معجزة معجزة النور المقدس أكثر الطقوس المثير للجدل في أسبوع الآلام وعيد القيامة.

يبدأ المسيحيون غدا السبت إحياء "أسبوع الآلام". تحظى أيام هذا الأسبوع بذكرى خاصة في الوجدان المسيحي بسبب ارتباطه المباشر بـ"عيد القيامة"، وهو العيد الأهم والأكثر قداسة بالنسبة للمسيحيين حول العالم.

ما هو أسبوع الآلام؟ وما علاقته بعيد القيامة؟ وما هي أبرز الطقوس المرتبطة بالأسبوع والعيد عند المسيحيين الشرقيين؟

 

الاختلاف حول التوقيت

يختلف توقيت أسبوع الآلام وعيد القيامة من عام إلى آخر، ويرجع ذلك للطريقة التي تعتمدها الكنائس المسيحية في تحديد الأعياد والتقاويم المقدسة.

في القرن الثاني الميلادي، ناقشت الكنائس المختلفة هذا الأمر، وخلصت الكنائس الشرقية -وعلى رأسها كنيسة الإسكندرية- إلى طريقة خاصة لتحديد أسبوع الآلام سنوياً، تتوافر فيها 3 شروط، هي: أن يوافق عيد القيامة يوم الأحد، وذلك لأنه اليوم الذي وافق قيامة المسيح من الموت بحسب التقليد المسيحي. أما الثاني بأن يكون أسبوع الآلام بعد دخول فترة الاعتدال الربيعي في الحادي والعشرين من شهر مارس، فيما يتمثل الشرط الثالث في أن يأتي أسبوع الآلام بعد عيد الفصح اليهودي.

في سنة 325 للميلاد، عُقد مجمع نيقية برعاية الإمبراطور قسطنطين الأول، واتفقت الكنائس المسيحية جميعاً على اعتماد الشروط الثلاثة، بحيث يتم توحيد موعد الاحتفال بعيد القيامة.

ظل ذلك الاتفاق سارياً حتى العام 1582 للميلاد، حين تنبه بابا الفاتيكان جريجوري الثالث عشر لوجود خطأ في تقدير مدة السنة الشمسية بواقع عشرة أيام.

بعد تصحيح الخطأ في التقويم المُعتمد في الكنائس الغربية أصبح الاعتدال الربيعي يأتي في 11 مارس بدلاً من 21 مارس، وصار المسيحيون الغربيون يحددون ميعاد العيد بشكل فلكي ولا يرتبطون في تحديده بعيد الفصح اليهودي.

بالمقابل واصل المسيحيون الشرقيون الالتزام بالشروط الثلاثة التي تم الاتفاق عليها في مجمع نيقية، ليعود الخلاف من جديد على تحديد موعد أسبوع الآلام بين الكنائس الغربية والكنائس الشرقية.

 

ما هو أسبوع الآلام؟

يُعرف أسبوع الآلام باعتباره الأسبوع الذي سبق قيامة المسيح من الموت، حسب المعتقد المسيحي. ويبدأ بيوم السبت المعروف بسبت لعازر، وينتهي بسبت النور، وبعده مباشرةً يحل موعد أحد القيامة، والذي يُعتبر العيد الأهم للمسيحيين حول العالم.

توجد العديد من التسميات لهذا الأسبوع، ومن أهمها أسبوع "البصخة/ البسخة"، وهي التسمية المشتقة من كلمة البصخة اليونانية الأصل والتي تعني المرور أو الاجتياز.

وقد عُرف هذا الأسبوع بأسبوع الآلام، اشتقاقاً من النص الوارد في إنجيل متى، والذي جاء فيه: "لأن الرب يسوع قد قاسى في هذا الأسبوع آلاماً مرة في نفسه وجسده معاً".

زائر مسيحي يغطس نفسه في مياه نهر الأردن خلال احتفالات عيد الغطاس في موقع المغطس في قصر اليهود بالقرب من مدينة أريحا بالضفة الغربية في 18 يناير 2017.
عيد الغطاس.. كيف يحتفل المسيحيون العرب بذكرى معمودية المسيح؟
يحتفل معظم المسيحيين حول العالم بعيد الغطاس في السادس من شهر يناير. يمثل هذا العيد تذكاراً لحادثة معمودية السيد المسيح في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان، كما في الكتاب المقدس. من هو يوحنا المعمدان؟ وما أهمية طقس المعمودية في العقيدة المسيحية؟ وما هي أهم تقاليد الاحتفال بعيد الغطاس في الدول العربية؟

بشكل عام، يرمز كل يوم من أيام هذا الأسبوع لذكرى معينة مهمة مرتبطة بالأيام الأخيرة في  حياة المسيح.

