تقول التقديرات إن ٤٠٠ ألف مسيحي فقط ما يزالون في العراق من أصل 1.5 مليون شخص.
تقول التقديرات إن 400 ألف مسيحي فقط ما يزالون في العراق من أصل 1.5 مليون شخص.

وافقت الجمعية الوطنية الفرنسية على مشروع قانون يطالب الحكومة باعتبار المذابح التي ارتكبتها الدولة العثمانية بين عامي 1915 و1918م ضد الآشوريين الكلدانيين إبادة جماعية. من هم الآشوريون؟ وما هي المذابح العثمانية التي وقعت ضدهم؟ وما هي الرواية التركية عن تلك المذابح؟

 

من هم الآشوريون؟

يُعرَف الآشوريون باعتبارهم إحدى الأقليات العرقية المتواجدة في منطقة الشرق الأوسط، والتي يعيش أبناؤها في شكل جماعات متناثرة في دول تركيا والعراق وسوريا ولبنان وإيران، فيما يجمع بينهم الحديث باللغة الآرامية، واعتناق الدين المسيحي.

ارتبط الآشوريون بالدين المسيحي منذ فترة مبكرة. ففي القرن الخامس الميلادي تم تأسيس كنيسة المشرق، ولاقت انتشاراً كبيراً في الأوساط الآشورية، حتى عُرفت باسم الكنيسة الآشورية.

تأثرت تلك الكنيسة بأفكار وآراء نسطوريوس، بطريرك القسطنطينية فيما يخص طبيعة المسيح. وظلت -أي الكنيسة- موحدة في ظل تلك الأفكار حتى القرن السادس عشر الميلادي.

وفي سنة 1552م، قدم رسل الفاتيكان لنشر الكاثوليكية في العراق، ونجحوا في نشر مذهبهم فيما يدعى اليوم بسهل نينوى، فيما حالت صعوبة المواصلات في تلك الفترة دون نشر أفكارهم في المناطق الجبلية الوعرة.

تسبب ذلك في اعتناق أهل السهول للكاثوليكية، وعرفوا باسم الكلدان/ البابليين، فيما بقي أهل الجبال على مذهبهم القديم، وعُرفوا باسم الآشوريين، وبقيت كنيستهم ذات حضور قوي في كل من إيران والعراق والهند وبعض دول المهجر.

 

سيفو والمذابح العثمانية

يُطلق اسم المذابح الآشورية على سلسلة من العمليات الحربية التي شنتها قوات نظامية للدولة العثمانية بمساعدة بعض المليشيات الكردية المسلحة أثناء الحرب العالمية الأولى. عُرفت تلك المذابح باسم "سيفو"، وهي لفظة سريانية تعني السيف.

يذكر المؤرخون أن أعداد الآشوريين في تلك الفترة وصلت لمليون نسمة، وأنهم امتدوا في المنطقة الواقعة بين أورميا -في إيران الحالية- شرقاً إلى ماردين -في تركيا الحالية- غرباً، وكانوا يمثلون إحدى الأقليات المسيحية المهمة في الإمبراطورية العثمانية.

في سنة 1895م، بدأ الاستهداف العثماني للآشوريين فيما عُرف باسم "المجازر الحميدية".

في تلك المجازر، قُتل مئات الآلاف من الأرمن والآشوريين في مدن جنوب تركيا وخاصة في أدنة وآمد. ومع اندلاع أحداث الحرب العالمية الأولى في سنة 1914م، تجدد الاستهداف العثماني للآشوريين مرة أخرى بسبب تخوف الدولة العثمانية من انضمام الآشوريين للقوات الروسية.

في كتابه "مأساة الآشوريين"، تحدث الكولونيل،  رونالد سيمبير ستافورد، المفتش الإداري البريطاني للواء الموصل، عن تفاصيل تلك الفترة التاريخية الحرجة، ذاكرا أن العثمانيين تواصلوا مع مار شمعون، بطريرك كنيسة المشرق الآشورية، وطلبوا منه عدم الانضمام إلى روسيا في الحرب ضد العثمانيين، وقد وافق البطريرك على هذا الطلب، وأرسل إلى رعاياه ليأمرهم بالخضوع للحكام المحليين.

