أحد رجال الدين الأقباط أثناء الاحتفال بعيد الميلاد
أحد رجال الدين الأقباط أثناء الاحتفال بعيد الميلاد

تنص المادة 64 من الدستور المصري الصادر سنة 2014، على أن "حرية الاعتقاد مطلقة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية حق ينظمه القانون"، لكن على أرض الواقع تعاني الأقلية المسيحية في مصر من تزايد موجات العنف الموجه ضدها منذ عقود.

مؤخراً، شهدت قرية الفواخر بمحافظة المنيا في صعيد مصر حلقة جديدة من حلقات الاضطهاد الطائفي الموجه ضد الأقباط، بعدما قام مجموعة من الأشخاص بالاعتداء على جيرانهم المسيحيين بسبب شائعة حول بناء كنيسة جديدة.

ما هي أهم محطات الاضطهاد الطائفي الذي عانى منه الأقباط المصريون في العقود السابقة؟ وكيف تسببت المتغيرات السياسية في تأجيج نار الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين في مناطق مختلفة من أرض مصر؟

المسيحية في مصر

عرفت المسيحية طريقها إلى مصر في القرن الأول الميلادي على يد القديس مرقس الرسول، وبعد فترة قصيرة تم تأسيس كنيسة الإسكندرية التي أضحت واحدة من أهم الكنائس المسيحية في العالم لفترة طويلة، كما أسهمت بشكل فعال في الكثير من المجامع الكنسية المهمة.

في سنة 451، انفصلت كنيسة الإسكندرية عن معظم الكنائس العالمية بسبب اعتراض البابا ديوسقورس الأول (البابا رقم 25 لكنيسة الإسكندرية) على قرارات مجمع خلقيدونية.

 إثر ذلك، واجه المسيحيون المصريون اضطهاد السلطات البيزنطية المخالفة لهم في المذهب، وظل الاضطهاد قائماً حتى قام العرب المسلمون بغزو مصر سنة 641م.

ومع مرور السنوات، تغيرت الخارطة الدينية للمصريين، فتحول قسم كبير من الأقباط إلى الدين الإسلامي، كما قام العرب باستيطان العديد من النواحي في الريف والصعيد، وقد تسبب ذلك في تحول المسيحيين في مصر إلى أقلية دينية، وأصبحت المسيحية الديانة الثانية بعد الإسلام.

حالياً، يعدّ الأقباط أكبر الأقليات المسيحية في العالم الإسلامي، ويُشكلون  بين 10 و15 بالمئة من العدد الإجمالي للسكان في مصر، موزعين على مجموعة كبيرة من الكنائس، مثل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، التي يزيد عدد أتباعها على 90 بالمئة من العدد الإجمالي للمسيحيين المصريين، والكنيسة الكاثوليكية، والكنيسة الإنجيلية، والكنيسة الأسقفية، فضلاً عن كنيسة الروم الأرثوذكس.

بشكل عام، يمكن تمييز مرحلتين متمايزتين من مراحل الاضطهاد الطائفي الذي عانت منه الأقلية المسيحية في مصر في العقود الأخيرة، تتمثل المرحلة الأولى في الفترة الواقعة بين ثورة يوليو 1952 وحتى اندلاع ثورة يناير 2011، فيما تقع المرحلة الثانية في الفترة الممتدة ما بين ثورة يناير إلى الآن.

 

قبل 2011

بدأ الاضطهاد الطائفي للمسيحيين المصريين في سنة 1952. ففي هذه السنة اندلعت أحداث العنف في مدينة السويس الساحلية، وذلك بالتزامن مع الاحتفال بعيد الميلاد. سرت بعض الشائعات بأن المسيحيين يتعاونون مع المحتل الإنجليزي، فقامت مجموعات من الأهالي باستهداف الأقباط، وأحرقوا إحدى الكنائس.

هدأت الأوضاع بعدما توجه رئيس الوزراء المصري آنذاك مصطفى النحاس باشا للبابا يوساب الثاني، بطريرك الكنيسة القبطية، وقدم له الاعتذار بشكل رسمي.

