أعضاء من الطائفة البهائية يتظاهرون خارج محكمة أمن الدولة بصنعاء (أرشيف)
أعضاء من الطائفة البهائية يتظاهرون خارج محكمة أمن الدولة بصنعاء (أرشيف)

لا تزال الأقلية التي تدين بالبهائية، تعاني الملاحقات والاضطهاد والاعتقالات في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون الحوثيون في اليمن، وفقا لما أفادت المبادرة اليمنية للدفاع عن حقوق البهائيين.

وأوضحت المبادرة في تصريحات خاصة لموقع "الحرة"، أن "اليمن يشهد في السنوات الأخيرة، خاصة منذ عام 2014، استهدافا منهجيا للمواطنين البهائيين من قبل سلطة الأمر الواقع في صنعاء (الحوثيين)، حيث تعرضوا إلى صنوف من الاضطهاد والقمع وانتهاك الحقوق الأساسية".

وأضافت: "البهائيون هناك يتعرضون لنوع من أنواع الإبادة الصامتة، التي تستهدف هويتهم ومعتقدهم وحياتهم اليومية، وذلك من خلال ضغوط متتالية ومنهجية تُمارس لإجبارهم على ترك معتقدهم لإخفاء هويتهم، وعبر مساعٍ حثيثة لإجبار العديد على ترك قراهم ومدنهم، بل والهجرة من البلاد".

واعتبرت المبادرة أن ما يتعرض له البهائيون "يرتقي إلى مستوى جريمة تطهير ديني".

وسجلت المبادرة اليمنية خلال السنوات الخمس الأخيرة، المئات من الانتهاكات لحقوق المواطنين البهائيين، لافتة إلى أنه "بالإمكان تصنيفها إلى 34 صنفا من الانتهاكات، إذ أن بعضها تتكرر عشرات المرات للعديد من الأفراد والأسر البهائية، ناهيك عن أن نسبة كبيرة ممن يعانون من هذه الانتهاكات هم من الأطفال والنساء وكبار السن".

المعتقلون الخمسة

كانت المداهمة المسلحة العنيفة التي قام بها الحوثيون لاجتماع سلمي للبهائيين في صنعاء، في 25 مايو 2023، حيث تم اعتقال 17 بهائيا من بينهم 5 نساء، أحد أوضح الانتهاكات في سلسلة مستمرة من الاضطهادات الممنهجة ضد تلك الأقلية الدينية، حسب المبادرة اليمنية للدفاع عن حقوق البهائيين.

وفي هذا الصدد، حصل موقع "الحرة" على فيديو حصري من المبادرة، يتضمن أسماء المعتقلين الخمسة الذين لايزالون يقبعون في سجون جماعة الحوثي، مع بعض المعلومات الشخصية عنهم.

المعتقلون البهائيون الخمسة في سجون الحوثي

وفي هذا الصدد، أوضح مدير مكتب الشؤون العامة للبهائيين في اليمن، نادر السقاف: "من الواضح أن المحرك الحقيقي خلف ما يحدث للبهائيين في اليمن هو دافع طائفي يحاربهم بسبب اختلاف معتقدهم، ويسعى إلى عملية تطهير طائفي ضد البهائيين".

وأضاف في حديث إلى موقع "الحرة": "الأجهزة الأمنية الحوثية والشخصيات الفاعلة في ملف البهائيين، أعربت أكثر من مرة – تصريحا وتلميحا – بأن المعتقد هو الدافع الرئيسي خلف عمليات الانتهاك والاضطهاد".

وأكد السقاف أن قضايا المعتقلين البهائيين تشهد "تخبطا واضحا" في الاتهامات الموجة لهم، "ففي العديد من المناسبات حملت لغة الخطاب صبغة طائفية صريحة وصلت إلى درجة اتهام كل من يقف إلى جانب البهائيين بالكفر والخروج عن الإسلام والعمالة لأعداء الدين"، على حد قوله.

ولفت إلى أنه "خلال الأيام المقبلة ستكون ذكرى مرور سنة على الاعتقالات اللاإنسانية للبهائيين، وعليه فإننا نطالب تلك الجماعة بإطلاق سراح المعتقلين الخمسة المحتجزين لديها فوراً ودون شرط؛ فالإيمان ليس جريمة يُعاقب عليها، والحرية حق للجميع".