وبحسب التقليد المسيحي، فإن يسوع قام بمعجزة إحياء العازر من الموت -بعد أربعة أيام من وفاته- في يوم السبت المعروف باسم "سبت العازر".

وفي يوم الأحد المعروف بـ"أحد الزعف" أو "الشعانين"، يستذكر المسيحيون دخول المسيح لمدينة أورشليم.

أما في يوم الاثنين، والذي يُعرف بيوم السلطان، فقام المسيح بزيارة الهيكل المقدس في أورشليم. ويحكي العهدُ الجديد عن غضبه الشديد بسبب ما شاهده من قيام التجار بالبيع والشراء في الساحة المقدسة للهيكل

وفي يوم الثلاثاء، حاور المسيح عدداً من الكهنة والفريسيين اليهود الذين حاولوا أن يثبتوا جهله، وأشهر ما قيل في تلك المجادلة، إنه عندما سئل أحد الكهنة المسيح عن حكم الجزية، وجواز إعطائها للقيصر الروماني، فإن المسيح رد عليه قائلاً: "إعط لقيصر ما لقيصر، وإعط لله ما لله".

أما في يوم الأربعاء، فاتفق يهودا الإسخريوطي -وهو أحد تلاميذ يسوع- مع زعماء اليهود على الإيقاع بالمسيح مقابل مبلغ من المال.

وفي يوم الخميس، الذي يُعرف باسم "خميس العهد"، اجتمع يسوع مع تلاميذه، وغسل أرجلهم، وتناول معهم العشاء الأخير، والذي كان مكوناً من الخبز والخمر.

وحسب التقليد المسيحي المتوارث، فإن الخبز رمز للحم المسيح بينما الخمر رمز لدمه، في نهاية هذا اليوم تم إلقاء القبض على يسوع من قِبل الجنود الرومان.

أما يوم الجمعة، فيُعرف باسم "الجمعة العظيمة" و"الجمعة الحزينة"، ويعتقد المسيحيون أن هذا اليوم شهد محاكمة يسوع أمام رؤساء الكهنة اليهود. وبعدها حوكم مرة أخرى أمام الوالي الروماني بيلاطس البنطي، وتم إصدار الأمر بصلب المسيح، فاُقتيد بعدها للتعذيب ثم للصلب.

أما آخر أيام الأسبوع، فهو يوم سبت النور والذي نزل فيه يسوع إلى الجحيم ليحرر أرواح الأبرياء ويقودهم إلى الفردوس، وتنتهي كل تلك الأحداث بيوم الأحد الذي يُعرف بـ"أحد القيامة"، والذي شهد قيامة المسيح من الموت وظهوره لمريم المجدلية، وهو اليوم الذي يحتفل المسيحيون فيه بعيد القيامة.

 

طقوس متوارثة

يعرف المسيحيون الشرقيون العديد من التقاليد والطقوس التي تُمارس بشكل منتظم بالتزامن مع حلول أسبوع الآلام وعيد القيامة في كل سنة.

في العراق وسوريا، يقوم المسيحيون الكلدان والآشوريون والسريان بارتداء الملابس السوداء استشعاراً للحزن المرتبط بآلام المسيح في هذا الأسبوع.

وفي يوم الاحتفال بأحد الشعانين تُدق أجراس الكنائس، وترتفع أصوات المصلين بالترانيم والمزامير والصلوات، ويرتدي الأطفال الملابس الجديدة في هذا اليوم، كما يحملون في أيديهم أغصان الزيتون وسعف النخيل والشموع.

في يوم أحد القيامة، يتم الاحتفال بنهاية أسبوع الآلام من خلال صناعة الكليجة، وهي أقراص من الكعك المصنوع من الدقيق والمحشو بأنواع مختلفة من التمر أو العسل أو السكر أو دبس التمر أو المكسرات، كما يقوم الأطفال بتلوين قشر البيض، ويُعتقد أن هذا الطقس يربط بين خروج الصوص/ الكتكوت من البيضة من جهة، وقيامة يسوع من الموت من جهة أخرى. كذلك، تتبادل الأسر المسيحية الزيارات العائلية. ويتم تزيين المنازل وتنظيفها.