في سنة 1972، شهدت مصر أزمة كبيرة بسبب الاضطهاد الطائفي للأقباط، وقد حدث ذلك عندما أُحرقت جمعية الكتاب المقدس في منطقة الخانكة بمحافظة القليوبية، شمالي العاصمة المصرية القاهرة. وقيل إن المشرفين على الجمعية عملوا على تحويلها لكنيسة دون الحصول على التصريحات اللازمة،  الأمر الذي أثار حفيظة الأهالي المسلمين.

على إثر ذلك تم تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في الواقعة، وأزالت الحكومة بعض المباني التابعة للجمعية.

وقتها، أصدر البابا شنودة الثالث، أوامره بتنظيم مسيرة حاشدة من القساوسة والكهنة، وأقام المسيحيون الصلاة بمقر الجمعية تعبيراً عن رفضهم لقرار الدولة، ورد الأهالي المسلمون بتنظيم مسيرة مماثلة، لتندلع بعض أحداث العنف. والتي سقط فيها ضحايا من الجانبين.

في سنة 1981، وقعت أحداث الزاوية الحمراء، في أحد أحياء المنطقة الشمالية في محافظة القاهرة. وقد بدأ الصدام بسبب النزاع حول قطعة أرض اعتزم بعض الأقباط إقامة كنيسة عليها، وسرعان ما اشتعلت الأوضاع بعدما اشتبك المسلمون والمسيحيون مع بعضهم البعض، وانتشرت دعوات بحرق وهدم بيوت المسيحيين الذين يسكنون في المنطقة.

 من جهتها، قللت الحكومة المصرية من تداعيات تلك الحادثة، وذكر الرئيس المصري الأسبق، محمد أنور السادات، أنها مجرد خلافات بسيطة بين أسرتين.

رغم ذلك، بقيت أحداث الزاوية الحمراء علامة فارقة في تاريخ الاضطهاد الطائفي للمسيحيين في مصر، خصوصاً بعد سقوط العشرات من القتلى.

مطلع عام 2000، انتقل الاضطهاد الطائفي إلى صعيد مصر عندما اندلعت أحداث قرية الكشح التي تقع في محافظة سوهاج على بعد 440 كم جنوبي القاهرة.

وقد بدأت تلك الأحداث في الأسبوع الأخير من ديسمبر 1999، عندما وقعت مشاجرة بين تاجر أقمشة قبطي وزبون مسلم، تطورت المشاجرة لتشهد اعتداء جماعيا على محلات التجار الأقباط.

وبحسب ما يذكره الباحث وليام ويصا في كتابه "الكشح: الحقيقة الغائبة"، فإن اليوم الثاني من شهر يناير 2000، شهد تفجر الأحداث الدامية، بعدما تناقل الأهالي أن المسيحيين حرقوا المعهد الأزهري وسمموا شبكات المياه، على إثر ذلك هوجمت منازل المسيحيين في قرية الكشح، وفي مركز دار السلام القريب، وقُتل 21 قبطيا في منازلهم وفي بعض الحقول.

في سنة 2006، اندلعت أحداث العنف الطائفي في مدينة الإسكندرية، شمالي مصر بسبب تداول بعض الأقراص المدمجة لمسرحية عُرضت في إحدى الكنائس، قيل وقتها إن المسرحية تعمدت تشويه صورة الإسلام، وإنها أساءت بشكل كبير للنبي محمد.

تفجرت الأزمة بعدما تظاهر الآلاف من المسلمين احتجاجاً على عرض تلك المسرحية، واندلع العنف لأيام متواصلة في المدينة الساحلية. ولم تهدأ الأوضاع إلا بعد تدخل قيادات الدعوة السلفية والأزهر والكنيسة.

 

بعد 2011

في الأول من يناير 2011، عادت مدينة الإسكندرية مرة أخرى للواجهة، بعدما تم استهداف كنيسة القديسين مار مرقص الرسول والبابا بطرس خاتم الشهداء بمنطقة سيدي بشر. سقط 23 قتيلا قبطيا في التفجير الذي وقع أمام الكنيسة أثناء قداس عيد الميلاد. وقد حظي هذا الحادث باهتمام إعلامي كبير، واعتبر أحد مقدمات ثورة يناير.

