قساوسة أرمن يحضرون قداسا للاحتفال بعيد الميلاد في كنيسة أرمنية في بيت لحم بالضفة الغربية
قساوسة أرمن يحضرون قداسا للاحتفال بعيد الميلاد في كنيسة أرمنية في بيت لحم بالضفة الغربية- تعبيرية

في بدايات القرن العشرين تعرض الأرمن للإبادة الجماعية والتهجير من مناطقهم، على يد الدولة العثمانية،  ما أدى لتشتت عشرات الآلاف في مختلف أنحاء العالم بينها المنطقة العربية.

فما هي أبرز الدول التي استقروّا فيها؟ وكيف بدت حياتهم الجديدة هناك؟ هل تمكنوا من الاندماج في المجتمعات العربية والإسلامية؟ كل ذلك نحاول الإجابة عنه في هذا التقرير.

 

تهجير قسري

فرضت الأوضاع الجغرافية على أرمينيا الوقوع بين قوتين عظميين، ما تسبب في تعرض مواطنيها للاستهداف مدة طويلة.

ففي القرن الخامس الميلادي، دارت الحروب على أرض أرمينيا بين الدولة الفارسية الساسانية والدولة البيزنطية، وتبادل الطرفان السيطرة على تلك الأرض لعقود متوالية.

في القرن السابع عشر الميلادي، تكرر الأمر بسبب وقوع أرمينيا بين الدولة الصفوية التي تحكم الهضبة الإيرانية من جهة والدولة العثمانية التي تحكم الأناضول وآسيا الصغرى من جهة أخرى.

 وبحسب ما يذكر الباحث نيكولاي هوفهانيسيان في دراسته "العلاقات التاريخية الأرمنية - العربية"، فإن الصراع بين القوتين على أرمينيا لم ينته إلا عام 1639، حيث وقع الصفويون والعثمانيون اتفاقاً في قصر شيرين لتقسيم أرمينيا.

بموجب هذا الاتفاق، ضُمت أرمينيا الشرقية إلى فارس بينما أُلحقت أرمينيا الغربية بالإمبراطورية العثمانية. 

ظلت الأوضاع داخل أرمينيا هادئة نوعاً ما حتى ثمانينيات القرن التاسع عشر الميلادي. في تلك الفترة، بدأ الأرمن بالمطالبة بالحصول على الحكم الذاتي، ودخلوا في صدام مع الدولة العثمانية.

في أبريل 1915 بالتزامن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، اشتعلت الأوضاع في أرمينيا عندما اتهم العثمانيون  الأرمن بالعمالة للقوى الغربية المعادية لهم.

على إثر ذلك، صدرت الأوامر للفيالق العثمانية بالقضاء على المعارضة الأرمنية، وفي ظل تلك الأجواء تعرض مئات الآلاف من الأرمن للقتل والتهجير القسري والاغتصاب، وعُرفت تلك الأحداث الدموية بالمذابح الأرمنية.

وتقول التقديرات إن أكثر من مليون أرمني قتلوا خلال تلك الأحداث، بينما اُضطر الآلاف لترك وطنهم والنزوح إلى بلاد جديدة. وكانت البلاد القريبة جغرافياً من أرمينيا في طليعة دول الشتات الأرمني، ومن بينها الدول العربية.

 

العراق

في القرن السابع عشر الميلادي، وبعد احتلال أرمينيا من قِبل الفرس، أتى الشاه عباس بالآلاف من الأرمن وأسكنهم في منطقة جلفا الجديدة بأصفهان.

بعد موت الشاه، هاجر قسم كبير من هؤلاء الأرمن إلى العراق واستقروا في البصرة، ليشكلوا النواة الأولى للأرمن في بلاد الرافدين.