ولكن لم تمر شهور معدودة، حتى فوجئ الآشوريون باستهدافهم من قِبل كل من القوات العثمانية النظامية، والمليشيات الكردية التي اعتقدت أن الآشوريين منافسون لهم في مناطق تواجدهم.

 أمام تلك التطورات، بدأ الآشوريون حربهم ضد الدولة العثمانية في مايو 1915م، وقد حاول العثمانيون الضغط على مار شمعون لكبح جماح الآشوريين عن طريق القبض على أخيه الذي كان يدرس في إسطنبول في هذا الوقت.

ولمّا رفض البطريرك العرض العثماني تم إعدام شقيق البطريرك، ليعلن مار شمعون عندها الحرب بشكل رسمي.

يسلط الباحث عبد المسيح نعمان قره باشي الضوء على الأحداث التي وقعت في تلك الفترة في كتابه "الدم المسفوك، قائلا إن العثمانيين برروا قرارهم باستهداف الآشوريين والأرمن بأسباب كثيرة أهمها أن المسيحيين مسلحون ويقتنون سلاحاً في بيوتهم وسوف يقاومون الإمبراطورية العثمانية لمساعدة أعدائها من الإنجليز والفرنسيين.

 في هذا السياق، "أرسل العثمانيون قصاداً ينادون في الأسواق قائلين: على كل مسيحي أن يسلم أي نوع من السلاح يملكه، وبدأوا يدخلون البيوت كأنهم يبحثون عن السلاح. واستغلوا الفرصة وبدأوا ينهبون ويسرقون كل ما تقع عيونهم عليه.. وهكذا كانوا يجمعون الشباب والرجال من العشرين سنة إلى الخامسة والأربعين ويقودونهم إلى ساحة الحرب مشاة ودون زوادة أو طعام والشيوخ يسوقونهم إلى السجون والنساء والفتيات الجميلات يراودونهن على أنفسهم ليتزوجوهن، واللواتي رفضن ولم يقبلن ذلك وما أكثرهن. كانوا يقتلونهن بأبشع أنواع العذاب والعهر وبصورة تستنكرها ضواري الغابات ووحوش البرية...".

بشكل عام، تعرض الآشوريون للقتل والتهجير في نواحي متفرقة من حكاري، وديار بكر، وماردين، ونصيبين، والجزيرة الفراتية. فعلى سبيل المثال، يذكر أر. أس. ستافورد في كتابه إن المعاناة الآشورية تفاقمت كثيراً في حكاري -الواقعة في جنوبي تركيا- بعد تأخر المساعدات الروسية التي وعدوا بها.

"كل ما أرسله الروس كان أربعمائة من القوزاق، الذين تعرضوا لكمين غدر وأبادهم الأكراد". في تلك الظروف الصعبة، اضطر الآشوريون لترك قراهم وصعدوا إلى قمم الجبال هرباً من ملاحقة القوات العثمانية، ولكن العثمانيين انتظروا حلول فصل الشتاء، وعرفوا أن الثلوج ستجبر الآشوريين على النزول إلى الوديان. أمام ذلك التحدي قاد البطريرك مار شمعون عشرات الآلاف من أتباعه لرحلة طويلة إلى أروميا. في تلك الرحلة، هلك المئات من الأشوريين كما أن العديد منهم لقي حتفه على يد العثمانيين المترصدين لهم.

لم تنته مأساة الآشوريين رغم انتهاء الحرب العالمية الأولى في سنة 1918م،فقد  عانوا من استهداف الحكومات المتعاقبة على حكم دول المنطقة.، منها على سبيل المثال الحادثة التي وقعت  سنة 1933م عندما وجه رئيس الوزراء العراقي رشيد عالي الكيلاني بعض فرق الجيش لتدمير العشرات من القرى الآشورية المسيحية في الموصل، وذلك على إثر مطالبة الآشوريين بالحكم الذاتي لمناطقهم، فيما عُرف باسم "مذبحة سميل"، وذلك بحسب ما يذكر الكاتب محمد عادل داود في كتابه "تاريخ الدماء".

كذلك، عانى الآشوريون كثيراً في الفترة من 2014- 2017م، وذلك بالتزامن مع سيطرة تنظيم داعش على المناطق الشمالية والغربية من العراق.