في أكتوبر 2011، تعرض الأقباط لموجة أخرى من الاستهداف. ففي التاسع من الشهر نفسه، انطلقت مسيرة قبطية كبيرة من حي شبرا شمالي القاهرة وتوجهت لمبنى الإذاعة والتلفزيون في منطقة ماسبيرو على نهر النيل.

كانت هذه ثاني مظاهرة في ظرف أسبوع للأقباط احتجاجاً على إخفاق السلطات في التحقيق في إحراق إحدى الكنائس بمحافظة أسوان جنوبي مصر، وتم اعتراض المظاهرة من قِبل قوات الجيش المصري، وقُتل 24 قبطيا دهساً تحت عجلات المركبات العسكرية المنتشرة في المنطقة، كما أُلقي القبض على 28 قبطياً، وأحيلوا إلى النيابة العسكرية.

نددت العديد من المنظمات الحقوقية الدولية بالانتهاكات التي شهدتها مذبحة ماسبيرو، كما اعترضت تلك المنظمات على طريقة سير التحقيق في الواقعة.

فعلى سبيل المثال، قال جو ستورك نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "لا يمكن للجيش أن يحقق مع نفسه بأدنى قدر من المصداقية، وكانت هذه بالأساس مظاهرة سلمية إلى أن استخدم الجيش القوة المفرطة وإلى أن دهست عربات عسكرية المتظاهرين...".

بشكل عام، تزايدت وقائع الاستهداف الطائفي ضد المسيحيين بالتزامن مع سقوط حكم الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي -المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين- في يوليو 2013، وقد رأت جماعات الإسلام السياسي أن الأقباط لعبوا دوراً مهماً في إسقاط الحكم الإسلامي، ومن ثم فقد تم استهدافهم على نطاق واسع في العديد من المدن المصرية.

على سبيل المثال، في ديسمبر 2016، قُتل 25 شخصاً في انفجار وقع في كنيسة مُلحقة بالكاتدرائية المرقسية في منطقة العباسية بالقاهرة، وفي يناير 2017م، قُتل سبعة أقباط في الهجمات التي شنتها بعض الجماعات الإسلامية في شمال سيناء.

في هذا السياق، قالت منظمة العفو الدولية إنه يجب على السلطات المصرية أن توفر الحماية العاجلة للأقباط في سيناء، وأن تقدم الخدمات الأساسية والإيواء للمئات الذين اضطروا للفرار من ديارهم. وفي إبريل من السنة نفسها، وصلت موجة العنف ضد الأقباط إلى حد غير مسبوق، فقد وقعت هجمتان ضد الأقباط أثناء قداس "أحد السعف" في كل من كنيسة مار جرجس في مدينة طنطا، في محافظة الغربية، والكاتدرائية المرقسية بمدينة الاسكندرية.

وعلى الرغم من استقرار الأوضاع الأمنية في مصر في السنوات الأخير فقد استمرت معاناة الأقباط بشكل أو بأخر، ففي سنة 2022م، ذكرت الخارجية الأميركية في تقريرها السنوي حول الحرية الدينية أنه في 10 مناسبات خلال العام، أعلنت العائلات القبطية عن اختفاء قريبات لهم، العديد منهن قاصرات. في بعض الحالات، قالت العائلات إن حالات الاختفاء كانت مرتبطة بالاختطاف أو التحول القسري إلى الإسلام.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

رجل عربي من البدون في منطقة صحراوية غرب منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية.
رجل عربي من البدون في منطقة صحراوية غرب منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية.

بحسب تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن هناك 10 ملايين شخص على الأقل بدون جنسية حول العالم. تبدو تلك المشكلة حاضرة بشكل لافت للنظر في منطقة الخليج العربي، حيث يعيش عشرات الآلاف من عديمي الجنسية/ البدون في كل من السعودية والكويت والإمارات وقطر والعراق.

بشكل عام، تُطلق تسمية البدون على مجموعة من القبائل العربية البدوية التي عاشت في مناطق صحراوية على أطراف السعودية والكويت والعراق. وترجع أصول غالبيتهم إلى بادية الشام. بعد تأسيس الدول الخليجية الحديثة، لم يحصل هؤلاء على الجنسية لأسباب مختلفة، وبقيت مشكلتهم قائمة على مدار السنوات المتعاقبة.