في مصر، يربط الأقباط بين أسبوع الآلام وعيد القيامة من ناحية، وعيد شم النسيم من ناحية أخرى.

عُرف شم النسيم في مصر القديمة قبل انتشار المسيحية بقرون طويلة، وكان -أي شم النسيم- مرتبطاً بالمقام الأول بفترة الاعتدال الربيعي.

وبعد انتشار المسيحية في مصر، في القرن الرابع الميلادي، واجه الأقباط مشكلة في الاحتفال بهذا العيد، لأن الصوم يتعارض مع تناول البيض واللحوم الحيوانية التي تميز الاحتفال بشم النسيم.

في محاولة للتغلب على المشكلة قام الأقباط  بتعديل موعد شم النسيم لما بعد انتهاء فترة الصوم الكبير، وتم الاحتفال به في يوم الاثنين الذي يلي يوم أحد القيامة.

ويمارس الأقباط المصريون بعض الطقوس الخاصة خلال أسبوع الآلام، ومن ذلك حمل السعف أمام الكنائس يوم أحد الشعانين، ووضع الكحل على العيون في يوم سبت النور.

في فلسطين، يرتبط أسبوع الآلام ببعض الطقوس المثيرة للجدل والنقاش، من أهم تلك الطقوس معجزة النور المقدس أو النار المقدسة التي يُعتقد المؤمنون بها أنها تخرج من قبر المسيح يوم سبت النور في كل سنة. وحسب المعتقد السائد فإن معجزة النور المقدس لا تقع إلا في وجود بطريرك الروم الأرثوذكس!

 في هذا اليوم يدخل البطريرك إلى قبر يسوع المسيح في كنيسة القيامة ومعه مجموعة من الشمعات المطفأة، ويمكث لفترة داخل القبر، وبعدها يخرج البطريرك حاملاً الشمعات المضيئة، حيث يقوم الحضور  بإشعال الشمعات الخاصة بهم من شمعات البطريرك.

يعتقد المؤمنون أن نار تلك الشموع لا تحرق ولا تؤذي الجلد ولا تنتج عنها حرق أو سخونة، لأنها نور وليست نارا. ويعتقدون أن تلك المعجزة ترمز لقيامة المسيح من الموت، وأنها تعبر عن نور يسوع الذي بدد به الظلمات، ويحتفي المسيحيون الشرقيون كثيراً بذلك الطقس السنوي، ويعتبرنه معجزة إلهية، فيما يرفضها المسيحيون الغربيون ويعدّونها كذبة وخرافة لا مجال لتصديقها.

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

عراقية أيزيدية في معبد لالش الخاص بأتباع الديانة الأيزيدية في العراق- تعبيرية
عراقية أيزيدية في معبد لالش الخاص بأتباع الديانة الأيزيدية في العراق- تعبيرية

في صيف 2014 وبينما أنظار العالم متجهة إلى الموصل ثاني أكبر مدن العراق التي سقطت لتوها في قبضة تنظيم داعش، كان الأخير يُحضر لاجتياح سهل نينوى واقتراف أسوأ إبادة جماعية في سجله الدموي الحافل. 

مرت عشر سنوات كاملة على الإبادة الجماعية التي تعرض لها الأيزيديون في العراق، ولا تزال جرحا مفتوحا، تنكأه عدالة متعثرة، وجُناة طليقون، وضحايا في الشتات والمخيمات.

الاعتراف بالإبادة

في الثالث من أغسطس 2014، تقدمت مفارز داعش إلى قرى الطائفة الأيزيدية في سنجار، أعدمت الرجال والشيوخ والعجائز، واقتادت النساء والأطفال والفتيات إلى معاقل التنظيم في العراق وسوريا لتوزيعهن وبيعهن كسبايا في أسواقه. 

قُتل واختطف 12000 أيزيدي، واستعبدت جنسيا 7000 امرأة وفتاة، وهرب 250000 شخصا إلى جبل سنجار؛ الملاذ التاريخي للطائفة.