من جانبها، أوضحت الناشطة الحقوقية رئيسة منظمة التميز لتنمية المجتمع، روحية ثابت، أن "الأحداث أثبتت بوضوح أن الحوثيين هم الجهة الرئيسية المسؤولة عن الاضطهاد الممنهج الحالي للبهائيين في اليمن".

وأشارت إلى أن "عمليات الانتهاك والاضطهاد تفاقمت من حالات فردية إلى عملية منهجية واضحة الملامح، تستهدف كافة أبناء هذا المعتقد، وذلك منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء في أواخر عام 2014".

ونوهت بأن تلك الجماعة، المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة، تعمل على "مسح الهوية الثقافية والاجتماعية للبهائيين، باعتبارهم أحد مكونات المجتمع اليمني".

انتهاكات عديدة

وأشار كل من سقاف وثابت إلى الانتهاكات التي تتعرض لها الأقلية البهائية منذ سيطرة الجماعة الحوثية على مقاليد الحكم في صنعاء، ومن بينها:

- التضييق عليهم ودفعهم للخروج من مدنهم وقراهم، بل وحتى الهجرة القسرية خارج اليمن.

- تضييق سبل العيش، والمضايقات المالية وتجميد المعاملات المصرفية للبهائيين ومن يتعاملون معهم، من خلال المؤسسات المالية ومراكز الصرافة وغيرها.

- إخفاء صوتهم ووجودهم الاجتماعي من خلال المضايقات المستمرة.

- تحريض المجتمع على البهائيين وإثارة المخاوف تجاههم، من خلال نشر الأكاذيب والتهم السياسية والثقافية والأخلاقية المفبركة.

- تخويف أفراد تلك الأقلية من خلال حملات متابعة، وإصدار الأحكام الجائرة، وتعذيب المعتقلين، وسجن النساء والقصَّر.

كما نوه السقاف بأن الأجهزة الأمنية التابعة للحوثيين "تقوم بإجبار المعتقلين البهائيين على التوقيع على تعهدات بوقف الأنشطة الثقافية أو الحديث عن معتقدهم، خوفا من انتشار التعاليم البهائية، مما يؤكد أن الهدف الرئيسي لاعتقالهم هو هدف طائفي مرتبط بعقيدتهم".

الخوف من الاعتقال

وفي حديث إلى موقع الحرة، كشف "ن. س" الذي ينتمي إلى الأقلية البهائية، عن بعض الأوضاع المزرية التي يعانون منها منذ أن خضع معظم شمال اليمن لسطوة الحوثيين.

وقال "ن. س" الذي فضل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية: "يمر اليمن بضائقة اقتصادية بسبب الأوضاع، لكن الاضطهاد الممنهج علينا كبهائيين كان السبب الرئيسي في تدهور أحوالي وانقطاع مصدر رزقي".

وزاد: "بسبب التخوف من حملات الاعتقال التي تستهدفنا فقط لاعتقادنا الديني، نضطر للعيش تحت ظروف قاهرة، فأنا على سبيل المثال، أُجبرت على تغيير مكان سكني مع عائلتي، وبالتالي فقدت عملي لصعوبة الذهاب إليه".

معاناة الأطفال

وعن تأثير حملات الاضطهاد والتمييز التي يشنها الحوثيون على الأطفال والنساء بشكل خاص، قالت ثابت: "تعرض أطفال البهائيين لصدمات نفسية من جراء اعتقال أحد الوالدين أو كليهما، ليحرموا بذلك من الرعاية الأسرية لفترات متفاوتة، ناهيك عن التداعيات النفسية الخطيرة لتفريق الأسر عن بعضها".

وشددت ثابت على أن العديد من ربات المنزل عانين من أجل توفير مصادر مالية لتغطية نفقات أطفالهن اليومية، وتغطية مصاريف تعليم أولادهن، في ظل غياب المعيل الوحيد للأسرة، مما كان سببا في العديد من الحالات بأن تعيش العائلات تحت ضائقة الفقر الشديد.