في 1638، اقتحم العثمانيون بغداد وبعدها وهب السلطان مراد الرابع قائد المدفعية الأرميني كيورك نزريتان قطعة من الأرض داخل العاصمة العراقية. على تلك الأرض، بُنيت كنيسة مريم العذراء للأرمن الأرثوذكس التي تقع في محلة "كوك نزر" بمنطقة الميدان وسط العاصمة بغداد.

في بدايات القرن العشرين، وبالتزامن مع وقوع المذابح العثمانية في الحرب العالمية الأولى، هاجر عشرات الآلاف من الأرمن إلى العراق وتوزعوا على ثلاث مناطق رئيسة: بعقوبة في محافظة ديالى، وأجزاء من محافظتي نينوى وكركوك، بواقع 100 ألف نسمة.

عمل الكثير من الأرمن، الذين استقرّوا في العراق، في مجال التجارة والحرف اليدوية، وتمكنوا من الاندماج في مجتمعاتهم إلى حد بعيد، كما تميّزوا بحرفهم وصناعاتهم، إضافة لبزوغ أسماء أرمنية في مجالات عديدة، كالدكتور هاكوب جوبانيان أحد مؤسسي كلية الطب في العراق الذي حصل على وسام الرافدين من الدرجة الثانية عام 1954، وأمري سليم لوسينيان، المصور الصحافي الشهير الذي صور ملوك وزعماء العراق، والمهندس المعماري مارديروس كافوكجيان، الذي وضع المخططات الهندسية لضواحي الموصل وأربيل.

إضافة إلى هؤلا، بزغ  ممثلون أرمن مثل سيتا هاكوبيان، وآزادوهي صاموئيل، وبياتريس أوهانسيان، والكاتب يعقوب سركيس.

حالياً، تقدر أعداد الأرمن العراقيين بحوالي 20 ألف نسمة، تعيش أغلبيتهم في بغداد، فيما تتوزع البقية بين نواحي البصرة والموصل وكركوك وزاخو وأربيل والسليمانية.

سياسياً، اعترف الدستور العراقي بالأقلية الأرمنية. ونصت المادة الرابعة منه على ضمان حق العراقيين الأرمنيين بتعليم أبنائهم باللغة الأرمنية في المؤسسات التعليمية الحكومية.

رغم ذلك، يعاني الأرمن من ضعف التمثيل النيابي. وحالياً، يقتصر وجودهم مقعد واحد في برلمان إقليم كردستان، ويغيبون تماماً عن مجلس النواب العراقي في بغداد.

خلال سنوات احتلال تنظيم داعش لمناطق عراقية، تعرض الأرمن للاضهاد باعتبارهم من الأقلية المسيحية، ودمر التنظيم الإرهابي كنائس خاصة بهم في الموصل.

 

سوريا

كانت سوريا إحدى الوجهات الرئيسة للأرمن الذين فروا من المذابح العثمانية. ووفق التقرير الصادر عن الاتحاد الخيري العام الأرمني (AGBU)، فإن الأرمن الذين وصلوا سوريا استقروا بشكل رئيس في حلب ودمشق والمحافظات الشمالية مثل الحسكة والرقة واللاذقية.

في عام 1924 حصلوا على الجنسية السورية، الأمر الذي يسّر لهم عملية الاندماج. وفي السنوات اللاحقة، تمتع الأرمن بتمثيل شبه ثابت في البرلمان السوري.

لا يوجد إحصاء دقيق لعدد الأرمن اليوم في سوريا، إلا أن مصادر عديدة أرمنية وإعلامية رجحت أنه لا يتجاوز 12 ألفاً في مناطق سيطرة النظام السوري، بعد أن كان عددهم نحو مئة ألف قبل اندلاع الحرب الأهلية في البلاد.

تأثر الأرمن كثيراً بأحداث الاقتتال الداخلي التي مرت بها سوريا، وتعرضوا للاستهداف من قِبل بعض التيارات الإسلامية المتشددة، ما تسبب في هجرة قسم كبير منهم خارج الأراضي السورية.