 

الكويت

تعود أصول البدون في الكويت إلى بادية سوريا والأردن والعراق. وينتمون في الأساس إلى مجموعة من القبائل العربية الكبيرة مثل شمر وعنزة. بدأت مشكلتهم في خمسينيات القرن العشرين، عندما صدر قانون الجنسية الكويتي في سنة 1959م. والذي فرّق بين المواطنين الكويتيين الأصل والمنشأ، والوافدين القادمين من مناطق مجاورة.

بشكل عام، تمتع "البدون" بالمساواة مع المواطنين الكويتيين منذ سنة 1961م وحتى سنة 1991م. بعد الغزو العراقي للكويت، وجهت أصابع الاتهام للبدون العراقيين الأصل، وتم اتهامهم بالخيانة ومساندة نظام صدام حسين. بعد تحرير الكويت، تم عزل العديد من البدون، وفقدوا الكثير من المميزات الاجتماعية والاقتصادية. 

حالياً، تذكر البيانات الحكومية الرسمية إن 85 ألفاً على الأقل من البدون يعيشون في الكويت، لكن النشطاء يقولون إن العدد يزيد عن ذلك بكثير.

في سنة 2000م، ومع تفاقم أزمة البدون، أصدر مجلس الأمة الكويتي قانوناً ينص على تجنيس ألفي شخص من "البدون" سنوياً، ممن يقيمون في الكويت منذ 1965 على الأقل. لكن لم تُفلح تلك المحاولة في القضاء على الأزمة. اعتاد البدون الكويتيون على تنظيم المظاهرات المطالبة بالحصول على حقوقهم في الجنسية الكويتية من حين إلى آخر.

في السنوات الأخيرة، تصاعد زخم الاحتجاجات من جانب البدون الكويتيين بالتزامن مع دعمهم من قِبل العديد من النشطاء والمنظمات الحقوقية. في ديسمبر 2021م، تجمع نحو مئتي متظاهر في ساحة الإرادة مقابل مبنى مجلس الأمة الكويتي في وقفة احتجاجية سلمية دعماً لمطالب البدون. في مارس 2022م، أُعلن عن بدء إضراب مفتوح عن الطعام للمطالبة بـ "الحقوق الإنسانية الأساسية" للبدون في الكويت. وأثار الإضراب موجة تعاطف واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. في أغسطس 2023م، نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً عن معاناة بدون الكويت.  جاء فيه إن الحكومة الكويتية تمارس التمييز ضد أطفال البدون "وذلك من خلال تقاعسها في توفير التعليم المجاني". وبيّن التقرير كيف أن الحكومة تُجبر أطفال البدون على دفع رسوم التعليم الخاص الذي يعدّه الآباء والأمهات والأطفال دون مستوى التعليم في المدارس الحكومية المجانية التي يلتحق بها المواطنون الكويتيون. في الشهر الماضي، سلطت الأضواء على قضية "البدون" في الكويت من جديد، وذلك بعدما أعلنت وزارة الداخلية الكويتية عن "وقف جواز سفر رقم (17) "الخاص بالمقيمين بصورة غير قانونية" وهم عديمو الجنسية "البدون" باستثناء الحالات الإنسانية مثل العلاج والدراسة.

 

السعودية

تشكّل البدون في السعودية من القبائل البدوية التي عاشت حياة الترحال في شمال وجنوب المملكة العربية السعودية، ومن الجاليات الإسلامية التي هاجرت من آسيا إلى شبه الجزيرة العربية في بدايات القرن العشرين، واستوطنت فيما بعد في غرب السعودية.

في سبعينيات القرن العشرين، أُتيحت الفرصة لإعطاء هؤلاء الجنسية السعودية. غير أن أغلب البدون تجاهلوا الأمر بسبب انشغالهم بالحياة البدوية، أو لعدم معرفتهم بفتح باب الحصول على الجنسية. تسبب ذلك في عدم حصول أبناء وأحفاد تلك الفئات على الجنسية السعودية حتى الآن.