التحدي الأول الذي واجهه المجتمع الأيزيدي هو إقناع العالم بأن ما جرى كان "إبادة جماعية" مكتملة الأركان. كان ذلك بمثابة المحطة الأولى لقطار العدالة. لقد احتاج الأمر إلى جهد كبير من المنظمات الدولية، ونشطاء المجتمع الأيزيدي، والناجين من المجزرة، رغم فداحة الجريمة، وتضافر آلاف الشهادات التي روت تفاصيلها المريرة، واعتراف التنظيم بنفسه بأن القضاء المبرم على الطائفة باعتبارها "طائفة شركية" هو هدفه الأول.

في فبراير 2016 اعترف البرلمان الأوروبي بأن ما حدث للمسيحيين والأيزيديين في العراق كان إبادة جماعية، وبعد شهر أقرت الولايات المتحدة من جانبها بأن ما وقع للطوائف الدينية في المناطق التي سيطر عليها داعش نوع من أعمال الإبادة.

 ثم توالت قرارات الاعتراف من مختلف دول العالم، وكانت المملكة المتحدة وألمانيا آخر الملتحقين بركب المعترفين بجريمة الإبادة.

حينذاك، وكتبت نادية مراد الناجية الأيزيدية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام "تنضم ألمانيا إلى القائمة المتنامية التي تضم أكثر من 18 حكومة وهيئة دولية اعترفت رسمياً بالإبادة الجماعية للأيزيديين. اليوم، الناجون تُسمع أصواتهم".

اللافت أن العراق الذي وقعت الجريمة على أرضه، وعلى عاتقه تقع مسؤولية حماية الطائفة، تردد 7 سنوات قبل أن يصف ما حدث بجريمة إبادة جماعية. وحتى عندما قرر الاعتراف بها فعل ذلك في السطور الأخيرة من قانون الناجيات الأيزيديات الصادر في مارس 2021. 

شبكة الناجيات الأيزيديات احتفت بالخطوة واعتبرتها "بداية لتحقيق العدالة للناجين من جرائم وعنف داعش في العراق".

FILE - In this July 4, 2017, file photo, fleeing Iraqi civilians walk past the heavily damaged al-Nuri mosque as Iraqi forces…
العراق و5 قضايا عالقة منذ تحرير الموصل
لا تقتصر تركة التنظيم الإرهابي داخل العراق، على العبوات الناسفة والذخائر، بل تتجاوز ذلك إلى ملفات عالقة كثيرة، بينها ملف إعادة الإعمار وعودة النازحين وإنهاء محاكمة مقاتلي التنظيم، وحلّ معضلة مخيم "الهول" الذي يضم عائلات وأبناء وزوجات "داعش"، من دون أن ننسى خطر الخلايا النائمة للتنظيم التي لا تزال تشكّل تهديداً لأمن العراق والأمن العالمي.

المحاكمات

المحطة الثانية لقطار العدالة كانت ملاحقة الجناة أمام المحاكم المحلية والدولية، ومحاسبتهم بموجب قوانين "جرائم الحرب" و"الجرائم ضد الإنسانية" و"الإبادة الجماعية". تحد آخر تواصلت الجهود لتحقيقه رغم الطبيعة المعقدة والشائكة للقضايا.

فالمتهم هو تنظيم إرهابي، والجناة ينحدرون من 80 دولة، والمنطقة التي وقعت فيها الجريمة تواجه فيها الولاية القضائية العالمية عراقيل كبيرة. ورغم ذلك وقف أخيرا عدد من أعضاء داعش أمام المحاكم العالمية، وتمت إدانتهم بتهم ارتكاب أو المشاركة والتحريض على ارتكاب إبادة جماعية.

كانت ألمانيا أول دولة في العالم تحاكم أفرادا من داعش بتهمة ارتكاب جرائم الحرب ضد الأيزيديين. ففي 2021 حُكم على  جنيفر وينيش بالسجن لمدة 10 سنوات وشدد لاحقا ليصل إلى 14 سنة، بعدما أدينت بارتكاب تهم عدة من بينها جريمة ضد الإنسانية أدّت إلى وفاة شخص والانتماء إلى منظمة إرهابية.