في سبتمبر 2014، فجر تنظيم داعش كنيسة "شهداء الأرمن" التاريخية في حي الرشدية بمدينة دير الزور. وفي نوفمبر 2019 أعلن التنظيم مسؤوليته عن اغتيال راعي كنيسة الأرمن الكاثوليك ووالده في القامشلي.

من جهة أخرى، تلقى الأرمن تطمينات متكررة من قِبل النظام. ففي مايو 2019 دعا بشار الأسد الأرمن السوريين الذين هاجروا بسبب ظروف الحرب إلى العودة في أقرب وقت ممكن، لاستعادة منازلهم ووظائفهم، مؤكداً أن "المجتمع الأرمني سيتمتع بدعم ثابت من الدولة"، لكن هذه الدعوات لم تلق استجابة، بحسب تقارير صحافية.

أعاد الأسد الكرّة في فبراير 2023، مشدداً أن السوريين الأرمن "جزء عضوي من الهوية السورية والنسيج المجتمعي".

مصر

بدأت علاقة الأرمن بمصر منذ قرون طويلة، إذ لا يقتصر على فترة ما بعد تهجيرهم على يد العثمانيين.

في القرن الحادي عشر الميلادي اعتلى قائد الجيوش الأرمني بدر الدين الجمالي كرسي الوزارة في مصر، وأسهم بحظ وافر في إصلاح الأحوال الداخلية في الدولة الفاطمية، بعد أن تعرضت لمحنة شديدة بسبب الأزمة المعروفة باسم "الشدة المستنصرية".

وفي سبعينيات القرن التاسع عشر الميلادي، عرفت مصر أرمنيا آخر، هو نوبار باشا الذي تولى رئاسة الوزراء في عهد الخديوي إسماعيل باشا.

في سنة 1906، تأسس الاتحاد العام الأرمني الخيري في القاهرة. وفي العقد الثاني من القرن العشرين، زادت الهجرات الأرمنية إلى مصر بالتزامن مع حملات الإبادة العثمانية.

في تلك الفترة، سافر الآلاف من الأرمن بحراً إلى النواحي الشمالية من مصر وعاشوا في مخيمات بالإسكندرية وبورسعيد. بعد فترة قصيرة، انتقلوا للعديد من مدن الدلتا والصعيد، كما انتقل الكثير منهم للعيش في القاهرة.

في ستينيات القرن العشرين زاد عدد الأرمن في مصر بشكل كبير ليصل إلى قرابة 60 ألفاً. عمل الكثير منهم في مجالات الفن والتجارة وصناعة السينما.

تحدث عنهم أحمد أمين في كتابه "قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية" فوصفهم بقوله "اشتهروا بجودة الصنعة وإتقانها، والمهارة في التجارة، وعدم المبالاة بالغربة. ولذلك نجحوا حيث لم ينجح غيرهم، وكسبوا من الأموال ما تضخّمت به ثرواتهم. وإذا سابقوا الوطني في التجارة والصناعة، سبقوه".

تسببت سياسات التأميم في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر في دفع الكثير من الأرمنيين للسفر وترك مصر، فرحل الآلاف منهم إلى أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة الأميركية، كما عاد جزء كبير منهم إلى وطنه الأصلي في أرمينيا.

حالياً، تتراوح أعداد المصريين الأرمن بين 5000 و7000، وتقوم الجالية الأرمنية بالإشراف على رعاية أفرادها، محاولةً الحفاظ على هويتها من خلال شبكة نوادٍ ومدارس وصحف ومنظمات خيرية وكنائس.

 

لبنان

وصل عشرات الآلاف من الأرمن إلى لبنان في بدايات القرن العشرين. وفي عام 1936 أُتيحت لهم الفرصة للحصول على المواطنة اللبنانية بعدما فتح الفرنسيون باب التجنيس في لبنان. بناء على تلك الخطوة، تحول الأرمن من لاجئين إلى مواطنين كاملي المواطنة.