في السنوات الأخيرة، أشارت بعض التقارير الصحفية إلى المعاناة الشديدة التي يلاقيها البدون السعوديون في شتى مناحي الحياة، وخصوصاً فيما يخص المسكن، والاوضاع الاجتماعية، والتعليم، والزواج. في هذا السياق، بُذلت بعض المجهودات لحل مشكلتهم. ومن ذلك، صدور مرسوم ملكي في العام 2000م يقضي بمنح الجنسية لقبائل شمر وعنزة وبني خالد والأساعدة. وفي سنة 2012م، كشفت وزارة الداخلية عن خطة حكومية لقرب إصدار نظام لتجنيس البدون، الأمر الذي تحقق بشكل جزئي في سنة 2014م، عندما أصدرت المديرية العامة للجوازات السعودية بطاقات خاصة للبدون لتسهيل إجراءاتهم.

على الرغم من تلك المجهودات، لم تنته أزمة البدون السعوديين. في سنة 2015م، اعترفت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بأن إجراءات تصحيح وثائق البدون بطيئة جداً وأن الإشكالات ستتوسع إذا ما تأخر حسم هذا الملف. بعدها بسنتين، نشرت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان تقريراً حول "الحرمان من الجنسية في السعودية"، خلص إلى أن "معاناة البدون في السعودية انطوت على العديد من التجاوزات والانتهاكات والتمييز العنصري".

الإمارات

تعود أصول العديد من البدون في الإمارات إلى مجتمعات البدو أو المهاجرين الذين سكنوا البلاد قبل تشكيل الدولة في سنة 1971م، ولم يجرِ تسجيلهم وقتها لنيل الجنسية. 

بشكل عام، يجد البدون الإماراتيون صعوبات عدة في استخراج شهادات الميلاد والوفاة، وفي توثيق عقود الزواج والطلاق، كما أنه لا يحق لأبنائهم الالتحاق بالمدارس الحكومية.

في 2006م، كشفت وزارة الداخلية الإماراتية عن قرب حل قضية البدون. وفي سنة 2008م، عملت الإمارات على إيجاد حل بديل لأزمة البدون الذين يعيشون على أراضيها. عقدت إمارة أبوظبي اتفاقاً مع دولة جزر القمر الواقعة شرقي أفريقيا. بموجب هذا الاتفاق قامت الحكومة الإمارتية بشراء وثائق هوية وجوازات سفر للبدون، ووزعتها عليهم. مع إعطائهم الحق في الإقامة على الأراضي الإمارتية، ووعدهم بمنح العديد من التسهيلات والامتيازات. ذكرت بعض التقارير الصحفية أن جواز السفر القمري الواحد بلغت كلفته 4 آلاف يورو، وأن الحكومة الإمارتية دفعت ما لا يقل عن 200 مليون يورو كتكلفة إجمالية.

 

قطر

تختلف مشكلة البدون في قطر عنها في باقي الدول الخليجية. تعود تلك المشكلة إلى سنة 1995م، عندما تمت الإطاحة بأمير قطر آنذاك، خليفة بن حمد آل ثاني، في انقلاب قام به نجله حمد بن خليفة آل ثاني. حاول خليفة بن حمد وقتها ان يسترد السلطة بمساعدة قبائل آل مرّة. فشلت المحاولة، وتحمل الطرف الخاسر ضريبة الهزيمة. في سنة 2005م جرّدت الحكومة القطرية الآلاف من أبناء قبائل آل مرّة، من جنسياتهم، وأصبح وضعهم القانوني مشابهاً لأوضاع البدون في السعودية والكويت والإمارات.

منذ ذلك الوقت، حُرم العديد من آل مرّة من الحصول على الوظائف، ومن تلقي الرعاية الصحية المجانية، كما فُرضت الكثير من القيود على التعليم والزواج وفتح الحسابات المصرفية. في أغسطس 2021م، زادت معاناة آل مرّة بعدما أقرت الدوحة قانون الانتخابات البرلمانية الجديد. بموجبه حُرم الآلاف من آل مرة من الاقتراع أو الترشح. بعدما اقتصر حق المشاركة في الانتخابات على القطريين "الأصليين" فحسب.