وبدورها، أوضحت المبادرة اليمينة للدفاع عن حقوق البهائيين، أن العديد من الأطفال "حُرموا من متابعة التعليم بسبب الأساليب الطائفية المتبعة في المدارس، وكذلك بسبب إرغام أسرهم على ترك قراهم ومدنهم".

ولفتت المبادرة في تصريحاتها إلى موقع "الحرة"، أن "السلطات الحوثية في مرات كثيرة أمرت بمراقبة وإيذاء الأطفال بهدف اعتقال ذويهم".

ورأت المبادرة أن تلك  السلطات تستهدف "بشكل رئيسي أموال وأعمال وممتلكات البهائيين، وتمنعهم من الحصول على مستحقاتهم، وتجمد حساباتهم المصرفية، وتستولي على بيوتهم وممتلكاتهم".

وخلصت المبادرة إلى أن "سياسة الحوثيين تجاه أفراد الأقلية البهائية واضحة جدا، فهم يستهدفون إجبارهم على ترك معتقدهم، وإرغامهم على الحضور في محاضرات دينية حوثية، وإلا فالبديل هو السجن والتعذيب والتنكيل وقطع الأرزاق والتهجير وفي بعض الحالات النفي القسري من البلاد".

وفي نفس المنحى، قال السقاف إن" الاضطهاد الممنهج ضد البهائيين جعلهم يعانون من الأضرار الاقتصادية والاجتماعية منذ نحو 10 سنوات وحتى الآن، حيث تم إجبار العديد منهم على حضور دورات قسرية يطلق عليها الحوثيين (دورات ثقافية)، بهدف التحريض على الآخر المختلف".

تاريخ البهائيين في اليمن

حسب الموقع الرسمي للبهائيين في اليمن، فإن المصادر التاريخية تشير إلى أن ذلك الدين وصل إلى تلك البقعة في بدايات ظهوره.

ففي عام 1260 هجرية (الموافق 1844م) شهد ميناء "المخا" على البحر الأحمر قدوم علي محمد الشيرازي المعروف بـ"الباب المبشر" بظهور الدين البهائي، وذلك في رحلته إلى الحج عبر موانئ اليمن في ذهابه وعودته.

ولم تكن هذه الحادثة التاريخية نهاية علاقة الدين البهائي باليمن، فعندما قضت الإمبراطورية العثمانية بحبس "حضرة بهاء الله" (مؤسس الدين البهائي) في سجن عكا، عادت شواطئ وموانئ اليمن لتشهد مرور أعداد متزايدة من "المؤمنين الأوائل بالدين البهائي والمحبين لرسالته"، وفقا للموقع الرسمي.

فالمسار المائي عبر بحر العرب وباب المندب والبحر الأحمر هو الطريق الذي سلكه جّمٌ غفيرٌ من أهل المشرق القاصدين زيارة "حضرة بهاء الله" في سجنه.

ومع مرور الزمن استمر مرور البهائيين بأرض اليمن، وتتابع احتكاك أهلها بهم، حيث اعتنق العديد من السكان الدين الجديد، وكان من بينهم شخصيات اجتماعية وقبلية معروفة.

ووفقا للسقاف، "يعتبر البهائيون اليوم من المكونات الأصيلة في المجتمع اليمني، ومن المعروف عنهم حبهم لبلدهم". 

وتابع: "رغم أن البهائيين في اليمن مشهود لهم بتاريخهم المسالم البعيد من أي نشاط سياسي أو حزبي طوال عقود طويلة، ورغم ما عرف عنهم من اهتمام كبير بالأعمال الخيرية والتطوعية والمساهمة في بناء المجتمع، سواء على مستوى العمل المهني أو على مستوى العمل الاجتماعي، فإن السنوات الأخيرة شهدت موجات من الاستهداف والقمع تفاقمت إلى مراحل متقدمة من الاضطهاد المنهجي".

وشدد السقاف على أنه "يصعب حصر أعداد المؤمنين بأي معتقد في الظروف الحالية، خاصة مع ما يتعرض له البهائيون من اضطهاد".

وانتهى بالقول: "التقديرات تشير إلى أن عدد البهائيين في حدود عدة آلاف ينحدرون من مختلف مكونات وطبقات وقبائل المجتمع اليمني، ويتواجدون في معظم المدن والمحافظات".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.
يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.