على مدار عقود متواصلة، تمكن الأرمن من الحفاظ على خصوصيتهم من خلال استخدام اللغة الأرمنية، والالتحاق بالمدارس الأرمنية، والانتظام في سلك الكنيسة الأرمنية، سواء كانت كاثوليكية أو أرثوذكسية. وتعتبر جامعة "هايغازيان" التي تأسست في لبنان سنة 1955 الجامعة الأرمنية الوحيدة في الشرق الأوسط.

في أواسط السبعينيات، وصل عدد الأرمن في لبنان نحو 300 ألف نسمة، لكن الحرب الأهلية الطويلة في لبنان وما نتج عنها من أوضاع متردية، أدت إلى تراجع هذا العدد لحوالي 140 أو 150 ألف نسمة.

في أغسطس 2020، تأثرت الأقلية الأرمينية في لبنان بشكل سلبي بالانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت، حيث دمر الانفجار عدداً كبيراً من الأحياء والبلدات التي يقطنونها مثل مار مخايل ونور هاجين وبرج حمود والأشرفية. هز هذا الانفجار المجتمع الأرمني، ولحق التخريب بما يقرب من 1500 شركة ومتجر أرمني.

على الصعيد السياسي، يُقدَّر إجمالي عدد الناخبين الأرمن في لبنان رسميًا بنحو 105 آلاف ناخب، موزّعين بشكل أساسي بين 85 ألفا من الأرمن الأرثوذكس و20 ألفا من الأرمن الكاثوليك.

وتوجد العديد من الأحزاب السياسية الأرمينية، مثل حزب "الاتحاد الثوري الأرمني"، وحزب "الهنشاك"، وحزب ا"لطاشناق"، وحزب "الرامغافار".

رغم اندماجهم في المجتمع اللبناني، لم ينس الأرمن أصولهم. ففي 2020، وبالتزامن مع اندلاع الصراع الأرمني الأذربيجاني حول منطقة ناجورنو قرة باغ، وضح الحس القومي الذي ربط الأرمن اللبنانيين بوطنهم الأم، حيث ذكرت بعض التقارير أن الأرمن أرسلوا المساعدات المادية والمالية لأرمينيا، كما التحق بعضهم بالقوات الأرمينية للمحاربة في جبهة القتال.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

رجل عربي من البدون في منطقة صحراوية غرب منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية.
رجل عربي من البدون في منطقة صحراوية غرب منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية.

بحسب تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن هناك 10 ملايين شخص على الأقل بدون جنسية حول العالم. تبدو تلك المشكلة حاضرة بشكل لافت للنظر في منطقة الخليج العربي، حيث يعيش عشرات الآلاف من عديمي الجنسية/ البدون في كل من السعودية والكويت والإمارات وقطر والعراق.

بشكل عام، تُطلق تسمية البدون على مجموعة من القبائل العربية البدوية التي عاشت في مناطق صحراوية على أطراف السعودية والكويت والعراق. وترجع أصول غالبيتهم إلى بادية الشام. بعد تأسيس الدول الخليجية الحديثة، لم يحصل هؤلاء على الجنسية لأسباب مختلفة، وبقيت مشكلتهم قائمة على مدار السنوات المتعاقبة.

 

الكويت

تعود أصول البدون في الكويت إلى بادية سوريا والأردن والعراق. وينتمون في الأساس إلى مجموعة من القبائل العربية الكبيرة مثل شمر وعنزة. بدأت مشكلتهم في خمسينيات القرن العشرين، عندما صدر قانون الجنسية الكويتي في سنة 1959م. والذي فرّق بين المواطنين الكويتيين الأصل والمنشأ، والوافدين القادمين من مناطق مجاورة.