تعرض المسيحيون القاطنون في تلك المناطق للعديد من المخاطر، وتم تدمير العشرات من الكنائس والأديرة، كما هُجرت المئات من العائلات المسيحية. وبحسب بعض التقارير لم يبقَ في العراق اليوم سوى 400 ألف مسيحي من أصل 1.5 مليون مسيحي تواجدوا في العراق في سنة 2003م.

 

بين الاعتراف والإنكار

تتباين المواقف الدولية فيما يخص تقييم الأحداث الدامية التي تعرض لها الآشوريون في بدايات القرن العشرين.

من جهتهم، اعتاد الآشوريون  استعادة ذكرى الإبادة الجماعية التي تعرض لها أجدادهم في يوم السابع من شهر أغسطس من كل عام.

على الصعيد الدولي، لم تحظ وقائع تلك المذبحة باهتمام كبير في العقود السابقة، ولكن تغير الوضع -إلى حد ما- في السنوات الأخيرة.

ففي سنة 2007م أصدر المؤتمر الدولي لدارسي الإبادات، وثيقة صوّت عليها بالإجماع تدعو إلى الاعتراف بالمجازر الآشورية، وبعد عام واحد، قرر البرلمان السويدي الاعتراف بالمجازر ضد الآشوريين باعتبارها جرائم إبادة.

وفي أكتوبر 2019، اعترف مجلس النواب الأميركي بالمذابح الجماعية التي ارتكبت بحق الأرمن والسريان الآشوريين من قِبل سلطات الدولة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى.

بعد ذلك، أعلنت عدة دول اعترافها بالمذبحة، ومن بينها  هولندا، وجمهورية التشيك، وتشيلي.

من جهتها، ترفض تركيا الاعتراف بتلك المذابح، وتفسر ما وقع باعتباره حرباً بين القوات العثمانية والمليشيات الآشورية التي اختارت أن تنضم للعدو الروسي.

وتروج تركيا للفكرة القائلة بأن العثمانيين في تلك الفترة لم يمارسوا سيطرة كافية على أراضيهم لمنع حدوث المذابح، سواء أكانت مذابح الأرمن أم المذابح الآشورية.

 لم تكتف أنقرة بإنكار المذابح بشكل رسمي، بل أقرت المادة 301 من قانون العقوبات التركي، والتي نصت على أن "أي شخص يهين علانية الهوية التركية أو الجمهورية أو الجمعية الوطنية التركية الكبرى، يُحكم عليه بالسجن من سنة إلى ثلاث سنوات"، بموجب تلك المادة يتم إدانة أي شخص يعترف بحدوث مذابح في الدولة العثمانية.

وقد جدد الأتراك إنكارهم المذابح الآشورية في الأيام الأخيرة بالتزامن مع صدور قرار الجمعية الوطنية الفرنسية بشأن الاعتراف بالإبادة الآشورية.

وأصدرت وزارة الخارجية التركية بيانا صحفيا حول ذلك القرار. ووصفته بأنه "لاغٍ وباطل". وذكر البيان "إن إدراج الاتهامات -الخاصة بالمذبحة- التي لا أساس لها من الصحة على جدول أعمال الجمعية الوطنية من قِبل نواب الحزب الحاكم هو مثال على الجهود المبذولة لتشويه الأحداث التاريخية من أجل مصالح سياسية".

وأضاف البيان بأن البرلمانات "لا تتمتع بسلطة تفسير التاريخ وإصدار الحكم عليه".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

رجل عربي من البدون في منطقة صحراوية غرب منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية.
رجل عربي من البدون في منطقة صحراوية غرب منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية.

بحسب تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن هناك 10 ملايين شخص على الأقل بدون جنسية حول العالم. تبدو تلك المشكلة حاضرة بشكل لافت للنظر في منطقة الخليج العربي، حيث يعيش عشرات الآلاف من عديمي الجنسية/ البدون في كل من السعودية والكويت والإمارات وقطر والعراق.