أعيد افتتاح آيا صوفيا كمسجد في الرابع والعشرين من يوليو سنة 2020. أقيمت صلاة الجمعة في هذا المكان التاريخي للمرة الأولى منذ 86 سنة كاملة.
من النظام الملّي إلى "الخط الهمايوني".. كيف عاشت الأقليات المسيحية تحت الحكم العثماني؟
اتسمت العلاقة بين النبي والمسيحيين بالود والتسامح في أغلب فتراتها. رغم من ذلك، لم تبق العلاقة بين الحكومات الإسلامية المتعاقبة وبين الرعايا المسيحيين هادئة دائماً، خاصة تحت حكم الدولة العثمانية.

العراق

تختلف مشكلة معدومي الجنسية في العراق عنها في منطقة الخليج. يُعدّ الأكراد الفيليون الذين قدموا إلى العراق من بعض أنحاء إيران في القرن السادس عشر الميلادي أبرز النماذج المعبرة عن تلك المشكلة.

خلال الحرب الصفوية- العثمانية، نزحت عوائل الكثير من الجند الفيليين -الذين كانوا يحاربون في صف الصفويين- إلى العراق في صورة هجرات بشرية متتابعة. استقرت تلك العوائل في العراق رغم استعادة العثمانيين السيطرة على المنطقة. وهكذا صار الفيلييون متواجدين بشكل كثيف في غربي إيران وشرقي العراق. 

عند تأسيس المملكة العراقية في عام 1921م وبموجب اتفاقية تخطيط الحدود العراقية - الإيرانية تم إلحاق مناطق واسعة من الأراضي الكردية الفيلية بالعراق، ليصبح الفيلييون عندها إحدى المكونات البشرية المهمة في التكوين الفسيفسائي للشعب العراقي. تمركز الفيلييون بشكل رئيس في خانقين، وجلولاء، وبعقوبة، والكوت، والكميت. هذا إلى جانب تواجد بعض تجمعاتهم في كل من بغداد، والسليمانية، وأربيل، وكركوك، والكوفة، والنجف، وكربلاء، والبصرة.

بدأت محنة الأكراد الفيلين في العراق في النصف الأول من القرن الماضي. فرّق قانون الجنسية العراقي بين المواطنين الذين يعودون إلى أصول إيرانية والمواطنين الذين يعودون إلى أصول عثمانية. بموجب هذا القانون أصبح الفيلييون مواطنين من الدرجة الثانية. وتم البدء في تهجيرهم إبان حكومتي رشيد الكيلاني ونوري السعيد. 

تصاعدت وتيرة التهجير في حكومتي عبد السلام عارف وأحمد حسن البكر. ووصلت تلك الوتيرة إلى ذروتها في زمن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في الفترة الواقعة بين سنتي 1970 و2003م. 

في سنة 1980م -وبالتزامن من اندلاع حرب الخليج الأولى ضد إيران- أصدر صدام حسين القرار رقم (666)، والذي نص على "إسقاط الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل أجنبي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة وتخويل وزير الداخلية صلاحية إبعاد كل من أسقطت عنه الجنسية العراقية ما لم يقتنع بناءً على أسباب كافية بأن بقاءه في العراق أمر تستدعيه ضرورة قضائية أو قانونية". 

بموجب هذا القانون جُرد الفيلييون من الجنسية العراقية وتمت مصادرة أموالهم وممتلكاتهم ووجهت لهم اتهامات بالخيانة والعمالة لإيران.

بحسب بعض المصادر الفيلية، وصل عدد المهجرين في تلك الفترة إلى ما يقرب من 600 ألف فيلي، وتم إرسالهم إلى الحدود مع إيران. رغم مرور عشرات الأعوام على وقوع تلك الحوادث المؤسفة، لا يزال الآلاف من الفيليين المُهجّرين يعيشون في أوضاع معيشية سيئة في الأماكن التي خصصتها لهم الحكومة الإيرانية في مخيّمي ازنا وجهرم في لرستان الواقعة في غربي إيران. لم تُحل مشكلة هؤلاء اللاجئين المُهجرين حتى الآن رغم مرور ما يقرب من عشرين عاماً على سقوط نظام صدام حسين.