بشكل عام، تمتع "البدون" بالمساواة مع المواطنين الكويتيين منذ سنة 1961م وحتى سنة 1991م. بعد الغزو العراقي للكويت، وجهت أصابع الاتهام للبدون العراقيين الأصل، وتم اتهامهم بالخيانة ومساندة نظام صدام حسين. بعد تحرير الكويت، تم عزل العديد من البدون، وفقدوا الكثير من المميزات الاجتماعية والاقتصادية. 

حالياً، تذكر البيانات الحكومية الرسمية إن 85 ألفاً على الأقل من البدون يعيشون في الكويت، لكن النشطاء يقولون إن العدد يزيد عن ذلك بكثير.

في سنة 2000م، ومع تفاقم أزمة البدون، أصدر مجلس الأمة الكويتي قانوناً ينص على تجنيس ألفي شخص من "البدون" سنوياً، ممن يقيمون في الكويت منذ 1965 على الأقل. لكن لم تُفلح تلك المحاولة في القضاء على الأزمة. اعتاد البدون الكويتيون على تنظيم المظاهرات المطالبة بالحصول على حقوقهم في الجنسية الكويتية من حين إلى آخر.

في السنوات الأخيرة، تصاعد زخم الاحتجاجات من جانب البدون الكويتيين بالتزامن مع دعمهم من قِبل العديد من النشطاء والمنظمات الحقوقية. في ديسمبر 2021م، تجمع نحو مئتي متظاهر في ساحة الإرادة مقابل مبنى مجلس الأمة الكويتي في وقفة احتجاجية سلمية دعماً لمطالب البدون. في مارس 2022م، أُعلن عن بدء إضراب مفتوح عن الطعام للمطالبة بـ "الحقوق الإنسانية الأساسية" للبدون في الكويت. وأثار الإضراب موجة تعاطف واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. في أغسطس 2023م، نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً عن معاناة بدون الكويت.  جاء فيه إن الحكومة الكويتية تمارس التمييز ضد أطفال البدون "وذلك من خلال تقاعسها في توفير التعليم المجاني". وبيّن التقرير كيف أن الحكومة تُجبر أطفال البدون على دفع رسوم التعليم الخاص الذي يعدّه الآباء والأمهات والأطفال دون مستوى التعليم في المدارس الحكومية المجانية التي يلتحق بها المواطنون الكويتيون. في الشهر الماضي، سلطت الأضواء على قضية "البدون" في الكويت من جديد، وذلك بعدما أعلنت وزارة الداخلية الكويتية عن "وقف جواز سفر رقم (17) "الخاص بالمقيمين بصورة غير قانونية" وهم عديمو الجنسية "البدون" باستثناء الحالات الإنسانية مثل العلاج والدراسة.

 

السعودية

تشكّل البدون في السعودية من القبائل البدوية التي عاشت حياة الترحال في شمال وجنوب المملكة العربية السعودية، ومن الجاليات الإسلامية التي هاجرت من آسيا إلى شبه الجزيرة العربية في بدايات القرن العشرين، واستوطنت فيما بعد في غرب السعودية.

في سبعينيات القرن العشرين، أُتيحت الفرصة لإعطاء هؤلاء الجنسية السعودية. غير أن أغلب البدون تجاهلوا الأمر بسبب انشغالهم بالحياة البدوية، أو لعدم معرفتهم بفتح باب الحصول على الجنسية. تسبب ذلك في عدم حصول أبناء وأحفاد تلك الفئات على الجنسية السعودية حتى الآن.

في السنوات الأخيرة، أشارت بعض التقارير الصحفية إلى المعاناة الشديدة التي يلاقيها البدون السعوديون في شتى مناحي الحياة، وخصوصاً فيما يخص المسكن، والاوضاع الاجتماعية، والتعليم، والزواج. في هذا السياق، بُذلت بعض المجهودات لحل مشكلتهم. ومن ذلك، صدور مرسوم ملكي في العام 2000م يقضي بمنح الجنسية لقبائل شمر وعنزة وبني خالد والأساعدة. وفي سنة 2012م، كشفت وزارة الداخلية عن خطة حكومية لقرب إصدار نظام لتجنيس البدون، الأمر الذي تحقق بشكل جزئي في سنة 2014م، عندما أصدرت المديرية العامة للجوازات السعودية بطاقات خاصة للبدون لتسهيل إجراءاتهم.