بعد اتفاق سياسي تأخر لسنوات، سينطلق التعداد العام للسكان في العراق نوفمبر المقبل دون ذكر الانتماء القومي للسكان.

اعتبر محللون عراقيون أن ذلك سيجنب البلد "المزيد من الجدل". ورغم عدم تقديم اعتراضات رسمية، إلا أن ممثلين عن الأقليات أعربوا عن قلق من استغلال النتائج.

وزارة التخطيط وعلى لسان متحدثها الرسمي عبد الزهرة الهنداوي أبلغت "ارفع صوتك" أن التعداد السكاني سينطلق بين 20 و21 نوفمبر المقبل، وسيكون تعداداً "تنموياً" لمعرفة الواقع المعيشي والاقتصادي والخدمي المقدم للعراقيين.

بموجب هذا التعداد، "سيتم وضع الخطط المستقبلية لتحقيق العدالة في توزيع الثروات"، يقول الهنداوي.

ويشير إلى أن التعداد في العراق سابقاً "كان يتضمن فقرة تتعلق بالقومية ولم يكن هناك أية أسئلة تتعلق بالمذهب". أما النسخة الحالية منه فستكون "خالية من السؤالين، كون هذه الأسئلة غير مجدية من الناحية التنموية".

ويؤكد الهنداوي أن ذكر القومية "كان أحد أسباب تأجيل الإحصاء في سنوات سابقة، نتيجة خلافات سياسية". لذلك فإن الأمم المتحدة رأت "إلغاء أي سؤال يمكن أن يعرقل التعداد".

وعن أهم الأسباب التي أدت إلى تأجيل التعداد أكثر من مرة منذ 2003، يشرح الهنداوي أنها كانت أحياناً تتعلق بالخلافات السياسية وفي أحيان أخرى بالأوضاع الأمنية أو عدم توفر التخصيصات المالية اللازمة، الإضافة إلى الأسباب الصحية التي رافقت انتشار فيروس كورونا سنة 2020.

وحالياً، تمت "معالجة الخلافات باتفاق سياسي، والوضع الأمني مستقر. بالتالي كل الظروف أصبحت مهيأة لإجراء أول تعداد سكاني في العراق منذ 27 عاماً"، بحسب الهنداوي.

لماذا تفشل دول عربية في إجراء التعداد السكاني بشكل دوري؟
يُعتبر تعداد السكان والمساكن من بين أكثر العمليات ضخامة وتعقيداً التي يمكن لأي دولة القيام بها. وبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن التعداد السكاني يحتاج إلى أن تكون البلدان التي تقوم به في حالة سلم، إذ يتطلب التخطيط الدقيق وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة.

قلق في صفوف الأقليات

على الرغم من إدراج الديانة للسكان كما تقول وزارة التخطيط، إلا أن هناك أقليات تعتبر نفسها قومية منفصلة مثل الشبك والكرد الفيلين وبعض الأيزيديين.

يوضح نائب رئيس مجلس الأقليات العراقي محمد الشبكي لـ"ارفع صوتك": "بحسب المناقشات التي سبقت التعداد السكاني في الأعوام السابقة، فقد تم تقديم مقترح لوضع سؤال يتعلق بالقومية، على أن تُترك الخانة فارغة ليقوم المواطن بكتابتها بنفسه إذا رغب".

ويقول إن التعداد السكاني في النسخ السابقة كان يتم فيه ذكر القوميات الأساسية العرب والأكراد والتركمان ثم يتم كتابة كلمة "أخرى"، لذلك فإن "أقليات قومية مثل الشبك والكرد الفيلين لم يتم تعدادهم بشكل صحيح، وكنا نعتبر الإحصاء الحالي يمكن أن ينصفهم"، وفق تعبيره.

يتركز وجود الشبك في المناطق المتنازع عليها بين الإقليم والمركز وهي مناطق صراع، يتابع الشبكي "من جهة، ترغب الحكومة المركزية بالسيطرة عليها، ومن جهة أخرى يرغب الإقليم باعتبار سكانها أكراداً. وبهذا تصبح مناطقهم تابعة للإقليم".

ويعرب الشبكي عن قلقه من "استخدام البيانات (من التعداد) لمسائل سياسية أو لتثبيت واقع حال أو تلاعب بحدود المحافظات".