بشكل عام، تُطلق تسمية البدون على مجموعة من القبائل العربية البدوية التي عاشت في مناطق صحراوية على أطراف السعودية والكويت والعراق. وترجع أصول غالبيتهم إلى بادية الشام. بعد تأسيس الدول الخليجية الحديثة، لم يحصل هؤلاء على الجنسية لأسباب مختلفة، وبقيت مشكلتهم قائمة على مدار السنوات المتعاقبة.

 

الكويت

تعود أصول البدون في الكويت إلى بادية سوريا والأردن والعراق. وينتمون في الأساس إلى مجموعة من القبائل العربية الكبيرة مثل شمر وعنزة. بدأت مشكلتهم في خمسينيات القرن العشرين، عندما صدر قانون الجنسية الكويتي في سنة 1959م. والذي فرّق بين المواطنين الكويتيين الأصل والمنشأ، والوافدين القادمين من مناطق مجاورة.

بشكل عام، تمتع "البدون" بالمساواة مع المواطنين الكويتيين منذ سنة 1961م وحتى سنة 1991م. بعد الغزو العراقي للكويت، وجهت أصابع الاتهام للبدون العراقيين الأصل، وتم اتهامهم بالخيانة ومساندة نظام صدام حسين. بعد تحرير الكويت، تم عزل العديد من البدون، وفقدوا الكثير من المميزات الاجتماعية والاقتصادية. 

حالياً، تذكر البيانات الحكومية الرسمية إن 85 ألفاً على الأقل من البدون يعيشون في الكويت، لكن النشطاء يقولون إن العدد يزيد عن ذلك بكثير.

في سنة 2000م، ومع تفاقم أزمة البدون، أصدر مجلس الأمة الكويتي قانوناً ينص على تجنيس ألفي شخص من "البدون" سنوياً، ممن يقيمون في الكويت منذ 1965 على الأقل. لكن لم تُفلح تلك المحاولة في القضاء على الأزمة. اعتاد البدون الكويتيون على تنظيم المظاهرات المطالبة بالحصول على حقوقهم في الجنسية الكويتية من حين إلى آخر.

في السنوات الأخيرة، تصاعد زخم الاحتجاجات من جانب البدون الكويتيين بالتزامن مع دعمهم من قِبل العديد من النشطاء والمنظمات الحقوقية. في ديسمبر 2021م، تجمع نحو مئتي متظاهر في ساحة الإرادة مقابل مبنى مجلس الأمة الكويتي في وقفة احتجاجية سلمية دعماً لمطالب البدون. في مارس 2022م، أُعلن عن بدء إضراب مفتوح عن الطعام للمطالبة بـ "الحقوق الإنسانية الأساسية" للبدون في الكويت. وأثار الإضراب موجة تعاطف واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. في أغسطس 2023م، نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً عن معاناة بدون الكويت.  جاء فيه إن الحكومة الكويتية تمارس التمييز ضد أطفال البدون "وذلك من خلال تقاعسها في توفير التعليم المجاني". وبيّن التقرير كيف أن الحكومة تُجبر أطفال البدون على دفع رسوم التعليم الخاص الذي يعدّه الآباء والأمهات والأطفال دون مستوى التعليم في المدارس الحكومية المجانية التي يلتحق بها المواطنون الكويتيون. في الشهر الماضي، سلطت الأضواء على قضية "البدون" في الكويت من جديد، وذلك بعدما أعلنت وزارة الداخلية الكويتية عن "وقف جواز سفر رقم (17) "الخاص بالمقيمين بصورة غير قانونية" وهم عديمو الجنسية "البدون" باستثناء الحالات الإنسانية مثل العلاج والدراسة.

 

السعودية

تشكّل البدون في السعودية من القبائل البدوية التي عاشت حياة الترحال في شمال وجنوب المملكة العربية السعودية، ومن الجاليات الإسلامية التي هاجرت من آسيا إلى شبه الجزيرة العربية في بدايات القرن العشرين، واستوطنت فيما بعد في غرب السعودية.

في سبعينيات القرن العشرين، أُتيحت الفرصة لإعطاء هؤلاء الجنسية السعودية. غير أن أغلب البدون تجاهلوا الأمر بسبب انشغالهم بالحياة البدوية، أو لعدم معرفتهم بفتح باب الحصول على الجنسية. تسبب ذلك في عدم حصول أبناء وأحفاد تلك الفئات على الجنسية السعودية حتى الآن.