على الرغم من تلك المجهودات، لم تنته أزمة البدون السعوديين. في سنة 2015م، اعترفت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بأن إجراءات تصحيح وثائق البدون بطيئة جداً وأن الإشكالات ستتوسع إذا ما تأخر حسم هذا الملف. بعدها بسنتين، نشرت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان تقريراً حول "الحرمان من الجنسية في السعودية"، خلص إلى أن "معاناة البدون في السعودية انطوت على العديد من التجاوزات والانتهاكات والتمييز العنصري".

الإمارات

تعود أصول العديد من البدون في الإمارات إلى مجتمعات البدو أو المهاجرين الذين سكنوا البلاد قبل تشكيل الدولة في سنة 1971م، ولم يجرِ تسجيلهم وقتها لنيل الجنسية. 

بشكل عام، يجد البدون الإماراتيون صعوبات عدة في استخراج شهادات الميلاد والوفاة، وفي توثيق عقود الزواج والطلاق، كما أنه لا يحق لأبنائهم الالتحاق بالمدارس الحكومية.

في 2006م، كشفت وزارة الداخلية الإماراتية عن قرب حل قضية البدون. وفي سنة 2008م، عملت الإمارات على إيجاد حل بديل لأزمة البدون الذين يعيشون على أراضيها. عقدت إمارة أبوظبي اتفاقاً مع دولة جزر القمر الواقعة شرقي أفريقيا. بموجب هذا الاتفاق قامت الحكومة الإمارتية بشراء وثائق هوية وجوازات سفر للبدون، ووزعتها عليهم. مع إعطائهم الحق في الإقامة على الأراضي الإمارتية، ووعدهم بمنح العديد من التسهيلات والامتيازات. ذكرت بعض التقارير الصحفية أن جواز السفر القمري الواحد بلغت كلفته 4 آلاف يورو، وأن الحكومة الإمارتية دفعت ما لا يقل عن 200 مليون يورو كتكلفة إجمالية.

 

قطر

تختلف مشكلة البدون في قطر عنها في باقي الدول الخليجية. تعود تلك المشكلة إلى سنة 1995م، عندما تمت الإطاحة بأمير قطر آنذاك، خليفة بن حمد آل ثاني، في انقلاب قام به نجله حمد بن خليفة آل ثاني. حاول خليفة بن حمد وقتها ان يسترد السلطة بمساعدة قبائل آل مرّة. فشلت المحاولة، وتحمل الطرف الخاسر ضريبة الهزيمة. في سنة 2005م جرّدت الحكومة القطرية الآلاف من أبناء قبائل آل مرّة، من جنسياتهم، وأصبح وضعهم القانوني مشابهاً لأوضاع البدون في السعودية والكويت والإمارات.

منذ ذلك الوقت، حُرم العديد من آل مرّة من الحصول على الوظائف، ومن تلقي الرعاية الصحية المجانية، كما فُرضت الكثير من القيود على التعليم والزواج وفتح الحسابات المصرفية. في أغسطس 2021م، زادت معاناة آل مرّة بعدما أقرت الدوحة قانون الانتخابات البرلمانية الجديد. بموجبه حُرم الآلاف من آل مرة من الاقتراع أو الترشح. بعدما اقتصر حق المشاركة في الانتخابات على القطريين "الأصليين" فحسب.