في المقابل،  يرى رئيس ائتلاف الرافدين يونادم كنا أن إلغاء القومية من التعداد السكاني "أمر إيجابي لأنه يخدم النهج الوطني".

ويبين لـ"ارفع صوتك" أن كوتا الأقليات في البرلمان العراقي "لن تتأثر بإحصاء السكان، كونها أقرت بقانون وزعت فيه المقاعد بموجب اتفاق سياسي لم يؤخذ فيه بنظر الاعتبار عدد السكان".

 ولو كان تم الأخذ بنظر الاعتبار عدد السكان "لكنّا رأينا عدد مقاعد مختلف الأقليات خصوصاً أتباع الديانة المسيحية، إذا أخذنا التعداد التقديري السابق الذي تحدث عن وجود مليون ونصف المليون مسيحي في البلد ولهم 15 مقعداً في البرلمان"، يضيف كنا.

وبحسب نظام كوتا الأقليات في البرلمان العراقي، فإن هناك خمسة مقاعد للمسيحيين موزعة على محافظات بغداد ونينوى وكركوك ودهوك وأربيل، ومقعد واحد لكل من الأيزيدين والصابئة والشبك والكرد الفيلية.

الحالة الوحيدة المثيرة للقلق، كما يقول كنا "إذا رأينا بعد التعداد وظهور النتائج نفساً قومياً عنصرياً أو دينياً متشدداً يمكن أن يؤثر سلباً إذا ما طالب بإعادة النظر بالقانون، وهو أمر إذا ساد فأقرأ السلام على الوطن" على حدّ تعبيره.


"تذويب الهويات"

يرى المحلل السياسي أحمد الشريفي أن عدم إدراج خيارات القومية والمذهب في التعداد السكاني، "يعني تذويب الهويات الفرعية إلى هوية وطنية واحدة، وهو خيار إيجابي يؤدي إلى جمع العراقيين تحت مظلة العنوان الوطني الواحد".

يقول لـ"ارفع صوتك": "في السابق كانت المذهبية غير موجودة في الإحصاء السكاني، لكن القومية كانت حاضرة منذ تسلّم حزب البعث للسلطة الذي ذهب باتجاه تعزيزها بعد تبنيه مبدأ القومية العربية فوق باقي المكونات، فضلاً عن ترسيخه للعشائرية والقبلية في نظام الحكم".

ويرجّح الشريفي أن الغاء القومية "سيكون ورقياً فقط" بينما في الواقع، بحسب كلامه "ستكون الأزمة حاضرة في الظاهرة السياسية، وأقرب مصداق لها قضية كركوك التي تتجاذبها ثلاث قوميات (الكرد والعرب والتركمان) وكل منهم يدعي أنه يمثل الأغلبية".

لكن مشكلة كركوك، يستدرك الشريفي "لم تبدأ بعد عام 2003 بل منذ عقود، عندما قرر حزب البعث تغيير الحدود الإدارية لعدد من المحافظات ومنها كركوك التي كانت تضم 36 وحدة إدارية ليتبقى منها 16 فقط".

يتابع: "لا يزال النزاع قائماً وكامناً وفاعلاً، وبسبب وجوده، فإن المحافظة الغنية بالنفط عاجزة عن اختيار محافظ لها اليوم، رغم مرور أشهر على انتخابات مجالس المحافظات".

يتفق المحلل السياسي إياد العنبر مع ما ذهب إليه الشريفي، بالقول "من الناحية السياسية نحن أمام قضيتين الأولى هي المناطق المتنازع عليها، والثانية هي كركوك. وهي من الخلافات المهمة بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان. وفي حال إجراء إحصاء يتضمن القومية فإنه يمكن أن يؤجج المشكلة أكثر من أن يقدم حلاً لها".

وتعتبر الخلافات على المناطق المتنازع عليها واحدة من أعقد المشكلات بين إقليم كردستان وبغداد، وهي تتضمن محافظات كركوك ونينوى وصلاح الدين وديالى. وكان الدستور أقر المادة 140 كحل لها، التي تتضمن ثلاث خطوات، إحداها تتعلق بإجراء إحصاء للسكان واستفتاء لتحديد المصير.

