتها الكثير من المشاكل، فلم يُجرَ الاستطلاع إلا في 15 محافظة بعد استبعاد محافظات إقليم كردستان، الأمر الذي دفع بعض الباحثين لعدم الاعتراف بنتائجه والاكتفاء ببيانات الإحصاء الذي سبقه بعشر سنوات وشمل جميع محافظات العراق.

مقاعد

في السياق نفسه، يقول رئيس مركز "المورد" للدراسات والإعلام نجم القصاب، إن عدم ذكر القومية والمذهب في التعداد معناه أن "الحكومة تتعامل مع المواطن كونه عراقياً فقط، وليس على أساس المكونات". 

والمكون، برأيه "يقسم المجتمع أولاً، والدولة العراقية ثانياً" مردفاً "لهذا علينا أن نغادر هذه المسميات وهذه الأسماء".

ولكن، ما تأثير ذلك على التعداد السكاني؟ يقول القصّاب إنه "يتعلق بالفروقات السكانية التي يمكن أن تظهر بين محافظة وأخرى، وهو أمر من شأنه إحداث تغييرات في التمثيل البرلماني للمحافظات".

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "إذا ما حصل وكانت الأرقام الحقيقية خلال التعداد السكاني مختلفة عن التقديرات في المحافظات، فمن يظهر وجود نسبة سكان أعلى لن تتضرر بل ستستفيد لأن تمثيلها السكاني سيرتفع. أما المحافظات التي تتراجع بها النسبة السكانية بشكل ملحوظ ستتراجع نسبة تمثيلها البرلماني وتصبح مقاعدها أقل".

تغيير نسب السكان معناه كما يقول المحلل السياسي علي الحبيب لـ"ارفع صوتك" أن هناك إمكانية لـ"زيادة مقاعد بعض المحافظات التي سيرتفع عدد سكانها، كما سترتفع حصتها المالية التي تعتمد على عدد السكان وتتغير الخطط التنموية المتعلقة بها"، وإذا تراجع عدد السكان "سيحصل العكس، أي أن تتراجع أعداد المقاعد وتنخفض تخصيصاتها المالية".

هذه العوامل، بحسب الحبيب "تثير المخاوف لدى المراقبين من إمكانية حصول تدخلات لتحقيق مكاسب سياسية ومالية عبر التأثير على عملية التعداد، التي تؤدي إلى تحقيق نتائج غير دقيقة، خصوصاً أن لدينا تغيرات ديمغرافية قبل وبعد عام 2003، ووجود عدد كبير من النازحين في المخيمات".

جزء من هذه المخاوف تأتي "لعدم توفر البنية التحتية الضرورية مثل التقنية والموارد البشرية المدربة بشكل كافٍ، وعدم تنمية الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية ليُدلي ببياناته بشكل دقيق"، يتابع الحبيب، مضيفاً "كل هذه المعوقات من شأنها أن تؤثر سلبياً على نتائج الإحصاء".

والحل، أن يبذل العراق "جهوداً كبيرة لتطوير البنية التحتية، وحل أزمة الثقة بين المواطن والحكومة للوصول إلى نتائج حقيقية للإحصاء السكاني"، يقول الحبيب.