أعيد افتتاح آيا صوفيا كمسجد في الرابع والعشرين من يوليو سنة 2020. أقيمت صلاة الجمعة في هذا المكان التاريخي للمرة الأولى منذ 86 سنة كاملة.
من النظام الملّي إلى "الخط الهمايوني".. كيف عاشت الأقليات المسيحية تحت الحكم العثماني؟
اتسمت العلاقة بين النبي والمسيحيين بالود والتسامح في أغلب فتراتها. رغم من ذلك، لم تبق العلاقة بين الحكومات الإسلامية المتعاقبة وبين الرعايا المسيحيين هادئة دائماً، خاصة تحت حكم الدولة العثمانية.

العراق

تختلف مشكلة معدومي الجنسية في العراق عنها في منطقة الخليج. يُعدّ الأكراد الفيليون الذين قدموا إلى العراق من بعض أنحاء إيران في القرن السادس عشر الميلادي أبرز النماذج المعبرة عن تلك المشكلة.

خلال الحرب الصفوية- العثمانية، نزحت عوائل الكثير من الجند الفيليين -الذين كانوا يحاربون في صف الصفويين- إلى العراق في صورة هجرات بشرية متتابعة. استقرت تلك العوائل في العراق رغم استعادة العثمانيين السيطرة على المنطقة. وهكذا صار الفيلييون متواجدين بشكل كثيف في غربي إيران وشرقي العراق. 

عند تأسيس المملكة العراقية في عام 1921م وبموجب اتفاقية تخطيط الحدود العراقية - الإيرانية تم إلحاق مناطق واسعة من الأراضي الكردية الفيلية بالعراق، ليصبح الفيلييون عندها إحدى المكونات البشرية المهمة في التكوين الفسيفسائي للشعب العراقي. تمركز الفيلييون بشكل رئيس في خانقين، وجلولاء، وبعقوبة، والكوت، والكميت. هذا إلى جانب تواجد بعض تجمعاتهم في كل من بغداد، والسليمانية، وأربيل، وكركوك، والكوفة، والنجف، وكربلاء، والبصرة.

بدأت محنة الأكراد الفيلين في العراق في النصف الأول من القرن الماضي. فرّق قانون الجنسية العراقي بين المواطنين الذين يعودون إلى أصول إيرانية والمواطنين الذين يعودون إلى أصول عثمانية. بموجب هذا القانون أصبح الفيلييون مواطنين من الدرجة الثانية. وتم البدء في تهجيرهم إبان حكومتي رشيد الكيلاني ونوري السعيد. 

تصاعدت وتيرة التهجير في حكومتي عبد السلام عارف وأحمد حسن البكر. ووصلت تلك الوتيرة إلى ذروتها في زمن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في الفترة الواقعة بين سنتي 1970 و2003م. 

في سنة 1980م -وبالتزامن من اندلاع حرب الخليج الأولى ضد إيران- أصدر صدام حسين القرار رقم (666)، والذي نص على "إسقاط الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل أجنبي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة وتخويل وزير الداخلية صلاحية إبعاد كل من أسقطت عنه الجنسية العراقية ما لم يقتنع بناءً على أسباب كافية بأن بقاءه في العراق أمر تستدعيه ضرورة قضائية أو قانونية". 

بموجب هذا القانون جُرد الفيلييون من الجنسية العراقية وتمت مصادرة أموالهم وممتلكاتهم ووجهت لهم اتهامات بالخيانة والعمالة لإيران.

بحسب بعض المصادر الفيلية، وصل عدد المهجرين في تلك الفترة إلى ما يقرب من 600 ألف فيلي، وتم إرسالهم إلى الحدود مع إيران. رغم مرور عشرات الأعوام على وقوع تلك الحوادث المؤسفة، لا يزال الآلاف من الفيليين المُهجّرين يعيشون في أوضاع معيشية سيئة في الأماكن التي خصصتها لهم الحكومة الإيرانية في مخيّمي ازنا وجهرم في لرستان الواقعة في غربي إيران. لم تُحل مشكلة هؤلاء اللاجئين المُهجرين حتى الآن رغم مرور ما يقرب من عشرين عاماً على سقوط نظام صدام حسين.