وزارة التخطيط نأت بنفسها عن أن تكون جزءاً من تنفيذ المادة الدستورية من خلال تقديمها سؤالاً إلى المحكمة الاتحادية عام 2010، يتعلق بالإحصاء السكاني وإذا ما كان هو ذاته المقصود في الدستور. وحينها أشارت المحكمة إلى أنه لا يوجد أي ربط بين الإحصاء العام والإحصاء المذكور ضمن المادة 140.

مع ذلك يرى العنبر أن قضية الأرقام المتعلقة بالمذاهب والقوميات "واضحة في أغلب المناطق لأن أغلبها معروف من يسكنها، لكن البعض يحاول استثمار الموضوع للتجاذبات السياسية والدخول في جدل سياسي جديد. وربما يتم الطعن في بعض النتائج باعتبارها تغيير ديمغرافي إذا ما تم ذكر القومية والمذهب وهو أمر لسنا بحاجة له على الإطلاق".

لماذا عجز العراق عن إجراء تعداد سكاني منذ ربع قرن؟
عام 1997م أجرى العراق تعداده السكاني الأخير. عملية شابتها الكثير من المشاكل، فلم يُجرَ الاستطلاع إلا في 15 محافظة بعد استبعاد محافظات إقليم كردستان، الأمر الذي دفع بعض الباحثين لعدم الاعتراف بنتائجه والاكتفاء ببيانات الإحصاء الذي سبقه بعشر سنوات وشمل جميع محافظات العراق.

مقاعد

في السياق نفسه، يقول رئيس مركز "المورد" للدراسات والإعلام نجم القصاب، إن عدم ذكر القومية والمذهب في التعداد معناه أن "الحكومة تتعامل مع المواطن كونه عراقياً فقط، وليس على أساس المكونات". 

والمكون، برأيه "يقسم المجتمع أولاً، والدولة العراقية ثانياً" مردفاً "لهذا علينا أن نغادر هذه المسميات وهذه الأسماء".

ولكن، ما تأثير ذلك على التعداد السكاني؟ يقول القصّاب إنه "يتعلق بالفروقات السكانية التي يمكن أن تظهر بين محافظة وأخرى، وهو أمر من شأنه إحداث تغييرات في التمثيل البرلماني للمحافظات".

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "إذا ما حصل وكانت الأرقام الحقيقية خلال التعداد السكاني مختلفة عن التقديرات في المحافظات، فمن يظهر وجود نسبة سكان أعلى لن تتضرر بل ستستفيد لأن تمثيلها السكاني سيرتفع. أما المحافظات التي تتراجع بها النسبة السكانية بشكل ملحوظ ستتراجع نسبة تمثيلها البرلماني وتصبح مقاعدها أقل".

تغيير نسب السكان معناه كما يقول المحلل السياسي علي الحبيب لـ"ارفع صوتك" أن هناك إمكانية لـ"زيادة مقاعد بعض المحافظات التي سيرتفع عدد سكانها، كما سترتفع حصتها المالية التي تعتمد على عدد السكان وتتغير الخطط التنموية المتعلقة بها"، وإذا تراجع عدد السكان "سيحصل العكس، أي أن تتراجع أعداد المقاعد وتنخفض تخصيصاتها المالية".

هذه العوامل، بحسب الحبيب "تثير المخاوف لدى المراقبين من إمكانية حصول تدخلات لتحقيق مكاسب سياسية ومالية عبر التأثير على عملية التعداد، التي تؤدي إلى تحقيق نتائج غير دقيقة، خصوصاً أن لدينا تغيرات ديمغرافية قبل وبعد عام 2003، ووجود عدد كبير من النازحين في المخيمات".

جزء من هذه المخاوف تأتي "لعدم توفر البنية التحتية الضرورية مثل التقنية والموارد البشرية المدربة بشكل كافٍ، وعدم تنمية الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية ليُدلي ببياناته بشكل دقيق"، يتابع الحبيب، مضيفاً "كل هذه المعوقات من شأنها أن تؤثر سلبياً على نتائج الإحصاء".

والحل، أن يبذل العراق "جهوداً كبيرة لتطوير البنية التحتية، وحل أزمة الثقة بين المواطن والحكومة للوصول إلى نتائج حقيقية للإحصاء السكاني"، يقول الحبيب.