في السنوات الأخيرة، أشارت بعض التقارير الصحفية إلى المعاناة الشديدة التي يلاقيها البدون السعوديون في شتى مناحي الحياة، وخصوصاً فيما يخص المسكن، والاوضاع الاجتماعية، والتعليم، والزواج. في هذا السياق، بُذلت بعض المجهودات لحل مشكلتهم. ومن ذلك، صدور مرسوم ملكي في العام 2000م يقضي بمنح الجنسية لقبائل شمر وعنزة وبني خالد والأساعدة. وفي سنة 2012م، كشفت وزارة الداخلية عن خطة حكومية لقرب إصدار نظام لتجنيس البدون، الأمر الذي تحقق بشكل جزئي في سنة 2014م، عندما أصدرت المديرية العامة للجوازات السعودية بطاقات خاصة للبدون لتسهيل إجراءاتهم.

على الرغم من تلك المجهودات، لم تنته أزمة البدون السعوديين. في سنة 2015م، اعترفت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بأن إجراءات تصحيح وثائق البدون بطيئة جداً وأن الإشكالات ستتوسع إذا ما تأخر حسم هذا الملف. بعدها بسنتين، نشرت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان تقريراً حول "الحرمان من الجنسية في السعودية"، خلص إلى أن "معاناة البدون في السعودية انطوت على العديد من التجاوزات والانتهاكات والتمييز العنصري".

الإمارات

تعود أصول العديد من البدون في الإمارات إلى مجتمعات البدو أو المهاجرين الذين سكنوا البلاد قبل تشكيل الدولة في سنة 1971م، ولم يجرِ تسجيلهم وقتها لنيل الجنسية. 

بشكل عام، يجد البدون الإماراتيون صعوبات عدة في استخراج شهادات الميلاد والوفاة، وفي توثيق عقود الزواج والطلاق، كما أنه لا يحق لأبنائهم الالتحاق بالمدارس الحكومية.

في 2006م، كشفت وزارة الداخلية الإماراتية عن قرب حل قضية البدون. وفي سنة 2008م، عملت الإمارات على إيجاد حل بديل لأزمة البدون الذين يعيشون على أراضيها. عقدت إمارة أبوظبي اتفاقاً مع دولة جزر القمر الواقعة شرقي أفريقيا. بموجب هذا الاتفاق قامت الحكومة الإمارتية بشراء وثائق هوية وجوازات سفر للبدون، ووزعتها عليهم. مع إعطائهم الحق في الإقامة على الأراضي الإمارتية، ووعدهم بمنح العديد من التسهيلات والامتيازات. ذكرت بعض التقارير الصحفية أن جواز السفر القمري الواحد بلغت كلفته 4 آلاف يورو، وأن الحكومة الإمارتية دفعت ما لا يقل عن 200 مليون يورو كتكلفة إجمالية.

 

قطر

تختلف مشكلة البدون في قطر عنها في باقي الدول الخليجية. تعود تلك المشكلة إلى سنة 1995م، عندما تمت الإطاحة بأمير قطر آنذاك، خليفة بن حمد آل ثاني، في انقلاب قام به نجله حمد بن خليفة آل ثاني. حاول خليفة بن حمد وقتها ان يسترد السلطة بمساعدة قبائل آل مرّة. فشلت المحاولة، وتحمل الطرف الخاسر ضريبة الهزيمة. في سنة 2005م جرّدت الحكومة القطرية الآلاف من أبناء قبائل آل مرّة، من جنسياتهم، وأصبح وضعهم القانوني مشابهاً لأوضاع البدون في السعودية والكويت والإمارات.

منذ ذلك الوقت، حُرم العديد من آل مرّة من الحصول على الوظائف، ومن تلقي الرعاية الصحية المجانية، كما فُرضت الكثير من القيود على التعليم والزواج وفتح الحسابات المصرفية. في أغسطس 2021م، زادت معاناة آل مرّة بعدما أقرت الدوحة قانون الانتخابات البرلمانية الجديد. بموجبه حُرم الآلاف من آل مرة من الاقتراع أو الترشح. بعدما اقتصر حق المشاركة في الانتخابات على القطريين "الأصليين" فحسب.