في العام نفسه قضت محكمة فرانكفورت أن طه الجميلي زوج جينيفر "مذنب بتهم الإبادة وجرائم ضد الإنسانية التي أفضت إلى الوفاة، وجرائم حرب ومساعدة وتحريض على جرائم الحرب وإيذاء جسدي أدى إلى الوفاة"، وحكمت عليه بالسجن المؤبد وأمرته بدفع 50 ألف يورو لوالدة الفتاة الأيزيدية الصغيرة التي ربطها تحت الشمس بنافذة بيته حتى فارقت الحياة، لأنها بللت الفراش.

كان على المدعين العامين بمساعدة من الشهود والمنظمات الأيزيدية، وفريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق (يونيتاد)، قبل تحقيق هذا المنجز التاريخي إثبات حقيقتين وتعزيزهما بالأدلة الكافية أمام القضاة، الأولى، إثبات وقوع جناية قتل الطفلة، والثانية إثبات أن الجناية وقعت استنادا إلى أيديولوجية داعش التي ترى وجوب تدمير الطائفة الأيزيدية. وإلا اعتُبرت الحادثة جنائية خالصة أو حتى إرهابية، كغيرها من الحوادث الإرهابية.  

المحاكم الألمانية أدانت بعدها خمسة عناصر آخرين من داعش بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ولهجماتهم ضد المجتمع الأيزيدي.

كانت هولندا ثاني دولة في العالم تحاكم أعضاء في داعش لضلوعهم في أعمال الإبادة ضد الأيزيديين. في فبراير 2023 بدأت محاكمة امرأة تدعى "حسناء عرب" لمشاركتها المحتملة في جرائم ضد الإنسانية من بينها استعباد امرأة أيزيدية في سوريا 2015.

مرت 10 سنوات على الإبادة ولم يقف سوى بضعة أفراد أمام المحاكم العالمية لمحاسبتهم على اقترافها، وقد علقت منظمة "يزدا" الأيزيدية على هذه المسألة قائلة "هناك الآلاف من أعضاء داعش الذين ارتكبوا هذه الجرائم والآلاف من الضحايا، وهناك دولتان بمبادرتهما الخاصة تحاولان دفع عملية العدالة إلى الأمام من خلال عدد قليل من القضايا، وهذا ليس كافياً".

مطالبات عديدة بتعويض الناجين الأيزيديين الذين تعرضوا لجرائم وحشية ارتكبها داعش
"إبادة جماعية" بحق الأيزيديين.. ماذا يعني الاعتراف البريطاني؟
يسلط الاعتراف البريطاني بأن ما حدث للأيزيديين في العراق على أيدي مقاتلي تنظيم "داعش" هو بمثابة جريمة "إبادة جماعية" الضوء على الجهود التي بذلت بشأن هذا الملف منذ اجتياح التنظيم لأراض واسعة في العراق وسوريا في عام 2014 وارتكابه أعمالا وحشية

تشريعات خاصة

بسبب بطء مسار العدالة هذا، وطبيعة الجريمة التي خلفت آلاف الضحايا، وشارك في ارتكابها آلاف الجناة الذين ينحدرون من عشرات الدول، ناشدت المنظمات الدولية ونشطاء المجتمع الأيزيدي وهيئات أممية، لإنشاء محاكم ووضع تشريعات خاصة لمحاكمة الضالعين في جريمة الإبادة الجماعية التي تعرض لها الأيزيديون.

يبذل العراق جهودا كبيرة من أجل جبر ضرر الضحايا ومحاسبة الجناة. فقد فتح عددا من المقابر الجماعية التي تحوي رفات الضحايا، وأقر قانون الناجيات، الذي يعترف بالإبادة، ويخلد ذكراها، وينص على تقصّي مصير المختطفين، وتعويض الناجيات، ويجرد المتواطئين من أي نوع من أنواع العفو.

كما استحدث المديرية العامة لشؤون الناجيات الأيزيديات، وحاكَم العشرات من عناصر وقادة داعش المتورطين في المذبحة والاستعباد الجنسي، كانت زوجة "أبو بكر البغدادي" آخرهم، حيث صدر بحقها حكم بالإعدام.

في الوقت نفسه، تعتقد منظمات أيزيدية أن ما فعله العراق لغاية الآن غير كاف، فهو مطالب بأكثر من ذلك لتحقيق العدالة.