أعيد افتتاح آيا صوفيا كمسجد في الرابع والعشرين من يوليو سنة 2020. أقيمت صلاة الجمعة في هذا المكان التاريخي للمرة الأولى منذ 86 سنة كاملة.
من النظام الملّي إلى "الخط الهمايوني".. كيف عاشت الأقليات المسيحية تحت الحكم العثماني؟
اتسمت العلاقة بين النبي والمسيحيين بالود والتسامح في أغلب فتراتها. رغم من ذلك، لم تبق العلاقة بين الحكومات الإسلامية المتعاقبة وبين الرعايا المسيحيين هادئة دائماً، خاصة تحت حكم الدولة العثمانية.

العراق

تختلف مشكلة معدومي الجنسية في العراق عنها في منطقة الخليج. يُعدّ الأكراد الفيليون الذين قدموا إلى العراق من بعض أنحاء إيران في القرن السادس عشر الميلادي أبرز النماذج المعبرة عن تلك المشكلة.

خلال الحرب الصفوية- العثمانية، نزحت عوائل الكثير من الجند الفيليين -الذين كانوا يحاربون في صف الصفويين- إلى العراق في صورة هجرات بشرية متتابعة. استقرت تلك العوائل في العراق رغم استعادة العثمانيين السيطرة على المنطقة. وهكذا صار الفيلييون متواجدين بشكل كثيف في غربي إيران وشرقي العراق. 

عند تأسيس المملكة العراقية في عام 1921م وبموجب اتفاقية تخطيط الحدود العراقية - الإيرانية تم إلحاق مناطق واسعة من الأراضي الكردية الفيلية بالعراق، ليصبح الفيلييون عندها إحدى المكونات البشرية المهمة في التكوين الفسيفسائي للشعب العراقي. تمركز الفيلييون بشكل رئيس في خانقين، وجلولاء، وبعقوبة، والكوت، والكميت. هذا إلى جانب تواجد بعض تجمعاتهم في كل من بغداد، والسليمانية، وأربيل، وكركوك، والكوفة، والنجف، وكربلاء، والبصرة.

بدأت محنة الأكراد الفيلين في العراق في النصف الأول من القرن الماضي. فرّق قانون الجنسية العراقي بين المواطنين الذين يعودون إلى أصول إيرانية والمواطنين الذين يعودون إلى أصول عثمانية. بموجب هذا القانون أصبح الفيلييون مواطنين من الدرجة الثانية. وتم البدء في تهجيرهم إبان حكومتي رشيد الكيلاني ونوري السعيد. 

تصاعدت وتيرة التهجير في حكومتي عبد السلام عارف وأحمد حسن البكر. ووصلت تلك الوتيرة إلى ذروتها في زمن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في الفترة الواقعة بين سنتي 1970 و2003م. 

في سنة 1980م -وبالتزامن من اندلاع حرب الخليج الأولى ضد إيران- أصدر صدام حسين القرار رقم (666)، والذي نص على "إسقاط الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل أجنبي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة وتخويل وزير الداخلية صلاحية إبعاد كل من أسقطت عنه الجنسية العراقية ما لم يقتنع بناءً على أسباب كافية بأن بقاءه في العراق أمر تستدعيه ضرورة قضائية أو قانونية". 

بموجب هذا القانون جُرد الفيلييون من الجنسية العراقية وتمت مصادرة أموالهم وممتلكاتهم ووجهت لهم اتهامات بالخيانة والعمالة لإيران.

بحسب بعض المصادر الفيلية، وصل عدد المهجرين في تلك الفترة إلى ما يقرب من 600 ألف فيلي، وتم إرسالهم إلى الحدود مع إيران. رغم مرور عشرات الأعوام على وقوع تلك الحوادث المؤسفة، لا يزال الآلاف من الفيليين المُهجّرين يعيشون في أوضاع معيشية سيئة في الأماكن التي خصصتها لهم الحكومة الإيرانية في مخيّمي ازنا وجهرم في لرستان الواقعة في غربي إيران. لم تُحل مشكلة هؤلاء اللاجئين المُهجرين حتى الآن رغم مرور ما يقرب من عشرين عاماً على سقوط نظام صدام حسين.