اعترفت "منظمة يزدا" بريادة قانون الناجيات الذي أقره البرلمان العراقي، لكنها ترى أيضاً أن "نظام العدالة العراقي بدائي ومعيب"، مضيفةً في تصريحات سابقة أن "قوانين مكافحة الإرهاب العراقية تسمح للسلطات بالقبض على عناصر داعش ومحاسبتهم، لكن الجرائم التي تتجاوز العضوية والانتماء لم تتم محاكمتها".

بناء على ذلك، حثت المنظمة المجتمع المدني الأيزيدي والأمم المتحدة البرلمان العراقي، على إصدار تشريع يجرم الجرائم الدولية الأساسية بما في ذلك الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

تنتهي الإدانات في المحاكم العراقية غالبا بالإعدام، لكن الأيزيديين يبحثون عن العدالة وليس الانتقام. لذلك رحبت كل المنظمات الأيزيديات بالإدانات التي حصلت في ألمانيا التي انتهت بالسجن 14 سنة، والسجن المؤبد، وتحفظت على أحكام الإعدام التي صدرت في العراق.

في هذا السياق، وعد الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد بالعمل على تشريع قانون إنشاء محكمة مختصة لمحاكمة مجرمي داعش. 

وأكد رئيس "يونيتاد" كريستيان ريتشر، التزام فريقه بدعم العملية التي يقودها العراق "لاعتماد إطار قانوني يمكن من المحاسبة على جرائم تنظيم داعش كجرائم دولية أمام المحاكم الوطنية في العراق" كي يتم التعامل مع وحشية الهجمات التي ارتكبها داعش كجرائم دولية بدلا من المحاسبة على أساس الانتماء إلى منظمة إرهابية فقط.

Al Hassan Ag Abdoul Aziz Ag Mohamed Ag Mahmoud waits for judges to enter the courtroom of the International Criminal Court in The Hague
ما الذي يعيق محاكمة المتهمين بالإرهاب في "الجنائية الدولية"؟
بالأمس، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية حُكماً بالإدانة ضد الحسن آغ عبد العزيز القيادي البارز في "الشرطة الإسلامية"، وهي قوة أمن داخلي أسستها جماعة "أنصار الدين" التي نجحت بالتعاون مع "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" في السيطرة على تمبكتو عاصمة مالي.

الجناة

يصعب على وجه اليقين تحديد كل المتورطين في جرائم الإبادة والاستعباد الجنسي الذي تعرض له المجتمع الأيزيدي، بسبب الطابع السري للتنظيم، واعتماده على الكنى والألقاب في تحركاته. 

وقد حدد "يونيتاد" 1444 من الجناة المحتملين بينهم 469 شخصاً شاركوا في الهجوم على سنجار، و120 شخصا شاركوا في الهجوم على قرية كوجو.

وكان الفريق صرّح قبل خمس سنوات أنه نجح في تحديد هوية 160 عنصرا في داعش شاركوا في المجزرة، وأنه بصدد بناء قضايا لكل واحد منهم على أمل تقديمهم أمام المحاكم.

المحاكم العراقية أدانت عدداً من أعضاء وقادة داعش المشاركين في مذبحة سنجار مثل القيادي الملقب بـ"المهاجر" الذي حكم عليه بالإعدام لقيامه بنحر عدد من المدنيين في سنجار. 

وفي مارس 2019 حكمت محكمة عراقية بالإعدام على عضو في داعش شارك في اقتحام قرية "كوجو" واقتياد الأهالي إلى مدرسة القرية حيث تم سبي الفتيات والنساء وإعدام الرجال.

 وأصدرت محكمة أخرى حكما بالإعدام في يونيو من العام ذاته بحق عضو آخر شارك في إعدام المدنيين في سنجار. 

وفي أكتوبر 2019 أصدرت محكمة حكمً بإعدام القيادي "أبو سراقة" الذي قاد مجموعة مسلحة واقتحم سنجار وشارك في أعمال القتل والاختطاف هناك.

كما قضت محكمة أخرى بإعدام "أبو همام الشرعي"، أحد قادة داعش المتورطين في جرائم الاستعباد الجنسي، وواجه في المحكمة الشابة الأيزيدية أشواق، التي اغتصبها واستعبدها جنسيا. 

أما أحدث الأحكام، فكانت بحق زوجة "أبو بكر البغدادي"، حيث أصدرت محكمة جنايات الكرخ حُكماً بالإعدام عليها، لمشاركتها في احتجاز الفتيات الأيزيديات في منزلها.